تحديات إفريقيا..

  • 1 -9 - 2010
  • تحرير المجلة

 

      كان انسياب الفتوحات الإسلامية في إفريقيا، وقوافل التجارة بين المسلمين من العرب وغيرهم، والأفارقة، تعني انبعاث الإسلام في تلك الربوع، وغرسه لقيم العدالة والمساواة فيها، بينما عبَّر الوجود الأوروبي ـ إثر تراجع القوى الإسلامية في إفريقيا منذ القرن الخامس عشر الميلادي ـ عن رغبته في استعباد الإنسان، ونهب الثروات، وسلب مقومات الحياة.

   ولقد كان أحد أبرز أهداف حملات القراصنة والغزاة الأوروبيين على إفريقيا تطويق الإسلام وفقاً لما أعلنه من ادعوا اكتشاف طريق الرجاء الصالح من البرتغاليين؛ حيث افتخر أحد كبار قراصنتهم  - دي جاما - حينها قائلاً: "الآن لففنا الحبل حول عنق المسلمين، ولم يبق إلا شده ليختنقوا".

   لقد بدأت حملات القرصنة حينذاك بوتيرة عالية إلى الحد الذي أبقى تعداد إفريقيا مستقراً عند مائة مليون نسمة لمدة قرنين كاملين (منذ العام 1650 حتى العام 1850م)؛ بسبب كثرة عمليات الخطف والتهجير القسري إلى أوروبا والأمريكتين للانخراط في أعمال السخرة وبناء أرض المعاد الأوروبية (أمريكا) ووضعت لهم قوانين خاصة تحرم حتى نظر العبد في عين السيد لتكريس الذل والانكسار، وعندما بدأ عصر البخار واخترعت الآلة، أصبح العديد من هؤلاء المسترقين عبئاً على الوطن الجديد؛ فشرع الأوروبيون في إعادة بعضهم وتقليص عمليات الخطف، وسمح شيئاً فشيئاً بمحاربة فكرة الرق لأنها لم تعد تعنيه.

   الإسلام لم يكن مسموحاً بتصديره مع الأرقاء إلى بلدهم الأوروبي أو الأمريكي؛ لذا فقد جرى تعميد العبيد قسراً وهو ما أدى إلى تراجع الدين في الجيل الثاني الذي لم يتمكن الآباء – ممن أسرَّه بعضهم في صدره – في توريثه إليهم، وانطلقت البعثات التنصيرية التي حملها الغزاة إلى إفريقيا بعدما اكتشفوا أن تلك القارة تتوافر على ما قد لا يتوافر لـبلاد "السادة" من ثروات، وحينما لمسوا أثر الإسلام في بناء شخصية مقاومة للطموح الغربي في إفريقيا، ولاسيما مع وجود نماذج نجحت في إيقاف حملات أوروبية عديدة كرابح فضل الله في تشاد (القرن التاسع عشر)، والملا محمد عبد الله حسن في شرق إفريقيا (القرن العشرين) والشيخ عثمان بن فودي في وسط إفريقيا (القرن التاسع عشر)، وغيرهم أدركوا أن الإسلام هو عدوهم الرئيس الذي يحول دون تحقيق أهدافهم الاستعمارية من استرقاق الإنسان واستغلاله ونهب ثروات بلاده  في هذه القارة.

   قرون مضت في تلك المرحلة المشينة للغرب امتزجت فيها القرصنة بالاستعباد، والهيمنة على الثروات بالتغيير القسري لديانات أصحابها، وربما من شر القدر أن هذه القارة ما زالت تعاني من ربقة العبودية وقسوة الاستغلال حتى كتابة هذه السطور. كل ما في الأمر أنها تأخذ أطواراً مختلفة وتراوح ما بين الترغيب والترهيب،؛حيث لم تعد سياسة الترهيب وحدها هي القادرة على تدجين إفريقيا وكبح طموحاتها في ظل عالم ماضٍ نحو تعدد الأقطاب، وبسبيل بلورة نظام عالمي جديد.

   والقارة الإفريقية تتوافر على ثروات هائلة ومخازن رئيسة من النفط واليورانيوم والماس والذهب والكروم والنيكل والنحاس والحديد، وزراعات حصرية، وثروات مائية، وأسواق واعدة، وسبل الإفادة بكل هذه الثروات لا تمر عبر استقلال واستقرار دول إفريقيا؛ فأغرقت عمداً في سلسلة لا نهائية من الصراعات والحروب؛ فكانت إفريقيا عنواناً للانقلابات العسكرية، ومفردة بديلة عن الديكتاتورية، ومستنقعاً يطفح بألوان الفساد، وقد يكون الأنسب أوروبياً الإبقاء على قدر من ذلك في المرحلة القادمة، فمن المفارقات أن تلك القارة الغنية تحتفظ بأعلى مستويات الفساد في العالم، ودرجات متدنية لدخل الفرد، ومعدلات تنمية منخفضة، واقتصاد متباطئ، ولم تزل تعاني من ثلاثية الجهل والفقر والمرض، برغم كثرة الاكتشافات الجديدة للنفط اليورانيوم والذهب والماس.

 لكن الأهم من ذلك كله أنها تتوافر على أعلى مستويات لنجاح الدعوة الإسلامية في العالم؛ فالدراسات الغربية تثبت "أنه من بين كل عشرة أفراد يعتنقون ديناً سماوياً عالمياً، يعتنق تسعة منهم الإسلام ويعتنق واحد فقط المسيحية، وهذا أوضح في إفريقيا([1])، وهو ما يدل على إخفاق نسبي على الصعيد المذهبي، وهو إخفاق ليست الكنيسة وحدها المسئولة عنه، وإنما تتقاطع معها السياسات الاستعمارية التي لم تحقق كل أهدافها في القارة، بل لم تزل في مرحلة تدافع مع القوة الصاعدة في القارة مجدداً، وهي الإسلام، ومع إرادات لم تعد جميعها واقعة تحت سيطرة الرجل الأبيض، بعدما وضعت الصين وكوريا وماليزيا وغيرها رحالها في بعض بلدان القارة عبر شراكات استراتيجية واستثمارات واعدة امتازت بتدخلاتها السياسية والثقافية المحدودة والمقننة خصمت من رصيد القوى الاستعمارية التقليدية، وبالتالي حدت بعض الشيء من غلواء يدها الباطشة.

    تؤكد الإحصاءات الأخيرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي أن نسبة النمو في إفريقيا يتوقع أن تصل إلى 4.1 بالمائة في العام الحالي، في الوقت الذي ستحقق فيه اقتصادات الدول المتقدمة نسبة نمو لا تتجاوز 0.6 بالمائة، علماً بأن متوسط النمو العالمي للعام الحالي يتوقع أن تصل نسبته إلى 2.5 بالمائة. والصندوق يؤكد أن إفريقيا ستكون أسرع قارات العالم نمواً في العام المقبل، وهذا خبر ربما كان في ظاهره مفرحاً، غير أن الأمر ليس كذلك؛ فالقارة لم تتعافَ بعد من أسر الاستراتيجيات المهيمنة، التي تمنحها تلك المعدلات حافزاً إضافياً لتدخُّل واسع النطاق في القارة، وهي لن تتأخر بطبيعة الحال.

   أدنى الأضرار تأتي في الوقت الراهن من الصين التي تباشر سياسة ربما رآها بعض الساسة الأفارقة منقذة لدولهم من أسر الاستكبار الغربي، أو على الأقل تعطيها فرصة للمناورة مع "السيد الأبيض"، فهذه الدولة العملاقة التي تفوقت على جميع اقتصادات العالم حجماً تضاعف من جهتها حجم تبادلاتها مع 49 دولة إفريقية بمتوسط بلغ 30% سنوياً للسنوات العشر الماضية، وهو معدل هائل يعبر عن قوة الدفع الصيني باتجاه إفريقيا مقارنة بالغرب المتباطئ نتيجة عوامل كثيرة في هذا الاتجاه.

   وتأتي أشد التدخلات من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني مع تراجع واضح في الاستراتيجيات الفرنسية والبريطانية في إفريقيا، وتقوم  الاستراتيجية الأمريكية على رسم خريطة جديدة لإفريقيا وأقلمتها بما يلائم المزاج الأمريكي، وبما يمهد للاستحواذ على العقود النفطية الواعدة في قارة قفزت الأرقام المعلنة للاحتياطي النفطي لديها من 6 – 15% من الاحتياطي العالمي في أعوام وجيزة، أما الأرقام غير المعلنة - والتي ربما تكون أكبر من ذلك بكثير – فتعبر عنها الهمة العالية لشركات النفط الأمريكية في منطقة جنوب الصحراء (أي جنوب الدول العربية في أفريقيا وفقاً للتصنيف الأمريكي).

   أما المخطط الأمريكي؛ فهو يتحاشى ببراعة لا يتفوق عليه فيها إلا القوى الاستعمارية السابقة (بريطانيا وفرنسا وغيرهما) الاعتراف بالوجود الإسلامي في إفريقيا، وهو الوجود الذي يمثل القسم الأكبر بين الديانات والملل والنحل فيها؛ ولذلك تسعى واشنطن وتل أبيب إلى رسم الخريطة الإفريقية بما يكرس أكثر هذا التغييب المتعمد؛ فتبني الولايات المتحدة مثلاً خطتها المسماة "جدول أعمال إفريقيا" على تقسيم القارة إلى عدة أقاليم، بحيث يكون محور كل إقليم دولة غير إسلامية، أو على الأقل لا تحكمها غالبيتها المسلمة كإثيوبيا مثلاً في القرن الإفريقي (الذي وسعته واشنطن عمداً ليدخل ضمن حدوده البحيرات العظمى ضاربة بالجغرافيا عرض الحائط)، وذلك بعدما نجحت وسابقاتها من الدول الاستعمارية في تكريس الفصل المتعسف للشمال العربي المسلم عن الوسط الإفريقي المسلم، تحت المسمين المعروفين "الشرق الأوسط" للشمال، و"جنوب الصحراء الكبرى" للجنوب.

   وكلا الإقليمين شهد ـ لأسباب دينية تغذيها مطامع اقتصادية ـ اهتماماً غير مسبوق من الولايات المتحدة في  استراتيجيتها الراهنة، التي عززها مجيء رئيس أمريكي تنحدر جذوره من منطقة القرن الإفريقي (كينيا ومن قبل السودان).

   ومن ناحية أخرى فإن الفاتيكان يعود الآن إلى إفريقيا يحمل أجندة سياسية معلنة هذه المرة،

ويحدد الكاردينال نابيي المهمة بدقة أكثر بقوله: "هناك اليوم عدد كبير من البلدان التي انتقلت من حكم ديكتاتوري إلى حكم أكثر ديمقراطية"، لكننا "نجد أيضاً مناطق لا ينعم فيها السكان بالسلام" مثل منطقة البحيرات العظمى، وشرق الكونغو، وشمال كيفو وجنوبها؛ حيث "يتألم الفقراء"؛ فالهدف ليس "تبشيرياً" ولا "وعظياً" ولا حتى إغاثياً، وإنما سياسي واضح يتوافق بشكل لا لبس فيه مع  استراتيجية القرن الإفريقي الأمريكية، فهو تمحور حول الشعار الكاذب: "الكنيسة في إفريقيا في خدمة المصالحة والعدالة والسلام. أنتم ملح الأرض. أنتم نور العالم"، وهو يشدد على أهداف تتعلق بمصالحات تدعو إليها الولايات المتحدة بما يحقق مصالحها، ولاسيما في الصومال ومناطق البحيرات، وبين أوغندة والكونغو!!

   وفي إطار المخطط الصهيوني، نجد هذه المناطق هي الأوفر حظاً بزيارات وزير الخارجية الصهيوني ليبرمان، وهي التي تشرف على منابع نهر النيل، أطول أنهار العالم، والتي تمد دولاً رئيسية في إفريقيا بحاجاتها المائية، ولقد دبت بين هذه الدول خلافات حول تجديد اتفاقية تقاسم مياه النيل، وفشلت الكنيسة الأرثوذكسية حتى في لعب دور الوساطة بينها.

   تشهد أفريقيا معدلات دخول في الإسلام عالية، وتنمية واعدة، وتنافس على السوق الإفريقية، وثرواتها المتنوعة، يقلل نوعاً ما من الخسائر الإفريقية، إلا أن جملة من الأهداف تبقى لدى دعاة الإصلاح في إفريقيا، من أهمها: الرغبة الجامحة في تغيير الهوية الدينية والتقليدية لأبناء القارة، وعزل المسلمين بصورة أكبر عن دوائر صنع القرار، والمزيد من المذابح وأعمال العنف مثل ما جرى في نيجيريا مؤخراً، وتهميش الأقليات والأكثريات المسلمة في بلدان القارة، والإفقار المتعمد لهم، لكن يبقى الأمل في الإفادة من المناخ الإفريقي الوادع لوضع الأفارقة أقدامهم على أول الطريق في رسم خارطته من خلال مبادئ الإسلام ودعوته لترسيخ  قيم الحرية والعدل والمساواة.

[1] - التقرير الاستراتيجي الأفريقي 2006/2007 - صادر عن معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة.