انفصال جنوب السودان.. الوحدة الآن.. أقرب من ذي قبل.. استراتيجياً

  • 10 -5 - 2011
  • طلعت رميح

طلعت رميح 

انتهى أمر الصراع الممتد في السودان منذ عام 1955م إلى انفصال الجنوب، وبدء دورة تشكيل «دولة جنوب السودان المستقلة» في عام 2011م، تمهيداً للاعتراف الدولي الرسمي بها، وانضمامها إلى  هيئة الأمم المتحدة.

لقد اعترف الحكم في السودان بهيئاته التنفيذية والتشريعية بنتائج الاستفتاء الذي أجري بالجنوب في التاسع من يناير 2011م، وجاءت نتيجته بنسبة 98.83 % تصويتياً للانفصال وتشكيل «دولة جنوب السودان» المقرر إعلانها في التاسع من يوليو 2011 م .

وبنهاية هذا الصراع الدامي إلى هذه النتيجة؛ تغيّر مشهد الصراع تغيّراً كلياً، وصار مطلوباً تشكيل رؤى جديدة, ووضع خطط للتعامل مع هذا الواقع الجديد، من قِـبل جميع الأطراف الفاعلة في مشهد الصراع، حتى تلك التي اتخذت موقفاً غير فاعل فيه.

النظام الرسمي السوداني, وقوى المعارضة في الباقي من الدولة السودانية بعد الانفصال, والحركات المسلحة في المناطق الملتهبة, والدولة الوليدة في الجنوب, والدول الغربية, وبعض الدول العربية, وأطراف دولية أخرى, على رأسها الصين، صارت جميعها مطالبة بإعادة هيكلة استراتيجياتها, وتحديد طريقة جديدة للتعامل مع واقع جديد.

لقد مرّ الصراع على السودان وفي داخله، بمراحل عديدة خلال ما يزيد على الخمسين عاماً، تبدلّت المشاهد والدوافع والقوى المشاركة فيه، فتغيرت طبيعة الحكم ورموزه في السودان وفي الحركة الانفصالية في الجنوب, وتبدلت معالم القوة على صعيد القوى الدولية والعربية المنغمسة في الصراع، غير أن كل مشاهد الصراع قد تمحورت خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتحددت في اتجاه واحد، هو العمل على تحقيق انفصال الجنوب, وتشكيل دولة مستقلة في هذا الجزء من السودان، وبالأحرى تركزت كل الجهود في تقسيم السودان.

كانت خمس سنوات حاسمة في إنجاز تلك الخطوة، حتى يمكن القول بأنها لم تكن سوى فترة انتقالية بين الصراع الطويل السابق والفترة القادمة، وأن نتيجتها كانت محسومة سلفاً، بحكم بنود الاتفاقيات الموقّعة (برتوكول مشاكوس، واتفاقيات نيفاشا), وبسبب الطبيعة المختلة في توازنات القوى التي مالت بشكل حاد نحو تحقيق هذا الهدف.

شهدت تلك المرحلة صراعاً بين استراتيجيات وخطط متضادة ومتداخلة؛ بين أطراف الصراع الداخلية والخارجية بتعدد رؤاها وأهدافها، إلا أن الظروف الداخلية وطبيعة التوازنات الدولية وضعف المواقف العربية والإسلامية والإفريقية؛ قد حسمت الأمور باتجاه انقسام السودان.

الآن وقد وصلت الأوضاع إلى نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة؛ فإن كل الأطراف صارت مدفوعة إلى تبنّي رؤى واستراتيجيات مختلفة لتغيّر الأوضاع على الأرض موضوعياً، وفقاً لمتطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية.

كان الحكم بقيادة الرئيس البشير قد استهدف خلال السنوات الخمس الانتقالية بذل كل الجهود واتباع كل المناورات لمنع عملية الانفصال، وإن أخفق؛ فتقليل آثارها السلبية على الحكم والدولة والمجتمع السوداني، والحصول على أكبر قدر من الضمانات الدولية – الغربية - بعدم الاستمرار في ملاحقة «السودان الباقي»؛ برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب, ووقف مطاردة البشير أمام المحاكم الجنائية الدولية - جاء هذا لاحقاً بعد اتهام الجنائية للبشير -، وتقليل الدعم الغربي لمتمردي دارفور.

وكانت معظم قوى المعارضة الشمالية تستهدف إسقاط حكم المؤتمر الوطني, ورئاسة البشير, والوثوب إلى السلطة بالتناغم مع ما يجرى في معركة انفصال الجنوب، باللعب على قوة الحركة الشعبية الانفصالية (المراهنة على دعمها من خلال وجودها في حالة تقاسم السلطة مع الحكم)، وباستثمار الضغط الدولي على الحكم ورئيسه (التنسيق والتناغم مع لعبة الموازين الدولية)، خصوصاَ بعد السعي لتقديم الرئيس السوداني للمحاكمة أمام الجنايات الدولية.

وعلى صعيد الحركة الشعبية الانفصالية؛ فقد سعت الحركة إلى إضعاف الحكم في الشمال والدولة والمجتمع السوداني، لا إلى تحقيق الانفصال فقط، حتى تضمن كف يد «بقية السودان» عن ملاحقة الدولة الوليدة، وربما لإكمال مسيرتها وخططها الاستراتيجية لما بعد تشكيل الدولة الجديدة.

لقد عملت الحركة الشعبية الانفصالية على تعزيز ارتباطها داخل «مجتمع الشمال» عبر إقامة صلات وثيقة مع القوى الشمالية المعارضة والجماعات الانفصالية المسلحة الأخرى في أقاليم السودان المختلفة لإضعاف الحكم خلال المرحلة الانتقالية، إذ سعت إلى تشكيل تحالف مع قوى المعارضة من خلال عقد «مؤتمر جوبا», وسعت إلى دعوة قادة قوات حركات انفصالية في دارفور وبعض الأقاليم الأخرى.

والآن دخلت الأوضاع في مرحلة جديدة، بما صار يُطرح من تساؤلات جديدة حول حركتها المستقبلية.

وعلى صعيد الدول الغربية؛ فقد استهدفت خلال تلك الفترة الانتقالية بذل كل جهود الضغط الاقتصادي والدبلوماسي والعسكري على الحكم في السودان، وجمع كل أوراق الضغط الداخلي مع تعزيز تدخلها في القضايا والصراعات في داخل السودان للإطباق استراتيجياً على السودان كله، لتحقيق هدف فصل الجنوب (تقسيم السودان)، والسيطرة على بترول الجنوب – على حساب الصين والهند -، وجعل الجنوب مركزاً استراتيجياً لإنفاذ خططها في الإقليم الممتد من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي.

ملامح الوضع الراهن:

في الوضع الراهن يدخل الصراع على السودان مرحلة جديدة، وإن تكن غير منبتة الصلة بما سبق من استراتيجيات ورؤى وخطط متضادة، خصوصاً أن الوضع الجديد لم تتبدل فيه أطراف الصراع.

في أول حزمة من ملامح وخطوط الصراع في المرحلة الجديدة؛ تجد السلطة القائمة على ما بقي من السودان (حزب المؤتمر الوطني – الرئيس البشير) والمعارضة الشمالية نفسيهما أحدهما في مواجهة الآخر دون طرف ثالث يعمل من داخل الدولة «رسميا».

وفي الواقع العملي تتمحور حالة الصراع بينهما على فكرة إعادة هيكلة الحكم, وتطوير القوانين والحريات والدستور, والجدال حول مشروعية النظام القائم ومؤسساته التشريعية والتنظيمية.. إلخ - في الدولة الجديدة بلا جنوب -، ويرتبط ذلك أشد الارتباط بالصراع في دارفور والشرق، فتتنوع خيارتهما.

والأهم أن قضية الجنوب لم تصبح خارج دورة الصراع، بل هي تكاد تحتل مكانة أكبر؛ إذ يجد الطرفان أنهما في مواجهة استحقاقات ونتائج تشكل دولة سودانية في الجنوب، بما يجعل كلاً منهما يعيد تحديد الأولويات والأهداف والاتجاهات والخطط تجاه تلك الوضعية الجديدة، خصوصاً في ظل تقديرات مشتركة بأن انفصال الجنوب بداية لتطورات أخرى لا نهاية للصراعات التي يشهدها السودان.

الحكم؛ سيسعى من جانبه في هذه المرحلة الجديدة – التى دخل عليها ما لم يكن متوقعاً بفعل التغييرات التي جرت في كل من مصر وليبيا وتونس- إلى تهدئة الأوضاع الداخلية, وإعادة هيكلة الدولة دستورياً وسياسياً وجماهيرياً واقتصادياً ضمن الأوضاع العملية والواقعية الجديدة، كما أنه سيجد نفسه مطالباً بتحديد خياراته في التعامل مع ظاهرة الدولة الجديد، وتحديداً سيجد نفسه مطالباً بمنع تحوّل هزيمة خطته في منع انفصال الجنوب إلى «هزيمة استراتيجية» تودي بحالة السودان إلى مزيد من التفكك.

والمعارضة؛ ستحاول إضعاف الحكم بأزمة انفصال الجنوب؛ بتحميله مسؤولية الإخفاق في الحفاظ على وحدة السودان، وستحاول استثمار الأوضاع المستجدة لتعزيز وجودها في السودان الباقي، والوثوب إلى الحكم؛ من خلال تقديم نفسها للخارج مجدداً بوصفها الجهة القادرة على الوصول إلى حلول للمشكلات المتوقع حدوثها مع الجنوب.

وهكذا؛ فعلى الرغم من احتلال القضايا الداخلية مساحة مهمة في الصراع بين الحكم والمعارضة في «السودان الباقي»؛ فإن الأوضاع تُظهر أن العامل الحاسم في معادلات السودان وخياراته, وكل الأطراف الفاعلة داخلياً وخارجياً, سيظل منصباً على كيفية إدارة أزمة انقسام الدولة.

والأسباب لذلك تتلخص في ثلاث حزم:

الحزمة الأولى: تتعلق بتأثيرات انفصال الجنوب في الأوضاع الداخلية، فنتائج انقسام الجنوب لا تتوقف على ما يجري في الجنوب وحده, أو على العلاقات بين الجنوب والشمال على الصعيد الرسمي؛ إذ إن هذا الانفصال لا شك يمثل دافعاً لأطراف داخلية – خصوصاً في دارفور- إلى الاستمرار في سلوك طريق الضغط العسكري, والوصول إلى حدّ الانفصال، وهو ما سيدفع الصراع الداخلي بين الحكم والمعارضة، والخارجي ضد السودان، للتحول إلى قضية ملتهبة تدور في دورة انفصال الجنوب نفسها.

ولقد ثبّت انفصال الجنوب فكرة: قدرة الضغط الخارجي – الغربي تحديداً - على تفكيك السودان من الداخل، بما يشكل   في دارفور وغيرها، خصوصاً أن كثيراً من المجموعات المسلّحة ترتبط بعلاقات وثيقة مع الدول الغربية نفسها والكيان الصهيوني من جهة، ومع الحركة الشعبية الانفصالية التي سيطرت على الجنوب, وتستعد لإنهاء إجراءات إعلان قيام دولة جنوب السودان من جهة أخرى.

الجميع يدرك أن الانقسام لم يأت لأسباب داخلية صرفة، بل هو كان فعلاً من أفعال نخبة مرتبطة بالغرب، وهو فعل سانده الغرب كلياً، وفي سبيله قام بإحداث حالة ضغط مكثفة على جهاز الدولة وقراراته وفق آليات متوافرة بيد الغرب؛ بما يجعل من الممكن تكرار الأمر.

كما أن عملية الانفصال وفق هذه التشكيلة من الضغط الغربي والخارجي؛ قد أوجد دولة في الجنوب خاضعة فعلياً للنفوذ الغربي - والصهيوني بطبيعة الحال -؛ بما يجعله جزءاً من الاستراتيجية نفسها بالنسبة للمناطق الأخرى في السودان، وهو ما يحمل مخاطر أشدّ على الوطن السوداني الباقي.

كما أن تجربة الانفصال قد أظهرت مدى هشاشة الدول العربية والمحيط الإفريقي وضعف قدرتهم على مواجهة حالة تقسيم إحدى الدول الرئيسية في القارة؛ إذ مثل «تقسيم السودان» سابقة تخشى منها كل الدول الإفريقية, وتخشاها الدول العربية التي تواجه مخططات تقسيم بالفعل، ومع ذلك لم تتمكن من تقديم دعم سياسي للحكم في السودان، وهو ما يقدّم إشارة خطرة للأطراف في داخل السودان هو الآخر.

الحزمة الثانية: من العوامل التي تظل تجعل مسألة الجنوب محوراً للصراع في داخل السودان, وأساساً لكل خطط العمل من أجل الحفاظ على وحدته واستقراره، تتعلق بوجود نمط من المشكلات ذات الطابع الاستراتيجي بين ما بقي من الدولة السودانية والدولة الجديدة.

ثمة كثرة من المشكلات المعلقة بين الدولتين، أي بين السودان والسودان الجنوبي، فهناك «قضية أبيي» التي تترافق فيها العوامل السياسية والاقتصادية والعوامل القبلية، ففضلاً عن وجود بترول في تلك المنطقة؛ فهناك وجود لقبائل جنوبية وشمالية عربية في المكان نفسه.

وإذا كانت قضية الحدود بين الدولتين لم يجر الانتهاء من ترسيمها بعد، فالأهم أن طبيعة «الاقتصاد الرعوي» السائد بين سكان مناطق الحدود تجعل من غير الممكن فصل الحدود والاعتراف بها – مثلها مثل كل الحدود الإفريقية تقريباً بما في ذلك حـدود السودان -، وهو نمط اقتصادي يحتاج تغييره إلى سنوات طوال، وأعمال تنموية في المجالات الصناعية والزراعية والحضارية بشكل عام.

وهناك البترول الموجود في الجنوب؛ لا طريق لتصديره لفترة طويلة قادمة إلا عبر أرض الشمال، وهو ما يربط اقتصاد البلدين من جهة، ويُوجِد عوامل للاختلاف والتوتر؛ قياساً على ما هو حادث بشأن خطوط نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر دول عديدة؛ تطلب زيادة في إيجار تلك الأنابيب وفقاً للتغييرات الحادثة في أسواق الطاقة. ويزيد من خطورة ومؤثرات هذا العامل كون بترول الجنوب يجري نقله وتصديره عبر أنابيب وموانٍ تابعة للدولة السودانية الأصل؛ إذ لا يوجد لدولة الجنوب أي موانٍ بحرية، كما أن تصدير البترول عبر دول أخرى خلاف السودان الأم يحتاج لاستثمارات ضخمة, لا يسمح حجم البترول المستخرج حتى الآن من الولوج في مشروعاتها.

وهناك قضية الجنسية؛ إذ يوجد جنوبيون في الشمال لم يعودوا للجنوب، ويوجد شماليون في الجنوب، وهو ما يجعل السودان في حالة من التوتر السياسي الداخلي الشعبي والرسمي تجاه أية إجراءات تتعلق بالجنسية بالنسبة للطرفين.

والحزمة الثالثة: تتعلق بأن الدولة الوليدة نفسها تحمل طابعاً استراتيجياً لاستمرار المعركة مع الشمال، حيث تشدّد السوابق التاريخية على أن كل دولة انفصلت عن دولتها الأم بفعل الضغط الغربي؛ تحولّت إلى أداة للضغط على الدولة الأصل، ومحاولة إسقاطها أو تغيير النظام الحاكم فيها.

وفي ذلك يبدو اختيار الحركة الشعبية اسم «دولة جنوب السودان» أو «جمهورية السودان الجنوبية» أحد المؤشرات على الدور المستقبلي الذي ستمارسه تلك الدولة التي انفصلت عن السودان كرهاً، لكنها تمسكت بأنها «دولة جنوب السودان»، إن عملية ظهور «الكيان الجنوبي» هي ما يحدد طبيعته التي لا شك ستكون خاضعة لمعدّي هذا المشروع.

هذه الدولة إذن هي «دولة قلقة» بحكم طبيعة الصراعات القبلية، وبسبب عدم وجود هياكل دولة ولو في حدّها الأدنى من جهة، وبحكم أن صناعة تلك الدولة هو نموذج آخر من نماذج تشكيل «الدول الحائرة»، كما هو حال نموذج تشكيل إريتريا التي خاضت واشتركت منذ بداية تشكيلها الحديث حروباً مع إثيوبيا, ومع اليمن، كما هي مشتبكة فعلياً في الأزمة الطاحنة في الصومال.

كما أن هذه الدولة لم تُبذل كل تلك الجهود الغربية والصهيونية لظهورها إيماناً بحق الجنوبيين في إقامة دولتهم المستقلة؛ بل لجعلها رأس جسر في المخططات المعروفة، وعلى رأسها فصل المسلمين من أصل إفريقي عن إخوتهم من أصل عربي، وإيجاد مركز ارتكاز يسيطر على ما بقي خارج السيطرة من منابع مياه نهر النيل للضغط على كل من مصر والسودان.

الانفصال.. والتواصل:

القضية المثبتة والأهم في قضية الانفصال؛ أن الانفصال ليس حالة أبدية من القطيعة يجب التسليم بها والاستسلام لها، بل يمكن القول بأن تجربة الانفصال الجارية إذا جرى التعامل معها وفق خطة استراتيجية صحيحة ستنتهي بالسودان إلى تعميق فكرة الوحدة، وهو ما تشير إليه كل التجارب التاريخية التي شهدت حالات تقسيم تعسّفي وفقاً لأهواء وقرارات خارجية.

فالصين: ما تزال على حالها في المطالبة بانضمام تايوان التي انفصلت عن الدولة الأم منذ ما يزيد على 60 عاماً، بينما تايوان واحدة من الدول القوية عسكرياً واقتصادياً وتحظى بدعم غربي.

وألمانيا: التي قسمت ضمن نتائج الحرب العالمية التي هُزم فيها هذا البلد ودُمر، وصدر بشأن تقسيمها قرار واتفاق دولي, انتهـت إلى الوحدة.

واليمن: عاد بعد سنوات طوال إلى وحدة شطريه – وهو الآن يتعرض لمؤامرة انقسام جديدة – بالرغم من اختلاف النظامين في الفكر والسياسة؛ إذ جاء انهيار الاتحاد السوفيتي السابق ليعزز عوامل الوحدة بنزع عوامل القوة الخارجية.

وفي حالة السودان: ليس من قِـبل التفكير الرغبي؛ القول بأن العامل الخارجي الذي أدّى الدور الرئيس في تقسيم السودان في طريقه للتغيير على نحو استراتيجي وفي زمن أقصر مما كان يُظن قبلاً.

ومن جانب ثان؛ فإن القوى التي أحدثت الانفصال والتقسيم نفسها لا ترضى به أمراً نهائياً، بل هو بالنسبة لها «عملية» لن تتوقف؛ إذ هو خطوة يرتبط بها ويبني عليها الوصول إلى وضعية أفضل في التأثير في الشمال، فكيف يمكن من الطرف الآخر أن يراه نهائياً! خصوصاً أن فرع الحركة الشعبية العامل في الدولة الأم لم يعلن عن حلّ نفسه، وتشير التقديرات أنه لن يُقدم على ذلك فعلياً.

وكذا باعتبار أن كل ما يُنشر عن علاقات الجنوب وقيادته بالحركات الانفصالية الأخرى في السودان يشدد على علاقة ذات طابع إيجابي وتعاون مشترك، تحت غطاء من تسويغ يتردّد بين الحين والآخر؛ بأن السودان الأم يمارس دوراً كبيراً في حالات الانفلات والاقتتال التي تجري في الدولة الوليدة قبل إعلانها رسمياً، وأن الجنوب لن يتوقف عن دعم تلك الحركات إلا بتراجع السودان الأم عن مساندة المتمردين على سلطة الحركة الشعبية في الجنوب.

وفي الجانب الثالث؛ فإن التقدير الاستراتيجي الخبير يتوقع تحوّل الجنوب إلى حالة من التطاحن والصراع العسكري، بما يجعل تشكيل تلك الدولة وبالاً على المواطنين السودانيين في تلك المنطقة.

الجنوب لم تتشكل فيه دولة موحّدة عبر التاريخ، ولا تتوافر له مقوّمات بناء أمة موحّدة, لا على صعيد الديانة المشتركة أو حتى الغالبة، ولا على صعيد وجود لغة موحّدة أو مشتركة خاصة بالجنوب – «عربية جوباً» هي المنتشرة بين المواطنين من مختلف القبائل الجنوبية –, وبحكم أن الامتدادات القبلية الجنوبية مع دول الجوار، بما في ذلك السودان، امتدادات متنوعة وحادة التداخل مع القبائل المنتشرة على حدود الدول الأخرى.

وبصدد هذه الحقائق التي تشدّد على أن انفصال الجنوب ليس قطيعه أبدية يُسلم بها ويستسلم أمامها؛ تتعدد الاتجاهات في وضع الخطط في التعامل مع أزمة الانفصال، وجميعها تمثل امتداداً للرؤى والمفاهيم التي جرى من خلالها إدارة أزمة الانفصال نفسها.

هناك اتجاه يميل إلى تقليل مخاطر الانفصال: والعمل على «تحقيق القطيعة» الكاملة اتقاء لشرور الجنوب المنفصل، وهو ما كان حاكماً لبعض الرؤى الحكومية التي حسمت موقفها من الانفصال بالتركيز فيما سيحل بالشمال من تطوّر وتقدّم بعد انتهاء استنزاف الجنوب للشمال، من خلال المعارك المتواصلة لنحو 40 عاماً.

تلك الرؤية ستجد امتدادها الآن في فكرة «تسهيل كل المشكلات العالقة بين الطرفين»، والاكتفاء بتحقيق ضمانات دولية للحفاظ على الشمال، غير أنها ستصطدم بمواقف الجنوب واستراتيجياته، كما ستجد نفسها في مواجهة «حائط سد» إزاء تعقيدات التنازلات المطلوبة من الشمال، وبفعل تطوّر المواقف الغربية, وتوجهها نحو تضخيم مشكلات دارفور والشرق، ودعم المعارضة الشمالية ودفعها باتجاهات صدامية داخل الشمال.

هنا ستظهر أمام الرأي العام باعتبارها رؤية استسلامية, لا تحافظ على مصالح الشمال, وتهدّد وجوده نفسه.

وهناك رؤية تذهب إلى ضرورة المجابهة الحامية: مع الجنوب خلال هذه المرحلة؛ إذ هي تنطلق من كونه كياناً مصنوعاً في الأساس لتفكيك الشمال، لتشدّد على ضرورة المجابهة الدائمة معه؛ تحت شعار أن المعركة لن تتوقف بعد الانفصال.

وهي رؤية وإن كان تأثيرها ضعيفاً على الساحة السودانية الداخلية الآن؛ إلا أنها قابلة للتقوي بحكم الممارسات الجنوبية العدائية, وإزاء تعقّد إشكاليات العلاقات والقضايا المعلقة بين الشمال والجنوب.

 هي رؤية تمثل امتداداً لتيارت قديمة سادت في المجتمع السوداني لفترات طويلة منذ سنوات الاستقلال الأولى، وأدّت إلى ما وصل إليه السودان حالياً، إذ الاقتصار على لغة المواجهة العسكرية العنفية كان أحد روافع استمرار التمرد ورفده بقوى مجتمعية لم يكن دافعها للانضمام إلى الأعمال العسكرية إلا الانتقام, وإيجاد وظائف عمل مضمونة من خلال الانضمام للمؤسسة الوحيدة العاملة بانتظام في الجنوب, وباسمه أي الحركة الشعبية التي مثلت بديلاً للحكومة ووظائفها، حيث الجنوب لم يشهد تنمية حقيقية في أية فترة من فترات تشكّل الدولة السودانية.

وهي رؤية ستجد نفسها منضغطة في مواجهة تيارات جنوبية وشمالية وأخرى دولية، وقد تكون أحد مهدّدات وجود السودان هي الأخرى مثل الرؤية السابقة.

وهناك اتجاه يميل إلى محاولة إطالة وقت لعبة الصراع السلمي: مع تكثيف باستخدام أدوات القوة الناعمة (الدبلوماسية, والعلاقات الاقتصادية, والضغوط)؛ طمعاً في تعظيم عوامل قوة الشمال, مع المراهنة على فشل دولة الجنوب، التي ستعمّها الاضطرابات القبلية, ويتزايد تأثيرها بسبب هشاشة بناء الدولة.

وهو اتجاه سيحاول تحاشي اندلاع أية حروب بين الشمال والجنوب, بل سيسعى على العكس إلى تعزيز العلاقات المشتركة بين الشمال والجنوب، وفتح كل آفاق التمكين الداخلي للمجموعات المساندة لفكرة الوحدة، كما سيحاول إيجاد كل السبل لدعم المسلمين في الجنوب عبر المنظمات الخيرية والطوعية.

وبقول آخـر؛ فإن هذا الاتجاه يعتمد استراتيجية مركّبة:

في شقها الأول: هي ستسعى لتقوية الشمال ودفعه خطوات نحو الاستقرار والتنمية بما يؤسس لدولة قوية وجاذبة في الآن نفسه، وهو ما يتطلب إعادة هيكلة العلاقات في داخل المجتمع السوداني, وإنهاء مشكلات التمرد الأخرى في دارفور والشرق وغيرها، وتطوير العلاقات السياسية بين الحكم والمعارضة وصولاً لإقامة تعددية حقيقية في البلاد، وهو ما يمكن أن ينعكس بدوره في بناء دولة قادرة على احتضان الجنوبيين في داخلها, والقيام بما توجبه موجبات الدعوة تجاههم.

وفي الشق الثاني: من هذه الاستراتيجية، سيجري العمل من أجل تفويت الفرصة على محاولات جرّ السودان إلى عملية استنزاف؛ من خلال اعتماد خطوات استيعابية أكثر منها صراعية بالعنف وأدواته، دون أن تقدّم تنازلات تؤدي للإضرار بالمصالح الاستراتيجية الكبرى.

وفي الشق الثالث: ستسعى تلك الاستراتيجية إلى اقامة كل أشكال التواصل مع مواطني الجنوب عبر الإعلام والثقافة والاقتصاد؛ بما يعضد العوامل المشتركة بين الشمال والجنوب, ويضعف الأصوات المشدّدة على الاختلافات والصراعات في الجنوب والشمال، أي ستقوم ببذل الجهود التي تأخرت في القيام بها الدولة السودانية عبر نحو نصف قرن.

وهي في شقها الرابع: ستعمد إلى المراهنة على عامل الوقت, سواء ما يأتي به مجال الدعوة؛ فالسكان المسلمون في الجنوب لا يقلّ عددهم عن المسيحيين- إن لم يكن يزيد -، أو ما يأتي به الصراع في داخل الدولة الجنوبية، أو ما تأتي به ريح التغييرات في الوضع الدولي، والتي تسير باضطراد في اتجاه إضعاف القوى الدولية الداعمة لمخطط الانفصال واستمرار التقسيم.

الانفصال كارثة، أيّاً كانت سلبياتها، فلا بد من إعادة ترتيب الدولة السودانية, وتحديد استراتيجية صحيحة للتعامل مع حالة الجنوب وفق رؤية متكاملة.

وفي ذلك قد تكون نتائج انفصال الجنوب, وتشكيل دولة مستقلة، فرصة للشمال للفعل الاستراتيجي الشامل، في وقت يصل فيه الجنوبيون بالمقابل إلى قناعة بأن الوجود في بلد يضم الشمال والجنوب؛ هو الحل الأمثل لهم على صعيد المصالح المباشرة والاستراتيجية كذلك.

(*) الخبير الاستراتيجي ورئيس تحرير جريدة الدستور اليومية المصرية.