تداعيات انفصال الجنوب السوداني المحلية الإقليمية والدولية

  • 30 -4 - 2011
  • محمد العقيد محمد أحمد


محمد العقيد محمد أحمد 

انفصال جنوب السودان الذي أصبح واقعاً بعد استفتاء 2011م؛ وصفه الرئيس التشادي بأنه كارثة على إفريقيا كلها, فما من دولة إفريقية إلا وفيها شمال وجنوب ومسلمون ونصارى، فهو يحمل في طياته من التداعيات أكثر مما هو متوقع في الحسابات العجلة لمنطلقات محدودة آناً ومكاناً، وليس من إنكار لما ينطوي عليه من يسير إيجابيات, يعظّمها دعاة الانفصال لحجب رؤية مخاطره ومهدّداته وسلبياته.

تقوم دولة الجنوب خصماً على مقومات كيان السودان وعناصر قوته، وبخاصة دوره الحضاري وموقعه الاسـتراتيجي، وثرواته، وهو ما يستدعي إعادة النظر في جميع العناصر التي تتمثّل في الجغرافيا، والموارد الطبيعية, والسكان, ومستوى النمو الاقتصادي والصناعي، ودرجة التطور التقني، والقدرات العسكرية، وكفاية المؤسسات السياسية والدبلوماسية والأمنية.

 الآثار السالبة أخذت تتداعى قبل الانفصال, وتلاحقت بعد إعلانه، في كل الجوانب, في الشمال والجنوب، مع جملة من القضايا العالقة التي تشكّل مصادر لتهديدات ومخاطر عديدة.

لقد ظل جنوب السودان محوراً رئيساً في السياسة الاستعمارية، وفيما أعقبها من فترات، وشكّل في ظل الوحدة عاملاً محدِّداً للترتيبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأمنية والعلاقات الداخلية والخارجية، وقد أخذت جميعها تفقد توازنها بدخول متغيّر «الانفصال».

التداعيات المحلية الإقليمية والدولية لانفصال الجنوب السوداني:

سياسياً: احتدم الجدل الدستوري والقانوني حول شرعية النظام القائم في الشمال بعد الاستفتاء، فقد تجمعت أحزاب المعارضة تحت مسمّى «مؤتمر السودان»، ودعت إلى حكومة انتقالية, وعقد مؤتمر دستوري, والاتفاق على برنامج وطني, وإجراء انتخابات تؤسس لجمهورية برلمانية مدنية قائمة على التداول السلمي للسلطة، «وطالبت بعض قياداتها بأن تمثل رئاسة الجمهورية بكل أقاليم السودان، ونادت بتقليص الولايات إلى 6 مديريات...»(1), وهدّدت بسياسة المواجهة لـ «تغيير النظام» إن لم تتم الاستجابة  لمطالبها.

من جانبه دعا النظام القائم - ضماناً لاستمرار هيمنته وتجنباً للمواجهة - إلى توسيع قاعدة الحكومة القائمة، في مقابل مطالبة المعارضة بحكومة قومية، وأعلن عن اتجاهه إلى إعادة هيكلة الحكم على المستوى الاتحادي والولائي، إضافة إلى تعديلات واسعة في الدستور الانتقالي الحالي، وإعادة النظر في قانون الحكم المحلي وأوضاع المحليات، وجاءت في هذا الإطار «دعوة رئيس الجمهورية لتشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة، وهي تتضمن الموافقة مبدئياً على تغيير الدستور، الذي ربما يخضع لاستفتاء شعبي» (2), وهي وعود تشكّك المعارضة في مصداقيتها.

أما الجنوب السوداني؛ فقد أعلنت الحركة الشعبية عن الاتجاه لتشكيل حكومة قومية بعد الانفصال، تمثّل كل الأحزاب بما فيها المؤتمر الوطني لإدارة الجنوب.

وتتجه المعارضة الجنوبية - بعد أن فقدت شريكها السابق (الحركة الشعبية) - إلى توثيق علاقتها بالحركات المسلحة في دارفور، وهو ما يقوي موقف هذه الحركات التي اتجه بعضها نحو الحركة الشعبية، مثل حركة العدل والمساواة، وحركة أركو مناوي، وانشق بعضها عن الحركة، كأبناء جنوب دارفور (جبال النوبة) الذين كوّنوا جيشاً مستقلاً باسم (جيش الإصلاح الديمقراطي - جاد).

وليس مستبعداً، مع تطور الأحداث، وتوجهات القوى السياسية الخارجية، والمعارضة داخلياً, اتفاق كل هذه الأطراف على مواقف (سياسية وعسكرية) داعمة لتحقيق أهدافها المشتركة.

أما السياسة الخارجية فهي بحاجة إلى إعادة النظر, فقد انفصل الجنوب، واختلفت قائمة «دول الجوار»، ولذلك آثاره في العلاقات مع الدول, والمنظمات الدولية, والاتفاقيات السابقة في ظل المعاهدات والقوانين الدولية.

اقتصادياً: عدم الاطمئنان للنشاط الاقتصادي أثّر سلباً في استقراره، عبّر عن ذلك محافظ البنك المركزي في حديثه حول سياسات البنك للعام 2011م؛ موضحاً أن البنك سيكثّف جهوده لعودة الاستقرار الاقتصادي، وتوفير السيولة، واستقرار أسعار الصرف، وتخفيف التضخّم، بالتنسيق مع سياسات وزارة المالية(3).

بعض خبراء المال أبدوا مخاوفهم من انهيار اقتصادي في الشمال بعد الانفصال؛ محذّرين من ارتفاع التضخم، والركود، وتباطؤ النمو الاقتصادي(4).

إن تحوّل السودان من دولة معتمدة على البترول؛ سيؤدي إلى زيادة تكاليف الزراعة والصناعة، فزيادة أسعار المحروقات قد تؤدي إلى ترددات انكماشية للاقتصاد، كما أن استيراد المواد الغذائية بتكلفة عالية تجعل السودان يستورد التضخّم في ظل التضخّم الحالي في البلاد.

لقد أذكت مآلات الاستفتاء والانفصال روح المضاربة في السوق، ويُتوقع أن تضرب الفوضى الأسواق نتيجـة لتقديرات يضعها كبار التجار في تسعير السلع دون الالتزام بتوجيهات النسب التي أقرتها وزارة المالية، ولضعف آلية المراقبة على السوق, وشح النقد الأجنبي، وارتفاع أسعار الدولار في السوق الأسود الذي يتحكم في العملات.

وأدى تأخر الإجراءات التصحيحية إلى اختلال في الميزان الخارجي، والنقد الأجنبي, وتحتاج وزارة المالية إلى أن تلعب بأوراق أخرى توفر بها الموارد؛ من بينها: طرح صكوك حكومية، وفرض ضرائب على القطاع المالي وسوق الأوراق المالية، وقد ذكر(5) وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي أن جميع القطاعات ستتأثر ولا خيار في ذلك, فهنالك جزء من البلد انسحب أو انفصل، وكان يشارك في الموارد والميزانية, فنحن ندفع ثمن الانفصال.

اتخذت الحكومة عدداً من الإجراءات الصارمة، بعضها يتعلق بضبط الصرف بالعملة الأجنبية،  كما اتخذ البرلمان حزمة إجراءات - ذكر أنها  ليست الأخيرة -، منها الزيادات في أسعار بعض السلع؛ بغرض الوصول إلى موارد حقيقة لسد الفجوة، وعدم زيادة معدلات التضخّم، إضافةً إلى تفعيل قانون تنظيم المنافسة, ومنع الاحتكار للعام 2009م، وأصدر نائب رئيس الجمهورية قراراً متشدداً بإمهال الشركات والمؤسسات التابعة للحكومة 72 ساعة لنقل حساباتها للبنك المركزي؛ وإلا جُمِّدت كل حساباتها، ونوّه إلى خطوات لإصلاح أجهزة الدولة، وقرارات ستصدر بتصفية الشركات وإصلاح الهيئات، إضافة إلى تخفيض رواتب كبار المسؤولين، وتقليص بعض الهياكل والوظائف.

وقد «حظرت سياسات البنك المركزي تمويل بعض القطاعات والأنشطة لأغراض تمويل شراء العملات الأجنبية، وشراء الأسهم والأوراق المالية والتمويل لسداد عمليات تمويلية قائمة أو متعثرة، كما حظرت جميع المصارف من تمويل بعض الجهات, مثل الحكومات المركزية والولائية والمحلية والشركات والهيئات العامة المركزية والولائية التي تمتلك فيها الدولة أسهماً بنسبة 20% أو أكثر»(6). وبالرغم من ذلك تجد الحكومة صعوبة في المعالجات بحسب ما أقرّ به وزير المالية في مؤتمر صحافي.

 اجتماعيـاً: معطيات الواقع الاجتماعي وعلاقاته في بعدها النفسي ووشائجها، ومكونات نسيجها من المؤسسات والنظم الاجتماعية, كالأسرة والقبيلة والطبقات الاجتماعية ونظم القيم والأخلاق الاجتماعية، وتفاعل العروبة بالإفريقية والإسلام، تتعرض هي الأخرى لتداعيات في ظل انفصال محتقن بالجفاء ومرارات الحرب والأحقاد التي زرعها الاستعمار وغذتها الكنائس، ويُتوقع للعملية التاريخية الاجتماعية التي كانت تتجه نحو المزيد من النضج أن يتوقف نضجها، وتتسع الفجوة النفسية، ويزداد التباعد الاجتماعي بين الشمال والجنوب.

يصوّر أحد التجار الشماليين حياتهم بالجنوب، حيث «تم الاختلاط والتزاوج، ونتج نسيج اجتماعي شهد عليه المستعمر السابق، وكان لهؤلاء التجار دور اجتماعي آخر ومهم؛ حيث إنهم - في غياب تام للجنوبيين - تولوا مهمة تطوير وازدهار المدن الجنوبية، وساهموا بقدر كبير في مشروعات التنمية والزراعة رغم الحروب المتوالية... وما كانوا يشعرون بأنهم جسم غريب، ولا أن الجنوب وطن آخر غير وطنهم»(7).

يؤكد بعض الناس ضرورة حفظ هذه الروابط الاجتماعية بوصفها الجسر الأقوى للتواصل مهما كانت نتيجة الاستفتاء، وأن «ما يمكن أن يتم التوصل إليه من اتفاقات شاملة في إطار رؤية متكاملة لتطبيع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين الدولتين في أعقاب انفصال الجنوب عن الشمال، وبخاصة في قضايا الجنسية، وحقوق التنقل والتداخل الاجتماعي عبر الحدود المشتركة، وعمليات لم شمل الأسر بين الدولتين, سيؤمن الاستقرار والتواصل بين الدولتين في القضايا الاجتماعية»(8).

في هذا الإطار جاءت الدعوة إلى ضرورة كفالة الدولتين للحريات الأربع: (الإقامة، التملك، العمل, التنقل) للمواطنين بين شمال السودان وجنوبه؛ حتى لا تتأثر الدولتان اقتصادياً واجتماعياً بمآلات الانفصال, والقرار في ذلك يتوقف على ما يحصل من قناعات لدى الطرفين بشأنها، وقوانين تنظيمها. 

أمنيــاً: فيما يُتوقع من تفجر صراعات داخلية، بسبب التنازع على السلطة والثروة بين القوى المحلية, قبلية كانت أو سياسية في الشمال والجنوب، فإن «هنالك مهدّدات غير متنبأ بها تحديداً؛ بتأثير الموروث السياسي السالب, وتداعيات قيام دولة الجنوب بظروفها البيئية والسكانية والسياسية، وقد يحوِّل ذلك الجنوب إلى مصدر تهديد خارجي؛ خاصة وأن بعض القوى الداخلية والخارجية تعمل على تعميق الجراحات القديمة؛ لتوليد توجهات سالبة في العلاقات المستقبلية بين الشمال والجنوب.

الأغراض السياسية والمطامع الاقتصادية لبعض دول جوار الجنوب ستنعكس سلباً على أوضاع الجنوب وسكانه, والاختلاف حول المسائل العالقة والترتيبات الأمنية وتنفيذها يهدد استدامة السلام»(9)؛ كما صرحت بذلك حكومة الجنوب.

كما أن التدهور الأمني بالجنوب يثير قلقاً وسط المراقبين الدوليين والإقليميين، ويقود إلى تخوّف دول الإقليم من انتشار العنف وتدفقه عبر الحدود, يؤكد الدكتور محمد السيد سليم أستاذ في العلوم السياسية والعلاقات الدولية أن «انفصال جنوب السـودان... سيكون مقدمة لسلسلة من التقسيمات والنزاعات التي ستطال جنوب السودان، والسودان، وباقي الدول العربية»(10)، وقد سبق أن أبدت الكنغو «عبر رسالة خطية مخاوفها من تداعيات سالبة، قالت إنها ستترتب عليها إذا انفصل الجنوب»(11)، وحسابات الوضع الداخلي للدولة الإثيوبية المتداخلة مع تعقيدات حسابات الأوضاع الإقليمية؛ تشكّل في مجملها محاذير ومخاوف من انتقال العدوى إليها.

محليـاً: ارتفعت حمّى التصريحات والتهديدات من كل الأطراف, فقد استبطن تصريح رئيس حزب الأمة «بأن التغيير أكبر من كل طاغوت» تهديداً للنظام، في الوقت الذي أعلنت فيه قيادة الشرطة عن حشد (17,500) من أفرادها للمحافظة على الأمن والنظام في الخرطوم، وقد تصدّت بعنف لبعض بوادر التظاهر.

وفي الجنوب تحول 60 ألفاً من استخبارات الجيش الشعبي إلى قوات شرطية لحماية الاستفتاء، ويصف رئيس المجلس الأعلى للمسلمين السلطان عبد الباقي الانفصال ومهدداته الأمنية بأنه لا يمثل أزمةً للمسلمين فقط؛ «لأن القضية وإن كان يحركها العامل الطائفي بأن يكون الجنوب دولةً مسيحيةً ضد الدولة المسلمة في الشمال، لكن ما سيحدث على الأرض من فوضى وعدم استقرار سوف يضرب الجنوب كله، الذي تسيطر عليه القبائلية، فلو حدث انفصال فسوف يتحول جنوب السودان إلى صومال جديد»(12).

وحذّر رئيس الاستخبارات الخارجية السابق في الجيش الشعبي من إنشاء دولة بوليسية في الجنوب بعد الاستفتاء في حال اختار مواطنوها الانفصال، مشدّداً على أن أكبر مهدّدات الدولة الجديدة هي (المحسوبية, والفساد, والقبلية)(13)، وقد تناقلت وكالات الأنباء في الفترة الأخيرة الاشتباكات التي جرت مع مجموعة تابعة للقائد جورج أتور في ولاية جونقلي الجنوبية، «وقُتل فيها ما يزيد عن مائتي شخص وإصابة العشرات»(14)، وأحدثها اشتباك لقي فيه 17 جندياً حتفهم في قتال بين مجموعتين داخل الجيش السوداني؛ بسبب الخلاف بشأن تطبيق الترتيبات المتعلقة باتفاقية السلام الشامل(15).

الأمن الإنساني والأمن الغذائي يشكّلان أيضاً هاجساً أمنياً في الجنوب, فقد اعتبرت بعض المنظمات أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والعودة المرتقبة إلى جنوب السودان للاجئين «يهدّدان الأمن الغذائي في البلاد»(16), يُضاف لذلك عدم وجود البنى والخدمات، وضعف الإدارة، وقلة الكفاءات والخبرات التي تقوم على خدمة الإنسان.

الاسـتفتاء: عملية غاب عنها الأمن والحرية والنزاهة, فقد جرت عمليات تزوير، وقُدّمت إغراءات، ومورس ضغط، بل حُرمت بعض القبائل من التصويت في الجنوب، وطال الاعتداء أنصار الوحدة، ففي خبر أوردته صحيفة «آخر لحظة» - بتاريخ الاثنين, 17 يناير 2011م -: شكّكت منظمة مواطني العالم في سير عملية الاستفتاء... وأكدت تدخل موظفي الاقتراع وتأثيرهم في الناخبين، وبخاصة الأميون، ووصفت الخطوة بالخطيرة, وأنها تمسّ مصداقية العملية, ويؤكد السلطان عبد الباقي زعيم سلاطين المسلمين في الجنوب أن «التصويت لصالح الانفصال سيتم بالإكراه، سواء باستخدام القوة، أو المال، أو حتى التزوير»(22).

وكشف نائب رئيس المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم في برنامج «مؤتمر إذاعي» أن «أغلب موظفي التسجيل بالولايات الشمالية ضبّاط استخبارات بالحركة الشعبية، وأعضاء فيها، وكشف عن رَفع قائمة بأسماء هؤلاء الضبّاط برتبهم في الاستخبارات لمفوضية الاستفتاء، وأشار إلى أن ترحيل حكومة الجنوب للمواطنين الجنوبيين من الشمال يُضمر سوء نية»(23).

 موقف المسلمين في الجنوب، وعلاقتهم بالدولة الجديدة مستقبلاً:

طبقاً لآخر تقرير للمجلس الأعلى لمسلمي الجنوب؛ فإن نسبة المسلمين قفزت إلى 35%، تساويها نسبة اللادينيين 35%، ويليهم المسيحيون بنسبة 30%، وهي الإحصائيات التي أقلقت الكنيسة, وجعلتها توعز إلى الحركة الشعبية برفض تسجيل خانة الديانة في استمارات الاستفتاء على مصير الجنوب؛ حتى لا تظهر النسب الحقيقية للمسلمين.

يُعد إقليم بحر الغزال أكثر الأقاليم الثلاثة التي تضم مسلمين، تليه ولاية الاستوائية الوسطى، وتحديداً مدينة «جوبا» ومعظمها مسلمون، ثم يأتي إقليم أعالي النيل، وخصوصاً في منطقة أبيي التي يسكنها أكثر من مليون مسلم، منهم 600 ألف من قبيلة المسيرية، وهي القبيلة العربية الوحيدة الموجودة في الجنوب، ويمثلون فيها أغلبية؛ لذلك تدّعي حكومة الجنوب عدم أحقيتهم في المشاركة في استفتاء تحديد مصير منطقة أبيي؛ تمهيداً لضمّها للجنوب.

وقد تم تسويق الخلاف حول تبعيتها على أنه خلاف على حقول البترول، وليس خلافاً على نسبة التمثيل الديني؛ وخصوصاً مع وجود نسبة لا يُستهان بها من المسلمين من الدينكا. وبالرغم من أن «اتفاقية نيفاشا» تكفل حرية التدين، وما تم من تشكيل مجلس أعلى للمسلمين في الجنوب، وإنشاء مجلس شورى لتجمع مسلمي جنوب السودان، ويرأسه حالياً السلطان عبد الباقي زعيم سلاطين المسلمين في جنوب السودان؛ فإن الواقع يعكس مفارقات واضحة فيما يعانيه المسلمون؛ حيث الاعتداءات عليهم، وحرق ممتلكاتهم ومساجدهم، والاستيلاء على بعض مرافقهم في الجنوب من مدارس وجامعات؛ تحت دعوى «إعادة التخطيط العمراني»؛ فقد تمَّ الاستيلاء على مقر «منظمة البر»، وإزالة مساجد عتيقة، كمسجد مدينة بور، ومسجد رمبيك الذي بُني عام 1935م، والذي يعدُّ جزءاً من تاريخ المدينة.

وبالرغم من كون المسلمين أغلبية فإنهم - رسمياً - لا يتمتعون بالتمثيل المناسب لذلك في مناصب الدولة، فحكومة الجنوب ليس فيها وزير مسلم واحد، بل إن وكلاء الوزراء ليس من بينهم مسلم واحد، والحال نفسه في الولايات، وهناك إصرار على تهميش دورهم في كل المناصب والإدارات؛ حتى لا يكون لهم تأثير في اتخاذ القرار الرسمي والسياسي؛ وإلا لما كانت هناك حاجة للانفصال وقيام دولة مسيحية في جنوب السودان(24).

الانفصال.. (المستفيدون والمتضررون):

فصل جنوب السودان عن شماله له أبعاده (الدينية – الحضارية)، ويمثّل أولوية استراتيجية في حسابات القوى الاستعمارية الحديثة والصليبية والصهيونية العالمية، ويقع ضمن مخطط عزل إفريقيا العربية عن إفريقيا الزنجية لوقف انتشار الإسلام واللغة العربية جنوباً، وقد أسهمت بريطانيا بسياساتها الاستعمارية التي انتهجتها في السودان في التهيئة لذلك؛ من خلال خطة مدعومة من مجلس الكنائس العالمي لجعل الجنوب مختلفاً عن الشمال (غير عربي وغير مسلم)؛ ليحول دون المد الإسلامي من الشمال نحو عمق إفريقيا, فعملت على محاربة الإسلام واللغة العربية، وجعلت التعليم في يد الإرساليات الكنسية، ومنعت كل ما يساعد في تحقيق تقارب نفسي واجتماعي من العادات والسلوك، وكرست للفوارق البيئية والمعيشية بإهمال تنمية الجنوب وتهميشه، وهو ما أوهمت القيادات الانفصالية شعب الجنوب بأنه نتيجة لسياسة الشمال.

إن تحويل جنوب السودان إلى قاعدة للتنصير هو تتويج لحرب الكنيسة المستمرة ضد الإسلام في إفريقيا سعياً لتنصير القارة كلها، ففي بداية حركة الإرساليات النصرانية أعلن القس «دانيال كمبوني» أنه: «سيتم توفير التعليم العالي للعناصر الأكثر كفاءة، والمأمول فيهم أن يتسلموا مقاليد القيادة في بلادهم»(25), وقد نجحت في إيجاد صفوة جنوبية ذات ثقافة غربية حانقة على الإسلام بدرجة أكبر من حنق الكنيسة نفسها، وهي التي عُهد لها قيادة جموع الجنوبيين وتسييِر حركتهم الاجتماعية والسياسية إلى حيث تريدهم القوى الصليبية!

وفي خبر نقلته صحيفة الرأي العام السودانية: «البارونة كوكس مديرة منظمة «التضامن المسيحي» - التي تقود حرباً على الإسلام والمسلمين - عبّرت عن سعادتها بانفصال الجنوب قائلة: كان لنا شرف الإسهام في الوصول لما كنتم تريدون»(27).

 وأكد كبير موظفي البيت الأبيض «لام إيمانويل - يهودي الديانة-»، للأمين العام للحركة الشعبية «باقان أموم» أنهم يقفون مع الحركة حتى تحقق أهدافها التي قامت من أجلها، وأنهم سيعملون بكل جهد عبر كل القنوات السياسية والأمنية لإعادة ترتيب الأوضاع في السودان، وأن شراكة حقيقية ستربط بين الجانبين, كما أكد له السفير الإسرائيلي في واشنطن - وفقاً للمصادر نفسها - أن الحركة الشعبية تستحق أن تبذل أمريكا من أجلها قصارى جهدها لضمان تنفيذ مطالبها، خصوصاً أن المصالح الأمريكية مرتبطة بالحركة الشعبية, وأهم تلك المصالح إعادة توازن القوى داخل السودان(28).

انفصال جنوب السودان والأمن القومي الأمريكي «أفريكوم»:

 ذكر الجنرال وليم وورد قائد (أفريكوم) - في خلال لقاء بباقان أموم - أن الحركة مساهمة في أمن الولايات المتحدة؛ من خلال اهتمامها بجمع المعلومات المتعلقة بالتهديدات الجدية لأمريكا، والعمل الكبير في إطار الشراكة الاستخبارية، وأكد أن القنصلية الأمريكية في جوبا ستتكوّن بها فرقة خاصة بالأفريكوم لتغطية العمل الاستخباري، والتعاون مع الحركة بخصوص تبادل المعلومات ومعالجتها، ووعد باقان قائد أفريكوم بمناقشة التفاصيل مع القيادة السياسية للحركة بعد عودته، وتحديد كيفية إدارة ملف التعاون مع أفريكوم.

إسـرائيل: تُعد في عداد كبار الرابحين من انفصال الجنوب، يقول «افي ديحتر» وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق في محاضرة شهيرة له أمام معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي: «كانت هناك تقديرات إسرائيلية منذ استقلال السودان أنه لا يجب أن يُسمح له بأن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي... وكان على إسرائيل بمختلف أجهزتها وأذرعها أن تتجه إلى الساحة السودانية لكي تفاقم من أزماتها, وتسهم في إنتاج أزمات جديدة؛ بحيث يكون حاصل تلك الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد».

 ورِبحُ إسرائيل ثلاثي الأبعاد:

«الأول: تحقيق نجاح إضافي لاستراتجيتها الهادفة إلى تفتيت دول المحيط العربي إلى دويلات هزيلة وهزلية.

الثاني: الإفادة من عملية البناء والإنماء في الدويلة الوليدة؛ مع إمكانية اعتمادها قاعدةً عسكرية خلفية للإطلال على دول القرن الإفريقي من جهة، ولتطويق السودان من جهة أخرى.

الثالث: استخدام الدويلة الجديدة في عملية إعادة النظر باتفاقية توزيع مياه نهر النيل؛ بغية تفجير نزاعات مسلحة تجتذب مصر»(29).

ولأجل تحقيق أهدافها ومصالحها شكّلت الدول الغربية الصليبية ضغوطاً كبيرة على حكومة الشمال لدعم الانفصال، قال نائب وزير الخارجية النرويجي «أسبن بارت أيده» لرويترز: «إن الدول الغربية تركّز بشكل متزايد على الحاجة إلى وجود حوافز واضحة لشمال السودان حال الانفصال»، وأردف: «هذا يتوقف بالطبع على استعداد شمال السودان للمشاركة بطريقة إيجابية».

إقليميـاً: يجد الجنوب تأييداً ودعماً من بعض دول الجوار، وبخاصة تلك التي تدور في فلك الدوائر الصهيونية والصليبية العالمية؛ «فقد بدأ تدفق إفريقي للمشاريع من الدول المجاورة، مثل تنزانيا وأوغندا وكينيا وإثيوبيا، من أجل المساعدة في رفع سوية الاقتصاد. إن هذه الدول - تُضاف إليها إريتريا - موجهة بسياسات القوى الدولية، وبينها تنافس محموم في كسب ودّ الغرب والكنيسة وإسرائيل، كما أن لديها مصالح شخصية في فصل الجنوب؛ فهم يأملون في تأمين منطقة آمنة ما بينهم وبين ما يعتبرون أنه نظام عدواني يقوده الإسلاميون في الشمال»(30).

فأوغندا: دولة مسيحية تعادي الإسلام، وتمثّل دور الشرطي الوسيط للقوى الكبرى ذات المصالح في منطقة البحيرات العظمى ذات الأهمية الاستراتيجية؛ لذلك تؤكد حق تقرير المصير لجنوب السودان بدعمها المباشر لحركة التمرد.

كينيـا: بجانب الواقع الجغرافي والتداخل الإثني مع قبائل الجنوب؛ يدفع الحكومة ضعفُ أدائها السياسي والاقتصادي إلى أن تبحث عن دور خارجي تعزّز به الوضع الداخلي، كما أنها تشكّل قاعدة مهمة لحماية المصالح الأمريكية المشتركة في المنطقة, وهو ما يعطيها دوراً بارزاً في منطقة القرن الإفريقي؛ لذلك تفتح صدرها لحركة التمرد حتى تحصل على أكبر مكاسب من القوى الغربية وإسرائيل, وهي تؤيد الانفصال بوصفها دولة مسيحية.

 ولا يبعد الدور الإريتري والإثيوبي كثيراً عما هو الحال بالنسبة لأوغندا وكينيا، والموقع الاستراتيجي لإريتريا يزيد من أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى أنها تشكّل حاجزاً للمد الإسلامي بين السودان والصومال؛ لذلك أدّت إريتريا دوراً بارزاً في دعم حركة التمرد وانفصال الجنوب(31).

حسابات الخسائر: وأما حسابات الخسائر بانفصال جنوب السودان فيصعب حصرها، خصوصاً في تداعياتها اللاحقة، فمكاسب القوى المواجهة «قوى الصليبية العالمية والصهيونية» من الانفصال تقابلها خسارات للمسلمين والعرب والأفارقة والجنوبيين أنفسهم، وأهمها:

- فقدان أهم موقع استراتيجي يمثّل بوابة في شرق إفريقيا.

- وإضعاف التأثير الحضاري والثقافي للمسلمين ودور السودان في المنطقة.

- وتمتين الحواجز العازلة بين شمال القارة وجنوبها للحيلولة دون تواصلها الحضاري والثقافي.

- قرابة 30% زاخرة بالقوى البشرية والثروات الطبيعية يفقدها المسلمون والسودان.

- تمكّن الصهيونية والصليبية وأمريكا من جنوب السودان، وإحكام السيطرة على القرن الإفريقي والبحر الأحمر, وتطويق العالم العربي، وهو ما يحقق أمن إسرائيل.

- تهديد «إفريقيا» بإمكانية  تكرار الانقسامات.

- مسلمو جنوب السودان، وعلاقاتهم - ليس بشمال السودان وحده، بل بالعالم الإسلامي كله - ستخضع لمراقبة أكثر من دائرة، كما أنهم مواجهون بسياسة الإقصاء والعزل لإضعاف تأثيرهم وتصفية وجودهم سلمياً؛ حتى يكون الجنوب منطقة عازلة، وقاعدة للتنصير.

- قبائل التماس بين الشمال والجنوب يُتوقع أن تدفع الثمن أكثر من غيرها, فسيتم جرّها والزج بها في صراعات مسلحة بالوكالة, وربما خسر الجنوب نفسه أمنه واستقراره.

القضايا العالقة كثيرة تشكل تهديدات وتحديات للمرحلة القادمة، ومن أهمها:

الديون الخارجية: الديون الخارجية على السودان تجاوزت (40) مليار دولار تقريباً بنهاية 2010م، ويمثّل صندوق النقد الدولي، والولايات المتحدة الأمريكية، والنمسا، والكويت، والسعودية، الصين أبرز الدائنين.

وقد استُغلت هذه الديون بجانب العقوبات المفروضة على السودان للضغط عليه لضمان تحقيق ما بقي من أجندة بشأن القضايا العالقة بعد الاستفتاء، أهمها: دارفور، وأبيي، وجبال النوبة، وأعالي النيل الأزرق، حيث صرح باري واكلي - القنصل الأمريكي في جوبا - أن بلاده «ترهن رفع العقوبات عن السودان بإنفاذه مطالب واشنطن كافة»(32), وقد عرضت دول غربية على السودان حوافز اقتصادية تتضمن رفع العقوبات الأمريكية وإعادة دمجه في البنك الدولي حال انفصال جنوب السودان، وربطتها «باستعداد شمال السودان للمشاركة بطريقة إيجابية»؛ كما قال نائب وزير الخارجية النرويجي «أسبن بارت أيده» لرويترز.

وصف مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية قضية إلغاء ديون السودان بالأمر المعقد، ورأى أنّ الخطوة الأولى تتمثل في اتفاق الشمال والجنوب على نصيب كل واحد منهما من تلك الديون، «ثم تبدأ اتصالات دولية معقدة»، منوّهاً إلى أنّ رفع العقوبات سيستغرق ربما سنوات(34). تجدر الإشارة إلى أن تخفيض الديون يتطلب ما بين ثلاث إلى أربع سنوات على الأقل قبل أن يستوفي السودان شروط تخفيض الديون الأجنبية عليه.

من القضايا الملحة لبحث مسألة الديون بعد انفصال الجنوب، وموافقته على قسمتها، أنه يجب على حكومته أن تصير عضواً في المنظمات المالية العالمية قبل بحث نصيبها من الديون، والذي يحدّد بناء على تقييم قدرة كل جانب على دفع الديون. وتؤكد تحليلات بعض الخبراء أهمية النظر إلى أن بالسودان نوعين من الاقتصاد: اقتصاد متحرك ومتنوع في الشمال، وآخر راكد في الجنوب، يعتمد (اعتماداً كاملاً) على النفط.

العملـة: أكد د. صابر محمد الحسن محافظ بنك السودان المركزي وجود مقترح لإقامة اتّحاد نقدي بين الشمال والجنوب في حالة الانفصال. وقد رجح بعض الخبراء أنه لصعوبة اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة؛ فإنه يلزم أن يبقى التعامل في الجنوب بالعملة السائدة الآن (الجنيه السوداني) إلى حين إصدار عملة جديدة خاصة بدولة جنوب السودان، وهو ما يدعم الاتجاه نحو الاتفاق لاستمرار التعامل بالعملة الحالية في الجنوب، وربما إقامة اتحاد نقدي بين الشمال والجنوب، إلا أنه في أحدث تصريح لمحافظ البنك المركز تأكد أن موقف الجنوب قد سار بالأمور في الاتجاه المغاير لذلك؛ حيث كشف عن وجود لجان مشتركة من الشمال والجنوب للتعامل في القضايا المصرفية والمالية والاقتصادية لدى إعلان نتائج الاستفتاء ونتيجة الانفصال كما هو متوقع، لتسيير عملية الانتقال من دون مشكلات للجنوب أو ضرر للشمال.

قسمة الأصول الحكومية: يُذكر أن مسألة تقسيم الأصول تُنظم بمقتضى «اتفاقية فيينا» حول توارث الدول للديون والأصول والأرشيف لسنة 1983م، لكنها لم تدخل بعد حيز التنفيذ, وعليه - في مجال تقسيم الأصول سواء كانت الأصول الثابتة أو منقولة - يمكن الاستفادة من التجارب والسوابق القانونية والمعاهدات والأعراف وأحكام المحاكم الدولية في هذا المجال؛ بعد حصر ما لم  يتم حصره حتى الآن.

 وقال الجانبان إنهما سيقضيان الشهور القادمة في العمل بشأن كيفية اقتسام إيرادات النفط، وأصول أُخرى، بالإضافة إلى عبء الديون الوطنية.

النفـط: يُعد عاملاً رئيساً لصافي الاحتياطات العالمية للاقتصاد السوداني (NIR)، ويمثل 95% من صادرات السودان وفقاً للسنوات الخمس الأخيرة.

إن فقدان الشمال 50% من صافي إيرادات النفط المنتج في جنوب السودان تترتب عليه نتائج خطيرة بالنسبة للماليات العامة في الشمال وعلى الواردات المهمة، إضافة إلى التضخّم والتوظيف، وينعكـس على نسبة الإجمالي الكلي للنمو الاقتصادي, وهو ما يقود إلى تخفيض الصرف على الخدمات كالأمن، والصحة والتعليم، وزيادات على الضرائب والجمارك وأسعار السلع، وذلك يؤثر في الاستقرار السياسي والاجتماعي, كما أن  فاقد الإيرادات بالنسبة لشمال السودان سيكون مكسباً للجنوب.

وبشأن البترول يتم الاتفاق على ما يلي:

المسائل المتعلقة بتحديد الآبار والحقول المنتجة لدى كل طرف.

تسوية الالتزامات والحقوق تجاه الشركات القائمة بإنتاج البترول في الحقول المشتركة.

التوافق على سعر تفضيلي للخام المنتج في الجنوب والمسلم لمصفاة الخرطوم.

سعر تفضيلي لنقل الخام الجنوبي عبر خط الأنابيب الموجود غالبه في الشمال.

سعر تفضيلي لاستخدام موانئ تصدير الخام على البحر الأحمر.

الاتفاق على تبادل الخبرات في مجال الاستكشاف والتنقيب والإدارة»(40).

ميـاه النيل: جميع ما يتعلق بها من حصص وتوظيف واستخدام يخضع لاتفاقيات متعددة: 1902م، 1926م، 1929م، 1959م، والأخيرة حدّدت (55,5) مليار متر مكعب لمصر، و (18,5) مليار متر مكعب للسودان.

لكن جاءت تصريحات بعض قيادات الجنوب في فترات سابقة بأن الجنوب بعد قيام كيان دولته سيطالب بنصيبه من مياه النيل، وسيقف بجانب الدول المطالبة بإعادة النظر في الاتفاقيات السابقة لتقسيم مياه النيل، وقبيل إجراء الاستفتاء بأيام أعلنت «حكومة الجنوب، وعلى لسان ممثلها في القاهرة، أن الجنوب سيأخذ حصته من مياه السودان»(41)، علماً بأن الاتفاقية تنصّ على أن تأخذ نصيبها مناصفة من مصر والسودان، وفي هذه الحالة توقّع بعض المحللين «أن السودان سيجد نفسه أمام كارثة مائية تدعوه إلى مراجعة اتفاقية سنة 1959م بين مصر والسودان حول حصة الدولتين فى مياه النيل لتعويضه عن نقص حصته من الماء»(42).

ترسـيم الحدود: تُعد مشكلة ترسيم الحدود من أخطر القضايا العالقة، والتي قد تفضي إلى تجدد الحروب بين الشمال والجنوب، وتواجه تحديات كبيرة، منها مناطق الرعي المشتركة بين بعض القبائل في الشمال والجنوب، والتي تبحث عن الماء والكلأ في مناطق واحدة، ومشكلة المناطق الحدودية في الشمال المختلطة السكان، ومناطق مختلف في تبعيتها الإدارية قديماً.

كشف نائب رئيس حكومة الجنوب الدكتور رياك مشار عن أنه قد تم ترسيم الحدود بين بعض الولايات، وهي ولايات سنار والنيل الأزرق وأعالي النيل والنيل الأبيض، في حين لا تزال بعض المناطق المتنازع عليها دون ترسيم، وتتمركز نقاط الخلاف داخل لجنة ترسيم الحدود - كما يقول نائب رئيس اللجنة -: «حول المناطق الحدودية التي لا توجد لها وثائق تحدّد تبعيتها للشمال أو الجنوب: منها الخط الذي يتبع لولاية أعالي النيل وجنوب كردفان»، وأشار إلى «عدم وجود معالجة فنية فيه سوى تدخّل اللجنة السياسية لحل الأزمة، بجانب الخلاف حول الجهة الجنوبية من منطقة أبيي... إضافةً إلى منطقة بين جنوب دارفور وغرب بحر الغزال، ومنطقة حفرة النحاس»(44).

منطقة «أبيي» تشهد توترات وصدامات؛ إذ تحاول قبيلة «دينكا نقوك» السيطرة على المدينة نفسها تمهيداً لإعلان تبعيتها للجنوب، علماً بأن الوثائق التاريخية تثبت تبعيتها للشمال، ولم يؤد الاحتكام إلى «لاهاي» إلا لمزيد من التعقيد؛ حيث تجاهلت محكمة لاهاي الوثائق التاريخية، وقامت بحرمان «المسيرية» حقهم في ملكية «أبيي»، وحصرته في حق الرعي فقط، وهذا يعني عودة البلاد إلى الحرب الأهلية مرة أخرى.

الهوية.. المواطنة.. الجنسية:

المواطنة:

تعبّر عن علاقة قانونية بين الفرد والدولة، وتتمثل أهميتها في مسائل الحماية, والانتماء, والحريات, والحقوق المدنية, والواجبات.

ونتيجة لاتفاقية نيفاشا وعملية الاستفتاء؛ فإن الوضع الدستوري والقانوني الجديد لمسألة المواطنة لمنسوبي شقي البلاد يتقرر وفقاً:

أ - الدستور الانتقالي 2005م المعدل عن 1994م: وينص على أن الجنسية حق بالميلاد لكل مولود من أم أو أب سوداني، ويمكن اكتسابها بالتجنس وفقاً لشروط ينظمها القانون.

ب - قانون الاستفتاء: بأن يكون الجنوبي المعرف فيه هو الذي ينال جنسية الجنوب.

وبعد الانفصال لا يحق للمواطن الجنوبي الانتماء للوطن السابق لفقدان شروط المواطنة السابقة والتبعية للوطن الجديد باستثناء المتزوجين والمتزوجات من الشمال حسب الجنسية المزدوجة Dua.

ومن أقام في الشمال بصفة دائمة؛ يقول خلف الرشيد رئيس القضاء الأسبق: «إن جنسية الشمال سوف تسقط بمجرد اختيار الجنوبيين للانفصال، ويمكن أن ينالوا الجنسية بشروط الدولة وحسب قوانينها»(46). وكشف نائب رئيس المؤتمر الوطني بولاية الخرطوم عن «منح الجنسية لأعضاء حزبه الجنوبيين حَال الانفصال، وأن بقية الجنوبيين في الشمال سيتمتعون بحقوقهم، ولكن ليس بصفتهم مواطنين»(47)، فيما قال الناطق الرسمي لحكومة الجنوب: «سنمنح كل الشماليين المقيمين في الجنوب جنسية الدولة الجنوبية الجديدة»(48).

وقد «حذّرت منظمة ريفيوجيز انترناشيونال (المنظمة العالمية للاجئين) الجنوبيين في الشمال والشماليين في الجنوب بأنهم قد يصبحون عديمي الجنسية وعرضة للهجمات بعد الانفصال»(49)، ففي حال سقوط الجنسية فإن حقوق العمل والملكية والإقامة والدخول قد تتعرض لخطر إذا لم يتم الاتفاق على ذلك.

وفيما يتعلق بالخدمة المدنية صرح بعض المسؤولين «بأن المؤسسات القومية سوف تنهي مشاركة مسؤولي الحركة الشعبية حال إعلان نتيجة الانفصال، وقد بادرت الخارجية السودانية فور إعلانه  باستدعاء جميع السفراء والدبلوماسيين من مواطني جنوب السودان للعودة إلى رئاسة الوزارة من شتى دول العالم في موعد أقصاه الأول من أبريل القادم 1102م»(50)، إلا أن الشريكين توصلا مؤخراً «لاتفاق يقضي بمنح الجنوبيين مدة 6 أشهر لتوفيق أوضاعهم عقب انقضاء الفترة الانتقالية في التاسع من يوليو المقبل، وذلك قبل بدء التدابير الخاصة بتقنين أوضاع ما بعد الانفصال»(51).

ومن الإشكالات العالقة ذات الطابع الاقتصادي، وهي قضايا مهمة:

- مشكلة الاتصالات ونطاق الترددات، التي تحتاج إلى اتفاق على استمرار شركات الاتصالات التي استثمرت في البنية التحتية في جنوب السودان بدون حاجة إلى تراخيص جديدة.

- فضلاً عن الاتفاق على حركة الحيوان، والحياة البرية وحمايتها من الاعتداءات.

- إضافة إلى الاتفاق بشأن التجارة العابرة، واستخدام الموانئ والطرق البرية بالشمال(52).

وخلاصة الأمر:

أياً كان إحكام الأطر القانونية والتشريعية للاتفاقيات التي يمكن التوصل إليها بشأن تداعيات الانفصال؛ فإن تجاوز التحديات والمهددات يتطلب تضافر جهود محلية وإقليمية ودولية، وفق موجهات سليمة، ورغبة حقيقية في درء ما يمكن أن تجرّه تلك التداعيات من كوارث تعصف بكيان سودان لم يعد يقوى على الصمود، وأنهكته الصراعات، وأوهت الإثنيات روابطه ووشائجه، وفرقّت كلمته الولاءات الحزبية والطائفية، واتخذت المؤامرات والمصالح الدولية من كل ذلك مطية لتحقيق أهدافها، وهو يستصحب رصيداً من تجارب الحكم الخائبة، قُدّر لهذه الحقبة أن تكون أشدها سوءاً، ويُخشى أن تكون عاجزة عن المحافظة على وحدة ما تبقى من كيان بلد لا يزال ملاحَقاً بمزيد من المؤامرات الدولية وتداعيات أمم طامعة في غربه وشرقه، وربما بعض أجزاء من شماله!

[1] - كاتب وباحث سوداني.

(1) صحيفة آخر لحظة، السبت - 15 يناير 2011م.

(2) الرأي العام السودانية، التاريخ: الاثنين - 17 يناير 1 / الموافق 12 صفر 1432هـ.

(3) نشرة أخبار المركزي الصادرة عن بنك السودان – العدد السادس – ديسمبر 2010م.

(4)www.aleqt.com/2011/01/07/article_4883

(5) www.anasudani.net/fourm/showthread.ph...‏

(6) أخبار المركزي: نشرة بنك السودان المركزي الشهرية، العدد السادس – ديسمبر 2010م.

(7) العواقـب الاقتصـادية المحتمَلة بعـد انفصـال جنـوب السـودان، محمـد حسـن طنـون   http://magmj.com/index.jsp?inc=5&id=5276&pid=1164

(8) أقيوم أكمجو مسلم المستشار القانوني: ورقة مقدمة في ندوة التداعيات القانونية والاقتصادية لحق تقرير مصير الجنوب التي أقامتها رابطة القانونيين السودانيين بالدوحة، قطر - يوم الجمعة الموافق 5/11/2010م.

(9) صحيفة الرأي العام, التاريخ: الجمعة 18 فبراير 2011م / 15 ربيع الأول 1432هـ - 476141.    

(10) جريدة النهار الكويتية، تاريخ 15 أكتوبر 2010م.

(11) جريدة الرأي العام السودانية, التاريخ: الأربعاء 12 يناير 2011م، 7 صفر 1432هـ - 47600.

(12) إخوان أون لاين: زعيم سلاطين مسلمي جنوب السودان في حوار شامل.

(13) حوار مع «الشرق الأوسط», الخميس 13 يناير 2011م.

(14) http://www.bahrainarabia.net/showthread.php?

(15) www.murasel.org/54/153/57/26933-%25D8...‏

(16) www.alwatan.com.sa/Politics/News_Deta

(22) موقع إخوان أون لاين.

(23) http://www.alnilin.com/news.php?action=show&id=26273

(24) موقع إخوان أون لاين.

(25) خريطة المستفيدين من انفصال جنوب السودان، أبو الطيب النجار. 

(27) الرأي العام السودانية، التاريخ: الاثنين 17 يناير 2011م الموافق 12 صفر 1432هـ - 47605.

(28) مجموعة الراصد للبحوث - مركز الدراسات السـياسية والاستراتيجية، التقرير الاستراتيجى للأحداث في السودان -  يوليو 2010م.

(29) انظر: »القضاء الدولي « و «القدر الأميركي» www.al-watan.com/news.aspx%3Fn%3D28A..‏

(30) معهد واشنطن وبداية التآمر على الشمال بعد الانفصال!! 1 - 2. بقلم: أبو بكر يوسف إبراهيم، الأربعاء, 19 كانون2 / يناير 2011م -  06:38 http://www.sudanile.com/index.php?option=com

(31) الأستاذ/ أحمد التيجاني محمد سوار:  SH.REWAYAT2.COM، انظر: ملفات إفريقيا في عالم متغير.

(32) الرأي العام، التاريخ: الثلاثاء 15 فبراير 2011م، 12 ربيع الأول 1432هـ، 476138.

(34) صحيفة أجراس الحرية, بتاريخ: السبت 15/1/2011م.  

(40) السودان 2011م: مجموعة أوراق في قضايا الوحدة والانفصال، مركز دراسات المستقبل.

(41) آخر لحظة الجمعة, 14 يناير 2011م.

(42) أسامة الغزالي: تمزيق السودان كارثة تهددنا جميعاً news.egypt.com/arabic/permalink/81865

(44) الرأي العام، التاريخ: الثلاثاء 15 فبراير 2011م / 12 ربيع الأول 1432هـ - 476138.    

(46) http://www.sudantv.net/newsdeatails.php?zz=NTk3NDE

(47) sahafa2.sudabest.net/details.php%3Far...‏

(48) انظر: موقع الشرق القطرية. www.al-sharq.com/articles  

(49) انظر: اندرو هيفن, موقع مصراوي.

http://www.masrawy.com/News/MidEast/Reuters/2010/July/10/1974184Update.aspx?ref=rss

(50) صحيفة الرأي العام، التاريخ: الجمعة 18 فبراير 2011م / 15 ربيع الأول 1432هـ - 476141.

(51) الرأي العام التاريخ: الاثنين 14 فبراير 2011م / 11 ربيع الأول 1432هـ - 476137.     

(52) السودان 2011م: مجموعة أوراق في قضايا الوحدة والانفصال، مركز دراسات المستقبل.