بنوك الطعام ودورها في مكافحة الجوع في إفريقيا

  • 11 -10 - 2017
  • شوقي صلاح إسماعيل

شوقي صلاح أحمد إسماعيل – باحث سوداني

المقدمة:

 تمثل الزيادة المطردة لعدد سكان الارض خلال العقود القادمة هاجساً كبيراً للمعنيين بتأثير ذلك على الوضع الاقتصادي والغذائي لسكان الأرض، ولعل الوضع في إفريقيا هو الأسوأ من حيث المعاناة المستمرة التي تعيشها القارة من أجل توفير الطعام لأبنائها، وقد ظهرت في السنوات الأخيرة مجاعات كثيرة أودت بحياة الملايين من سكان القارة، كل ذلك جعل البحث عن حلول لتوفير الغذاء من أهم الأولويات ..

تعتبر بنوك الطعام من الحلول التي ثبت أهميتها وأثرها في السنوات الأخيرة في مكافحة الكوارث المتوقعة من حيث وضع الخطط والبرامج لما قبل الكارثة من خلال عمل برامج توعية للجمهور بأهمية حفظ الطعام بطرق فعالة ومن ثم ترشيد استعماله والتقليل من هدر الطعام ، بالإضافة الى الخطط الموضحة لما يمكن فعله أثناء الكارثة من أساليب كفيلة بتجميع الطعام وتوزيعه علي المحتاجين بطرق أمنة وفعالة ، كذلك هو الحال بالنسبة للمحتاجين والمنكوبين بسبب المجاعات كيف يمكنهم الاستفادة القصوى من الطعام والعمل علي تلافي مجاعات مستقبلية وذلك بالتركيز علي توعية جميع المجتمعات ومخاطبة العقل الجمعي لهم من خلال مناقشة بعض المفاهيم التي تتعلق بحفظ الطعام والتعامل معه مثل الفضلة والفائض والمفاهيم الاقتصادية الفعالة من أجل استدامة العمل في بنوك الطعام والمؤسسات المجتمعية المماثلة .

تعريف بنك الطعام: هو مصطلح يشير للمنظومة التي تشرف علي إدارة ( انتاج ، نقل ، حفظ ) الطعام وتقديمه للمستهلكين مجانا ، بصورة أمنة وصحية.

نشأة بنوك الطعام:

وبنوك الطعام عبارة عن مؤسسات خيرية غير ربحية تهتم بتجميع فائض الطعام والهدر الغذائي وتخزينه وتوزيعه على الفقراء والمساكين الذين يعانون من الفاقة وعدم القدرة على شراء الطعام اللازم لسد رمقهم، وأول بنك أنشئ للطعام تم تأسيسه في عام 1976م في الولايات المتحدة الأمريكية ثم في أستراليا، ثم انتشرت فكرة إنشاء بنوك الطعام في باقي دول العالم .. ومع تزايد نسبة التضخم في أسعار المواد الغذائية بدأت تنتشر فكرة إنشاء بنوك الطعام في دول أوروبا خاصة بعد الانهيار المالي العالمي في عام 2008م حيث أثر الكساد الاقتصادي على أصحاب الدخل المنخفض تأثيراً سلبياً شديداً.

وهناك نموذجان لبنوك الطعام: النموذج الأول يعرف (بمخازن التوزيع) ويُعمل به في أمريكا وأستراليا، وفيه يتم جمع الطعام وفرزه وتقييمه من حيث الصلاحية والجودة ومن ثم تخزينه، وبالتالي تعمل هذه المخازن كصرافات للطعام إلى المتعهدين الذين يعملون في الخطوط الأمامية مثل مطابخ الوجبات والموائد الخيرية المنتشرة في المدن الأمريكية والأسترالية ويذهب إليها الفقراء والمحتاجون لتناول الوجبات عندهم، أو تقوم الجمعيات الخيرية في تلك المدن بتوزيع المواد الغذائية وتوصيلها إلى الفقراء والمحتاجين في أماكنهم، والنموذج الآخر يُعرف بـ(الخط الأمامي لتوزيع الطعام) ويُعمل به في باقي الدول الأخرى وفيه يقوم بنك الطعام بتجميع الطعام وتخزينه وتوزيعه إلى الفقراء والمحتاجين مباشرة. ويعتبر فائض الطعام وتبرعات المواد الغذائية التي تحصل عليها بنوك الطعام بمثابة الوقود اللازم لتشغيلها[1].

أهمية الموضوع:

التعريف ببنوك الطعام ودورها في إدارة المعركة ضد الجوع والمجاعات في أوقات الكوارث ، إلقاء الضوء علي دورها المحوري في مرحلة ما قبل الكارثة من خلال توعية المجتمع ليتعامل مع الطعام بالمزيد من الاحترافية والفعالية من حيث ترشيد الاستخدام والتبرع بالفائض .

توعية المجتمع من أجل أخذ الدروس والعبر ، وشكر نعمة الله الذى أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف ، والعمل مع شرائح المجتمع من أجل حضهم على الاستفادة القصوى من الطعام ورفع روح الإنسانية لديهم من خلال الإحساس بالأخر الذي يمر بكوارث طبيعية او مصطنعة أثرت علي قدرته في إطعام نفسه ومن يعول .

تقديم نموذج للمجتمعات الإفريقية من أجل اعادة التفكير في العادات الغذائية للشعوب ، والعمل من أجل إنشاء مؤسسات حكومية او شبه حكومية للقيام بأدوار بنوك الطعام خاصة في أوقات الكوارث الطبيعية والمصطنعة .

التذكير بالمآسي والمجاعات التي ضربت القارة الأفريقية من قبل لتكون عظة واعتبار ، والعمل علي حث الجهات المسئولة علي التخطيط المبكر من أجل منع حدوث مثل هذه المآسي في المستقبل خاصة في دول شرق وغرب إفريقيا ومنطقة الصحراء الكبرى.

إفريقيا والجوع معركة لا تنتهي:

الجميع يقر بأن القارة الإفريقية غنية بالموارد البشرية والطبيعية مع ذلك تعتبر إفريقيا في مؤخرة القارات من حيث التنمية و في مقدمة القارات من حيث الفقر و البطالة ، هذا الواقع المرير يستلزم إعمال الفكر من أجل استخدام المتاح للنهوض عبر عملية إدارية محكمة[2]، والسؤال المر الذي لا مناص من طرحه هو لماذا ارتبطت إفريقيا بالجوع والمجاعة علي الرغم من المزايا التفضيلية التي تتمتع بها القارة من حيث الموارد على جميع قارات المعمورة ؟ ، للإجابة علي هذا السؤال تبرز مصطلحات ارتبطت بالقارة الإفريقية أدت بطريقة مباشرة او غير مباشرة الى كوارث مازالت ذكراها قائمة الى اليوم ,ونشير بالخصوص لسوء إدارة الموارد الطبيعية والأخطاء البشرية التي أدت إلى كوارث مصطنعة ، بالإضافة الى الكوارث الطبيعية التي لا تميز بين القارات وتعم الجميع .  

ذاكرة المجاعات في إفريقيا دروس  قاسية لمن يعتبر:

أسوأ المجاعات التي حدثت في أفريقيا تلك التي طالت الساحل الأفريقي عام 2010 خصوصا في النيجر ومنطقة غرب أفريقيا، حيث عانى ملايين الناس من شح الأمطار ونقص الغذاء ، وأسفر شح الأمطار في العام 2009/2010 عن نقص في المنتجات الزراعية في بلدان مثل النيجر وتشاد وبوركينا فاسو وشمال نيجيريا , وفي يوليو/تموز 2011 ضرب جفاف شديد منطقة القرن الأفريقي، مما أودى بحياة الآلاف في الصومال والدول المجاورة[3].

وهنالك أمثلة أخرى أكثر قسوة , ففي عام 1992م وقعت أسوأ موجة جفاف في القرن العشرين في الصومال، ويقدر عدد من قضوا نحبهم بسببها بأكثر من 300 ألف شخص , وفي السودان 1994 م في منطقة  “بحر الغزال” بجنوب غرب السودان، ففي هذه المنطقة فقط مات أكثر من 70 ألف شخص من المجاعة ، بالإضافة إلى هجرة 72 ألف شخصاً آخرين [4].

وقد شهد الكثير من الخبراء أن أسباب هذه المجاعات بالإضافة الى ما ذكر  يعود إلي أسباب بشرية , و المثال الواضح يتجسد في المجاعات التي حدثت ومازالت وتحدث حتي الان  - عام 2017م - في دولة جنوب السودان , ففي 20 فبراير/شباط الماضي وقع المحظور، وأعلنت ثلاث منظمات دولية وحكومة جوبا أن المجاعة حصلت بالفعل في ولاية الوحدة؛ لذا فإن قول المنسق الإنساني للأمم المتحدة بجوبا، يوجين أويوسو "إن المجاعة هذه المرة هي من صنع الإنسان" كان بمثابة وضع الأمور في نصابها، فقد اجتمعت عوامل الحرب الأهلية وارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى الأزمة الاقتصادية وتدهور الإنتاج الزراعي، لتوصل السكان المدنيين إلى المجاعة الفعلية [5], وكذلك هو الحال في الصومال , حيث  أودت المجاعة التي ضربت الصومال بين عامي 2010 و 2012 بحياة 260 ألف شخص، أكثر من نصفهم أطفال تحت سن الخامسة [6]، وكل هذه النماذج تدل على أن بعض الساسة وصناع القرار لا يعتبر من هذه الإحصائيات والأرقام ولا يلقي لها كبير انتباه , لذا فإن معركة إفريقيا ضد الجوع لن تنهي قريبا.

وهنا تبرز أهمية التنمية الزراعية المستدامة للقارة الإفريقية، ونعني بها إدارة وصيانة الموارد الطبيعية الأساسية بحيث تتضمن المؤسسات والتقنيات والمتطلبات الإنسانية الحالية والمستقبلية [7]، وتكمن أهميتها في مواجهة كارثة المجاعة؛ عن طريق تبني سياسات فعالة في الاهتمام الرسمي بالإنفاق الحكومي علي الزراعة والتنمية الزراعية المستدامة لتنخفض المجاعات وتأثيراتها ، ووضع الخطط الكفيلة لمواجهة الكوارث الطبيعية المؤثرة علي الأمن الغذائي التي تشمل , الجفاف والفيضانات والتصحر والتعقيدات المترتبة على التغير المناخي. وتتسبب الكوارث الطبيعية في المعاناة ونضوب قاعدة الموارد الطبيعية وتضرر البنية التحتية وتزايد الفقر. ويتسبب  الجفاف ، في ندرة المياه، وتلف المحاصيل، ونقص التغذية، وتدهور التربة، ونضوب العلف، وارتفاع نسبة النفوق للمواشي وغيرها من المشاكل.

مجابهة التحديات المؤثرة على التنمية الزراعية المستدامة والتحديات المانعة لتحقيق الأمن الغذائي للقارة الإفريقية المتمثلة في معالجة سد فجوة الاستيراد الأخذة في الاتساع ، فتشمل الحاجة الى معالجة الضغوط السكانية ، والإدارة المستدامة للموارد المائية، وتعزيز الإنتاجية في كافة المجالات بما في ذلك المحاصيل والمواشي ومصايد الأسماك والحد من خسائر الغذاء وإدارة واردات الغذاء [8].

كما تكمن أهمية التنمية الزراعية المستدامة في الحد من خسائر الغذاء وإدارة ورادات الغذاء وتقليل الهدر، انتشار الوعي بالمسئولية المجتمعية عند الشركات والمؤسسات الخاصة والعامة ، ويمثل ذلك أرضية ومجالاً لعمل بنوك الطعام وتوفير المقدرات والموارد الزراعية التي تمكن القائمين على هذه البنوك من توفير الطعام للسكان.

أهمية بنوك الطعام للقارة الإفريقية:

مما سبق تتضح لنا حجم المشكلة والمثال العملي للاتجاه نحو الحلول العملية لمتلازمات الفقر والجوع ، وتتمثل الخطوة القادمة في اقتراح بعض الحلول التي بالإمكان تطبيقها في القارة الإفريقية, ونركز في هذا المقال على توضيح طبيعة بنوك الطعام وكيف يمكنها أن تشارك في حل متلازمة الجوع والفقر، وكيف تتمكن من حل مشكلة الجوع والفقر في فترة زمنية قصيرة، بحيث تكون علي المدى الطويل المشروع الأهم في المساعدة على القضاء المبرم لمشكلة المجاعات المتلاحقة في القارة الإفريقية.

وهذا المشروع العملي تم تطبيقه في عدد من الدول والأماكن المختلفة، ولاقى نجاحاً كبيراً، ولنأخذ مثالاً في إفريقية لتطبيق هذا المشروع وهو يخص مؤسسة بنك الطعام السودانية ودورها في مكافحة الجوع في السودان:

مراحل تطور فكرة بنك الطعام في السودان:

بنك الطعام في فكرته الأساسية عبارة عن ، مؤسسة تطوعية تعمل على محاربة الجوع ، وتعمل المنظمة في مجال التنمية والأمن الغذائي وسط شرائح المجتمع الفقيرة ، تعمل المنظمة وفق رسالة وفكرة التكافل بين المجتمع لدرء المخاطر الناجمة عن الجوع على الصحة والتنمية والآثار الناجمة عن ذلك المتمثلة في التشرد والتسول [9].

مرت الفكرة بعدة مراحل وتطورات أكسبت العاملين فيها الخبرة والدراية منذ أن كانت أعمال قليلة الأثر ومبادرات فردية حتى أصبحت الان عدة مؤسسات متنافسة لخدمة الإنسان السوداني من أجل كسب المعركة ضد متلازمات الجوع والفقر ..

المرحلة الأولي:

تأسست منظمة بنك الطعام السوداني من خلال منظمة العون الإسلامي البريطاني - مكتب السودان إلى جانب شركة (سيدكو) للاتصالات، وهي منظمة طوعية سودانية للمساعدات الإنسانية غير الحكومية بدأت نشاطها في عام 2006 [10]، ابتداء كانت فكرة مختصرة وبرنامج صغير من يتبع لمنظمة العون الإسلامي البريطاني ، يعني بتجهيز وجبات للطلاب في المجمعات السكنية بالإضافة لعمل برامج موسمية في رمضان وعيد الأضحى ، ومن هنا ظهر جليا أهمية التوسع في هذا البرنامج وذلك من خلال تجاوب شرائح المجتمع السوداني مع الفكرة بالدعم والمشاركة خاصة في برامج (عيد بلا جوعي) الذي يعنى بتجميع لحوم الأضاحي وتوزيعها علي المحتاجين ، حيث امتلأت كل الطاقة التخزينية الموضوعة في أزمان قياسية.

المرحلة الثانية:

انفصلت عن منظمة العون الإسلامي البريطاني لتصبح منظمة قائمة بذاتها منذ العام 2010م يقودها مجموعة من الشباب ، تحديات ومفاهيم رسائل كثيرة يهدف هؤلاء الشباب إلى توصيلها عبر هذه المنظمة، ولكن تحديات عصيبة تقف عائقاً أمام هذا المشروع الذي يرمي إلى أن يكون السودان بحلول عام 2020 خالياً من الجوعى ورائداً في إدارة عملية مكافحة الجوع بأفضل بنية تحتية وطاقات بشرية ونظام إغاثة فعال [11] ، كانت هذه المرحلة تحدى كبير للفكرة حيث تمت صفية المؤسسة الراعية للمناشط في المرحلة الأولي ، وكادت الفكرة أن تندثر لولا فضل الله علينا ومن ثم مجهودات بعض الشباب الذين حولوا هذه الفكرة لمؤسسة تطوعية شبابية مسجلة في مفوضية العون الانساني السوداني ، وأصبحت مشكلة التمويل هي الهاجس الاكبر لمواصلة تنفيذ البرامج .

المرحلة الثالثة:

هذه المرحلة تضمنت إنشاء منظمة بنك الطعام السودان ,منظمة وطنية مستقلة قائمة على التطوع وتعمل علي تحقيق الامن الغذائي والإسهام في تحرير الإنسان في السودان من الجوع والعوز والفقر ، صيانة كرامته واستنهاضا لطاقته للإنتاج وتحقيق الكفاية في شراكة وتكافل مع المجتمع[12]، وذلك بالتعاون بين الطاقات الشبابية المؤسسة لفكرة بنك الطعام في المراحل السابقة مع إضافة كوادر مؤهلة و موارد أكثر عبر مكتب تنفيذي جديد ومجلس إدارة يشارك فيه افضل العقول السودانية المتخصصة في المجالات ذات الصلة .

أولويات مكافحة الجوع عبر بنك الطعام السوداني:

 نقصد بهذه الأولويات الشرائح المجتمعية المستهدفة بالدعم والمساعدة ، من خلال خطط الاستراتيجية والبرامج  التي توضع لمكافحة الجوع والفقر ، ويمكن التدليل عليها من خلال أهداف الواردة في الموقع الرسمي للمنظمة بنك الطعام السوداني ، التي تشمل :-

الأولوية القصوى :-

توضع للاهتمام بالشرائح التي تتعرض لتغيرات مفاجئة وتحد من قدرة العائل علي توفير الغذاء عند حدوث الكوارث الطبيعية في موسم الأمطار في السودان ، كما حدث في السنوات الخمس الماضية ، بالإضافة للكوارث المصطنعة بفعل الإنسان وتصرفاته الخاطئة ، التي أفرزت الأعداد الكبيرة من اللاجئين من الدول المجاورة للسودان بسبب الحروب ، حيث تكون هذه الشريحة الأكثر حاجة للمساعدة بتوفير الغذاء والماء الصالح لشرب ، وهو ما تم تحديده في الهدف الأول للمنظمة بتقديم العون الغذائي والطعام للمحتاجين ومتأثري الكوارث و حالات الطوارئ .

الأولوية المهمة :-

توضع للاهتمام بدعم شرائح محددة مثل طلاب المدارس وخلاوي تحفيظ القرآن الكريم وذلك بتقديم وجبات دورية في أماكن الدراسة والسكن  ، بالإضافة إلي دور المخصصة للفئات التي تحتاج إلي الدعم المستمر نسبة لعدم قدرتهم علي تلبية الاحتياجات الغذائية لوجود سبب مانع ، ويتحقق ذلك بتقديم العون الغذائي والطعام للمحتاجين من الأطفال والطلاب في مؤسسات التعليم ودور الأيتام والعجزة والمسنين وذوى الاحتياجات الخاصة و الأسر المتعففة.

الأولوية العادية :-

بالعمل مع المجتمع للحد من الهدر في استخدام الطعام والغذاء وتحويل الفائض لمكافحة الجوع والعوز والفقر ونشر ثقافة الغذاء الصحي ، ومساعدة الفقراء بتوفير وسائل الانتاج والتدريب والارشاد والعون الفني وادخالهم في دورة الانتاج والاكتفاء الذاتي ، والعمل علي انشاء مؤسسات استثمارية لضمان الاٍستقرار المادي و استدامة العمل بالمنظمة .

الجدير بالذكر أن المؤسسات الخدمة مثل بنوك الطعام تحتاج الى إدارات متخصصة في المسائل المالية والإدارة والقانونية ، إدارات متخصصة بالمشاريع وطرق والأليات الفعالة لتنفيذها ، إدارات متخصصة في الإعلام لتقوم بالتوعية عبر الإعلام التقليدي والإعلام الجديد ، إدارات متخصصة بالاستثمار وتوفير الدعم المالي والعيني وبناء الشراكات مع رجال الأعمال المؤسسات المشابهة .

بنوك الطعام الدور المطلوب :-

مشروع بنك الطعام وتطبيقاته ينبغي أن يسلط عليه الضوء، ويوضع تحت مجهر الاهتمام لدى المهتمين ومؤسسات المجتمع المدني في دول القارة الإفريقية نسبة للضرورة التي حتمتها الحاجة إلي المزيد من إحكام حلقات الإدارية من أجل الاستخدام الفعال والإيجابي للموارد المحدودة للغذاء في العالم في القارة الإفريقية ، نسبة لاحتمالية حدوث الكوارث في أي لحظة في كل دول إفريقية ، وهذه الكوارث يجب ان نجد خطط لتلافي أضرارها وعدم الانتظار لوصول الدعم الخارجي خاصة عند الضربة الأولي ، وبنوك الطعام هي المرشح المحتمل لأداء هذا الدور عبر عدة خطوات أهمها :-

إعادة توزيع الفائض من الطعام في المناسبات الخاصة  :-

تعتمد هذه الفكرة على عقد اتفاقيات مع الفنادق وصالات المناسبات الخاصة  على إعادة توزيع الطعام الفائض من هذه الأماكن وتوزيعها على التجمعات السكانية المحتاجة القريبة من مكان الحدث ويتجلى ذلك في تجربة بنك الطعام المصري فمن , أهم المحاور التي يعمل عليها بنك الطعام المصري التوعية بعدم إهدار الطعام، فقمنا داخل مصر بعمل بروتوكول تعاون مع غرفة المنشآت الفندقية لعدم إهدار الطعام الفائض من الحفلات و الذي "لم يمس" و تعبئته في أطباق فويل لتوزع على المحتاجين في المنطقة المحيطة بالفندق [13].

إعادة توزيع الفائض من الطعام في المناسبات العامة :-

من المعلوم أن لكل مجتمع أنساني مناسبات وأعياد تظهر فيها مظاهر الاحتفال والبهجة ، ويترافق مع هذه الاحتفالات الهدر الكبير للطعام ، ومن هذه المناسبات بالنسبة للمسلمين عيد الفطر بعد صيام شهر رمضان وكذلك عيد الأضحى ، يتمثل دور بنك الطعام في الاستفادة من المناسبات من أجل تجميع الفائض من الطعام وتوزيعه على المحتاجين ، كما في مشروع "عيد بلا جوعي" التابع لبنك الطعام السوداني , حيث تقوم المنظمة بنصب خيام في الأحياء (المتيسرة) وتجميع آلاف الكيلوجرامات من اللحوم وتوزعها على الأسر الفقيرة[14] في عيد الأضحى المبارك، ويساعد هذا العمل في الحفاظ علي الكميات الكبيرة من اللحوم التي تذبح في العيد الأضحى، كما في مشروع "الإفادة من لحوم الهدي والأضاحي" الذي يقوم بالاستفادة من أضاحي وذبائح حجاج بيت الله الحرام وإعادة توزيعها للمحتاجين في دول العالم المسلم والغير مسلم ، او ترحيلها الى مخيمات اللاجئين في أنحاء العالم.

 تحفيز المجتمع لإطعام الفقراء :-

يتم ذلك بتفعيل مبادئ المسئولية المجتمعية للشركات والمؤسسات من أجل الإسهام في إطعام الفقراء ، هذا المشروع موجود تحت مسمي كيس الصائم وكيس الأيتام في منظمة بنك الطعام السوداني ، حيث يتم مخطبة المساهمين وتجمع المبالغ المالية وتحول إلي مساهمة دورية ب ,  كيس لأسر الأيتام يختلف عن كيس الصائم، ويحتوي على (10) كيلو سكر، (10) كيلو دقيق، (2) كيلو عدس، (2 ) كيلو أرز، (4) أرطال زيت ، ملوة بلح، ملوة كركدي، إضافة إلى ملوة بليلة عدسية وملوة كبكبي، إلى جانب كيلو لبن بودرة وعلبة كبيرة صلصة [15]، حسب الأولويات درجة الفقر والحاجة ، ويمكن توسيع هذا المجهود ليشارك فيه اكبر قدر ممكن من الخيريين بعمل حملات إعلامية موجه ومصممة لهذا الغرض خاصة في المواسم الدينية مثل شهر رمضان عيد الأضحية بالنسبة للمسلمين ، والمناسبات الأخرى لغير المسلمين .

بنوك الطعام كأداة لوقف هدر الطعام:

حذرت منظمة الأغذية والزراعة العالمية – الفاو – من الهدر الكبير من جملة المنتج من الطعام وتأثير ذلك على البيئة والأمن الغذائي للمجتمعات , فإن الخسائر الغذائية المرتفعة لا تشكل عبئا اقتصاديا فحسب بل هي عبئا بيئيا وقد تكون كذلك ضارة بالأمن الغذائي ، إلا أن تخفيض الفاقد المهدر من الغذاء يتطلب استثمارات إضافية كبيرة في إمكانيات الإقليم على تخزين الغذاء [16]، ذلك علي مستوى إقليم الشرق الأدنى وشمال إفريقيا وحده حيث , تفيد التقديرات بأن حوالي 20 بالمائة من الإمدادات الغذائية الصالحة للاستهلاك الآدمي تفقد أو تهدر في الإقليم[17].

الأرقام الصادمة مخيبة للآمال علي مستوي الإقليم وكذلك هو الحال لدولة واحدة , كمثال علي الهدر الكبير للغذاء في مصر متوسط الخسائر التقديرية بالنسبة المئوية في الفواكه 19% ، الخضروات الطازجة 29% ، البرتقال 14%، الطماطم 15% [18].

مما سبق يتضح لنا عظم الخطب الجلل ، ومن هنا يبرز لنا أهمية بنك الطعام كشريك للحكومة والمجتمع ، من أجل تقليل الهدر الكبير للطعام وذلك بتفعيل الرقابة علي الأسواق وتنبيه المجتمع علي تسليم بنوك الطعام الفائض من الطعام بصفة دورية او يومية , وعمل خطط إشرافية مشتركة لتوزيع الفائض علي المحتاجين بطريقة أمنة ومشرفة تحفظ الكرامة الإنسانية .

مفاهيم مجتمعية في مكافحة الجوع :

لتعزيز دور بنوك الطعام في تقليل أعداد الجوعى يستلزم ذلك عمل كبير لوسائل الإعلام لتوعية المجتمع وتبصيره بالمفاهيم الخيرة الموجودة فيه ، و العمل علي تشكيل و توجيه العقل الجمعي نحو أهمية التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع ، وتنمية روح الإنسانية ، وتعزيز هذه المفاهيم في القوة الفاعلة في المجتمع ، ويتحقق هذا الهدف بالتنويه للمفاهيم التالية , علي المستوى الفردي ، المؤسسات ، الدولة .

مفهوم اشترى واترك لغيرك :

نعني به تحفيز المقتدرين على شراء ما يكفي اسرته من طعام او شراب ، وشراء كميات أخرى تكون عهدة لدي أصحاب البقالات و " سوبر ماركت " لتوزع على المحتاجين ممن ليس لديهم القدرة علي الشراء خاصة علي المستوى الفردي ، وأثبتت التجربة نجاح هذا المفهوم وتحوله إلي عادة لدي السودانيين في العاصمة الخرطوم خاصة في الأحياء الشعبية ، حيث يشترى الشخص ما يكفيه من أرغفة الخبز ، ويشترى كمية أخري تعلق علي لافتة كبيرة مكتوب فيها ( أشترى أترك لغيرك ) فيأتي المحتاج ويأخذ مما ترك في هذه اللافتة ولا يجد غضاضة ولا تعنيف من أحد ، وهذا الصنيع لا يحتاج لأى مؤسسة لتديره فهو فعل عفوي من أبناء المجتمع وتطبيق جميل معانى الإسلام ، فعندما تتصدق لا تدرى من يأكل هذا الخبز ، ينتشر هذا المفهوم ليشمل العديد من السلع ، غير الخبز والماء , مثل ما حدث في مبادرة (people’s fridge)  في بريطانيا حيث وضعت ثلاجات في الشوارع يضع فيها المتبرعون الفائض من طعامهم ويأكل الجوعى ما يحتاجون من طعام بطريقة عفوية تلقائية[19].

مفهوم من الفضلة الي الفائض :

نعني به الالتزام في محيط الأسرة والمجتمع باستهلاك ما يكفي من الموارد والعمل علي التبرع بالفائض من الطعام والشراب للغير , حتي لا تحول المواد الغذائية الى نفايات بسبب تخزينها وعدم استعمالها في الوقت المناسب ، وهذا المفهوم يمكن أن يتبني علي مستوى المؤسسات التجارية في أسواق الخضر والفاكهة والمطاعم والمقاهي ، حيث يمكن للصاحب المطعم عند نهاية يومه أن يتبرع هو بالفائض من الطعام الذي عنده للمحتاجين او يعقد اتفاقيات مع بنك الطعام في المنطقة لاستلام الفائض وتوزيعه علي المحتاجين، وكذلك هو الحال لبقية المؤسسات المشابهة .

مفهوم الاستثمار الوقفي :-

 نعني به , ما يبذله ناظر الوقف من جهد فكري ومالي من أجل الحفاظ على الممتلكات الوقفية وتنميتها بالطرق المشروعة ووفق مقاصد الشريعة ورغبة الواقفين بشرط ألا تعارض نصا شرعيا [20]، ويحتاج لهذا المفهوم علي مستوى الدولة لتعزيز دور المؤسسات العاملة في مجال إطعام الفقراء ، عن طريق تحفيز عناصر المجتمع لعمل أوقاف لإطعام الطعام وتوفير موارد مالية كافية لاستدامة العمل فيها ، ففي المجتمع السوداني خاصة وبعض المجتمعات الإسلامية على العموم ما يشبه هذا المفهوم وأقصد هنا ( التكايا ، جمع تكية ) حيث يصنع الطعام مجانا للفقراء والمساكين علي مدار اليوم ، لكن المطلوب في هذا البحث مؤسسات وقفية او شبة حكومية للاطلاع بهذا الدور المهم .

6. الخلاصة :-

يتضح لنا الأهمية القصوى لأهمية بنوك الطعام من أجل مكافحة الجوع ، ومن أجل عمل مشروع  أممي إفريقي لعمل تنمية زراعية مستدامة للقارة كمدخل لتوفير الغذاء حتى يستمر عمل بنوط الطعام، كحل عملي لمشكلة الجوع والمجاعات كخطوة أولي ، وكذلك أهمية إنشاء بنوك الطعام في كل قطر إفريقي للاطلاع بالأدوار أنفة الذكر ، وأهمية عمل شراكات مجتمعية لاستدامة العمل في إطعام الجوعى ، لان هذا العمل لا تكفي الجهود الحكومية فقط للاطلاع به ، بل يهم جدا أن يطلع المجتمع بالدور المحرك كأفراد او مؤسسات مجتمعية .

7. التوصيات :-

اعتمادا علي الخلاصة التي خرج بها البحث نتوصل الى التوصيات التالية :-

التوصية الأولى : -

إلى  القائمين بالعمل في بنوك الطعام , أعانكم الله وسدد خطاكم , لأصحاب القلوب الرحيمة الممتلئة إنسانية ، إن مسألة محاربة الجوع تتطلب جهود المجتمع ، فيجب استخدام وسائل الإعلام بطريقة أكثر فاعلية والاتجاه الى المؤسسات لتفعيل مسؤولياتهم المجتمعية من أجل الوصول أكبر قدر ممكن من الاستخدام الفعال للطعام للوصول الى نسبة هدر تساوى الصفر المئوي ، والاستعداد جيدا في حال حصول أى مجاعة بالتجهيز والاستعداد في أي لحظة .

2.7.التوصية الثانية :-

موجهة الى صناع القرار ، إن مسألة المجاعة ما هي إلا سوء إدارة للموارد  والاستعداد الضعيف في مرحلة ما قبل الكارثة ، فمن الحكمة  تحفيز المجتمع من أجل الاطلاع بالمزيد من الفعالية لتقليل أعداد الجوعى ، والاهتمام بالتنمية الزراعية المستدامة لتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية التي يعتمد عليها المواطن في تغذيته.

3.7.التوصية الثالثة :-

موجهة إلي القوة الفعالة في المجتمع مثل مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والمبادرات التطوعية, يجب عدم انتظار الجهود الحكومية لتقود المبادرات والفعاليات من أجل محاربة الجوع وتقليل هدر الطعام ، بل الواجب إمساك زمام المبادرة بالفعل الإيجابي ، وأهمية إقامة المؤتمرات وعمل البحوث لإيجاد المزيد من الحلول لمسائل الجوع وسبل مواجهتها ، كذلك الاهتمام بدراسة تجارب الأمم الأخرى، والاهتمام بالمبادرات الشبابية والمجتمعية  لزيادة التوعية أفراد المجتمع بأهمية الزراعة رفع مكانة المزارع باعتباره الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في أي مجتمع متحضر .

[1]بنوك الطعام، جريدة الجزيرة السعودية، م. خالد إبراهيم الحجي، الاربعاء 08 ابريل 2015. http://www.al-jazirah.com/2015/20150408/ar4.htm

[2] دور الشباب الإفريقي في تنمية المجتمع عبر المنظمات التطوعية ، شوقي صلاح احمد اسماعيل ، مجلة قراءات الإفريقية العدد 29 يونيو 2016 .

[3] المجاعات في أفريقيا : عبد العظيم محمد الشيخ-الجزيرة نت http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2012/5/19/

[4] أبشع مجاعات القرن العشرين .. التي راح ضحيتها الملايين : أميــرة أحمــد: في الرابط http://www.arageek.com/2014

[5] أسئلة المجاعة في جنوب السودان: تغطية موقع الجزيرة نت  http://www.aljazeera.net/knowledgegate/newscoverage/2017/3/5/

8.المجاعة في الصومال ، حجم الكارثة والاحتياجات : مركز مقديشو للدراسات والبحوث http://mogadishucenter.com/2017/02

[7] التنمية الريفية المستدامة وقضايا الغذاء في العالم العربي ( الفقر – الجوع – سوء التغذية – التنمية الاقتصادية – الاجتماعية – البيئية ) السودان سلة غذاء العالم العربي : أ.د . محمد قيلي عبد الرازق : سوريا 2006 م ، نقلا عن منظمة الغذاء العالمية 1988.

[8] تقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" .2015، نظرة إقليمية عامة حول انعدام الأمن الغذائي الشرق الأدنى وشمال إفريقيا، ص7 .

[9] اعلام بنك الطعام السوداني علي الرابط : https://plus.google.com/116532994629907507762/posts/EWHAKy1HKxC.

[10] بنك الطعام .. دعوة إلى سودان بلا جوعى 23/06/2013 21:54:00 المجهر السوداني الخرطوم - هبة محمود ، موقع http://sudaneseonline.com

[11] بنك الطعام .. دعوة إلى سودان بلا جوعى 23/06/2013 21:54:00 المجهر السوداني الخرطوم - هبة محمود ، موقع http://sudaneseonline.com.

[12] الموقع الرسمي لمنظمة بنك الطعام السودان Sfbank.org

 11بنك الطعام إقليمياً و دوليا, الجوع مشكلة عالمية و ليس مشكلة داخل مصر فقط http://www.egyptianfoodbank.com

[14] بنك الطعام .. دعوة إلى سودان بلا جوعى : الخرطوم - هبة محمود ، صحيفة المجهر السوداني : http://almeghar.com.

[15] بنك الطعام .. دعوة إلى سودان بلا جوعى : الخرطوم - هبة محمود ، صحيفة المجهر السوداني: http://almeghar.com.

[16] تقرير الفاو2015، نظرة إقليمية عامة حول انعدام الأمن الغذائي الشرق الأدنى وشمال إفريقيا.

[17] تقرير الفاو 2011، الفاقد والمهدر من الغذاء على مستوى العالم- النطاق، الأسباب، والوقاية

[18] الفاو 2013، تقرير اجتماع الخبراء  التشاوري حول خسائر الغذاء وتخفيف الهدر في منطقة الشرق الأدنى: نحو إستراتيجية اقليمية شاملة، مكتب منظمة الفاو لإقليم الشرق الأدنى وشمال إفريقيا، القاهرة.

[19] برنامج الجزيرة هذا الصباح 24/4/2017 قناة الجزيرة الفضائية

[20] دور الأوقاف في تنمية الاقتصاد التضامني الاجتماعي - عبد القادر بن عزوز، مركز أبحاث الاقتصاد التطبيقي للتنمية – الجزائر، 2007/  ص7.