بسم الله الرحمن الرحيم خُلاصات أفريقية

  • 30 -10 - 2009
  • عاصم محمد حسن محمد

 

تمهيد:

شهدت منطقة غرب أفريقيا تغيراً متسارعاً وتفاعلاً معقّداً خلال جيل واحد كان طرفه الأول آباء فقراء أميون يعيشون على الزراعة البدائية، وطرفه الأخير نخبة مثقفة من أصحاب الوظائف والمهن والطموح السياسي.. إنها فصول متسارعة الأحداث تحكي قصة تعاطي إنسان غرب إفريقيا مع مستجدات الحضارة.

إن الهدف الأساس من هذا الكتاب هو دراسة درجة الملاءمة والتكيّف بين المجتمع التقليدي في غرب إفريقيا وبين الظروف والأوضاع الحديثة، في حقبة ما بعد الاستعمار

أولاً: تراث الماضي:

تُظهر خارطة غرب أفريقيا مجتمعاً لدول محدودة بالمحيط الأطلسي في الجنوب والغرب، والصحراء الكبرى من جهة الشمال، وبالغابات الكثيفة الممتدة من الجنوب إلى الشرق عبر جبال الكاميرون في مناطق السافنا، في تدرج ملفت للنظر. وقد هاجرت إلى المنطقة المجموعات السكانية عبر نهر النيل مشكلة الممالك والإمبراطوريات التي ازدهرت حضارياً واقتصادياً في تلك المناطق (غانا- ومالي وسونغاي).

وتظهر في الخارطة الديمغرافية ثلاث مناطق ذات كثافة سكانية كبيرة: أمارات ذات كثافة سكانية عالية وطراز معماري شرقي وهي: هاوسا-فولاني، ومناطق كظيظة، يعمل أفرادها في الزراعة ضمن مناطق شاسعة وهي ممالك يوروبا (بقايا امبراطورية أويو التي دمرتها الصراعات الأهلية وهجمات مملكة الفولاني)، وبلاد الإيبو، الذين يعيش أكثر من ألف نسمة منهم داخل مساحة لا تزيد على ميل واحد مربع!، أما بقية المجموعات في غرب إفريقيا فهي قليلة العدد نسبياً،تعيش في مناطق كانت تتمركز فيها بعض الممالك القديمة في مناطق تمركز للمالك قديمة كمملكة الموسي في الفولتا العليا ، كما تسكن مجموعات بدوية من البربر في تخوم الصحراء ومجموعات الطوكلور في السنغال. ويعتقد أن تجارة الرقيق التي شحنت قرابة ستة الملايين الستة ملايين زنجي، كان لها دور كذلك في تقليل نسبة السكان في المنطقة.

والمجتمع في غرب أفريقيا كان ـ ولايزال ـ زراعياً، وقد تطورت الصناعات الحرفية والنسيجية فيه عن بقية المناطق الأخرى في القارة، وقد أولاها الغرب اهتماماً خاصاً فهي المناطق الأقرب إليه، وهو ما أدى إلى قيام أسواق كبيرة تعد هي الأكبر والأرقى في أفريقيا.

وقد عُرفت منطقة غرب إفريقيا بالأمان منذ عهد الممالك الإسلامية القديمة التي تمكنت من بسط الأمن في الطرق التي تربط بين المدن الكبرى، كما يعتبر المجتمع متجانساً من الناحية الثقافية، حيث يشترك السكان في كثير من المبادئ والتقاليد، بل والأساطير كذلك، وإن كان ثمة اختلاف فمرده إلى تباين المجموعات الجماعات اللغوية التي تكثر في المنطقة. تعد المنطقة غنية جداً بها.

السلالات العرقية:

المجتمع في غرب أفريقيا مجتمع قبلي يتكون من سلالات عرقية متعدة، لكل منها شجرة نسب واحدة من صلب ذكر أو أنثى، وينحدرون جميعا من جد قديم معروف الاسم، تشترك هذه السلالة أحياناً في المهن والحرف، ويحكم أفرادها ميثاق اجتماعي – سياسي محدد يرجعون إليه في قضاياهم المختلفة كمسائل الاستيطان والسيادة على الأرض، والزراعة، والقوانين الجزائية، والعلاقات مع المجموعات الأخرى.

النظام السياسي:

كانت النظم الملكية هي السائدة في غرب إفريقيا، حيث يستعين الملوك لتسيير شؤون الممالك بمشورة مجالس من الرؤساء المتنفذين، وبطرق متباينة في شكل العلاقة بين الملوك وهؤلاء الرؤساء ؛ الأمر الذي أفاد الاستعماريين جداً في فهم طريقة المؤسسات التقليدية ووضع أسس للتعامل معها .

ثانياً: أثر الغرب:

التجارة والاستعمار:

مرت في العام 1434م سفن برتغالية برأس بوجادور في موريتانيا، وتوالت الزيارات بعد ذلك على المنطقة لمدة خمسين عاماً تقريباً حيث كان الاهتمام منصباً على ساحل الذهب، بيد أن الساحل ظل ضنيناً ولم يقدم سوى القليل من الذهب، كما كانت الحاجة إلى الرقيق من الأسباب القوية لجذب الأوروبيين إلى المنطقة، وخاصة بعد اكتشاف الأمريكتين وقد وبلغ حجم هذه التجارة خلال النصف الثاني من القرن السادس عشر قرابة 13000 عبداً في العام الواحد، وارتفع الرقم ليصبح 70000 في القرن الثامن عشر.

قوِيَ نفوذ الوسطاء الأفارقة في هذه التجارة، كما توغلت السفارة البرتغالية حتى مالي، ولكنها لم تنشئ مراكز تجارة نشطة كالحال في تغلغلهم في أفريقيا الوسطى، ومع نهاية القرن السابع عشر بدأ الفرنسيون كذلك في التوغل داخل البلاد عبر نهر السنغال.

ومع تسارع وتيرة العمليات التجارية في المنطقة، وظهور الحاجة للمترجمين والموظفين المحليين بدأ بعض الأفارقة في تعلم اللغات الأوروبية، وتأثروا بثقافتهم وطريقتهم في الحياة، وتعد هذه المرحلة هي مرحلة نشوء النخب المثقفة .

كان التنصير هدفاً رئيساً للرحالة البرتغاليين الأوائل الذين اعتقدوا أن دخول الرقيق المسيحية يكفي مبرراً للاتجار فيهم!،فأنشأوا منظمات ومجموعات كثيرة -كجماعة الكنيسة للتبشير، التي أنشأها ويلبرفورس وأصدقاؤه في العام 1799م، في سيراليون- وقد وجدت في بعض الأحيان دعماً من الحكام المحليين باعتبارها وثيقة الصلة بالحكومات، ووضع المبشرون نظماً تعليمية ومعاهد لتدريب وتعليم المبشرين غير أن جهودهم قد أخفقت في غالب المناطق، حيث اعتبرت المسيحية جزءاً من ثقافة المستعمر التي لم تستوعب منها الشعوب إلا النذر اليسير، ويلاحظ النجاح النسبي للإرساليات المنهجية البروتستانتية في مناطق النفوذ البريطاني- الذين ذهبوا إلى أن إيجاد برجوازية أفريقية هو أفضل سبيل إلى إصلاح القارة- مقارنة بالكنيسة الفرنسية في أفريقيا. قام في أوروبا وأمريكا عدد من حركات المقاومة للاسترقاق وأنشئت مستوطنات في أفريقيا للعبيد المحررين الذين أرسلت منهم مجموعات كبيرة إلى موطنهم الأصلي إفريقيا على طول ساحل ليبيريا ما بين عامي 1822 و 1892م.

وعقد القناصلة الفرنسيون والإنجليز معاهدات مع حكام تلك المناطق بغرض احتكار التجارة وبسط النفوذ في تنافس حاد، وبادروا كذلك إلى وضع الأنظمة الإدارية في تلك المناطق وفق أنماطهم في بلدانهم، غير أن السلطات الاستعمارية لم تشرع في احتلال المساحات الشاسعة المخصصة لها في إفريقيا إلا بعد معاهدة برلين المبرمة في العام 1885م، والتي تم على أساسها تقسيم أفريقيا.

الحكم الاستعماري:

اختلفت السياسات الاستعمارية – وخاصة سياسات فرنسا وبريطانيا- في القارة، فاعتمدت فرنسا سياسة الاندماج والاستيعاب، (حيث أعلنت أن كل سكان المستعمرات الفرنسية دون تمييز لهم من حيث اللون، هم مواطنون فرنسيون يتمتعون بكل الحقوق التي كفلها الدستور، وأوفدت ممثلين عن المستعمرات في الجمعية الوطنية الفرنسية)، بينما اختطت بريطانيا سياسة النهج الأبوي في الحكم، إذ رأو أنه ليس بإمكان الأفارقة أن يصبحوا إنجليزاً سود البشرة! وتبعت هذه السياسة عدة فوارق في مجالات حيوية كما يلي:

الجانب

الاستعمار الفرنسي

الاستعمار الإنجليزي

التعليم

تدريس مناهج فرنسا الأم

الاكتفاء بتطوير المناهج القائمة والتدريب الحرفي

عدد كبير من المدارس الثانوية

عدد قليل من المدارس الثانوية

إهمال تدريس اللغة العربية و التاريخ الأفريقي

الإدارة والاقتصاد

الطريقة المركزية في الإدارة والاقتصاد (مباشرة)

الطريقة التجريبية وتشجيع المبادرات في الإدارة والاقتصاد (غير مباشرة)

العلاقة مع رؤساء المقاطعات والحكام التقليديين

 

تقديم الحكام تقارير دورية للمسؤولين الفرنسيين وتلقي التعليمات بصورة فوقية.

 

إبداء الاحترام للحكام التقليديين وزيارتهم في مواقعهم ومراعاة أوضاعهم العرفية بصورة أكبر

الوافدون من دولة الاستعمار

أعداد كبيرة

أعداد صغيرة

المعارضة من الشعوب

أقل

أعلى

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في ثلاثينات القرن الماضي ساد النظم الإدارية التراخي والفساد، وتزايد عدد حكام المقاطعات التقليديين المطالبين بحقوق خاصة بهم، وألف هؤلاء الزعماء خلال السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية جماعة من النخب التي تسعى لمصالحها الخاصة، وتوطدت العلاقة بينهم وبين المستعمر على أساس من الولاء-ولا سيما في المستعمرات الفرنسية-، الأمر الذي جعل الحكم بعد الاستقلال يؤول إلى المجموعة المرتبطة بالاستعمار ثقافة وتنظيماً، وإن لم يكونوا هم الأكفأ والأقدر.

الاقتصاد الاستعماري

نشأ نظام اقتصادي استعماري في كل المنطقة، وجرى تنظيم القطاع الحديث على أساس إنتاج قليل من المواد الخام واستخدام عدد قليل جداً من العمال المهرة، وحتى العام 1945 م لم تكن هناك صناعات إنتاجية استهلاكية، وكان رأس المال الخاص وافداً من الخارج وإليه تعود الأرباح عبر شركات استحوذت على جل الموارد والثروات الطبيعية، بينما استخدم رأس المال العام لإنشاء البنية التحتية غير الإنتاجية (الطرق- المدارس...)، وتركزت غالبية وظائف ذوي الياقات البيضاء  في الإدارة المدنية.

نشأت بعد الحرب العالمية موجة من الركود الاقتصادي تسببت في تقليل الاهتمام بالمستعمرات، واتجهت الدول المستعمرة إلى البناء الداخلي، الأمر الذي جعل الوطنيين الأفارقة يتذمرون ويشكون من أن اقتصاد بلدانهم لا ينمو إلا موافاة لحاجة المستعمر، وحقاً فإنه لم تشهد المنطقة نمواً في الاقتصاد والزراعة إلا بعد الاستقلال.

نحو الاستقلال:

أسهمت طريقة المستعمر- فرنسياً كان أو بريطانياً- في التعاطي مع الإنسان الأفريقي، في إيجاد فجوة بينهم وبينه، وأدى الإحباط الناجم عن السيطرة وإلغاء الشخصية الإفريقية وتدني سقف الصلاحيات، وضعف المخصصات إلى ميلاد الحركات الوطنية المطالبة بالاستقلال.

وقد بدأت نقطة التحول مع نهاية الحرب العالمية الثانية ، حيث أخذت تتحدد معالم تصور جديد لحكم ذاتي أفريقي، وأجريت انتخابات في العام 1945م في فرنسا ومستعمراتها -التي اصطلح على تسميتها فيما بعد بالاتحاد الفرنسي- وخصص لإقليم غرب أفريقيا عشرة مقاعد: خمسة للمواطنين البيض الفرنسيين والأفريقيين المتمتعين بنفس المكانة، وخمسة لمن كانوا يسمون (رعايا)، وكان من المنتخبين وقتها ليبولد سيدار سونجور (الذي صار فيما بعد أول رئيس للسنغال)، وفليكس هوفويه بوانيه (الذي أصبح أول رئيس لساحل العاج)، وأقر البرلمان الفرنسي عام 1956م إطاراً قانونياً يقضي بحق كل إقليم في إنشاء مجالس نيابية خاصة ولكنها ليست مستقلة تمام الاستقلال ويجري تشكيلها بالانتخاب العام، وأجري استفتاء في العام 1958 في كل دول غرب إفريقيا عدا غينيا التي طالبت بالاستقلال، وصوتت بقية الدول على البقاء تحت الاتحاد الفرنسي مع التمتع بقدر أكبر من الاستقلال، وبحلول العام 1960م كانت جميع البلدان قد حصلت على استقلالها من فرنسا.

أما بريطانيا، فقد نهجت منهجاً أكثر حذراً مع المستعمرات، ساعية إلى تمكين الحكم الذاتي، وقد سارت الدول في سباق من أجل الاستقلال في فترة زمنية قصيرة.

 بقيت العلاقات مع المستعمر في إطار المساعدات الاقتصادية وتقديم رؤوس الأموال والقروض، ونشأت الطبقة المتخصصة المثقفة (التكنوقراط) من الأفارقة الذين حلوا محل الإداريين الأجانب، ونهضت الجمعيات الإصلاحية والاجتماعية محدثة تقدماً في التعليم الأكاديمي والفني.

ولم يخل الوضع بالطبع من مشكلات اقتصادية أسهم فيها إلى حد كبير الساسة الأفارقة أنفسهم بالتمكين لأوضاع شخصية أكثر رفاهية مع إهمال للمستوى العام.

التحولات الاجتماعية في الريف:

إن ثلثي صادرات غرب أفريقيا من إنتاج فلاحيها، ورغم ذلك لا يشارك الفلاحون في الوفرة المترتبة على ذلك، وتعتبر المناطق المنتجة للكاكاو والبن من أغنى المناطق في غرب أفريقيا، وقد أدت الوضعيات الجديدة من استخدام آليات زراعية وإنقاص المساحات المخصصة للزراعة في سبيل توفير أراض سكنية إلى تغير في النمط السلالي القديم للمجتمع الأفريقي في المنطقة.

وقد أدت هجرة الكثيرين  من القرى طلباً للعمل في المناطق الغنية (مناطق المناجم والمزارع الكبرى) إلى تغير شكلي في نمط الحياة، حيث لم تكن المدخرات التي يوفرها المتغرب الريفي تكفي لتغيير حياته جذريا، كما أنه لم يكن يتعلم أرباب العمل، ويستتبع هذا الأمر محدودية في العلاقات، كما لا يحظى المتغرب المتعلم في موطنه بوضعية أفضل تسمح له بالتأثير، بل يعد وضعه غامضاً إذ يُحسب على أرباب العمل وتوجهاتهم المخالفة للقيود الاجتماعية القبلية. وأظهر آثار الهجرات التي وقعت في المجتمعات الزراعية هو: التحلل البطيء من الضوابط الاجتماعية السلالية التي ذكرت آنفاً.

قيم جديدة:

المسيحية:  غيرت الإرساليات التبشيرية مفاهيم الأديان التقليدية التي سادت في تلك المناطق، وعانى (المرتدون) عن الأديان القبلية إلى المسيحية غربة، حيث لم يعتنق المسيحية في البدء إلا الغرباء وأصحاب المكانة الاجتماعية المنحطة، ورغم أن أصحاب المكانة الاجتماعية من التقليديين كانوا يرسلون أبناءهم إلى المدارس الكنسية الابتدائية غير أنهم كانوا (يفجعون) من الانتهاكات التي يمارسها أبناؤهم ضد المعتقدات المحلية بتحريض من القساوسة والمعلمين، وتدريجياً، ومع نشاط الكنيسة في التعليم، بدا أن الرضوخ للدين الجديد صار ضرورة تمليها الرغبة في التقدم والتطور، حيث ارتبط التقدم في المدن والمناطق بمستوى تعليم أبنائها وارتبط التعليم بالتبشير.

وقفت إمارات نيجيريا الشمالية المسلمة في وجه التبشير بقوة، مما دعا المستعمر الإنجليزي إلى إيقاف هذه العمليات بينهم، ولما كان التعليم النظامي في البدء مرتبطاً بالتبشير،وكان معظم خريجي هذه المدارس يشكلون النخب السياسية الأولى؛ ظهر ضعف المجموعات المسلمة في غرب إفريقيا في الجوانب التعليمية ومن ثم السياسية والإدارية.

وقد حرص النظام في الكنيسة على موافقة الوضع الاجتماعي قدر المستطاع، إذ قد يفصل بين الجنسين في القداس، أو تشارك الكنيسة في مراسم تنصيب الزعماء التقليديين.

الإسلام: اعتنقه كثيرون أيضاً في المناطق الساحلية، ويعتبر الإسلام هناك عقيدة شخصية، ولم تحل الشريعة الإسلامية محل القانون العرفي عند كثير من القبائل، فيما عدا ما يتعلق بأمور الزواج وحيازة الأرض، وبدا الإسلام أكثر تسامحاً إزاء البنية الاجتماعية المحلية  ، رغم أن المسلمين اليوم أشد معارضة من المسيحيين للمشاركة في الطقوس والشعائر التقليدية أو في الاتحادات السرية.

حياة المدن:

يوجد تباين كبير بين المدينة والريف في غرب أفريقيا، وقد أدى سكنى المدينة إلى نشوء أنماط جديدة من العلاقات والأعمال والمهن، وشهدت المدن تطوراً كبيراً في مختلف الجوانب، وتغير في الكثير من أنماط السلوك، حيث تمثل المدن بؤرة النشاط السياسي، وتتأثر الحكومات بالإضرابات الناجمة من سكانها، ويحسن الناس مهارة التعايش السلمي مع ، وتشهد الحياة المتطورة فيها العديد من الابتكارات والتجديد، والانفلات من ربقة القيم التقليدية في القرى والتأثير السلطوي للعائلة والنسب، اختياراً أو اضطراراً.

وترجع نشأة المدن في غرب أفريقيا إلى قرون بعيدة، حيث كانت حواضر الإمبراطوريات الكبرى في غانا وسنغاي مراكز مؤثرة، ولا تزال مدينتا تومبكتو وجني أثرين ماثلين شاهدين على تلك العصور، وكذلك مدن اليوربا ذات الكثافة السكانية الكبيرة.

أما المدن الجديدة فقد نمت بسرعة، مع اتساع نطاق التجارة الأوروبية التي امتدت من السواحل حتى داخل الدول القارية، وشهدت حقبة الحرب العالمية الثانية وما بعدها توسعاً مطرداً في هذه المدن، ويدلّ هذا التطور السريع في المدن على أن جمهرة من سكانها هاجروا إليها من الريف بحثاً عن فرص جديدة، وهو محدد مهم في دراسة شخصية ساكن المدينة من أبناء غرب إفريقيا.

المهاجرون:

يكثر في الدراسات التي تعالج حياة المدن الأفريقية، ذكر مصطلحي (التحلل القبلي) و(التحضر)، فحين يترك الأفريقي مجتمعه القروي فإنه يكون قد تحلل من عصبيته القبلية، ويتحضر حينما يتعلم المعايير والقيم الجديدة لحياة المدينة، رغم التزامه بسلوك القرية في بيئة السكن، حيث يغلب أن يسكن المهاجر مع أفراد قبيلته الساكنين في المدينة، كما أن الضواحي في تلك المدن تكاد تشبه القرى.

ثمة أمور تؤثر على الهجرة في غرب إفريقيا، بما يجعل تقسيم المهاجرين إلى ثلاث مجموعات سائغاً: الموسميون: الذين يفدون من مناطق السافنا حيث يقلل موسم الجفاف من فرص العمل، أصحاب الإقامات القصيرة: الذين يفدون إلى المدن بغرض تحسين الدخل في مدد زمنية محدودة، أصحاب الإقامات الطويلة: وهم الذين وفدوا ووجدوا وضعيات جيدة كالتجار وأصحاب المهن الفنية، وبسكنهم في المدينة يتعزز وضعهم في القرى حين يرجعون إليها بمظاهر من الثراء والكرم.

النخبة ذات الثقافة الغربية

كان الزعماء التقليديون قبل الاستعمار هم أصحاب النفوذ والسلطان، وهم الذين تفاوض معهم المستعمر، واستخدمهم- في بادئ الأمر- في المناصب الإدارية وأجهزة الحكم المحلية، ولكن بعد الاستقلال وانتشار التعليم انتقلت هذه السلطات إلى أبنائهم من النخب المتعلمة ذات الثقافة الغربية؛ الذين قاد بعضهم الحركات الوطنية في مختلف البلاد.

ورغم تباين هذه النخب الأولى من حيث العلاقات مع الأقارب والزعماء التقليديين؛ فإن التشابه الكبير بينها في كونها متعلمة، وذات نفوذ سياسي واقتصادي، مهيمنة على الإدارات والوزارات، يجعلها غالباً في وحدة تصنيفية واحدة.

نشأ بعد ذلك جيل جديد من النخب مع اتساع فرص التعليم، أبدى استياءه من سيطرة الجيل الأول وسياساته المهادنة للمستعمر، وبزغ بعده جيل ثالث في بعض الدول بسبب التباين في سبل تحقيق المكانة الاجتماعية حيث لم يعد التعليم وحده هو المعيار الذي يحقق الوضعية الأفضل، فقد صار الولاء الحزبي للمجموعات الحاكمة -مثلاً- عنصراً مهماً في التمكين للأفراد، دون اعتبار كبير للكفاءة والتعليم، وتتابع ظهور أجيال من النخب، ولكل منها معاييره وقيمه الخاصة.

ظهور نخبة المولدين:

من أبرز فئات النخبة ذلك الطراز المسمى الكريوليون أو المولدون  في سيراليون وليبيريا ولاجوس خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، الذين اتجهوا إلى التجارة والاستثمار، قد أسهمت الكنيسة في توفير فرص كبيرة لهم منها تعليم أبنائهم الذين انخرطوا فيما بعد في الأجهزة الحكومية موفرين لآبائهم أماناً اقتصادياً أكبر، واتجهوا إلى التوحد مع الجاليات الأوروبية وتمثّل قيمها وعاداتها  في الحياة ، وتزاوجوا فيما بينهم مما أنشأ روابط وثيقة امتدت بين ثلاثة أو أربعة أجيال، ثم سريعاً ما اندثر أثر هذه النخب المغلقة، نتيجة قلة عددها مع الاحتياج الكبير للوظائف والمهن، الأمر الذي أدى إلى انفراط السيطرة من يد المولدين ونشوء الجيل الثاني من النخب الأفريقية التي كانت أكثر انتماءاً لتقاليدها من الأولى.

ونلحظ عدة معايير في اعتبار النخبة من أهمها: التعليم، والميلاد، كالشائع في منروفيا حيث يصعب على المرء شغل منصب رفيع ما لم يكن ليبيريا أمريكياً.

ويلاحظ أن النخب التي نشأت في المناطق الساحلية المتأثرة بحركات التبشير، قد اختلفت عن تلك التي قامت في مناطق المسلمين كشمال نيجيريا وغينيا ومالي، حيث أدى الإسلام بنزعته التطهيرية وإذكاء روح الاعتزاز بالدين والانتماء للمسلمين في المنطقة، إلى نشوء أسلوب حياة أكثر بساطة للنخب المسلمة.

النخبة اليوم

رغم اتساع نطاق النخبة ودخول فئات كثيرة من أبناء الفقراء في سلكها، إلا أن عددهم لا يزال صغيراً إلى أقصى حد، وهيمنة القطاع العام تبدو واضحة في توظيف النخب التي لم تلج الجوانب المهنية والأعمال الحرة، فمن يناط بهم تغيير الأوضاع السياسية والاقتصادية صارت مراكزهم مرتبطة بهذه النظم، بل حتى النخب المصنفة كنخب ذات مهن حرة مثل المحامين والمهندسين والأطباء، فإنهم يعملون في مؤسسات خاصة ترتبط مصالحها بشكل أو بآخر مع المؤسسات الحكومية، مما جعل بنية الدول هشة فهم أول من يفزعون خوفاً على مناصبهم الحكومية.

وتشكلت مع مرور الأيام نخب وسيطة (نخب الدرجة الثانية)، تتكون من الكتبة ومعلمي المدارس الابتدائية، الذين لا يسمح وضعهم بحياة على نمط نخب الدرجة الأولى، كما تأنف نفوسهم العيش كالفلاحين والعمال، ولا يزال طموحهم يتجه إلى إكمال التعليم والالتحاق بالنخب الثرية.

ثالثاً: تحوّل المؤسسات:

يتمثل ذلك في عدد من المجالات التي يمكن من خلالها دراسة عملية ملاءمة الروابط التقليدية وقيمها للروابط المدنية الحديثة التي أفرزها الوضع الجديد.

الأسرة:

الأسرة في المجتمع الأفريقي مؤسسة محورية ينمو فيها الفرد، وقد تأثرت بنيتها بالنمط الحديث الذي ساد في غرب إفريقيا من هجرات أبنائها إلى الحضر، وتغير شكل المساعدات العملية التي كانت تقوم بها الزوجة لزوجها، حيث كانت البيئة الزراعية تفرض وحدة في المهنة بينهما، غير أن بيئة المدينة قد تلجئ المرأة إلى أعمال أخرى كالتجارة والعمل في الخدمة.

وكما هو شائع في المجتمعات التقليدية، فإن الزواج غالباً ما تقوم به الأسرة بدءاً من اختيار الزوجة، ويكون على الشاب توفير مقتضيات الزواج وتكاليفه من كدّه وعمله، وصار مألوفاً في عصور التحوّل أن يختار الشاب لنفسه فتاة تناسبه من حيث التعليم والثقافة، فيختارها ثم يسأل أهله أن يباركوا خياره، كما أنه من المألوف مشاهدة أسرة مكونة من شاب تزوج في مقتبل عمره، ثم تغرب وتعلم وصار من النخبة ولا تزال زوجه تطبخ على التنور وتتكلم الإنجليزية بلكنة غير مستقيمة، وتشعر بحرج عندما تقابل أصدقاء زوجها النخبويّ، فيظل الزوج ممزقاً بين الولاء لزوجته وبين حرجه من عجزها عن مواكبة أسلوبه الجديد، ولكن دون أن يؤثر هذا الأمر على علاقته بزوجته أو يفكر في الانفصال عنها، لما غرسته الإرساليات من جريمة الوقوع في الطلاق، ولكون الزوج يسعى حثيثاً للترقي بحال زوجته فيرسلها أحياناً إلى المعاهد لتكمل تعليمها.

وغالباً ما يعيش الرجال والنساء من أبناء النخبة في المدينة الحديثة بعيداً عن التجمعات السكنية التقليدية، ورغم ذلك فإن العلاقات تكون قوية مع أهلهم في القرى، ومع اتجاه النخب مؤخراً إلى تقدير واحترام الثقافات الأفريقية، صار التعامل مع الكبار في القرى أكثر حبية ورحابة من الوضع الذي كان في زمان النخب الأولى التي كانت تتحرج من (بداوة) و(همجية) التقليديين من ذويهم.

الروابط الاجتماعية في الحضر

تقوم في الحضر أشكال جديدة من  العلاقات القائمة على خدمة مصالح اقتصادية جديدة، كالنقابات (التي أسهمت بشكل كبير في إذكاء روح المقاومة الوطنية) والاتحادات والمنظمات والأندية التي تجمع أصحاب الاهتمامات المشتركة، ومعظمها يتخذ نمطاً غربياً وتحكم فعالية المشاركة فيها درجة تقبل المرء لهذه القيم ومسايرته لها ، وفي إطار آخر تقوم روابط مغايرة محلية غير موسومة بأي أثر أجنبي مثل الروابط العرقية (كتجمعات قبائل الهوسا في مناطق القبائل الأخرى)  وروابط الأحياء (الكانتونات)، وفرق الرقص وجمعيات المساعدة المتبادلة التي توفر ضمانات اجتماعية متعددة لمنسوبيها، كما نشأت روابط للنخبة عمدت أن تكون أكثر تميزاً وتخصصاً، ورصدت جهدها لخدمة المصالح والاهتمامات المهنية والجمعيات الخيرية.

الأحزاب السياسية

انتقلت السلطة بعد الاستعمار إلى نخبة وطنية ذات ثقافة غربية وفي ذات الوقت لها تمثيل وانتماء لمواطنيها (ليس كشأن النخبة الأولى)، استتبع هذا تحولٌ في التقسيم الاجتماعي للثروات والسلطات على نحو مغاير للذي كان في عهود الممالك القديمة أو في أزمنة النخبة الأولى، كما ظهرت الأحزاب السياسية برؤاها المختلفة وتحالفاتها الكثيرة، والتي آلت في نهاية الأمر إلى حزب واحد يفرض نفسه في كل دولة تقريباً، كما سعت هذه الأحزاب إلى تأريخ النضال ضد المستعمر، بإعلاء ذكر عدد من الرموز التي حكمت الممالك القديمة -كالحاج عمر وساموري وبيهانزين وحكام مملكة داهومي وحكام الفولاني، أولئك الملوك الذين يُرى أن بعضهم كان يدافع عن سلطاته ووحدة مملكته فحسب- ولم يكن ثمة وعي قومي حقيقي إلا في زمان النخب الأولى التي كانت فعلياً (غريبة) عن المناطق وذات جذور بعيدة، فلم تدعُ لقومية محددة أو قبلية بعينها.

وعلى عتبة التقدم الدستوري في اتجاه الحكم الذاتي والاستقلال، انقسمت الحركة الوطنية في غرب إفريقيا إلى عدة كتل، بينها فوارق أيديولوجية، بدأت في الظهور بوضوح عندما بدأت الأحزاب تنظم نفسها وتتوجه إلى الجماهير بأفكارها ورؤاها، ويمكن تمييز ثلاثة طرز لهذه الأحزاب:

الطراز الأول: حزب النخبة التقليدية وقاده رجال تلقوا تعليماً غربياً ولكنهم كانوا يمثلون امتداداً لأجدادهم الملوك الذين حكموا قبل الاستعمار.

الطراز الثاني: قاده أعضاء النخبة ذات الثقافة الغربية وكان العنصر السائد بينهم المحامين والمعلمين وبعض التجار الأثرياء، لا يعنيهم كثيراً السيطرة على الجماعات المتباينة بقدر تهيئة الساحة للتوفيق بين الاختلافات القائمة بينهم.

الطراز الثالث: وهو الطراز الراديكالي اليساري الذي يوجه دعوته إلى أولئك الذين انفصلوا عن مجتمعاتهم التقليدية ويبشرهم بمجتمع جديد تماماً، ويؤكد أن مهمة الحزب الأولى هي إقامة هذا المجتمع، فيعمد إلى دمج النقابات وروابط الشباب ومجالس الأحياء والاتحادات داخل الحزب.

كما لم تخل الساحة السياسية وقتها من تحيز من قبل المستعمر تجاه بعض الأحزاب التي يرى أنها تحقق مصالحه، داعماً إياها.

نظام الحزب الواحد:

ساد اعتقاد من المستعمر أنه في حال قيام حزبين كبيرين على الأقل، فإن هذا سيكون ضمانة لسير العملية الديمقراطية على وجه مقبول، بحيث يمثل أحدهما الحكومة والآخر المعارضة، غير أنه بعد سنوات الاستقلال سارع المستعمرون إلى نظام الحزب الواحد-الذي يرى رجال السياسة الآن أنه مجرد امتداد للنظام الملكي القديم حيث لا رأي آخر- وذلك بإلغاء شرعية الأحزاب الأخرى، ثم إن من أهم أسباب الموافقة على نظام الحزب الواحد من الساسة المحليين هو رغبتهم في البقاء في مناصبهم التي صارت تمثل زيادة كبيرة في دخولهم الشخصية .

لقد عانى الاقتصاد بشدة بسبب اعتماد الأنظمة في ذلك الوقت على المؤسسات الخارجية في البدء بمشروعات جديدة في الدول، حيث ينفق القسط الأكبر من الميزانية في استيراد الكماليات التي تستخدمها النخبة بدلاً من استيراد آلات وماكينات تعود بالنفع على البلاد.

كما أفضت السيطرة الأحادية  إلى تفاقم الروتين واستشراء الفساد وتعيين غير الأكفاء في المناصب الحكومية إلى جوار النظرة النفعية المصلحية.

رابعاً: الجمود أوالثورة

من أهم التساؤلات التي تطرح في فترة ما بعد استقلال الدول هي إمكانية الدولة الحديثة في توفير مقتضيات الحياة الكريمة لأفرادها، من وضع اقتصادي مهيّأ وقدرة على التلاؤم مع المعطيات الحضارية الجديدة، واستقرار سياسي وأمني.

من الناحية الاقتصادية يبدو أن مستقبل دول غرب إفريقيا ليس مشرقاً تماماً، إذ أن الأسواق التي يمثلها سكانها الفقراء بأعدادهم الصغيرة ليست كافية لدعم صناعة السلع الإستهلاكية (فيما عدا نيجيريا)، كما أنه من المستبعد اكتشاف مصادر ثروة معدنية، وإن حدث فستبقى على النمط الإستعماري للاقتصاد.

سيتوقف معدل نمو الدول على دور النخبة ذات الثقافة الغربية،من حيث إيمانها بواجبها تجاه التغيير وإدارة علاقاتها مع الجماهير بفعالية، غير أن هذا الدور يتوقع له أن يضعف  بسبب انغلاقها على نفسها وكذلك الصراعات المستمرة على السلطة واستمالة الجماهير لحساب بعضهم وغيرها من أشكال النزاع على المصالح الذي يكون عادة بين هذه الفئات النخبويّة.

كما يتوقع أن تثور ثائرة الشعوب البسيطة التي صارت ترى في النخب المثقفة نمطاً برجوازياً أرستقراطياً لا يوفي بوعوده وينشغل بنفسه، مما سيوقع عداوة بين النخبة والجماهير.

ثمة سبل لتجاوز مثل هذا العداء المتوقع، منها : تطوير الإجراءات التي يتم بمقتضاها حسم الصراعات، والحد من المصالح المتصارعة عن طريق قبول الأيديولوجيات التي تؤكد الوحدة، أو عن طريق التنازل الجزئي من الأطراف المختلفة في المجتمع، ومراعاة أن حالة غرب إفريقيا فريدة في هذا الجانب حيث تؤكد الولاء البدائي وتضعه مقابل الوحدة الوطنية.

موضوعات أيديولوجية

الإيديولوجية وعاء حاوٍ للأفكار المقبولة شعبياً أو الرائجة عن بنية المجتمع والعمليات التي تجري فيه، وتفسر تاريخ المجتمع وتعطينا أساساً لتقييم الخبرة الجديدة، وتجسد الأهداف والقيم التي يقرها المجتمع، وقد كانت هذه الجزئية – الأيديولوجيات- محور نقاش كبير في غرب إفريقيا، مع محاولات تفسير مستمر لها وسبرها من خلال الآتي:

أولاً: ينشد أعضاء النخبة الجديدة أيديولوجية تحدد هويتهم، فهم قد عاشوا النمط الغربي، ويعيشون ضمن نسق قبلي إفريقي، وهم في هذه الحالة يبحثون عن مبادئ يهتدون بها تحدد العلاقة بين المجتمع الغربي والمجتمع الأفريقي.

ثانياً: يبحث أعضاء النخبة كذلك مخرجاً شرعياً لحكوماتهم أمام العامة، فهم قد استلموا السلطة من خلال التعليم وصناديق الاقتراع، وهذا ما لا تعرفه المجتمعات القديمة حيث تعتبر القضية قسراً وإكراهاً في مؤداها الأخير، لذا لزم عليهم اتخاذ مذهب يفسر قيادتهم للأمة ويحول السلطان السياسي إلى سلطة شرعية مقبولة عند العامة التي لا تعرف المصطلحات الحديثة كالانتخاب وصناديق الاقتراع والبرلمان وغيرها.

لقد أدت هذه الظروف إلى أن تصيغ النخب الحاكمة أيديولوجياتها بدقة وتهيء لها نسقاً تعبوياً حافزاً، وهناك قضايا مؤثرة  على الأيدلوجيات السائدة في غرب إفريقيا وهي:

1-         الزنوجة Negritude أو الشخصية الأفريقية:  أول من صاغ مصطلح الزنوجة هو شاعر الهند الغربية أيمي سيزار عام 1939م، وتبناه ليوبولد سنجور، وكتب عنها وصاغ طائفة من شعره على أساسها، ثم ذاع بعدها في أوساط النخبة المتحدثة بالفرنسية، وقابلها عند النخبة الإنجليزية مفهوم (الشخصية الأفريقية) بعد أن روج لها كوامي نكروما في العام 1958م، ودلالة هذين المصطلحين أن الأفارقة مساوون لشعوب العالم المتقدم الأخرى بلا فرق، ولهم قيمهم الإنسانية التي قد تتفوق أحياناً في مضامينها على القيم الغربية.

2-         الإشتراكية الأفريقية (أو الضميرية Consciencism): زعمت أكثر الحكومات الأفريقية أنها اشتراكية باستثناء اثنتين هما حكومة ليبيريا وحكومة شمال نيجيريا، ويدل المصطلح على التزام نهج علمي في معالجة المشكلات الإنسانية، واكتشف دعاتها أن تحليل (كارل ماركس) لرأسمالية غرب أوروبا في منتصف القرن التاسع عشر لا يتلاءم كثيراً مع مجتمعات غرب أفريقيا في القرن العشرين ، ويحاول هؤلاء المثقفون (توطين) الإشتراكية ببحث الصيغ الدالة عليها من الثقافة الأفريقية ومن ثم يؤكدونها كأساس للمجتمع الجديد، أو البحث عن صيغ جديدة (كالوحدة الأفريقية Pan-Africanism التي دعا إليها كوامي نكروما –سميت في ما بعد بالنكرومية- بعدما اكتشف أن الاشتراكية التي كان يدعو إليها لا تنطبق على بيئته الأفريقية)، ويفسرها أصحابها بأنها اشتراكية فضفاضة وذات طابع براجماتي بحيث تتسع لكل أشكال التنمية الاقتصادية، ولا ترحب بالمشروعات الأجنبية إذا توقعت منها منافسة غير متكافئة مع المشروعات الأفريقية الوليدة، ورغم دعوة هؤلاء الزعماء للاشتراكية إلا أنه لا يوجد بينهم من يعارض الأديان ، فقد بقي هؤلاء الزعماء على معتقداتهم التي إن حدث لها مساس بشكل أو بآخر فإن إحدى النتائج المريرة هي فقدان الأرضية وخسارة تأييد العامة.

لقد تأثرت النخب المثقفة في مراحل صياغة الأيديولوجيات بكثير من المفكرين الاشتراكيين والزعماء الأمريكيين الزنوج وكذلك تأثرت بالحركات النضالية المماثلة في العالم، كما اتجهت إلى بحث الجذور العرقية والقبلية وربطها بأحداث كبيرة في الكون مؤكدةً بصورة ضمنية أن الثقافة الأفريقية تقف على قدم المساواة مع ثقافات العالم الغربي، في سبيل تأكيد الهوية، ونزعاً لمشاعر الدونية التي تولدت جراء الاقتباس المستمر من تكنلوجيا الغرب.

ولأن المجتمع في غرب إفريقيا قبلي بطبعه ومنشدّ للجذور، فإن نزعة (القبلية)  ظهرت في المجالات السياسية والتحالفات والمطالبات بالاستقلال الذاتي لمجموعات بعينها (كنيجيريا على سبيل المثال).

الانقلابات العسكرية

انقلب الجيش في غرب إفريقيا على ثلاث حكومات في فترة شهرين فقط من العام 1966م في كل من الفولتا العليا- حيث تنازل الرئيس لقادة الجيش- و نيجيريا، وغانا، وشكل أخيراً نخبة مستقلة، تختلف عن النخب السياسية في أنها بعيدة عن فساد المؤسسات الحكومية، وبأنها نخبة تتحلى بروح الفريق، ويكون الرقي في درجاتها وفق الكفاءة، لذا لقيت هذه الانقلابات ترحيباً كبيراً من شعوب هذه الدول.

لقد عانت الساحة السياسية في غرب إفريقيا خلال الأعوام 1966 و1969م من تقلبات وتوترات حادة، وصراعات على السلطة وتغيرات في خرائط بعض الدول، كنيجيريا التي أزالت الحكومة العسكرية الفيدرالية بنيتها الإقليمية وأحلت محلها اثنتا عشر دويلة تتمتع بدرجة عالية من الاستقلال الذاتي، وبقيت الحكومات العسكرية في هذه الدول مؤيدة – على الأقل في البدء- من الجماهير، وهي في المقابل تواجه ركاماً من التوترات الناجمة عن الحراك النخبوي وصراعات الأحزاب التي تولت السلطة من المستعمر مما يجعلها أمام تحدي الخلاص وجهاً لوجه.

خلاصة الخلاصة:

تبين هذه الدراسة حجم التحولات التي حدثت في غرب أفريقيا خلال القرن الحالي، حيث تحولت المستعمرات التي رسم الأوروبيون حدودها إلى دول مستقلة ، وفرضت قوانين غير تلك القوانين العرفية التي سادت أيام الممالك الأولى، كما قامت الأسس البيروقراطية في الإدارة التي تخالف النمط الذي كان سائداً في السلالات الاجتماعية وظهرت المدن الحديثة، والصناعات التحويلية، وأمسكت بزمام السلطة جماعات صغيرة من النخب ذات الثقافة الغربية، المنحدرة من بيوت متواضعة فقيرة لفلاحين أميين، مؤسسة قيماً وأفكاراً جديدة في تلك المناطق، أو نخباً عسكرية ترى في النخب السياسية فساداً وتعدياً على ممتلكات الشعوب.

لقد صار أبناء المدن في غرب إفريقيا يوائمون حياتهم مع النمط الغربي، وينشدون هويتهم الأفريقية من خلال مبادئ نظرية غربية مطعمة بعلاقات حميمة مع الأصول، وصار الأمن الاجتماعي ينشد من خلال الروابط العرقية لا السلالية، وقامت النقابات والروابط ذات الأهداف الجديدة، ونشأت أساليب جديدة لمقاومة الإحباط والتوتر الناجمين من التغيرات المتسارعة في بنية المجتمع، وطال هذا التغير كل مجالات الحياة من سياسة واقتصاد واجتماع وفكر وأدب.. وما يزال التحوّل الاجتماعيّ مستمراً.