بدائل لحل خلاف مصر مع دول منابع النيل

  • 5 -7 - 2010
  • محمد الهواري


تغطية مراسل المجلة في مصر

ليست الخلافات بين مصر ودول حوض النيل مجرد خلافات يمكن حلها ببعض الزيارات والمفاوضات، فقد تعدت الخلافات هذه المرحلة البسيطة، وتجاوزتها إلى مرحلة معقـدة، وجدت فيها مصر نفسها أمام سدود وجنادل وتيارات معاكسة، بعد أن سلبت منها قوى أخرى الدفة، وصارت تسيطر على دول حوض النيل الجنوبية، وجعلتها تسير عكس التيار للوصول إلى أهدافها وتحقيق مطامعها.

فما هي تلك القوى التي تعكر المياه بين دول حوض النيل، وماذا يقول الخبراء عن هذه الأزمة، وهل لديهم أفكار جديدة يقدمونها لذوي الشأن للخروج منها؟

هذا ما تقدمه مجلة «قراءات إفريقية» في هذا العدد، من خلال هذه الندوة المهمة التي عُقدت في القاهرة بتاريخ 2/5/2010م.

محاور الندوة:

الدور الغربي في أزمة مصر مع دول حوض النيل

موقف البنك الدولي من مصر والمشروعات على النيل

أهمية الاتفاقيات القديمة بين دول حوض النيل

الوقود الحيوي الذي سيشعل نار الحرب في دول الحوض

قضية مصر وقناة جونجلي

ومقترحات عديدة للخروج من أزمة مصر مع دول حوض النيل

ضيوف الندوة:

الأستاذ/ ممدوح الولي، نائب تحرير الأهرام الاقتصادي – مشرفاً -

الدكتور/ مغاوري شحاتة دياب، خبير المياه ورئيس جامعة المنوفية الأسبق

الدكتور/ جعفر عبد السلام، أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر

الخبير الاستراتيجي/ اللواء محمد علي بلال

الخبير الاقتصادي/ جمال الشريف

المستشار/ زكريا عبد العزيز، رئيس نادي القضاة السابق

في محاولة للبحث عن مخرج للأزمة القائمة بين مصر والسودان من ناحية وباقي دول حوض النيل من ناحية أخرى؛ نظمت جماعة الإدارة العليا ندوة بعنوان «بدائل لحل الخلاف مع دول منابع النيل» تحت إشراف الأستاذ ممدوح الولي نائب تحرير الأهرام الاقتصادي.

افتتاحية الندوة:

m الأستاذ ممدوح الولي:

افتتح الأستاذ ممدوح الندوة بعرض متكامل لحجم الاستثمارات والتجارة والسياحة بدول حوض النيل؛ معتمداً على إحصائيات البنك الدولي الرسمية، وتوقف كثيراً أمام المساعدات الخارجية الغربية المقدمة لتلك الدول.

وعرض إحصائيات البنك الدولي التي تبرز مدى الدعم الذي تقدمه 22 دولة غربية، منها أمريكا وفرنسا وإسبانيا، لدول حوض النيل، حيث أظهرت تلك الإحصائيات أن دول حوض النيل هي الأعلى تلقياً للدعم الغربي، ومن تلك الدول المدعومة أثيوبيا التي قُدم لها في 2004م دعماً قدره 1,8 مليار دولار، زادت في 2008م إلى 2,9 مليار، ومصر 0,3 مليار، وتنزانيا في 2008م 2,3 مليار، والكونغو 1,6 مليار، وذكر أنها أرقام ضخمة بالمقارنة بما تقدمه مصر لتلك الدول الفقيرة.

وذكر أن مصر أنشأت صندوق تعاون لدول إفريقيا، موازنته 16 مليون دولار فقط، لكل دول إفريقيا بما فيها دول حوض النيل، مبيناً أنه لو تم توزيع تلك الموازنة على دول حوض النيل فقط؛ فهي موازنة هزيلة جداً بالمقارنة بالدعم الغربي لتلك الدول.

والنتيجة الحتمية لهذا الدعم الغربي المتفوق على التعاون المصري ، كما قال الأستاذ ممدوح، أن ولاء دول حوض النيل الفقيرة والتي تعاني العديد من المشكلات الاقتصادية سيكون لمن يدعمها، وسيكون لديها بهذا الدعم الغربي ما يسوّغ لها ما تقوم به تجاه مصر من منازعات ومناوشات حقوقية على مياه النيل.

وحول حجم التجارة بين إسرائيل وتلك الدول؛ أوضح أن حجم التجارة بين مصر وإسرائيل أكبر من حجم التجارة بين إسرائيل وباقي دول حوض النيل.

ثم تكلم الأستاذ ممدوح عن الحلول المقترحة لهذه الأزمة، ورأى أن تقوم مصر بالعمل على عدد من المحاور، منها التقارب اللغوي، عن طريق معرفة اللغات المحلية لتلك الدول، ومنها السواحلية، وإنشاء إذاعة مثلاً ناطقة بتلك اللغة، فلا إصلاح بدون التقارب مع تلك الدول عن طريق لغاتها.

كما ذكر إمكانية الاستفادة من حجم الاستثمارات السعودية والإماراتية والتركية مع دول حوض النيل، وذلك بمطالبة هذه الدول من خلال الدبلوماسية المصرية أن تضغط على دول حوض النيل لتنفيذ الاتفاقيات السابقة والالتزام بها.

ومن المحاور التي أشار إليها لحل الأزمة الاستفادة من الدبلوماسية الشعبية، مثل تفعيل دور الأزهر الشريف في تلك الدول، وقيام النقابات بدور للتقارب مع دول حوض النيل، وكذلك الاستفادة من هيمنة الكنيسة المصرية الروحية على الكنيسة الأثيوبية.

كلمات الضيوف:

m الدكتور مغاوري شحاتة:

رأى الدكتور مغاوري شحاتة دياب، خبير المياه ورئيس جامعة المنوفية الأسبق، أنه لا داعي للقلق تجاه ما تسعى دول حوض النيل للقيام به من مشاريع مائية؛ لأن تلك المشاريع مجتمعة ستمنع 70 مليار متر مكعب من التدفق في النهر، في مقابل 1660 مليار متر مكعب ستجري فيه، مؤكداً أنه لا يستطيع أحد أن يغير مجرى النهر، وسيظل نهر النيل يجري من الجنوب إلى الشمال ولن يستطيع أحد أن يمنعه.

ورفض د. مغاوري أن تكون الحرب هي وسيلة الحل للأزمة القائمة، وطالب بالاستمرار في الجهود الدبلوماسية المصرية، وحسن استغلال القانون الدولي، والتمسك بالاتفاقيات السابقة المعقودة بين مصر ودول حوض النيل.

كما رفض فكرة الاستفادة من تأثير الكنيسة المصرية على الكنيسة الأثيوبية، وذكر أن السياسة والمصالح هي اللاعب الرئيس الآن على المسرح الدولي ولا قيمة لغير ذلك.

وبيّن في معرض حديثه أن اللوم الأكبر في هذه الأزمة يعود على الدبلوماسية المصرية، والتي تعاملت بنبرة استعلاء منذ فترة مع الدول الإفريقية، فمصر أهملت إفريقيا وتعاملت معها بتعالٍ، وقال إن رئيس مجلس الوزراء أحمد نظيف استُـقبل بطريقة سيئة جداً عندما زار أثيوبيا نهاية العام الماضي، وبدلاً من التعالي المصري تعالت أثيوبيا على مصر، واتضح ذلك من الموقف الذي اتخذه رئيس الوزراء ميليس زيناوي من نظيف.

وذكر أن الإخفاق الذي حدث في المؤتمر الأخير ليس إخفاقاً مفاجئاً، فأثيوبيا مثلاً تتخذ موقف الرفض الدائم تجاه مصر منذ بدء القرن العشرين، مدللاً على ذلك بالإنذار الذي وجهه الرئيس الأثيوبي لرئيس مصر السابق بأن أثيوبيا ترفض كل الاتفاقيات السابقة حول نهر النيل، وأنها في حِلٍّ منها بعد سنتين من تاريخ هذا الإنذار.

وحول إمكانية استخدام البنك الدولي لدعم مشروعات مائية تحفظ المياه المهدرة؛ قال: البنك الدولي دائماً ضد مصر، وهو يدار طبقاً للإرادة الغربية فقط.

m الدكتور جعفر عبد السلام:

أكد الدكتور جعفر عبد السلام أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر أن موقف مصر من الناحية القانونية موقف قوي، وقال إن من حق مصر أن تتمسك بحقوقها المكتسبة في مياه النهر بحسب اتفاقيتي 1929م و1959م اللتين تحددان حصـة مصر، فهي حقوق مكتسبة لا يجوز المساس بها، بحكم قاعدة التقادم المكتسب، وأنه لا يجوز لأي دولة القول بأنها كانت تحت سيطرة المحتل الأجنبي، لأن فتح الباب لتعديل الاتفاقيات التي وُقّعت في ظل وجود المستعمر الأجنبي سيغيّر الحدود بين جميع الدول الإفريقية، لأنها تمت في عهد الاستعمار.

وطالب بالاستفادة من وجود أكثر من سبعة آلاف طالب إفريقي بمصر، أغلبهم ملتحق بالأزهر الشريف من أجل بناء رأي عام قوي داخل هذه الدول للضغط على حكوماتها، وذكر أن على مصر السعي لإنشاء جامعات إفريقية عربية داخل دول حوض النيل وبخاصة أثيوبيا.

وأضاف أنه لما تم إنشاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر كان من إحدى مهامه الحفاظ على الأمن القومي المصري، ولذلك أصدر العديد من الكتب الإسلامية باللغات المحلية لدول إفريقية لدعم فكرة التقارب المصري الإفريقي.

m اللواء محمد بلال:

في أول حديثه رفض الخبير الاستراتيجي اللواء محمد علي بلال فكرة التقليل من حجم خطورة المشروعات التي ستقوم بإنشائها دول حوض النيل عليه، وهي الفكرة التي تبناها الدكتور مغاوري، مؤكداً أنه على الرغم من أن منع 70 مليار متر مكعب من الجريان في مجرى النهر لا يعد شيئاً بالمقارنة بما يجري فيه فعلياً وهو 1660 مليار متر مكعب؛ فإن منع الـ 70 مليار متر مكعب سيؤخر وصول المياه لمصر، وهذا ما وافقه فيه الدكتور مغاوري بعد ذلك، كما أن منع 70 مليار متر مكعب قد يكون بداية لمشروعات أشد في ظل الاهتمام بالوقود الحيوي.

وحذّر من إمكانية تحويل مجاري بعض الأنهار التي تصب في نهر النيل، وأن هذا الأمر ممكن، مستدلاً على ذلك بتحويل مجرى نهر النيل عند بناء السد العالي.

وأظهر اللواء بلال أن الرئيس السابق لمصر جمال عبد الناصر شعر بأهمية التعاون مع دول حوض النيل، فسعى إلى التقارب معها، واستخدم الرياضة وسيلة للتقارب، فأنشأ الاتحاد الإفريقي بالتعاون بين مصر والسودان وأثيوبيا، وبينها قامت أول بطولة لكأس الأمم الإفريقية.

وأكمل قائلاً: مصر أهملت تلك الجهود السابقة، في الوقت الذي يوجد فيه تسارع بين الصين والغرب والهند وإيران للسيطرة على دول حوض النيل الجنوبية، وكل المساعدات المقدمة لتلك الدول ليس لها إلا هدف واحد، ألا وهو السيطرة السياسية عليها، فعصر الاحتلال العسكري انتهى وظهر عصر الاحتواء السياسي والاقتصادي.

وعن أهمية اللجوء للقانون الدولي؛ قال: القانون في عصرنا هذا ليس له مكان على الإطلاق، ونحن الآن نعيش في ظل شرعية القوى وليس قوة الشرعية، وكثير من الاتفاقيات صارت حبراً على ورق، ومن يفعلها هو فقط من يستطيع أن يحميها، متسائلاً: هل البنك الدولي الذي خذل مصر في مشروع السد العالي؛ سيأتي معنا هذه المرة لمساندتنا ويمتنع عن تمويل المشروعات التي تقام على نهر النيل في دول المنابع!

وأضاف: جميع المشروعات التي تتم في إفريقيا والممولة من الخارج جميعها مستمرة فيما عدا مشروع قناة جونجلي؛ لأنه المشروع الوحيد الذي كان سيزيد المياه القادمة إلى مصر، والهدف من ذلك في الحقيقة هو السيطرة على مصر والتأثير فيها، وإيقاف التنمية فيها هو الهدف الذي يسعى الغرب إلى تحقيقه.

وبيّن أن مصر مستهدفة منذ القدم، ففي عهد محمد علي عندما قام بنهضة عسكرية واقتصادية وسياسية؛ تضافرت جهود الدول الغربية للقضاء على تلك النهضة وإلزامه باتفاقيات تحد من نشاطه، فهمّ هذه الدول هو إيقاف التنمية في مصر.

وفي نهاية الكلمة التي ألقاها اللواء طالب بأن يُسند ملف حوض النيل إلى سياسيين محنكين ذوي كفاءة، يفهمون الاستراتيجيات، لأن وزارة الري في رأيه غير مؤهلة للتفاوض في هذا الملف الخطير.

m الاقتصادي جمال الشريف:

ذكر الخبير الاقتصادي جمال الشريف أن المشكلة الأم هي أن الإعلام الدولي يروّج للعديد من الأكاذيب التي يصدّقها الأفارقة، ونحن السبب في انتشار تلك الأكاذيب بتكاسلنا تجاه نشر الحقائق، من ذلك الزعم بأن توشكى صنعت لإمداد ليبيا بـ 45 مليار متر مكعب من المياه، وأن ترعة السلام أنشئت لإمداد إسرائيل بـ 15 مليار متر مكعب من المياه.

وبيّن أنه من الواجب عدم التعويل على الاتفاقيات الدولية؛ لأن تلك الاتفاقات لم تمنع أمريكا من الاعتداء والعدوان على العراق وأفغانستان.

m المستشار زكريا عبد العزيز:

ورأى المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي القضاة السابق أن عدد الأفارقة في مصر يتناقص بشدة مما ينذر بمزيد من التباعد المصري الإفريقي، وتعجّب من اهتمام مصر بتأمين حدودها مع غزة في ظل تلقيها للطعنات المتتالية في ظهرها وشريان حياتها من دول حوض النيل!

وذكر أنه من الواجب علينا أيضاً أن نقوم بتغيير ثقافة التعامل مع النيل داخل مصر، والسعي إلى نشر ثقافة المحافظة على مياه النيل وعدم تلويثها أو إهدارها، وربّ ضارة نافعة.

m آراء أخرى:

ورأى بعض الحضور أن سبب زيادة اهتمام دول حوض النيل بمياهه هو تلك المشروعات الزراعية التي أقامتها العديد من الدول الغربية بل والعربية لزراعة الذرة، وذلك سعياً لإنتاج الوقود الحيوي البديل الجديد للنفط، وهو ما أدى إلى زيادة الصراع بين دول حوض النيل.

وفي إطار المقترحات لحل الأزمة بين مصر ودول حوض النيل طالب بعض الحاضرين بدبلجة الأعمال الثقافية والفنية المصرية باللغات المحلية الإفريقية، في محاولة للتواصل مع هذه البلاد ثقافياً ودعم التقارب معها.