انفصال جنوب السودان

  • 17 -4 - 2011
  • طلعت رميح

 

ملفٌ يُضاف إلى غيره مما تطويه ذاكرة الأمة من أيامها وانتكاساتها، يتضمّن «حدثاً مهماً» استحق عند بعض السياسيين والمحللين أن يُطلق عليه وصف «كارثة», نُسجت خيوطه وأُبرمت عبر سلسلة متوالية من التحرّكات والمداولات المعلنة والمستترة، شاركت في نسجها أطراف عديدة محلية وإقليمية ودولية، وجهّزت خططاً وبرامج واتفاقات، تتابعت مراحل تنفيذها زمنياً في مدة أربت على خمسين عاماً.

ووصل الحدث ذروته في مطلع هذا العام 2011م بقرار الانفصال، والذي يراه بعض الناس نقطة بدء لأحداث أخرى لا تقل خطراً عنه، وهو ما أعطى مساحة واسعة من التوقعات والتكهنات لما سيعقبه من ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية، وغيرها.. وما تستقر عليه مآلات تداعياته.  

وإدراكاً من مجلة «قراءات إفريقية» بأهمية ملف «انفصال السودان», والتزاماً منها بمسؤوليتها فيما وضعته من أهداف وسياسات؛ خصّصت لهذا الحدث معظم صفحات هذا العدد، لتقدّم لقرائها توثيقاً أميناً وقراءة واعية للحدث وما أحاط به وما يُتوقع منه، بقدر ما يُتاح لها من إمكانيات لتحقيق الشمول والاستيعاب.

وقد تناولته في عدد من المحاور بعد مقدمة الملف, في تتابع زمني وترابط موضوعي، تستقصي في المحور الأول المعلومات والحقائق والوقائع التي شكّلت البعد التاريخي للعلاقة بين الشمال والجنوب، وهو الذي يقدّم لما بعده من المحاور.

وعرض المحور الثاني جملة من العوامل والأسباب المادية والمعنوية لنشأة التمرد وأهدافه، والأطر التي تطور إليها في مكوناته الفكرية والعقدية وأشكاله المؤسسية, ودور القوى الخفية والظاهرة وأهدافها في دعمه وتوجيهه.

ثم المحور الثالث في دور القوى والمنظمات الإقليمية والدولية, وموقفها من القضية وعملية الاستفتاء.

ليأتي المحور الرابع في متابعة تداعيات ما بعد الاستفتاء ورصدها.

والمحور الخامس عن التوجهات الداخلية والخارجية المتوقعة لدولة الجنوب المحتملة.

ليقدم المحور السادس - قبل الخاتمة - مراجعات لكشف حساب المصالح والمفاسد من انفصال الجنوب.

ثم الخاتمة، وفيها عرض لأهم النتائج التي يقدّمها لنا الحدث، والدروس المستفادة والعظات والعبر.    

كثير من الأقلام تسطّر وتكتب عن الحدث، والمقاصد شتى، فلكل رؤيته ومآربه فيما يكتب,  فتختلف أساليبب التعاطي ومناهج الكتابة تبعاً لذلك، وتأتي متدرّجة بين حدّين متطرفين, وكل يفتقد الصدق والدقة والأمانة، فطرف يتجافى عن كل ذلك مما يطمس معالم الحقيقة، والآخر يسعى لتضخيمها، وكلاهما تزوير لشهادة التاريخ، ونسعى إلى أن نكون وسطاً عدلاً بينهما.

من أبرز شواهد التزوير التي لازمت كل مراحل الحدث؛ السعي لإخفاء طابع الصراع وحقيقته، بالتقليل أو الإخفاء المتعمد لأهم أسبابه وهو (التنصير).

إن نتيجة الاستفتاء ليست هي الانفصال، فهو لم يكن إلا أمراً شكلياً لترتيبات إعلان هذه النتيجة،  والتي تمخّضت عن سلسلة متصلة من الوقائع والأحداث، يفصلنا عن بداية التخطيط لها أكثر من قرن من الزمان؛ حينما انعقد مؤتمر برلين في عام 1884م، والفكرة في تصوّرها الذهني أبعد من ذلك كثيراً، وأعمق في بعدها النفسي بكونها رغبة متأصلة, ?وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ? [آل عمران : 118]، وتصميم مستمر، ?وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ? [البقرة : 217]، عند من خطّط وأدار الصراع في الجنوب ليصل به إلى النتيجة التي يريدها.

فلِمَ كانت النتيجة، كما أُعلنت، أكثر من 90% من أبناء الجنوب يصوّتون للانفصال؟ ولِمَ لم تأت النتيجة على خلاف ذلك؟!

كيف أصبح الانفصال خياراً جاذباً؟ ولِمَ لم تكن الوحدة التي كانت قائمة وتمثّل واقعاً هي الخيار الجاذب؛ كما تم النصّ على ذلك في الاتفاقية؟!

أكان التصويت للانفصال تعبيراً عن إرادة حرة، ووعي بحقيقته وتداعياته؟

هل للشمال دور في  جعل الانفصال خياراً جاذباً؟

القوى السياسية الخارجية.. الكنيسة.. الكنيست.. النظام القائم.. القبلية.. النخب من أبناء الشمال والجنوب.. ما دور كلٍّ من هؤلاء في عملية الانفصال؟  

ربما أفضت الإجابة بدقة ووضوح عن مثل هذه الأسئلة وغيرها إلى نتائج؛ تخالف كثيراً ما يقود إليه الأخذ المباشر للحيثيات دون التأمل فيها.

إن الرغبة والدوافع العدوانية دفعت إلى إعداد «مشروع تفتيت كيانات الأمم والشعوب المسلمة والعربية»، ومشروع «بسط الهيمنة»، وجاء التخطيط للتنفيذ، واستُغلت الأقليات لذلك، واستُخدمت الأدوات ووُظفت لتنفيذ المخطط ودعمه: الاستعمار.. الكنيسة.. النخب.. الأقليات.. الأنظمة.. الهيئات والمنظمات.. الإعلام.. المؤسسات المالية.. إلخ.

واجتمعت عليها إرادة أمم تحت مظلة مؤتمر برلين عام 1984م؛ لتضع الخطة الشاملة لبسط الفكرة وتنفيذها, واجتاح الاستعمار أنحاء القارة الإفريقية، يحمل خريطة التشكيل الجديد التي بُنيت على أساس استغلال معطيات الواقع وعناصر مكوناته الجغرافية والإثنية والتاريخية.

إن الاستعمار هو الذي وضع هذه السياسات التي هيأت لواقع أورث تباعداً نفسياً واجتماعياً، وتفاوتاً في الأوضاع المادية والمعيشية، ومكّن للكنيسة لتغرس النواة لإيجاد «النخب» التي تحمل الفكرة محلياً، وتنفعل وتتحرك بإرادة خارجية في واقع بيئاتها، وبرز منها قيادات حوّلت المشروع إلى إرادة سياسية حرّكت بها العامة, وقادت بها القبائل التي لا تدري إلى أين تُـقاد، بل ربما يدرك بعضها أن الانفصال ليس في مصلحتها، ولا يعبّر عن رغبتها، ولكنها مضت مع الآخرين وفق تلك الإرادة السياسية التي روّج لها الإعلام، ودعمتها الهيئات والمنظمات: الأمم المتحدة.. الاتحاد الأوروبي.. الاتحاد الإفريقي.. الجامعة العربية.

أما الجهات المعارضة؛ فقد تم تحييدها، بل تهديدها, فلم تملك الجرأة على أن تتحرك لإيقاف ما يجري زوراً وبهتاناً باسم إرادة الجنوب، والذي ذهبت أرواح بعض بنيه، ممن أعلنوا رفضهم ومعارضتهم، ضحية لجريمة فصل الجنوب.

أعلنوا عن سعادتهم.. وانهالت إشاداتهم بمن قاموا على تنفيذ العملية الإجرائية (الاستفتاء)، ووفّروا لها ما جعلها تتم في جوٍّ من النزاهة والحرية.. كما يزعمون؟!

يحرص هذا الملف الذي تقدّمه «مجلة قراءات» على تقديم الحقيقة.. وتفاصيل الأحداث، ليس بواجهتها الأمامية فحسب، بل بخلفيتها التي بلورت الاتجاهات.. وحرّكت الأحداث.. ودفعت بها نحو ما تريده تلك القوى، وذلك بأقلام بعض من شهدوا الواقعة، وكتبوا شهادتهم للتاريخ, قد يجد القارئ أكثر من قراءة للموقف أو الحدث في دراسته وتحليله تعكس تبيانا من مقال لآخر, وهو دليل القراءة المستوعبة لما يحتمله الموقف أو الحدث, ويؤدي إليه النظر إليه في أبعاد مختلفة؛ فاقتضت الأمانة عرض كل ما يحتمله الموقف؛ طالما دعمه منطق مقبول.