بريطانيا في إفريقيا

  • 15 -10 - 2010
  • محمد الهواري


إعداد: محمد عبد العزيز الهواري 

حول الكتاب:

اسم الكتـاب:  بريطانيا في إفريقيا

المؤلـــف:  توم بورتيوس

ترجمــــة:  عثمان الجبالي المثلوثي

تصنيف الكتاب:  كتب المجال السياسي

الناشــــر:  الدار العربية للعلوم

سـنة النشـر: 2009م

البلـــــد:  لبنان

مقدمة:

لما تولّى حزب العمال السلطة في العام 1997م؛ لم يُبد رئيس الوزراء الجديد توني بلير إلا القليل من الاهتمام بإفريقيا حتى الآن، وكان قليل المعرفة بالسياسة الإفريقية، ولكن بحلول نهاية بلير كرئيس للوزراء بعد عشر سنوات؛ كانت إفريقيا قد أصبحت بشكل واضح موضوعاً رئيساً في صلب أولويات السياسة الخارجية البريطانية, فقد أرسل رئيس الوزراء قوات بريطانية إلى سيراليون, كما ضاعف ميزانية مساعدات المملكة المتحدة لإفريقيا إلى أكثر من ثلاث مرات، وكان قد أقام علاقات شخصية وثيقة مع العديد من القادة الأفارقة.

 كما عقد وترأس لجنة رفيعة المستوى خاصة بإفريقيا لاقتراح حلول لمشكلات التنمية فيها، وكان بلير قد سوّغ وضع إفريقيا ضمن الأولويات الجديدة لبريطانيا، ليس فقط لأسباب أخلاقية، وما بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر 2001م، ولكن أيضاً استناداً إلى مسوّغات استراتيجية، وقال إن انتشار الفقر والصراعات والفساد في إفريقيا لا يُسبب فقط البؤس لكثير من الأفارقة، بل إنه مناقض أخلاقياً لمصالح المملكة المتحدة؛ لكون إفريقيا أرضاً خصبة يمكن للإرهاب والجريمة الدولية أن يزدهرا فيها.

أغراض وضع الكتاب:

الغرض الأول: دراسة: كيف ولماذا حدث ذلك؟ وما العوامل أو مجموعة العوامل والأحداث التي تضافرت وجلبت إفريقيا إلى واجهة السياسة الخارجية البريطانية خلال أعوام بلير العشرة في السلطة؟ وما التأثيرات، سواء داخل الحكومة أو خارجها، التي أدت إلى هذا التحوّل؟ وما الأحداث التي وقعت في إفريقيا وفي العالم، وساعدت على صياغة سياسات الحكومة البريطانية تجاه إفريقيا؟ وما الأسباب الموجبة والأسس المنطقية لهذا السياسات؟ وما تفسير المصالح التي كمنت وراءها؟ وكيف حدّد هذا التفسير للمصالح البريطانية أهداف بريطانيا وغاياتها في إفريقيا في هذه الفترة؟

الغرض الثاني: تحديد ما هي فعلاً السياسات والاستراتيجيات البريطانية في إفريقيا بين عامي 1997م و 2007م؟ وكيف تطوّرت؟ وكيف سعت حكومة المملكة المتحدة لتحقيق أهدافها وضمانها في إفريقيا؛ في مجالات التنمية الاقتصادية والحدّ من الفقر؟ وما هي الشراكات الدولية التي سعت وراءها لتحقيق أهدافها؟ وما موضع السياسة الإفريقية؟ وكيف ترجمت عن الجهود الواسعة التي بذلتها حكومة المملكة المتحدة لتعزيز النظام الدولي من خلال إصلاح الأمم المتحدة على سبيل المثال، وتوسيع الاتحاد الأوروبي, وإنشاء المحكمة الجنائية الدولية؟

الغرض الثالث: تقويم فعالية السياسات البريطانية في تلبية أهدافها في إفريقيا, فإلى أي مدى نجحت المملكة المتحدة في تحقيق أهدافها وتأمين مصالحها؟ وما هي الأسباب الكامنة وراء نجاح بريطانيا وإخفاقها في إفريقيا؟ وما مدى القرارات التي اتُخذت على أساس تحليل سليم للمشكلات التي سعت المملكة المتحدة إلى معالجتها, والنفوذ والتأثير اللذين سعت المملكة المتحدة لتسخيرهما لتحقيق أهدافها؟

مؤهلات الكاتب للخوض في هذا الموضوع:         

يقول الكاتب: عملت لمدة ثلاث سنوات في الوايتهول كمستشار في إدارة الصراع في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث (FCO)، وقد تمّ انتدابي في العام 2000م لتولي منصب في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث، أنشئ كجزء من لجنة حكومية تُعنى بمنع الصراعات في إفريقيا، وهي مبادرة مشتركة بين الوزارات، تهدف إلى توحيد جهود المملكة المتحدة في إدارة الصراعات في إفريقيا وجعلها أكثر استراتيجية, وكانت اللجنة، والتي لديها نحو 100 مليون جنيه إسترليني للإنفاق على أنشطة إدارة الصراع في إفريقيا في السنة، تخضع لإشراف مكتب رئاسة الوزراء بمشاركة وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث (FCO)، ووزارة الدفاع (MoD)، ووزارة التنمية الدولية البريطانية (DFID).

اشتملت مؤهلاتي للقيام بمثل هذا العمل على خبرة لا تقل عن عقد من الزمن تقريباً (معظمها مع هيئة الإذاعة البريطانية المعروفة باسم قناة بي. بي. سي. وورلد سيرفس) ككاتب صحافي وإذاعي يُعنى بالسياسة الإفريقية، وخاصة في الصراعات المسلّحة في إفريقيا، فضلاً عن مهمتين في عمليات حفظ السلام التي قامت بها الأمم المتحدة في اثنين من أعنف الصراعات الإفريقية وأكثرها تعقيداً: في الصومال عام 1994م, وفي ليبيريا عام 1995م.

الفصل الأول: الأطراف الفاعلة:

عندما وصلت الحكومة الجديدة إلى السلطة؛ كانت هناك ضغوط قوية بعدم التسرع في أخذ زمام أي مبادرات جدّية تخص السياسة الخارجية، وخاصة في إفريقيا, سواء بالنسبة إلى النخبة السياسية في مكتب وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث، أو مجموعة المستشارين الضيقة المحيطة ببلير، والذين يفتقرون إلى الخبرة في مجال الشؤون الإفريقية، لم تكن إفريقيا موجودة على (الرادار) أو في أذهانهم, كانت علاقة بريطانيا مع القارة، وباستثناء علاقاتها المهمة مع جنوب إفريقيا منذ زمن بعيد، يُنظر إليها على أنها عديمة الجدوى من الناحية الاقتصادية والتجارية، فلم يكن لدى بريطانيا استراتيجية واضحة وفورية, ولا مصالح أمنية جنوب الصحراء الكبرى.

بحلول العام 1997م بدأت معالم إفريقيا ما بعد الحرب الباردة تتضح، ولم تكن تُبشّر بالخير, كانت الاضطرابات تعمّ أنحاء عديدة من القارة في إفريقيا الوسطى, كانت آثار الإبادة الجماعية في رواندا قبل ثلاث سنوات لا تزال تُلقي بظلالها، خصوصاً على جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً), حيث ساعدت على إشعال فتيل سلسلة من الحروب والصراعات القبلية التي تورّطت فيها عسكرياً العديد من دول المنطقة، وقضى فيها مئات الآلاف من البشر خلال السنوات القليلة التي أعقبتها فيما وراء منطقة البحيرات الكبرى.

وكان القرن الإفريقي منطقة صراع مزمن طوال فترة التسعينيات (كما كان في فترة الحرب الباردة), وظلت الصومال بلا حكومة مركزية بعد انهيارها في العام 1991م منذ انسحاب قوات حفظ السلام الدولية في العام 1995م، ورفع مجلس الأمن الدولي يده فعلياً عن هذا البلد، وهو ما ترك المجال مفتوحاً لآخرين، بمن فيهم أمراء الحرب وجماعات إسلامية متشددة، لملء الفراغ في السلطة.

وكانت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تتدهور، وكانت الحرب الأهلية، والتي طال أمدها في السودان بين حكومة الخرطوم والمتمردين الجنوبيين من الجيش الشعبي لتحرير السودان، تزداد سوءاً في ظل نظام عمر البشير؛ مستقطبة بذلك لاعبين إقليميين ودوليين.

في غرب إفريقيا أيضاً؛ كانت الصراعات التي يغذي أحدها الآخر والملتهبة في سيراليون وليبيريا منذ بداية العقد تقوّض الأمن في المنطقة بأسرها, وفي الشهر الذي تولّى فيه حزب العمال السلطة عانت سيراليون انقلاباً آخر أطاح بالحكومة المنتخبة حديثاً. وكانت دولة ساحل العاج (جارة ليبيريا الجنوبية) حصناً للاستقرار في غرب إفريقيا، ولكنها سرعان ما سقطت بدورها ضحية مزيج عدم الاستقرار الإقليمي المألوف (أي الانقسام العرقي والمناورات السياسية للقوى الداخلية). وفي غضون ذلك بلغت نيجيريا قمة الفساد، وهي أكبر دول إفريقيا تعداداً للسكان, ومن أكبر الدول المنتجة للنفط في القارة، حيث كانت لبريطانيا مصالح تجارية كبيرة هناك، وساد العنف السياسي والقمع الداخلي في ظل النظام العسكري للجنرال «ساني أباتشا».

بحلول التسعينيات؛ كان لدى سكان الولايات المتحدة والأوروبيين على حد سواء سبب وجيه يجعلهم يقلقون أيضاً إزاء وضع العصابات الإجرامية الدولية المتورطة في تهريب المخدرات والاتجار بالبشر وصفقات السلاح وغيرها من الأنشطة الإجرامية، فقد أسست تلك العصابات وجودها بثبات في مناطق النزاع في إفريقيا، وتحولت نقطة العبور الرئيسة لتدفق المخدرات من أمريكا الجنوبية نحو الأسواق الأوروبية؛ من منطقة البحر الكاريبي إلى غرب إفريقيا.

وعلاوة على ذلك، كان واضحاً بالفعل، لأولئك الذين راقبوا الحركات الإسلامية قبل 11 أيلول / سبتمبر 2001م على مدى عقد من الزمن قبل هجمات تنظيم القاعدة في نيويورك وواشنطن، أن التشدد الإسلامي المعادي للغرب كان يجد موطئ قدم في القارة, ففي السودان تسلم نظام إسلامي الحكم عام 1989م، ولم تكن الحكومة هناك تسعى فقط إلى تصدير أيديولوجيتها إلى بقية العالم الإسلامية, ولكنها كانت أيضاً تستضيف أسامة بن لادن وأتباعه. وتعرضت الصومال وكينيا لتأثير الراديكالية الإسلامية، وكذلك إثيوبيا ونيجيريا، أكبر بلدين تعداداً للسكان في إفريقيا.

وفي ظل الأوضاع المتردية في عدد من الدول الإفريقية؛ كان هناك احتمال قوي بأن تؤدي القارة دوراً في إتاحة انتقال المواد النووية والتكنولوجيا إلى منظمات إرهابية وفقاً لبعض التقارير الاستخبارية.

بطبيعة الحال؛ كانت إفريقيا تنطوي على إمكانيات حقيقية في أعين المصالح الأجنبية, فقد جعلت منها اليد العاملة الرخيصة قاعدة جذب للشركات متعددة الجنسيات، وهو جيد إذا كان ضمان الاستقرار ممكناً.

وتزخر إفريقيا باحتياطيات معدنية مهمة؛ منها «الكولتان» الذي أصبح من المكونات الأساسية في صنع منتجات الاتصالات ذات التكنولوجيا الفائقة, مثل الهواتف المحمولة وأدوات ألعاب الكمبيوتر.

وازدادت أهمية القارة أيضاً كمصدر للنفط والغاز؛ في وقت كانت فيه الدول الصناعية والدول التي كانت تشق طريقها نحو التصنيع تتنافس فيما بينها للسيطرة على احتياطيات الطاقة العالمية من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن المصادر التقليدية في الشرق الأوسط كانت تُعد مهددة بسبب عدم الاستقرار السياسي المتصاعد.

علاوة على ذلك، وبالرغم من أن أجزاء عديدة من إفريقيا كانت بالفعل غارقة في الصراعات المسلحة والفقر, لم يكن ذلك ليعني أن النشاط الاقتصادي كان في حالة جمود, أو أن الأسواق الإفريقية والاقتصاديات لم تكن في حالة نمو؛ فعلى العكس من ذلك كانت هناك فرص اقتصادية متاحة للأعمال التجارية الدولية، ليس فقط في مناطق السلم والرخاء النسبي مثل جنوب إفريقيا, ولكن أيضاً في مناطق الصراع والفقر وعدم الاستقرار, مثل نيجيريا وأنغولا والسودان وسيراليون.

بالعودة إلى العام 1997م؛ كانت هذه الحجج الإيجابية والسلبية لفائدة زيادة المشاركة البريطانية في إفريقيا لا تزال بحاجة إلى التطوير, لكن الأدلة التي استندت إليها كانت بالفعل تتراكم تدريجياً، وعلى مدى السنوات القليلة اللاحقة ومن منظور مؤسساتها المختلفة؛ كانت الحكومة في «وايتهـول» تقترب من فكرة أن إفريقيا مهمة حقيقة, وترى أنها ستطوّر سياسات تجعلها تنْكبّ على ما أسمتها «المصالح الحيوية في القارة».

كان ادّعاء بلير، في خطابه الوداعي بجنوب إفريقيا عام 2007م, أن إفريقيا كانت تمثل أولوية بالنسبة إليه منذ تقلّده مهام رئاسة الوزراء ادّعاءً مضلِّلاً, ففي الواقع لم تكن إفريقيا مدرجة ضمن أجندة بلير, وقد عمل مستشاروه على أن يبقى الأمر على هذا الحال, ولم يضع بلير قدمه في إفريقيا كوزير أول إلا عام 1999م، وذلك حين ذهب إلى جنوب إفريقيا لتعزيز العلاقات الثنائية التجارية معها؛ بصفتها الشريك الاقتصادي الأهم لبريطانيا في القارة، ولإبرام اتفاق دفاعي.

وفي العام 2000م كان الرئيس السيراليوني سيئ الحظ «تيجان كابا» يغرق في المشكلات من جديد, ولأنه كان يفتقر إلى الموارد ليهزم المتمردين المدعومين من طرف القائد العسكري الذي أصبح رئيساً لدولة ليبيريا؛ فقد أرغم «كابا» من طرف مبعوث الحكومة الأمريكية الخاصة والوسيط جيسي جاكسون على تقاسم السلطة مع «الجبهة الثورية المتحدة» المتمردة, وضمان وجود قوات حفظ سلام أممية هناك, لكن وبشكل متوقع سرعان ما أخفق اتفاق لومي للسلام؛ إذ أن تايلور والمتمردين كانوا يريدون المزيد، وفي نيسان / أبريل، وأيار / مايو 2000م هاجمت «الجبهة الثورية المتحدة» قوات الأمم المتحدة، واحتجزت مئات منهم رهائن, وهدّدت هذه الأزمة مرة أخرى مصداقية الأمم المتحدة؛ في وقت كانت تتعالى فيه الدعوات إلى المساعدة على حل النزاعات في إفريقيا أكثر من أي وقت سابق.

في البداية أمر بلير ظاهرياً الجنود البريطانيين بحماية البريطانيين والمغتربين الأجانب الآخرين، لكن سرعان ما أصبحت المهمة سياسية أكثر منها إنسانية، فقد أصبح واضحاً أن الوجود العسكري البريطاني كان عملية دعم لحكومة «كابا» وعملية الأمم المتحدة، ثم قامت مجموعة شبه إجرامية يُطلق عليها اسم «وست سايد بويز»، مستفيدة من حالة الفوضى في سيراليون وحصولها على منطقة نفوذ صغيرة خاصة بها، باختطاف العديد من الجنود البريطانيين, وتمّ إرسال القوات البريطانية الخاصة لإنقاذهم، حيث قتلت 25 من المختطفين من بينهم امرأة، بعد هذا العرض المثير، إن لم نقل العنيف للقوة، استسلمت «الجبهة الثورية المتحدة».

التدخل العسكري في سيراليون جعل ذهن بلير يركز لأول مرة على المشكلات المتعلقة بانهيار الدول والإخفاق في إفريقيا, وهو ما وضعه وجهاً لوجه أمام التحديات المرتبطة بدروس الدولة وبنائها في فترة ما بعد الصراعات, هذا النجاح السريع نسبياً للعملية العسكرية البريطانية جعل بلير يقتنع بأن إفريقيا تستحق هذا الاهتمام، وأنها مكان يستطيع أن يحقق فيه الكثير من دون مخاطر أو تكلفة كبيرة.

وكانت هناك تأثيرات أخرى على بلير تدفعه ليجعل من إفريقيا إحدى أولوياته, لقد أثّرت شخصية نيلسون مانديلا الكاريزمية في بلير، حيث التقى به في أكثر من مناسبة, وكانت تربطه بمانديلا علاقة طيبة إلى حدٍّ ما, وقد قالت كلير شورت إن بلير كان أيضاً متأثراً بالأشياء الإيجابية التي سمعها في اللقاءات الدولية حول العمل الذي كانت تقوم به وزارة التنمية الدولية البريطانية في إفريقيا، وهي المزاعم التي كررها بلير نفسه في حديثه أمام البرلمان قائلاً: إن عمل وزارة التنمية الدولية البريطانية في إفريقيا كان من أكثر إنجازات حكومته مدعاة للافتخار.

وكان هناك أيضاً الضغط الذي مارسته المنظمات غير الحكومية الإنسانية المدعومة من قبل نجمي الروك «بونو» و «بوب جيلدوف»، وقد راق نجاحهما في زيادة الوعي بالفقر في إفريقيا لحدس بلير الشعبوي، وثقته بفعالية المشاهير كوسيلة مهمة للترويج لأي سياسة.

فضلاً عن ذلك؛ ذكر بيل كلينتون لبلير في آخر زيارة له إلى لندن كرئيس للولايات المتحدة، بأنه يأسف لعدم تمكنه من القيام بكثير من الأشياء من أجل إفريقيا, ونصح رئيس الوزراء بأن يولي القارة الإفريقية مزيداً من الاهتمام في الولاية الثانية للحكومة العمالية.

ومن الواضح أيضاً أن الاعتقادات الدينية الراسخة لبلير بوصفه نصرانياً؛ جعلته يواجه الاحتياجات العاجلة لقارة يتطلب المأزق الذي هي فيه بوضوح استجابة أخلاقية, وحاول أليستير كامبيل التقليل من شأن عقيدة بلير المسيحية، وذلك عندما أخبر الصحافيين، رداً على سؤال أحدهم في أثناء مقابلة صحافية عن معتقدات بلير الدينية، قائلاً: «نحن لا علاقة لنا بالدين»، لكن هناك أدلة أخرى على أن الدين أثّر بشكل كبير في صناعة القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية لبلير.

لقد كان الترابط بين المصالح التنموية التي ترعاها وزارة التنمية الدولية البريطانية، والمصالح التجارية التي ترمي لها كبرى الشركات البريطانية في إفريقيا إلى حدٍّ ما، مدعومة من قِبل شخصيات تجارية واستثمارية بارزة، والبلدان التي كانت غارقة في النزاعات والفقر والفساد هي عادة البلدان التي كان من الصعب على الشركات البريطانية القيام بأعمال فيها، فالمصالح التجارية البريطانية في الصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا في فترة التسعينيات كانت إما غير موجودة أو غير ذات أهمية. وفي السودان وزيمبابوي، حيث كان للمملكة المتحدة تاريخ طويل من العلاقات التجارية الوثيقة، أدى تصاعد عدم الاستقرار فيها في التسعينيات إلى انخفاض ملاحظ في الأنشطة التجارية البريطانية.

الفصل الثاني: السياسة:

الأولويات الدولية والمصالح الوطنية:

إن التنمية الاقتصادية في إفريقيا، والتي اتخذت شكل الحدّ من الفقر، كانت الهدف الأكبر للسياسة البريطانية، والذي يعود الفضل فيه لوزارة التنمية الدولية البريطانية (DfID)، ولكن سياسة المملكة المتحدة تجاه إفريقيا لا يمكن الاستمرار في فصلها عن باقي السياسة الخارجية للمملكة المتحدة؛ بالنمط نفسه الذي لا يمكن فيه فصل إفريقيا نفسها عن باقي العالم.

إن الحدّ من الفقر في إفريقيا كان من المفترض أن يُدرج ضمن أولويات الحكومة ومواردها، بالإضافة إلى أهداف وأولويات أخرى، وقد أفصح عنها في الوثيقة البيضاء الصادرة عن وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث عام 2006م.

وأهم ثماني أولويات هي:

1 -  جعل العالم أكثر أمناً بحمايته من الإرهاب الدولي وأسلحة الدمار الشامل.

2 -  الحدّ من تضرر المملكة المتحدة من الجريمة الدولية؛ بما في ذلك تهريب المخدرات، وتخريب الأفراد، وغسيل الأموال.

3 -  منع النزاعات وحلها من خلال نظام دولي قوي.

4 -  بناء اتحاد أوروبي فعّال وقادر على التنافس دولياً في إطار حسن الجوار.

5 -  دعم اقتصـاد المملكـة المتحدة ومجتمـع الأعمال من خلال اقتصاد عالمي مفتوح، يشهد نمواً اقتصادياً متزايداً، والإبداع العلمي، وإمدادات الطاقة الآمنة.

6 -  تحقيق الأمن المناخي بتشجيع عملية التحول السريعة للاقتصاد العالمي المعتمد على نسب منخفضة من الكربون.

7 -  تشجيع التنمية المستدامة، وخفض معدلات الفقر، وتعزيزها بحقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد.

8 -  إدارة الهجرة، ومكافحة الهجرة غير الشرعية.

يقول صنّاع السياسة البريطانيون إن كل أهدافهم مترابطة فيما بينها في إفريقيا، حيث يتم إنفاق الجزء الأكبر من الأموال على تقليص الفقر، ويعتقد هؤلاء أن تقليص الفقر وتعزيز التنمية الاقتصادية هما السبيل الأفضل لتحقيق العديد من أهداف بريطانيا الأخرى؛ لا سيما: التعاطي مع مشكلة الإرهاب والجريمة، ودعم المشاريع البريطانية، وتأمين مصادر الطاقة، وإدارة مسألة الهجرة، نظرياً يبدو هذا الأمر سليماً منطقياً.

 

الفصل الثالث: حدود النفـوذ والدعـم:

 

1997 / 1998  

1999 / 2000

2001 / 2002

2005 / 2006

غانا

15,057

42,624

51,615

85,387

نيجيريا

6,984

13,342

19,725

80,952

سيراليون

2,943

29,649

34,408

32,093

السودان

غير موجود

3,232

5,286

130,835

إثيوبيا

3,415

6,372

11,390

62,018

الكونغو الديمقراطية

غير موجود

1,322

5,558

51,892

رواندا

0

14,240

26,891

68,128

أوغندا

45,417

51,988

66,665

67,337

كينيا

25,675

24,232

24,925

64,212

تنزانيا

39,987

61,976

63,254

109,199

زامبيا

12,127

10,522

39,113

47,128

مالاوي

24,235

45,725

42,058

70,041

موزمبيق

19,452

20,980

38,567

56,237

زيمبابوي

10,771

11,638

14,699

37,336

جنوب إفريقيا

22,944

29,570

غير موجود

53,343

ليسوتو

4,175

2,490

غير موجود

غير موجود

الإجمالي

297,250

402,351

532,497

1,097,184

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التناقضات والمعضلات:

لقد تقوّض نفوذ بريطانيا في إفريقيا، وذلك بسبب التناقضات بين التزامات المملكة المتحدة المعلنة والمباشرة بالحدّ من الفقر، والتزاماتها الأكثر سرية وغير المباشرة بتعزيز المصالح الاستراتيجية والتجارية والاقتصادية للمملكة المتحدة وحمايتها، والمحددة في الفصل الأخير. ربما تكون وزارة التنمية الدولية البريطانية قد فكّت بصراحة ارتباط المساعدات البريطانية بالمصالح التجارية البريطانية، ولكن لوحظ أيضاً أن هذا لم يعن أن المصالح التجارية والاقتصادية الاستراتيجية قد تم استبعادها من مداولات السياسة الخارجية البريطانية، بالإضافة إلى المصالح المشتركة التي ربطت بين إفريقيا والجهات المانحة؛ كانت هناك مصالح غير مشتركة؛ إذا لم تتم إدارتها بعناية من شأنها أن تفرق بينهما.

المحصلة النهائية:

ما هي إذن محصلة السنوات العشر الأولى للسياسية البريطانية في إفريقيا تحت حكم حزب العمال؟ هناك أربع أفكار ومقاربات كبيرة وجديدة إزاء إفريقيا يمكن أن يُنسب الفضل فيها للحكومة.

على مستوى وحدة الشعوب الإفريقية لم تنج فكرة الشراكة المعززة (كما تصوّرها بلير) من المفاوضات بين المانحين والحكومات الإفريقية حول إقامة شراكة جديدة من أجل التنمية الإفريقية, ومع ذلك واصلت الحكومة البريطانية بالفعل النموذج نفسه في تعاملاتها الثنائية مع عدد من الدول الإفريقية التي تعدّها جيدة الأداء.

وساعدت الاعتبارات السياسية على الانحراف عن الأجندة نحو الإعانة؛ مما أدى إلى انتفاخ ميزانية الإعانات البريطانية بشكل سريع؛ دون إعطاء أهمية كافية إلى كيفية إنفاق الأموال بشكل فعّال واستراتيجي, بحلول سنة 2007م كانت وزارة التنمية الدولية البريطانية (DfID) تجاهد من أجل إيجاد سبل سليمة لإنفاق الأموال الإضافية التي مُنحتها من قبل الخزينة.

أزمة لا بد لها من علاج:

بالرغم من أن غيوم العاصفة المتقدمة ليست ثقيلة مثل تلك التي ألقت بظلالها على هذا السيناريو الأسوأ؛ فإن بريطانيا والمانحين الآخرين يواجهون مأزقاً خطيراً, فمن جهة؛ هناك اعتراف بأن عدم الاستقرار والنزاعات والحكم غير الرشيد والفقر في إفريقيا ومناطق أخرى من العالم؛ تزيد من حدة بعض أهم التحديات التي تواجهها مجتمعاتنا؛ بما في ذلك الإرهاب الدولي والجريمة والهجرة. ومن جهة ثانية، تلك التحديات على وجه الخصوص، إضافة إلى التغيرات المناخية وتضاؤل مصادر الطاقة، تولّد ضغوطاً سياسية على الإجراءات قصيرة الأجل، ومن شأنها أن تقوّض الجهود المبذولة من أجل تحقيق التنمية وتخفيض الفقر وتسوية النزاعات في أصعب مناطق العالم.

علاوة على ذلك؛ حتى في الظروف الأكثر إيجابية ليس واضحاً أن الدول المانحة تفي بتعهداتها بالتنمية الاقتصادية في الدول الفقيرة، وحيث إن الضغوط التي تمارسها هذه المعضلة على بريطانيا وعلى صانعي القرار السياسي في الغرب تزداد؛ فإن الفجوة بين مبادئ التدخل الليبيرالي المؤيد بحقوق الإنسان وسيادة القانون والعمل الخيري وضرورات المصالح الشخصية ستزداد كذلك، وقد أصبح هذا واضحاً في السياسات الغربية في العراق وأفغانستان والشرق الأوسط، في إفريقيا كان الأمر أكثر تجلياً في السياسات المانحة تجاه الصومال ودارفور.

إن سدّ تلك الفجوة يجب أن يكون من بين الأولويات الرئيسة في السياسة الخارجية البريطانية، كما أن دعم المبادئ الليبيرالية قد لا يضمن النجاح في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، والتخلي عنها سيؤدي بالتأكيد إلى الإخفاق، ولكن من أجل زيادة فرص النجاح في تطبيق السياسات المتنوّرة ومبادئ المصالح الشخصية؛ تحتاج بريطانيا إلى معرفة إضافية بالسياقات السياسية التي تعمل فيها، وكثير من التواضع بشأن تأثيرها، وما تستطيع تحقيقه، وبإعادة صياغة كلام الكاتب «كيبلينغ»؛ لن تتم تنمية إفريقيا بالطرائق المعتمدة من قِبل الغرب، هناك الكثير في إفريقيا، وهي عجوز أكثر مما ينبغي.