تاريخ العلاقة بين جنوب السودان وشماله

  • 20 -4 - 2011
  • عبدالفتاح حمد الطاهر


عبد الفتاح حمد الطاهر :

برزت مشكلة جنوب السودان بوصفها إحدى مخلفات الحكم التركي المصري البريطاني، كما برزت مؤخراً بوصفها إحدى مشكلات الأقليات القومية في إفريقيا، وتحديداً في عقد التسعينيات الذي شهد العديد من النزاعات القومية بصورة عامة في معظم أنحاء العالم، وبصفة خاصة في إفريقيا.

إن مشكلة جنوب السودان تُعد أكبر مصادر عدم الاستقرار السياسي في السودان منذ بدايات الحكم الوطني، إلى هذا العهد الذي اكتسبت فيه أبعاداً إقليمية ودولية بشكل واضح، مهّدت للتدخلات الخارجية في شؤون البلاد, وهو ما أثر سلباً في علاقات السودان الخارجية.

 والواقع أن مجموعة من العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ساهمت في استفحال هذه المشكلة التي ولّدها الاستعمار، بالإضافة إلى عاملي الجغرافيا والتاريخ.

وسنعرض في هذا المحور لمسارات العلاقات بين الشمال والجنوب عبر مراحلها التاريخية:

أولاً: مراحل انتشار الإسـلام في جنوب السـودان:

1 -  العهد السناري: (مملكة الفونج 1504م - 1821م):

عرف جنوب السودان الإسلام في القرن العاشر الهجري، أي بعد قيام مملكة سنار عام 1505م، وتذكر الروايات أن أصل الفونج (مؤسسو مملكة سنار) من قبيلة الشلك، وهو ما يؤكد اتصال مملكة سنار بقبائل جنوب السودان, ودخول الإسلام إلى بعض مناطق الجنوب.

2 -  العهد التركي: (1821م - 1885م):

ويؤكد المؤرخون أن جنوب السودان عرف الإسلام بصورة واسعة بعد الفتح التركي للسودان 1821م, فقد انتشر الإسلام في جنوب السودان بواسطة الجنود الأتراك والمصريين والتجار المسلمين من العرب والأتراك والسودانيين. وكان هناك اتصال كثيف بين أهالي جنوب السودان والجنود والإداريين الأتراك والمصريين، حيث عمل بعض مواطني الجنوب في خدمة الإدارة التركية حمّالين ومترجمين وجنوداً، كما ساهمت المراكز الإدارية والمدن والمحطات التركية في نشر الإسلام في جنوب السودان، مثل: فشودة، والتوفيقية، وبور، ومنقلا، وشامبي، وغندكرو وغيرها من المحطات، وقد كان على رأس مديرية فشودة راشد بك أيمن عندما قامت الثورة المهدية(1).

3 -  الثورة المهدية: (1885م – 1898م):

تمدد الإسلام جنوباً في عهد الثورة المهدية في نطاق محدود، تمثل في دخول بعض ملوك الشلك في الإسلام, وبعض سلاطين الدينكا, مثل: السلطان «كول أروب» سلطان دينكا نقوك في مناطق أبيي، وقد شاركت القبائل الجنوبية في الجهاد مع الثورة المهدية، وكانت إرهاصات الثورة قد بدأت في بحر الغزال عام 1881م، وذلك عندما قام بعض زعماء القبائل بزيارة المهدي في قدير وأعلنوا انضمامهم إليه(2). 

ثانياً: مرحلة الحكم الثنائي والاستعمار الإنجليزي:

1 -  المرحلة الأولى (1898 - 1919م ):

في هذه المرحلة اكتمل احتلال الجيش البريطاني للسودان بقيادة اللورد كتشنر، وقد شكّل ذلك سبباً رئيساً في بذر الفرقة والشتات بين الشمال والجنوب، والسعي لفصل جنوب السودان عن شماله؛ غير أن قلة الموارد في الخزانة المصرية حالت دون تنفيذ ذلك(3). وفي هذه الفترة شجّعت بريطانيا الجمعيات التنصيرية على مزاولة نشاطها وسط السكان، وبسطت نفوذ الكنائس في الجنوب، كما تم تركيز التعليم في يد الإرساليات التنصيرية، وقد شهد الإسلام واللغة العربية في هذه الفترة في الجنوب تضيقاً شديداً؛ لأن الحكم الثنائي أعاد فتح السودان أصلاً للقضاء على الأثر الديني للثورة المهدية.

2 -  المرحلة الثانية (1919م – 1946م):

في هذه الفترة اتخذت الحكومة البريطانية خطوات أكثر صرامة في محاربة كل ما يحمل مظهراً إسلامياً, فحاربت الأسماء العربية, ومنعت ارتداء الجلابية (ثوب أهل الشمال)؛ بوصفها رمزاً للدين الإسلامي، كما ذهبت لأبعد من ذلك فجعلت (يوم الأحد) عطلة رسمية في كل أنحاء الجنوب، وبلغت السياسات ذروتها في الفصل بين الجنوب والشمال بإصدار قانون المناطق المقفولة عام 1922م(4)، والذي قصد منه منع التأثير والتأثر بالإسلام والثقافة العربية القادمة من الشمال، كما عملت على إخلاء الشماليين المسلمين من الجنوب, وتهجير قبائل بكاملها مثل قبيلة كافياكنجي, ثم أعقب قانون المناطق المقفولة ما عُرف بسياسة الجنوب 1930م التي كرست لغرس بذور الانفصال.

3 -  المرحلة الثالثة (1946م - 1953م ):

وهي المرحلة التي أعقبت قيام «مؤتمر الخريجين» الذي قام برفع مذكرة شهيرة عام 1942م طالب فيها بإلغاء قوانين المناطق المقفولة، وحرية التنقل داخل السودان، ورفع قيود التجارة، كما طالبت بضرورة وضع منهج تعليمي موحّد لكل السودان(5).

وفي عام 1946م، وبعد تنفيذ سياسة السودنة في الشمال، تشكلت لجنة للنظر في إمكان تنفيذها في الجنوب، وضعت اللجنة تقريراً أدانت فيه بشدة سياسة الحكومة نحو الجنوب، وطالبت «بإلغاء تصاريح التجارة، واتباع سياسة موحدة للتعليم في الشمال والجنوب، وتعليم اللغة العربية في مدارس الجنوب، وتحسين وسائل الاتصال بين الجانبين، وتشجيع انتقال الموظفين بين الشمال والجنوب، وتوحيد النظم بينهما».

مؤتمر جوبا 1947م:

وفي 13 يونيو 1947م دعا السير روبرتسون السكرتير الإداري لحكومة السودان إلى عقد مؤتمر بمدينة جوبا عاصمة المديرية الاستوائية لمناقشة مسألة جنوب السودان، وكان هذا المؤتمر رداً على مؤتمر الإدارة الذي عُقد عام 1946م ونصح بإلغاء المجلس الاستشاري لشمال السودان 1943م - 1947م، وإنشاء جمعية تشريعية بدلاً عنه يُمثل فيها الشمال والجنوب.

وخلص مؤتمر جوبا إلى إعلان الزعماء الجنوبيين بأن الوحدة بين الشمال والجنوب ضرورة لا بد منها، وأن فكرة الفصل غير واردة. وتمخض هذا المؤتمر عن قيام الجمعية التشريعية (مجلس تشريعي واحد في السودان 1948م - 1952م)، والتي شارك فيها قرابة ثلاثة عشر جنوبياً, تم انتخابهم من قبل مجالس المديريات.

تمرد «توريت» والنزاع المسلح 1955م:

كان من نتائج اتفاقية 1953م، التي تُعد تتويجاً لنضال الشعب السوداني ضد الاستعمار، تكوين أول برلمان سوداني, والذي تم من داخله إعلان استقلال السودان في عام 1956م(6).

ومع بداية الاستقلال كان وعد الأحزاب الحاكمة للجنوبيين بالفيدرالية في أول برلمان سوداني، ولم يتم الوفاء بذلك العهد، والذي يتضمن: (التنمية الاقتصادية - مناصب معقولة في السودنة - إلغاء ضريبة الدقنية... إلخ)، كما كان للإرساليات التبشيرية دور كبير في إشعال نار الفتنة بإطلاق الشائعات بأن هؤلاء هم المهديون الجدد (يقصدون الحكومة المركزية) الذين ينشرون الإسلام بحد السيف, وهو ما زاد من مخاوف الجنوبيين.

وفي 18 أغسطس 1955م حدثت أشد الاضطرابات خطورة في المديرية الاستوائية، وتأثرت بها كل المدن والقرى, فسادت حالة من الفوضى التامة وعدم النظام الشامل لمدة (14) يوماً, وتعطلت الخدمات العامة, وقطعت طرق المواصلات, وأغلقت مكاتب الحكومة, وأعلنت حالة الطوارئ في المديريات الجنوبية الثلاث, وارتكبت جرائم النهب والسلب والقتل ضد الشماليين, فقتل (261) شخصاً  من قبل الجنود ورجال البوليس والأهالي.

كان ذلك «تمرد توريت» المشهور, والذي أحدث في الشمال هزة عنيفة، وأدى إلى استشعار الحاجة إلى ضرورة الوصول إلى اتفاق أو تسوية بشأن مشكلة الجنوب، وإلى ضرورة الشروع في تنفيذ بعض الإصلاحات العاجلة.

إن أحداث «توريت» وما تلاها من عصيان مدني لم تكن مجرد تمرد محدود، بل كانت الأحداث في حقيقتها محاولة للاستيلاء على زمام الأمور في الجنوب بعد تصفية كل القيادات التنفيذية والعسكرية (الشمالية) في مختلف المواقع.

ثالثاً: مراحل ما بعد الاستعمار:

جنوب السودان في عهد عبود (الحكم العسكري الأول العسكري 1958م -1964م ):

أدت مشكلة جنوب السودان دوراً مهماً في استمرار أجواء عدم الاستقرار السياسي، والذي ظل السودان يعانيه منذ أيام الاستقلال الأولى, فتمت الإطاحة بحكومة الأزهري التي أتت بأغلبية برلمانية، وحكمت من يناير 1954م وحتى نوفمبر من عام 1955م الذي شهد أول تمرد في السودان، وبعدها جاءت حكومة الأزهري الثانية في نوفمبر 1955م – 1956م فبراير، ثم ائتلف الأزهري (حزب الوطني الاتحادي) مع الأنصار (حزب الأمة) في فترة رئاسية امتدت من فبراير 1956م - يوليو 1956م، ثم أتت بعد ذلك حكومة عبد الله خليل من يوليو 1956م وحتى نوفمبر 1958م, حيث تم تسليم السلطة للفريق عبود في انقلاب أبيض، وقد تم التسليم من قبل حزب الأمة نتيجة لعدم الاستقرار السياسي وتفاقم مشكلة الجنوب.

قام الفريق عبود، الذي استولى على السلطة في السودان في 17 نوفمبر 1958م(7)، بحظر الأحزاب السياسية بالبلاد، ودعم الدعوة الإسلامية بالجنوب، وتم تعريب المناهج، وجعل اللغة العربية لغة للتخاطب الرسمي بالبلاد؛ فزادت أعمال العنف بالجنوب, فقابلت الحكومة العنف بالعنف المسلح.

وفي فبراير 1964م طردت الحكومة أكثر من (335) قسّاً، وجعلت العطلة الأسبوعية الجمعة بدلاً من الأحد.

وكذلك أُنشئت في هذا العهد ثلاثة معاهد دينية، في كل من: كدوك في أعالي النيل، ومعهد واو العلمـي وبحر الغزال، ومعهـد جـوبا العلمـي والاستوائية، كمـا قام بإرسال العديد من المعلمين لمحو الأمية وتعليم الكبار(8).

مؤتمر المائدة المستديرة:

بعد ثورة أكتوبر 1964م انعقد مؤتمر المائدة المستديرة (مؤتمر قومي لمناقشة مشكلة الجنوب ومحاولة وضع الحلول النهائية لها) في الفترة من 16 - 19 مارس 1965م برئاسة النذير دفع الله، وقد أجمع المشاركون في المؤتمر على أن الحل السلمي لتلك المشكلة لا بد أن يكون الخيار الذي تعمل له جميع الفعاليات السياسية.

حضر المؤتمر (45) عضواً، منهم (18) عضواً يمثّلون أحزاب الشمال, و (27) عضواً يمثّلون أحزاب الجنوب، كما حضر المؤتمر مراقبون من بعض الدول الإفريقية، هي: الجمهورية العربية المتحدة، أوغندا، كينيا، الجزائر، تنزانيا، نيجيريا, غانا(9).

كان الطرح المقدم من الأحزاب الشمالية في هذا المؤتمر أن تكون المديريات الجنوبية الثلاث وحدة إقليمية تخضع لحكومة محلية، وأن يوضع برنامج للإصلاح في مجال: التعليم، الاقتصاد، والخدمات الاجتماعية. أما الأحزاب الجنوبية فلم تكن لهل رؤية محددة وموحدة, فتراوح طرحها بين الفيدرالية والانفصال التام. ولكن عند طرح جبهة الميثاق لمشروع الدستور الإسلامي رفضته الأحزاب الجنوبية جهاراً؛ متعللين بأن أي دستور يقوم على عقيدة واحدة، دينية أو إلحادية، لا يتسع للتباين الموجود في السودان.

وهكذا لم يتوصّل مؤتمر المائدة المستديرة إلى حل لمشكلة الجنوب؛ لأن ممثلي أحزاب الجنوب لم يكونوا على استعداد لقبول أي حلول تستبعد فصل الجنوب، كما أنهم باستثناء «حزب سانو - جناح وليم دينج» لم يكونوا على استعداد لمناقشة موضوع الاتحاد الفيدرالي.

جنوب السودان في ظل حكومة مايو (الحكم العسكري الثاني 1969م):

عندما قامت ثورة الخامس والعشرين من مايو 1969م أولت مشكلة جنوب السودان عناية فائقة, وقد جاء في البيان الأول للثورة: (أن الأحزاب السياسية المنحلة وحكوماتها المتعاقبة كانت تتاجر بقضية الجنوب، وتُفسد الحياة في هذا الجزء من وطننا, وهو ما أدى إلى تدهور الأحوال هناك، وخلق الفتن وإثارة الأحقاد، وفقد الثقة. إن حكومة الثورة تعمل على حل مشكلة الجنوب ومواجهتها مواجهة ثورية جادة تعيد لهذا الجزء من وطننا الحبيب الطمأنينة والاستقرار، وذلك باتخاذ الإجراءات الكفيلة لوحدة البلاد والنهوض باقتصادياتها، وقفل الطريق أمام تسرب النفوذ الأجنبي إليها).

وبالفعل، وبعد أسبوعين من قيام الثورة، أعلن قائدها الحل السياسي لمشكلة جنوب السودان، والذي يقضي بمنح جنوب السودان الحكم الذاتي الإقليمي في إطار السودان الموحّد(10).

وعلى الرغم من أن قطاعات كبيرة من المخلصين من أبناء جنوب السودان قد رحّبت بهذه الخطوة، فإن بعضها الآخر ظل سادراً في تمرده؛ متأثراً بالدسائس والمؤامرات الاستعمارية.

ولتنفيذ توجهات الثورة، تم تعيين جوزيف قرنق عضو الحزب الشيوعي السوداني وزيراً لشؤون الجنوب, غير أن هذه السياسات لاقت معارضة من زعماء حركة «أنانيا» بالخارج.

والواقع أنه لم تتهيأ الفرصة الحقيقة لحكومة مايو للتغلب على مشكلة جنوب السودان؛ إلا بعد أن حدثت تطورات مهمة بالداخل ترتبط بتوجهات نظام مايو الذي استطاع التخلص من (توجهه الأول)، نشأت عنها انعكاسات على علاقة السودان الخارجية، وخصوصاً مع بعض دول الجوار التي ظلت تتعامل مع السودان بتحفّظ شديد منذ وقوع الانقلاب، بهويته الحمراء، وكان على رأس تلك الدول إثيوبيا التي أدى إمبراطورها «هيلا سيلاسي الأول» دوراً كبيراً في التأثير في المتمردين في جنوب السودان، وكان (هيلا سلاسي) في ذلك الوقت يحظى برضى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

اتفاقية أديس أبابا 1972م:

بعد إخفاق محاولة انقلاب الرائد هاشم العطاء على نظام الرئيس النميري في عام 1971م؛ تم تعيين القاضي أبيل ألير وزيراً لشؤون الجنوب، فقام باتصالات ومفاوضات مع السياسيين الجنوبيين خارج السودان عن طريق مجلس الكنائس العالمي والمؤتمر الإفريقي العام للبعثات التنصيرية، وجاءت موافقة القيادات الجنوبية للدخول في مفاوضات وصولاً إلى حل سلمي للنزاع في إطار السودان الموحّد.

عُقدت جلسات تفاوض بين ممثلي حركة تحرير السودان (الجناح السياسي لأنانيا) وحكومة السودان في أديس أبابا، وبعد مفاوضات مضنية تم التوصل إلى اتفاقية عُرفت بـ «اتفاقية أديس أبابا» الموقّعة في فبراير 1972م(11)، وقد كانت إعلاناً ساراً, حيث أوقفت الحرب، وأسهمت في توفير الخدمات الضرورية, وقيام بعض المشروعات التنموية، وقيام المؤسسات الدستورية والسياسية في الجنوب على أساس الحكم الإقليمي(12).   

لقد مثّلت هذه الاتفاقية دستوراً للحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان منذ مارس 1972م، فأصبح أبناء جنوب السودان يتنافسون منافسة حرة في حكم إقليمهم.

وكان العام 1972م عام سلام بعد احتراب، وبناء بعد خراب، وكان نهاية الحرب بين الشمال والجنوب التي امتدت لمدة (17) عاماً، وتميزت فترة مايو بالهدوء والاستقرار لمدة (10) سنوات، تم فيها استيعاب عدد كبير من محاربي «أنانيا» في القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى.

وتُعد الاتفاقية نجاحاً وانتصاراً كبيراً لنظام نميري؛ حيث حقق عبره تسوية سلمية للنزاع في جنوب السودان.

ومن أهم العوامل التي ساعدت على التوصل لاتفاقية أديس أبابا التغييرات في السلطة السياسية التي حدثت في المعارضة الجنوبية المسلحة(13)، والمتمثلة في مشاركتهم في السلطة السياسية, والإنخراط في القوات النظامية, إلا أن هذه الاتفاقية لم تلبث أن أخفقت, وذلك للأسباب الآتية:

تجميد النميري لهذه الاتفاقية, وكذلك قراره تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقسام, بحجة تقليل سيطرة قبيلة الدينكا على السياسة في الجنوب.

 إعلانه تطبيق الشريعة .

3 - على الرغم من نص الاتفاقية على إحداث تغيير جذري في البنية الاقتصادية والاجتماعية في الجنوب، فإنها أخفقت في هذا الجانب.

4 - كما أن الاتفاقية لم تتضمن نصوصاً واضحة تحول دون نقضها أو النكوص عنها.

5 - ارتباط التمرد بنزعات فردية.

6 - إجازة قوانين سبتمبر 1983م.

أسباب العودة إلى الحرب:

أكثر من عشر سنوات من السلام عاشها السودان في ظل اتفاقية أديس أبابا، التي أُلغيت لأسباب مختلفة، يتقاسمها طرفا الاتفاقية في رأي كثير من المحليلين, لكنّ واحداً من الأسباب الرئيسة كان قرار الرئيس نميري بتقسيم الإقليم الجنوبي من الوحدة الواحدة ذات الحكم الذاتي إلى ثلاثة أقاليم في 5 يونيو 1983م(14)، وأعقب ذلك إعلان الشريعة الإسلامية مصدراً للنظام القانوني السوداني، الأمر الذي عدّه بعض الجنوبيين محاولة شمالية جديدة للهيمنة الثقافية, ونتيجة لذلك اندلعت حرب أهلية جديدة في نهاية 1983م.

ومن أسباب عودة الحرب، ما يأتي:

1 - إهمال القادة الجنوبيين في نظام نميري للعناصر الوطنية المعارضة للتمرد.

2 - تناقض الاتفاقية مع الدستور.

3 - إنشاء مصفاة البترول في  مدينة «كوستي» بدلاً عن بانتيو.

4 - الشائعات التي صاحبت تنفيذ قناة جونقلي، وفحواها أن الحكومة تسعى لتوطين مليوني ونصف المليون فلاح مصري في القناة.

5 - الصراع بين الدينكا والنوير من جهة, والاستوائيين من جهة أخرى.

6 - إلغاء اتفاقية أديس أبابا من قبل نميري، تحت ضغط نائبه جوزيف لاقو، وبموجب ذلك القرار عادت للحكومة المركزية صلاحيات الحكومة الإقليمية.

التدخل الثالث: سوار الذهب 1985م:

عندما تولت حكومة المشير سوار الذهب (القائد العام في عهد نميري) السلطة بعد اتفاقية رجب أبريل 1985م، وكانت تتكون من مجلس عسكري انتقالي يرأسه سوار الذهب وعضوية ثمانية آخرون، ود. الجزولي دفع الله رئيساً للوزراء، كان الأمر في جنوب البلاد قد ازداد تعقيداً, وذلك بعد الدعم الذي قدّمه العقيد القذافي للحركة الشعبية لتحرير السودان بعد اختلافه مع النميري، وقد استنزفت الحرب في هذه الفترة موارد البلاد بصورة لم يسبق لها مثيل.

صحيح أن المشير سوار الذهب أوفي بعهده وسلّم السلطة للمدنين مباشرة، إلا أنه مع انقضاء ذلك العام تعمّقت المشكلة، ودخلت البلاد في هذه الفترة في صراعات جديدة في مناطق أخرى من السودان: (جبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق).

الفترة الانتقالية وموقف الحركة الشعبية من مبادرات السلام (1986م – 1989م):

تميزت الفترة من (1985م إلى 1989م) بأنها أُعيد فيها تشكيل الحكومة أكثر من ست مرات في ثلاث سنوات(15), وتبعاً لذلك لم تشهد هذه الفترة أدنى استقرار, وذلك نتيجة للتعديلات الوزارية التي تمّت، وبالرغم من تعدد مساعي الحل السلمي، وكثرة المبادرات السياسية الداعية للتفاوض، فإن زعيم الحركة (الدكتور جونق قرنق) لم يجلس للتفاوض مع تلك الحكومات إلا مرة واحدة اشترط فيها على رئيس الوزراء (السيد الصادق المهدي) الاجتماع به بصفته الحزبية فقط.

لقد كانت مواقف قرنق متذبذبة بصورة عامة، إلا أنه يؤكد بعض النقاط، منها: أن حركته ليست انفصالية، رفضه للدولة الدينية، وإيمانه بالانتخابات والحل الديمقراطي.

والواقع أن جميع المحاولات والمبادرات انصبت في التأكيد على الوحدة الوطنية، والاعتراف باختلاف الخصائص الثقافية، وتحقيق التنمية والخدمات في الجنوب، وقيام حكم ذاتي إقليمي، يقوم على أسس المشاركة الديمقراطية والتأكيد على الحل السلمي، وانتهاج الحوار أسلوباً ديمقراطياً، ومعالجة قضية الجنوب في إطار قومي جامع.

وبالرغم من محاولة الحكومة الانتقالية تأكيد أصالة الحركة وشرف مهمة قرنق، كما في مبادرة اللواء عثمان عبد الله، والتي جاء فيها أن قرنق لا يقاتل للتمرد أو الانفصال، وإنما يسعى لتحقيق الوحدة الوطنية ومصلحة وأمن السودان. وكذلك مبادرة رئيس الوزراء الدكتور الجزولي دفع الله أقرت بأن حركة التمرد أدت دورها في إسقاط نظام مايو، وأن مكانها الطبيعي هو قوى الانتفاضة؛ لتشارك وتحتل موقعها في عملية الحوار الوطني، وأنه إذا تم الاتفاق على الجوانب الأخرى لقضية الجنوب، فإن القوانين الإسلامية لن تسبب حاجزاً في طريق الحل.

وبالرغم مما سبق فإن الحركة لم تتجاوب مع هذا الطرح وتلك المبادرات, فاتسعت رقعة الحرب، وزاد حجم التدخل الأجنبي في القضية.

أما حكومات الأحزاب؛ فسارت في الاتجاه نفسه، وهو التأكيد على الوحدة الوطنية, والاعتراف بالخصائص الثقافية, وتحقيق التنمية والخدمات في الجنوب، إلا أن حركة التمرد كانت تنظر لكل ذلك بالريبة والشك.

ومع تزايد الضغط السياسي والعسكري من حركة التمرد؛ تم تكوين ما عُرف بـ «حكومة الجبهة الوطنية المتحدة»؛ وهو ائتلاف ضم أحزاب: الأمة، الاتحاد الديمقراطي، الاتحاد القومي السوداني، الحزب الشيوعي، الأحزاب الجنوبية، والنقابات التي غلب عليها الطابع الشيوعي، وقد أعدّت تلك الحكومة برنامجاً للسلام سُمّي بـ «البرنامج السياسي المرحلي»، والذي وقّع عليه (29) حزباً ونقابة(16). 

تم الاتفاق على يوم (4 يوليو 1989م) لعقد اجتماع تمهيدي، يتلوه عقد مؤتمر قومي دستوري في (18 ديسمبر 1989م)، وكان هناك مشروع معد لإلغاء قوانين سبتمبر 1983م، حدّد له صبيحة الجمعة 30 يونيو 1989م للموافقة عليه.

وعلى الرغم من تعاقب هذه الحكومات فإن موقف الحركة ظل ثابتاً في عدم الاعتراف بحكومات الخرطوم؛ بدءاً من حكومة مايو، ثم الحكومة الانتقالية، وإلى حكومات ما بعد انتفاضة أبريل 1985م.

وفي نهاية 1988م قام الحزب الاتحادي الديمقراطي بدفع من مصر بمباحاثات

 مباشرة مع الحركة الشعبية، وفي هذه المرة تراجعت الحركة عن مطالبتها بإلغاء الشريعة، وطالبت فقط بتجميد الخطوات الجارية لإصدار قوانين جديدة(17), ولما لم يجد الحزب الاتحادي الديمقراطي تأييداً ودعماً من حلفائه في الحكومة خرج من الحكومة.

ومع اشتداد حالة الاستقطاب، ودخول الوضع السياسي برمته في طريق مسدود، تحركت القوات المسلحة في محاولة أخيرة لكسر حالة الجمود والخروج من المأزق السياسي القائم, فتقدّم ضباط الجيش بمذكرة في بداية 1989م تطالب بتسريع خطوات السلام في البلاد عن طريق اتفاقية الميرغني / قرنق، وذلك بعد تكرار الهزائم العسكرية في الجنوب وسقوط نمولي وتوريت في شرق الاستوائية, ونتيجة لذلك ازداد الوضع السياسي تشوشاً وارتباكاً.

ومع الشعور المتزايد بعدم قدرة تحالف الأمة / الجبهة على الاستمرار، بحكم معارضة القوات المسلحة لاستمرار الحرب ووقوفها بقوة مع اتفاقية  السلام، مع كل ذلك ازدادت احتمالات حدوث انقلاب عسكري في البلاد لحسم الموقف وتحريك الوضع.

وفي النهاية استمر الصادق المهدي في موقعه رئيساً للوزراء، ولكن في ائتلاف مع الحزب الاتحادي وقوى أخرى متحالفة، بينما وقفت الجبهة الإسلامية في المعارضة، (من هنا دعا الترابي لإعلان الجهاد ضد حكومة الشتات, ولكنه لم يجد استجابة تذكر)، وقد أدى استمرار حالة عدم الثقة بين الحكومة والقوات المسلحة في النهاية إلى انقلاب 30 يونيو 1989م.

جنوب السودان في عهد ثورة الإنقاذ (الحكم العسكري الرابع 1989م - 2010م)

بعد تسلم ثورة الإنقاذ لزمام السلطة في السودان بقيادة العميد عمر حسن أحمد البشير، واجهت تحديات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، وكان أكبر تحدٍّ لها هو الحرب المستعرة في جنوب البلاد، والتي أدت إلى عدم الاستقرار وإضعاف شرعية الدولة الوطنية، كما أضحت ذريعة للتدخل الأجنبي, فسعت ثورة الإنقاذ جاهدة لإيقاف الحرب وتحقيق السلام والوحدة, وسخّرت لذلك كل الوسائل, وفي مقدمتها مبادرة مؤتمر الحوار الوطني الذي كان أول تمرين سياسي جامع للحوار حول إمكانية الاتفاق على برنامج وطني يتواضع عليه أهل السودان، وقد خلصت توصياته للآتي:

1 - التأكيد على مبدأ الحوار أسلوباً وحيداً لإيجاد الحلول السلمية، ونبذ العنف والنزاع للمطالبة بالحقوق.

2 - معالجة الأسباب الجذرية والتاريخية للنزاع بتأسيس نظام الحكم الاتحادي.

3 - حسم علاقة الدين بالدولة والديموقراطية بوجوب كفالة الحريات الدينية والثقافية، وأن يقصر الحكم بالشريعة على الشمال دون الجنوب.

4 - اعتماد المواطنة أساساً للحقوق والواجبات (بتكوين حكومات ولائية فاعلة في الجنوب والشمال).

تواصلت جهود حكومة الإنقاذ في هذا الجانب من خلال (محادثات فرانكفورت، مفاوضات أبوجا، مبادرة دول الإيجاد، السلام من الداخل، اتفاقية الخرطوم للسلام)(18).

مبادرات السلام في ظل حكومة الإنقاذ, وموقف الحركة منها:

سعت ثورة الإنقاذ لتحقيق السلام عبر العديد من المبادرات, قام ببعضها زعماء بعض الدول وبعض الشخصيات العالمية، ولكنها لم تنجح بسبب مواقف الحركة الشعبية تجاه هذه المبادرات, والتي كان من أبرزها:

1 - مبادرة الرئيس معمر القذافي: وهي لم تنجح بسبب تعنت قائد الحركة الشعبية.

2 - مبادرة الرئيس الزائيري (موبوتو سيسي سيكو): وقد التقى جون قرنق في كنشاسا، ولكن الأخير تنصل عنها وأحبطها.

3 - مبادرة الرئيس أبو سانقو: وقد التقى قرنق في أديس أبابا, والتقى الحكومة في الخرطوم، ولكنه لم ينجح في جمع الطرفين.

4 - المبادرة المصرية: وقد نصّت على عقد مؤتمر دستوري بمشاركة الحكومة والحركة الشعبية وقادة التجمع الوطني الديمقراطي، ولم تتم تلك المبادرة.

5 - مبادرة الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية (سالم أحمد سالم): وقد التقى الطرفين في كمبالا، ولكنها لم تنجح بسبب رفض قرنق مقابلة الرئيس البشير.

6 - مبادرة سكرتير مجلس الكنائس العالمي: وقد بادر للقيام بدور الوسيط، وانتهت كغيرها دون إحراز أي تقدم.

7 - المبادرة الفرنسية: وقد طالب فيها مسؤول الشؤون الإفريقية في قصر الإليزيه من الرئيس البشير إذناً للتوسط بين الطرفين، وقد دعت الحكومة الفرنسية جون قرنق إلى باريس عام 1991م، ولكن المبادرة أخفقت بسبب تعنت قرنق.

8 - مبادرة الرئيس الأوغندي: وقد سعى للجمع بين البشير وقرنق في أوغندا للاتفاق على تصور مشترك والتعاون المشترك في مجال السلام بالإقليم، إلا أن السعي لم ير النور بسبب رفض قرنق للمقابلة.

التوجه الأمريكي نحو تدويل مشكلة جنوب السودان:

إن المتغيرات في السياسة الدولية منذ نهاية الثمانينيات أفضت إلى إعادة توجه السياسة الأمريكية نحو إفريقيا؛ من خلال التركيز على دبلوماسية التجارة، بالإضافة إلى دعم قادة إفريقيين جدد.

وقد سعت منذ العام 1998م إلى تحقيق هدفين أساسيين:

أولهما: يتمثل في إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية في وسط إفريقيا.

ثانيهما: محاربة نظام حكم الجبهة الإسلامية في السودان وعزله.

ولتحقيق هذين الهدفين طرحت الولايات المتحدة مشروع القرن الإفريقي الكبير، والذي يرمي إلى إنشاء بنية أساسية لمصلحة شركات التعدين والنفط الأمريكية, بالإضافة إلى التأكيد على قضية التوازن الإقليمي، ومحاصرة الأمن القومي العربي.

إن التوجه الأمريكي يدل على أن العناصر المسيطرة على الكونغرس تصر على تعطيل المبادرات الإقليمية كافة, (فقد رفضت المبادرة المصرية الليبية, وأصرّت على تحريف الأهداف الحقيقة لمبادرة إيجاد, وأنشأت ما يُسمّى بجبهة شركاء الإيجاد)؛ كما استبعدت إدارة كلينتون مصر والسودان مما سُمّي بالحوار الاستراتيجي مع دول القرن الإفريقي والبحيرات العظمى.

ويلاحظ أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تستعمل أسلوب الترغيب والترهيب, فهي تعطي المساعدات وتعد بالمنح، وفي الوقت نفسه تعمل عبر مؤسساتها السياسية من خلال الكونغرس الأمريكي ومجلس الأمن الدولي  لتمرير القرارات التي تدين السودان وتوصي بفرض عقوبات عليه(19)!

اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا) بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية:

بعد مفاوضات ماراثونية شهد استاد نيروبي في 9 يناير 2005م مراسم حفل توقيع الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان على اتفاقية السلام الشامل، والتي تم التوصل إليها بعد مفاوضات عسيرة استغرقت قرابة العامين ونصف العام.

وشارك في التوقيع على الوثيقة كل من: الرئيس الكيني مواي كيباكي، ورئيس أوغندا يوري موسيفيني، ورئيس وزراء إثيوبيا ميليس زيناوي، ونائب رئيس نيجيريا أبو بكر الحاج، والمفوض العام للاتحاد الإفريقي ألفا عمر كوناري، والأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، ووزير الخارجية الأمريكي كولن باول، بالإضافة إلى ممثلي العديد من الدول، مثل مصر وإيطاليا والنرويج وبريطانيا وهولندا(20).

وقد أنجزت مفاوضات السلام التي تمّت في مشاكوس ونيفاشا في الجمهورية الكينية في الفترة ما بين يوليو 2002م و 31 / 9/2004م ثماني وثائق:

1 - برتوكول مشاكوس الذي حدّد فترة انتقالية لمدة ست سنوات ونصف السنة، ومنح سكان جنوب السودان بمقتضاه حق تقرير المصير في نهاية الفترة الانتقالية.

2 - اقتسام السلطة.

3 - الاتفاقية حول الترتيبات الأمنية والعسكرية في خلال الفترة الانتقالية التي سمحت للحركة الشعبية بالاحتفاظ بجيشها، وتأسيس مجلس دفاع مشترك وقوات اندماجية، يشار إليه فيما بعد ببروتوكول الإجراءات الأمنية.

4 - بروتوكول اقتسام الثروة.

5 - بروتوكول حل النزاع في ولايات: جنوب كردفان، والنيل الأزرق.

6 - بروتوكول حل النزاع بمنطقة أبيي.

7 - اتفاقية آليات تنفيذ اتفاق السلام.

8 - اتفاقية وقف إطلاق النار الدائم والتي تُعد ملحقاً لاتفاقية السلام الشاملة.

وتتمتع كل هذه الاتفاقيات بوضع الاتفاقية Treaty status حسب نصوص القانون الدولي.

كما تعرضت الاتفاقية لوضعية العاصمة القومية, وحقوق غير المسلمين القاطنين فيها في ظل تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية.

يشار إلى أن الاتفاقية منحت منطقة أبيي وضعاً إدارياً خاصاً, بحيث تتم إدارتها بواسطة مجلس تنفيذي، يتكون من: رئيس مجلس الإدارة ونائبه, وما لا يزيد عن خمسة رؤساء إدارات تعينهم رئاسة الجمهورية قبل إجراء الانتخابات، ويقومون بالإشراف على الأمن في المنطقة, وتقديم الخدمات اللازمة.

وأقرت الاتفاقية تأسيس مجلس تشريعي للمنطقة لا يزيد عدد أعضائه عن عشرين عضواً تعينهم الرئاسة.

كما منحت الاتفاقية سكان ولايتي جنوب كردفان حق إبداء رأيهم حول اتفاقية السلام الشامل من خلال المجالس التشريعية المنتخبة ديمقراطياً من قبل مواطني الولايتين.

كما نصت الاتفاقية على أن تحدّد الرئاسة حجم القوات المسلحة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

وتضمنت الاتفاقية ميثاقاً لحقوق الإنسان، يشتمل على الحقوق الرئيسة: مثل حق الحياة، والحق في الحرية، والأمن الشخصي، وحظر العبودية والتعذيب، والمساواة بين الرجال والنساء.

كما نصّت على تقنين هذه الحقوق في نص الدستور القومي الانتقالي، وتأسيس مفوضية حقوق الإنسان لتأمين تطبيق الحكومة لهذه الحقوق الأساسية، ورصد محاولات انتهاكها.

وبالرغم من توافر الكثير من العناصر الإيجابية لاتفاقية السلام الشامل؛ فإنها حوت عيباً أساسياً وخللاً خطيراً طغى على كل إيجابياتها، وهو تنازل الحكومة في بروتوكول مشاكوس بمنح سكان جنوب السودان حق تقرير المصير الانفصالي، وتتحمل حكومة الإنقاذ العسكرية مسؤولية تضمين حق تقرير المصير الخارجي الذي يهدّد وحدة البلاد, وبذلك أفرزت هذه الموافقة المبكرة (منح جنوب السودان حق تقرير المصير) معظم السلبيات الأساسية، ومن ذلك رفض الحركة الشعبية دمج قواتها العسكرية مع الجيش القومي الموحد وإصرارها على الاحتفاظ بجيش مستقل لجنوب السودان بدعوى أن غيابه سيشكل خطورة على الأوضاع في الإقليم، وأن وجود جيش موحد خلال الفترة الانتقالية سيؤثر في إجراءات ونتيجة  الاستفتاء لحق تقرير المصير .

وترتب على تنازل الحكومة ومنحها الجنوب حق تقرير المصير ظهور مفهوم (الوحدة الجاذبة) الضبابي الذي يصعب إخضاعه لتعريف محدّد متفق عليه؛ الأمر الذي يجعل منه أداة للابتزاز من قبل الحركة الشعبية.

وملخصاً لما يتوقع من المآلات؛ أشارت العديد من الدراسات إلى المخاطر التي قد تواجه اتفاقية السلام، مثل: الديون الخارجية، والنزعة الاستبدادية للحكومة والحركة الشعبية، وسوء إدارتهما للموارد؛ الأمر الذي يؤدي إلى الفساد والصراعات بين المركز والهامش, ووجود الفصائل المسلحة.

وبالفعل؛ أضحى موضوع تقرير المصير كالفيروس الكامن في اتفاقية السلام الشامل، يهدد بالانطلاق والهجوم في أي وقت للقضاء على المكتسبات التي حققتها للسودان، وتهيئة الظروف لتمزيق وحدة أراضيه.

وقد بدأ الصراع المسلح في الجنوب, بانشقاق كثير من القادة والمليشيات عن الحركة الشعبية, وتقوم بعمليات عسكرية لمقاومة سيطرة قبيلة الدينكا على الحكم, ولا ندري ما ستؤول إليه مجريات الأحداث.

(*) كاتب صحفي وباحث في مجال الدراسات الاستراتيجية.

(1) أبو بكـر دينق الجـاك: واقع الدعوة الإسـلامية في جنوب السـودان، موقـع منارات إفريقية، http://www.manarates.net/index.php/manarate/index/18/20

(2) محمد سعيد القدال: تاريخ السودان الحديث 1820م – 1955م، دار مصحف إفريقيا - الطبعة الثانية 2002م، ص 206.

(3) عيسى آدم أبكر: فرضية قيام دولة في جنوب السودان وأثرها على الأمن القومي، كلية العلوم السياسية والدراسات الإستراتيجية، جامعة الزعيم الأزهري، بحث غير منشور، 2002م، ص 4.

(4) أبو بكر دينق الجاك، مصدر سابق.

(5) عزام أبو بكر علي: مقومات الوحدة بين الشمال والجنوب السوداني، شركة مطبعة النيلين المحدودة - الطبعة الأولى - يونيو 1999م، ص 39.

(6) تاج السر عثمان الحاج: الدولة السودانية النشأة والخصائص, الشركة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع – الخرطوم - الطبعة الأولى - 2008م، ص 80.

(7) عزام أبو بكر علي، مصدر سابق، ص 74.

(8) أبو بكر دينـق الجاك، مصدر سابق.

(9) إبراهيم محمد حاج موسى: التجربة الديمقراطية وتطور نظم الحكم في السودان، دار الجيل بيروت - دار المأمون الخرطوم - 1970، ص 603.

(10) إبراهيم محمد حاج موسى، مصدر سابق، ص 609.

(11) عباس صالح موسى: مسار الحكم المحلي في السودان، (الماضي ورؤية مستقبلية), مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية - جامعة أم درمان الأهلية - 2007م، ص 41.

(12) عبد الرحمن أحمد الشيخ الفادني: السلام تعزيز الوحدة وتأسيس النهضة (رؤية تحليلية), شركة مطابع السودان للعملة - الخرطوم - الطبعة الثالثة، 2005م، ص 53.

(13) تيم نبلوك: صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة, ترجمة الفاتح التجاني، ومحمد على جادين، مطبعة جامعة الخرطوم – الخرطوم - الطبعة الأولى - 1990م، ص 250.

(14) عمر عوض الله قسم السيد: الفيدرالية أداة لإدارة النزاع في المجتمعات متعددة الأعراق والثقافات - حالة السودان, مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان - الطبعة الأولى - أبريل 2010م، ص 47.

(15) السودان عشر سنوات من الإنقاذ، المؤسسة العامة للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان - الطبعة الأولى – الخرطوم - 2000م، ص 28.

(16) عيسى آدم أبكر، مصدر سابق، ص 17.

(17) بيتر ودوارد: السودان الدولة المضطربة، ترجمة محمد علي جادين، مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية.

(18) الطاهر محمد أحمد الشيخ الفادني: ورقة بحثية بعنوان: الوضع الأمني بعد استفتاء جنوب السودان، الجمعية السودانية للعلوم السياسية، أمانة المؤتمرات - الخرطوم - نوفمبر 2010م، ص 6

(19) أزهري عوض التوم: اتفاقية السلام السودانية.. كينيا 2005م، رؤية تحليلية، 2008، ص 161.

(20) أمين حامد زين العابدين: اتفاقية السلام وخلفية الصراع الفكري, مطبعة جامعة الخرطوم - الخرطوم 2007م، ص 179.