بحيرات إفريقيا بين ضغوط الاستغلال وأخطار التغيّر البيئي

  • 2 -6 - 2014
  • صبحي رمضان فرج

 

د. صبحي رمضان فرج سعد 

الماء هو أحد الموارد المائية المتجددة على كوكب الأرض، وبالرغم من ذلك فإنّ المتاح منه للاستخدام - على محدوديته - تكتنفه مصاعب عديدة، تتسم بالتعقيد الشديد والأهمية الشديدة، بعضها يرتبط بالحجم والخصائص، وبعضها الآخر يرتبط بالتغيرات البيئية التي زادت وتيرتها خلال الآونة الأخيرة، وثالث يتصل بفاعلية أنظمة الإدارة  المائية الحالية وطبيعة العلاقات بين الدول ذات المورد المشترك.

مقدمة:

تُعد البحيرات إحدى صور المياه السطحية، وأحد أهم الموارد الطبيعية في العالم، ويبلغ الحجم الكلي لمياه البحيرات 125 ألف كم3، تمثّل 1,4% من إجمالي حجم المياه العذبة السائلة.

وتتنوع القيمة الاقتصادية لـلبحيرات، حيث يُستغل العذب منها في أغراض رَيّ الأراضي الزراعية، خصوصاً في الأقاليم الجغرافية الجافّة، كذلك تُستخدم كخزانات مائية قائمة بذاتها، أو على مجاري مائية نهرية، قد تُستغل عبر السدود المقامة عليها في إنتاج الطاقة الكهرومائية، كما تُعد البحيرات مصايد سمكية مهمّة، وأحد شرايين النقل الرابطة.

هذا إلى جانب القيمة الجمالية للبحيرات، والتي تسهم في تشجيع النشاط السياحي والترويحي من خلال جذب الاستثمارات وتشييد المنتجعات على ضفافها، بالإضافة إلى إسهامها في حفظ التنوّع الحيوي ودعم الأنظمة الإيكولوجية للبيئات والمجتمعات الأرضية.  

ويبلغ إجمالي عدد البحيرات في العالم نحو 50 ألف بحيرة طبيعية، وقرابة 7500 بحيرة صناعية[1]، وتأتي قارة إفريقيا في صدارة قارات العالم من حيث نسبة المياه العذبة المخزنة في البحيرات، حيث استأثرت بمفردها على 34,7% من حجمها العالمي[2].

جدول (1)

التوزيع العددي والنسبي للبحيرات الإفريقية

القطر

عدد البحيرات

النسبة المئوية

أوغندا

69

10,0%

كينيا

64

9,5%

الكاميرون

59

8,7%

تنزانيا

49

7,2%

إثيوبيا

46

6,8%

جنوب إفريقيا

37

5,5%

رواندا

29

4,3%

غانا

29

4,3%

المغرب

26

3,8%

مدغشقر

25

3,7%

مصر

16

2,4%

نيجيريا

16

2,4%

مالي

15

2,2%

تونس

15

2,2%

زائير

15

2,2%

مالاوي

13

1,9%

بتسوانا

12

1,8%

الجابون

8

1,2%

أخرى

134

19,9%

المجموع

677

100%

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Source: World Lakes Network) 2004(

ويتباين نصيب الدول الإفريقية من حيث عدد البحيرات الواقعة في حيّز أراضيها والنسبة العددية التي تمثّلها، فقد بلغ مجموع بحيرات القارة 677 بحيرة، استأثرت خمس دول - أربع منها في شرقي القارة، وهي: (أوغندا، وكينيا، وتنزانيا، وإثيوبيا)، وواحدة بغربي القارة، وهي: (الكاميرون) - بـ 287 بحيرة، مثّلت 42,2%، انظر: جدول (1)، وشكل (1).

شكل (1): البحيرات في قارة إفريقيا

Source: UNEP/GRID–Sioux Falls

وتأتي في صدارة بحيرات القارة من حيث الأهمية:

1 - (بحيرة فيكتوريا): بشرقي القارة الإفريقية، تُعد ثاني أكبر بحيرة عذبة في العالم، مساحتها (68870 كم2).

2- (بحيرة تنجانيقا): في الجزء الجنوبي من الأخدود الإفريقي العظيم بشرقي القارة، مساحتها (32900 كم2)، وتُعد ثاني أعمق بحيرة في العالم.

3 - (بحيرة نياسا): في الأخدود الإفريقي العظيم بشرقي القارة الإفريقية، مساحتها (22490 كم2).

4 - (بحيرة تشاد): بوسط إفريقيا، مساحتها (17800 كم2).

5 – (بحيرة ناصر) الصناعية: خلف السدّ العالي على نهر النيل بجنوب مصر وشمال السودان، مساحتها (12900 كم2).

6 – (بحيرة فولتا) الصناعية: على نهر الفولتا في جنوب شرقي غانا، مساحتها (8482 كم2).

7 – (بحيرة ماي-ندومبي) الصناعية: على نهر لوتوي في غربي جمهورية الكنغو الديمقراطية، مساحتها (8300 كم2).

8 – (بحيرة توركانا): في الأخدود الإفريقي العظيم بشرقي القارة الإفريقية، مساحتها (7100 كم2).

9 – (بحيرة كاريبا) الصناعية: على نهر زامبيزي على حدود زامبيا مع زيمبابوي، مساحتها (5310 كم2).

وتشهد العديد من البحيرات الإفريقية تغيرات بيئية بالغة، وتدخلات بشرية جائرة، وسوء استغلال، وأساليب إدارة تتسم في أغلبها بالعشوائية، وهو ما يترتب عليه اختلالات جزئية أو كلية بالأنظمة الإيكولوجية لهذه البحيرات.

أولاً: العمليات والتغيرات البيئية الطبيعية:

بحيرة كيفو Kivu :

تسهم العمليات الطبيعية - كالثورانات البركانية - بدور مهمٍّ في إحداث تغيّرات جوهرية في الخصائص الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية للبحيرات، ويعرض الشكل (2) مرئية تُظهر تدفقات الصهير البركاني عقب ثوران بركان نييراجونجو Mt. Nyiragongo (2002م)، ويتبين من خلالها انسياب جزء منها باتجاه بحيرة كيفو.

شكل (2): بحيرة  كيفو عقب ثوران Mt.Nyiragongo (2002م)

Source: UNEP, Atlas of Our Changing Environment

بحيرة سنجور Songor:

تتعرض البحيرات واللاجونات الساحلية لتأثيرات الموقع الجغرافي، على سبيل المثال بحيرة سنجور، وهي إحدى اللاجونات الساحلية المالحة في غانا، وكانت البحيرة موطناً لأنواع عديدة من الأسماك، وأنواع من السلاحف البحرية المهدّدة بالانقراض، مثل السلحفاة الخضراء وسلحفاة رايدلي الزيتونية، إلى جانب العديد من أنواع الطيور.

وقد ظهرت في مرئية عام 1990م كتلة مياه زرقاء متماسكة تمتد في مساحة 74 كم2، لكنها في مرئية عام 2000م ظهرت وكأنها ظلٌّ متلاش لسالفتها؛ ويعود ذلك في جانبه الأكبر إلى الإنتاج الكثيف للملح والتبخّر عند الطرف الغربي للبحيرة.

بحيرة سانت لوسيا  St.Lucia:

تقع بحيرة سانت لوسيا في جنوب إفريقيا تحت وطأة تأثيرات حركة المدّ البحري لمياه المحيط الهندي، حيث تشكّل البحيرة جزءاً من مصبّ سانت لوسيا، وهو ما يتسبب في ارتفاع نسب الملوحة بالبحيرة ارتفاعاً كبيراً في بعض السنوات، خصوصاً بالقطاعات الشمالية للبحيرة، وهو ما يؤدي إلى القضاء على أعداد كبيرة من النباتات والكائنات الحية بالبحيرة.

ثانياً: التلوث وتدهور نوعية المياه:

تشهد العديد من بحيرات القارة الإفريقية قدراً كبيراً من الملوثات التي تتنوع مصادرها، فبعضها ضفافي، كمخلفات الصرف الصناعي والزراعي والصحي، وبعضها الآخر يرتبط بأنشطة المسطح البحيري، كمخلفات مركبات النقل والسفن السياحية ونشاط الصيد. 

بحيرة فيكتوريا:

تتصدر بحيرة فيكتوريا قائمة البحيرات الإفريقية التي تقع تحت وطأة التهديدات البشرية، فهي ثاني أكبر بحيرات المياه العذبة في العالم، ويتقاسم مسطحها المائي ثلاثة أقطار، يقع في كينيا 4113 كم2 (6%)، وفي أوغندا 31001 كم2 (45%)، وفي تنزانيا 33756 كم2 (49%)، وتتسع مساحة الحوض البحيري لتصل إلى 180.950 كم2، ويدخل فيه أجزاء من جمهوريتي رواندا وبوروندي[3].  

ويعتمد على البحيرة نحو 33 مليون نسمة، حيث تُعد رابطاً نقلياً مهمّاً يصل بين الأقطار المطلة عليها، وخزاناً مائياً، ومصدراً رئيساً للإمداد المائي، بالإضافة إلى كونها مصدراً للإنتاج السمكي الذي تصل كميته إلى نحو 750.000 طن متري سنوياً.

وتشهد المناطق الضفافية للبحيرة معدلات نموٍّ سكاني مرتفعة تزيد على 6% سنوياً، وهي الأعلى على الإطلاق بالعالم، ويبيّن الشكل (3) تطور الكثافة السكانية بمنطقة الحوض، ويظهر من خلاله ارتفاعها بشكل واضح بالقطاعات الشمالية، والشمالية الشرقية، والجنوبية.

شكل (3): تطور الكثافة السكانية بحوض بحيرة فيكتوريا خلال الفترة (1960م - 2015م)

Source: UNEP & NASA

وتتعرض البحيرة لظاهرة (الإثراء الغذائي) Eutrophication؛ وما يترتب عليها من نموٍّ زائد للنباتات المائية والطحالب التي تقلل من جودة الحالة النوعية للمياه، بالإضافة إلى ما ينتج عنها من روائـح منفّرة؛ نتيجة الطحالب والمواد العضوية الطافية المتعفنة، والتي تصبح بيئة ملائمة لتكاثر الحشرات.

ويرتبط (الإثراء الغذائي) بالتدفقات ذات المحتوى العـــالي من المغذيات؛ حيث يبلغ إجمالي ما يصل إلى البحيرة من عنصري النيتروجين والفوسفور 208.160 و 38.303 طناً / سنوياً، تسهم تدفقات المجاري المائية النهرية والإرسابات الهوائية فيها بنسبة 72,85% و 78,56% من الحمولة الإجمالية للعنصرين على التوالي.

وتتّسبب مياه الصرف الصحي غير المعالجة التي تتلقاها البحيرة في تلوثها بكتريولوجياً؛ وهو ما يؤثر سلباً في الكائنات الحية المائية، وجودة مياه الشرب، فضلاً عن الأمراض المنقولة بالمياه كالتيفود والكوليرا وغيرهما، وخصوصاً مع غياب الوعي البيئي والممارسات الصحية السليمة.

وتتفاقم المشكلة مع ارتفاع معدلات النمو السكاني بالحواضر المطلة على البحيرة، والتي تتراوح بين 5 - 10% سنوياً، بينما يتراوح المتوسط العام بين 2 - 4% في معظم أجزاء الحوض.

كما تتلقى البحيرة كميات كبيرة من الملوثات الكيميائية، حيث تفرغ بها كميات كبيرة من نفايات التعدين والمخلفات الصناعية والبترولية والطبية وغيرها، وتغيب تماماً أعمال معالجة هذه المخلفات بقطاعي أوغندا وتنزانيا، وإن كان أغلبها يُعالج بالقطاع الكيني.

وتُظهر الدراسات الحديثة أنّ أسماك (بحيرة فيكتوريا) تحتوي على مستويات متباينة من المبيدات الكلورية العضوية المتبقية؛ الناتجة عن مخلفات الكيماويات الزراعية التي تنتقل من المــزارع عبر الأنهار لتســـتقر بالبحيرة.

بحيرات مصر الشمالية:

أجريت دراسة في مصر (2008م) على ثلاث من بحيرات مصر الشمالية (إدكو، البرلس، المنزلة)؛ وذلك لتقييم درجة التلوث بها، حيث تمّ تقدير متبقيات بعض العناصر الثقيلة في مياه ورسوبيات القاع وأسـماك البلطي النيلي السائدة في هذه البحيرات.

وقد كشفت الدراسة عن ارتفاع تركيزات الحديد والمنجنيز والكادميوم والرصاص في مياه (بحيرة المنزلة)، والمنجنيز والرصاص في (بحيرة البرلس)، متجاوزة الحد ا?قصى المسموح به دولياً، ويعود ذلك للكميات الكبيرة من المخلفات التي تصل إلى البحيرة عن طريق مصارف (بحر البقـر، وبحـر حـادوس، وبحر رمسيس).

كما جاء تركيز المعادن الثقيلة في رسوبيات القاع أعلى كثيراً منه في المياه، وسجّلت رسوبيات (بحيرة المنزلة) أعلى مستوى للتلوث بالمعادن الثقيلة، فقد تجاوز مستوى عنصري النحاس والكادميوم في رسوبيات البحيرة، والمنجنيز في رسوبيات (بحيرة إدكو)، الحدود المصرح بها عالمياً.

وأظهرت الدراسة أيضاً أن تراكم العناصر الثقيلـة (الحديـد، الزنـك، النحـاس، المنجنيـز، الكادميوم، الرصاص) في أنسجة ا?سماك المجمعة من (بحيرة المنزلة) أعلى من مثيلاتها في (بحيـرة البـرلس) و (بحيرة إدكو)، وقد فاق تركيز عنصري الكادميوم والرصاص في عضلات ا?سماك المجمعة من (بحيرة المنزلة) -  في منطقة المصارف جنوب شـرق البحيـرة - الحـد ا?قصى المسموح به، ولذلك تعد أسماك البلطي النيلي في هذه المنطقة غير صالحة للاستهلاك ا?دمي[4].

ثالثاً: غزو الأنواع الغريبة، واختلال توازن الأنظمة الإيكولوجية البحيرية:

تعاني العديد من بحيرات القارة خطر الأنواع الغازية، وهي أنواع غير موجودة طبيعياً في البيئة المحلية، ولكنها تدخلها إمّا عفوياً وإمّا بشكل مقصود، وهو ما يشكّل خطراً على التنوع الحيوي، ويهدد الأنواع الأصلية Native Species التي تعيش بها.

ورد النيل (ياسنت الماء)  Water Hyacinth:

تشهد العديد من المسطحات المائية بقارة إفريقيا غزواً لنبات ورد النيل أو الياسنت، وهو نبات موطنه الأصلي أمريكا الجنوبية، حيث ينمو على ضفاف الأنهار وفي المياه الضحلة، ثم لا يلبث أن ينتشر في المياه العميقة، يساعد على ذلك تكاثره الخضري (اللاجنسي) بالتجزئة، وسرعان ما يتحول إلى جزيرة عائمة من النباتات المتشابكة، والتي تصل مساحتها إلى مئات بل آلاف الأمتار المربعة. 

ويؤدي انتشاره إلى إعاقة الملاحة النهرية وسدّ المجاري المائية والقنوات المستخدمة في الريّ، كما ينشأ عنه ضغطاً كبيراً على الجسور العائمة المنصوبة على الأنهار؛ مما يؤدي إلى إزاحتها وتحطمها، ومن مخاطره أيضاً أنه يحجب وصول ضوء الشمس إلى الهائمات النباتية، التي تشكّل القاعدة الأساسية في النظام الغذائي للهائمات الحيوانية والأسماك؛ مما يسبب خللاً في التوازن الدقيق للشبكة الغذائية، ومن أسوأ مخاطره تسببه في تبخّر كميات كبيرة من المياه، خصوصاً في المياه الراكدة أو قليلة الجريان، كما يوفر في مصر بيئة مائية جيدة للقواقع الحاملة لطفيليات مرض البلهارسيا.

ويكبّد ورد النيل القارة الإفريقية خسائر اقتصادية كبيرة، قدّرت بنحو 100 مليون دولار سنوياً[5]، في الوقت الذي تفتقد فيه أغلب هذه البلدان إلى سياسات الإدارة وطرق التحكم البيئي التي تمكّنها من مكافحة هذه الحشائش الغازية، فما تلبث أن تكافح نوع حتى يظهر آخر.

والشكل (4) مرئية فضائية لـ (بحيرة شيفرو) التي تمثّل مصدر الإمداد المائي لـ هراري (عاصمة زيمبابوي)، ففي الوقت الذي تمكنت فيه الأجهزة من إنقاص المساحة المائية التي يشغلها النبات بالمسطح البحيري من 42% عام 1976م إلى 22% عام 2000م، ما لبث أن عـــاود غزوه للبــحيرة من جــديد، بدءاً من عام 2005م، حيــــــث غزا الياسنت يرافقه عشب (الجرجير الضفدعي)، Hydrocotyle Ranunculoide مساحات كبيرة من البحيرة، وهو ما أظهرته بوضوح المرئية الحـديثة للبحيرة (أكتوبر 2012م).

شكل (4): الغزو، والتحكم، وعودة الغزو المائي لحشائش (ياسنت الماء) في بحيرة شيفرو (زيمبابوي)