الوضع الاقتصادي لقارة إفريقيا، وفرصٌ للنهضة والتنمية

  • 7 -4 - 2015
  • جميل حلمي عبد الواحد


د. جميل حلمي عبد الواحد 

تحتل القارة الإفريقية السمراء موقعاً استراتيجيّاً يتوسط الكرة الأرضية، بمساحة إجمالية تبلغ 30.190 مليون كم2، كما توجد بها أنهار مائية عريقة، مثل: (نهر النيل، ونهر النيجر، ونهر الزمبيزي) وغيرها، وترتفع بها معدلات تساقط الأمطار، وتكثر بباطن أراضيها المياه الجوفية، حيث تبلغ الطاقة الكامنة للريّ في إفريقيا ما يزيد عن 42.5 مليون هكتار.

وأراضيها الخصبة يمكن أن تكون سلّة العالم للغذاء، حيث تقدّر نسبة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة فيها بحوالي 35% من إجمالي مساحة القارة، يُستغل منها فقط حوالي 7%.

كما تزخر قارة إفريقيا بالذهب الأسود (النفط)، والغاز، في كثير من البلدان، كما تمتلك أكبر مخزون للعديد من المعادن الاستراتيجية والثروات المعدنية.

ويوجد بها العديد من الأماكن السياحية الخلابة؛ يكفي أنّ مصرنا الحبيبة يوجد بإحدى مدنها العريقة، وهي مدينة الأقصر، ثلث آثار العالم.

وبالنظر إلى ثرواتها البشرية؛ فعدد سكان إفريقيا يزيد عن مليار نسمة، والقوة البشرية من المفترض أن تكون من أهم عوامل قوة الدول، فمن خلال سواعد رجالها يزرع السكان ويحصدون وينتجون.

وعلى الرغم مما سبق؛ فإنّ الفقر في إفريقيا يُعدّ ظاهرة تجعل القارة مجالاً خصباً للدراسة، ذلك أنّ ندرة الموارد هي أساس المشكلة الاقتصادية التي يستغرق الاقتصاديون كثيراً من أوقاتهم فيها بحثاً عن حلول للتعاطي معها، ولكن أي نوع من أنواع الندرة تلك التي جعلت القارة الإفريقية بهذا الوضع السيئ، هل هي ندرة مائية، أو ندرة بشرية، أو ندرة نفطية، أو هناك أسباب أخرى؟ كما أنّ المتأمل في واقع الفقر في العالم خلال الأعوام الثلاثين الماضية يلاحظ انخفاض معدلات الفقر بشكلٍ عامٍّ؛ غير أنها بشكلٍ خاصٍّ تزداد في إفريقيا، وذلك على الرغم من توافر العديد من الفرص التي يمكن من خلال استغلالها تحسين مستوى معيشة المواطنين.

جدول رقم (1): المؤشرات الاقتصادية الأساسية لقارة إفريقيا عام 2010م

Source: African Development Indicators, 2012/2013

المؤشر

وحدة القياس

القيمة

عدد السكان

مليون نسمة

1010.3

متوسط معدل النمو السكاني

%

2.3

المساحة

كم2

29378

الكثافة السكانية

شخص / كم2

34.4

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي

دولار- بالأسعار الثابتة لعام 2000

926

متوسط معدل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي

(%) (2000 - 2010)

2.6

العمر المتوقع عند الميلاد

سنة

57.2

نصيب الفرد من المساعدات التنموية

دولار

47.3

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حجم السوق الإفريقي:

يبلغ عدد سكان القارة الإفريقية وفقاً لإحصاءات عام 2010م نحو 1010.3 مليون نسمة، ويتركز نسبة 62% من سكان القارة في عشر دول، هي: على التوالي: (نيجيريا، وإثيوبيا، ومصر، وجمهورية الكونغو الديموقراطية، وجنوب إفريقيا، وتنزانيا، وكينيا، والجزائر، والسودان، وأوغندا)، حيث تحتل نيجيريا المركز الأول من حيث عدد السكان؛ بما يقدّر بنحو 158.4 مليون نسمة، وبما يشكّل نسبة 16% من سكان إفريقيا، وفي المركز الثاني تأتي إثيوبيا بعدد سكان يبلغ 82.9 مليون نسمة (8.2%)، وتأتي مصر في المركز الثالث بعدد سكان بلغ 81.1 مليون نسمة (8%)، وتعدّ دولة سيشل أقلّ دول إفريقيا في عدد السكان البالغ، حيث يبلغ عدد سكانها 0.1 مليون نسمة، وبشكلٍ عامٍّ فقد زاد عدد سكان القارة من 221 مليون نسمة عام 1950م إلى ما يزيد عن مليار نسمة حاليّاً، ومن ثمّ فإنّ إفريقيا، وهي أكثر قارات العالم فقراً، تُعدّ من أكثر القارات في معدل النمو السكاني.

مستوى معيشة المواطنين الأفارقة:

يبلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا عام 2010م نحو 926 دولاراً، وباستبعاد دولة جنوب إفريقيا التي يرتفع فيها المتوسط ليصل 2313 دولاراً؛ يبلغ المتوسط الإفريقي فقط 458 دولاراً.

وبترتيب الدول الإفريقية يتضح أنّ أفضل مستوى معيشي يوجد في دولة سيشل، حيث يبلغ متوسط نصيب الفرد 8788 دولاراً، يليها على التوالي: (غينيا الاستوائية، وموريشيوس، والجابون، وبوتسوانا، وجنوب إفريقيا، وتونس، وناميبيا، والجزائر)، وتأتي مصر في المركز العاشر بمتوسط يبلغ 1976 دولاراً سنويّاً.

أما أفقر الدول الإفريقية من حيث متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي - دون الأخذ في الاعتبار كلاًّ من: (ليبيا، وجيبوتي، والصومال، وساوتومي، حيث لا تتوفر عنها بيانات) - فهي جمهورية الكونغو الديموقراطية بمتوسط بلغ 106 دولارات، تليها على التوالي كلٌّ من دولة: (بوروندي، وإريتريا، وغينيا بيساو، والنيجر، ومالاوي، وإثيوبيا التي يبلغ المتوسط فيها 221 دولاراً).

متوسط أعمار شعوب القارة الإفريقية:

يبلغ متوسط العمر المتوقع عند الميلاد في جميع الدول الإفريقية 57.2 عاماً، غير أنه يوجد تفاوت كبير بين الدول، فبالنظر إلى مستوى أفضل الدول نجده يتركز في ثماني دول، يزيد فيها العمر المتوقع عن 70 عاماً، وفي المركز الأول تأتي دولة ليبيا بمتوسط يبلغ 74.8 عاماً، تليها تونس بمتوسط 74.6 عاماً، ثم كاب فيرد بمتوسط 73.8 عاماً، وموريشيوس 73 عاماً، وسيشل 73 عاماً، ومصر 73 عاماً، والجزائر 72.9 عاماً، والمغرب 71.9 عاماً.

وبالنظر إلى مستوى أقلّ الدول؛ نجد أنّ هناك 12 دولة يقلّ متوسط العمر المتوقع فيها عن 50 عاماً، وتأتي دولة بوركينافاسو كأقلّ دولة بمتوسط يبلغ 45.9 عاماً، وسيراليون بمتوسط 47.4 عاماً، وليسوتو بمتوسط 47.4 عاماً، وجمهورية إفريقيا الوسطى بمتوسط يبلغ 48.1 عاماً، وسوازيلاند بمتوسط 48.3 عاماً، وزامبيا بمتوسط 48.5 عاماً، وتشاد بمتوسط يبلغ 49.2 عاماً، وموزمبيق بمتوسط 49.7 عاماً، وزيمبابوي بمتوسط 49.9 عاماً، وبوروندي بمتوسط 49.9 عاماً، وذلك وفقاً لبيانات عام 2010م.

مناخ الأعمال في القارة الإفريقية:

بالاعتماد على نتائج (تقرير ممارسة الأعمال) الصادر عن البنك الدولي؛ توجد ثلاث دول إفريقية فقط ضمن أفضل 50 دولة على مستوى العالم من حيث ممارسة الأعمال، حيث احتلت دولة موريشيوس المركز رقم (23) عالميّاً، في حين احتلت دولة جنوب إفريقيا المركز رقم (35)، وجاءت دولة رواندا في المركز رقم (45) عالميّاً.

وعلى النقيض من ذلك؛ جاءت 24 دولة ضمن أسوأ دول العالم، واحتلت جميعها مراكز تلت المركز (150) عالميّاً، وجاءت دولة تشاد كأسوأ الدول الإفريقية من حيث ممارسة الأعمال، محتلةً المركز رقم (183) عالميّاً، تلتها دولة إفريقيا الوسطى في المركز رقم (182)، وجمهورية الكونغو رقم (181)، وإريتريا في المركز (180)، وغينيا في المركز (179)، وجمهورية الكونغو الديموقراطية في المركز (178)، وغينيا بيساو في المركز (176)، وبنين في المركز (175)، والنيجر في المركز (173)، وأنجولا في المركز (172).

فرص التنمية والنهضة:

الفرصة الأولى: تعزيز التكامل الاقتصادي (العربي الإفريقي).. الاستثمار الزراعي نموذجاً:

يحمل التكامل الاقتصادي (العربي الإفريقي) بين طياته فرصاً كبيرة تحقيقاً لتكامل عناصر الإنتاج، من حيث توفّر رؤوس الأموال في دول الخليج، وتوفّر الأراضي الزراعية الخصبة في الدول الإفريقية، وتوفّر الأيدي العاملة الماهرة أيضاً.

وفي هذا الإطار؛ بدأت المملكة العربية السعودية في تفعيل (مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي في الخارج)، والتي تهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي السعودي، وقد حدّدت المبادرة بعض الدول المستهدفة للاستثمار الزراعي، ومنها 9 دول إفريقية، وهي: (مصر، السودان، إثيوبيا، كينيا، أوغندا، جنوب إفريقيا، النيجر، مالي، السنغال).

وتستهدف المبادرة زراعة السلع الاستراتيجية الغذائية، والتي تشمل: (القمح، الأرز، السكر، اللحوم الحمراء، الأسماك، الشعير، الحبوب الزيتية، فول الصويا، الذرة)، وبشكلٍ عامٍّ تُعَدّ المملكة من بين أكبر 10 دول في العالم من حيث الاستثمارات في الأراضي الزراعية في الخارج وفقاً لـ (مؤشر لاند ميتركس) العالمي، وهذه فرص يجب على الدول الإفريقية المستهدفة استغلالها، بتشجيع هذه الاستثمارات من خلال محفزات استثمار متنوعة، تشمل: تسهيل استيراد الآلات الزراعية دون رسوم جمركية، وتخفيض للضرائب، وتسهيل الإجراءات.

كما بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة في خطوات مشابهة، خصوصاً في دولة السودان، ومن ثم فإنه يجب على الدول الإفريقية انتهاز هذه الفرص لتحويل فوائض النفط الكبرى من البنوك الأوروبية إلى الأسواق الإفريقية؛ لجني الثمار المشتركة للتعاون الاقتصادي.

ومن خلال نظرة متعمقة حول واقع الاستثمارات الأجنبية الزراعية في إفريقيا؛ نجد أنّ في دولة مثل أوغندا تتوجه الاستثمارات نحو تصنيع القهوة وزراعة الزهور ومعالجة الأسماك، ومن المؤكد أنّ هذه القطاعات تساهم بشكلٍ كبيرٍ في تخفيض معدلات الفقر في أوغندا، وبخاصة القهوة، وتُعدّ كلّ من المملكة المتحدة والهند وكينيا أكبر الدول المستثمرة في الزراعة في أوغندا.

وفي مالي تتوجه الاستثمارات نحو إنتاج المحاصيل، مثل: (الأرز، والقمح، والقطن، والسكر، والمانجو)، وتأتي معظم الاستثمارات من الصين وأمريكا.

كما توجد آفاق عديدة للاستفادة من الموارد الطبيعية المتوفرة في السودان، والتي تشمل الأراضي الخصبة والمياه والمناخ المناسب للزراعة.

وبشكلٍ عامٍّ؛ تشكّل الاستثمارات الأجنبية الزراعية نسبة منخفضة من حجم الاستثمارات الأجنبية في إفريقيا، حيث تشكّل نسبة تقلّ عن 3% في مدغشقر، و 2% في السودان، و 1% في المغرب.

وبالنظر إلى فوائد الاستثمارات الزراعية بالنسبة لإفريقيا؛ يلاحظ أنها عديدة، حيث تشمل توفير فرص عمل، وتحقيق الأمن الغذائي، وزيادة الصادرات، وتمكين المزارعين من الحصول على الأموال التي تمكّنهم من تنمية أنشطتهم الزراعية، يُضاف لذلك الدور المهم لهذه الاستثمارات في نقل التقنية الزراعية للدول الإفريقية بما يساعد على تحسين الإنتاجية الزراعية، وأيضاً تشجيع الحكومات على تحسين البنية التحتية التي تتوجه إليها هذه الاستثمارات.

وبالنسبة لإفريقيا؛ يُعدّ الاستثمار في المجال الزراعي من أفضل الخيارات، وقد دعا برنامج التنمية الزراعية في إفريقيا إلى تخصيص 240 مليار دولار، من الآن وحتى عام 2015م، للاستثمار في الزراعة، أي بمعدل استثمار سنوي يصل إلى 17.2 مليار دولار؛ للرفع من درجة مساهمة الصادرات الزراعية من إجمالي الناتج القومي الإفريقي، والتي لا تزيد عن 17% حاليّاً.

وتتركز النسبة الأكبر من الفقر في إفريقيا في المناطق الريفية، بما يعني أنّ التنمية الزراعية والريفية محدّدات أساسية لمحاربة الفقر في إفريقيا، ووفقاً لبعض التقديرات؛ فإنّ النمو الزراعي في بعض الدول الإفريقية مسؤول عن 40 - 70% من تخفيض الفقر في إفريقيا، ومن ثمّ فإنّ النمو الناتج عن الزراعة يؤدي إلى زيادة دخل المزارعين الفقراء والعمال في مجال الزراعة، كما أنّ التنمية الزراعية تؤثّر بشكلٍ كبيرٍ في أسعار الغذاء، والذي ينفق الفقراء نسبة كبيرة من دخولهم لشرائه.

وفي إطار الحديث عن تحرير التجارة البينية؛ يتعلق الأمر بتحرير التجارة على المستوى الدولي في إطار التزامات الدول الإفريقية في منظمة التجارة العالمية، ومنذ إنشاء المنظمة عام 1995م تتنافس حكومات الدول الإفريقية في الانضمام للمنظمة لنهل الخيرات الوهمية؛ إذ لا توجد في الأساس قاعدة إنتاجية في العديد من تلك الدول الواهمة تجعلها تستفيد من فرص النفاذ لأسواق دول العالم، الأمر الذي جعل الأسواق الإفريقية مجرد سوقٍ استهلاكيٍّ كبيرٍ لتصريف منتجات الدول المتقدمة.

وفي الوقت نفسه؛ نجد الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية تقدّم الحماية القصوى لمنتجاتها الأساسية، خاصةً تلك التي يمكن لإفريقيا المنافسة فيها، مثل المنتجات الزراعية، يُضاف لذلك سياسات الإصلاح الاقتصادي والتكيّف الهيكلي التي تفرضها مؤسستا بريتون وودز Bretton Woods (وهما: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي) فيما يتعلق بضرورة ضغط الإنفاق الحكومي، وتخفيض الدعم، وتحرير أسعار الصرف، وتحرير التجارة، وغيرها من السياسات التي لا تتفق مع طبيعة الدول الإفريقية وظروفها، والتي نتجت في أغلبها عن زيادة إفقار الدول الإفريقية، والجدير بالذكر أنّ هناك 30 دولة إفريقية طبقت هذه البرامج، ولم ينتج عنها سوى مزيدٍ من تدهور المستوى المعيشي للمواطنين!

وفي هذا الصدد؛ تجدر الإشارة إلى وجود 39 دولة إفريقية أعضاء في منظمة التجارة العالمية، وكان لزاماً عليها منذ الانضمام الالتزام باتفاقيات المنظمة فيما يتعلق بتحرير التجارة وتخفيض الرسوم الجمركية، وتوجد من بين هذه الدول 8 دول تقلّ فيها متوسط التعريفة الجمركية المطبقة عن 10%، وهي كلٌّ من: موريشيوس (1.4%)، وأنجولا (7.3%)، وليسوتو (7.6%)، وسوازيلاند (7.7%)، وجنوب إفريقيا (7.7%)، وناميبيا (7.7%)، وبتسوانا (7.7%)، وموريتانيا (9.6%)، ولا شكّ في أنّ مزيداً من التحرير يقوّض فرص التنمية الصناعية أمام الدول الإفريقية، ويجعلها سوقاً لتصريف منتجات الدول الأخرى.

وهنا يمكن القول بأنّ هناك فرصة أمام الدول الإفريقية الراغبة في حماية منتجاتها الوطنية من منافسة الواردات، وذلك برفع التعريفة الجمركية المطبّقة إلى الحدود العليا التي وضعتها منظمة التجارة العالمية فيما يُسمّى بـ (التعريفة المربوطة)، وهذه السياسة قد نفّذتها دولٌ كثيرة، مثل البرازيل، خلال الأزمة المالية العالمية الأخيرة.

كما أنه يجب على الدول الإفريقية التريّث في عقد اتفاقيات التجارة الحرة مع دول أخرى غير عربية أو إفريقية، حيث أنّ الهياكل الإنتاجية في الدول الإفريقية لا تزال غير مهيأة للاستفادة من فوائد التحرير التجاري، كما أنه من بين المفارقات أن تقوم دولةٌ بعقد (اتفاقية تجارة حرة) مع دولة مثل سنغافورة - التي تقريباً لا تفرض رسوماً جمركية على وارداتها - ويكون المقابل فتح أسواق الدولة الإفريقية، كما أنه من المؤكد أنّ واقع الدول العربية لن يمكّنها من مزايا البنود الأخرى التي تنصّ عليها اتفاقيات التجارة الحرة.

الفرصة الثانية: تعزيز التكامل الاقتصادي بين دول القارة:

يُشار في هذا الصدد إلى قرار الزعماء الأفارقة، خلال مؤتمر قمة الاتحاد الإفريقي في يناير 2011م، بتعزيز التجارة البينية الإفريقية، والإسراع في إنشاء منطقة تجارة حرّة إفريقية، يتماشى معها تأسيس صندوق لتعويض الدول المتضررة من تخفيض عوائدها الجمركية، وبحيث توجّه موارده للإنفاق على تطوير البنية التحتية للنقل البريّ والنهريّ المعزّز للتجارة البينية.

ومن خلال التجارة يمكن تحقيق توفير فرص العمل، وتحفيز الاستثمارات البينية، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، ومن خلال نظرة متأنية حول واقع التجارة البينية الإفريقية نجدها لا تتجاوز 12% من جملة تجارتها الخارجية؛ مقارنة بمعدلات تبلغ 50% في الدول الآسيوية النامية، و 21% في دول أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، و 70% بين الدول الأوروبية.

وفي هذا الصدد؛ يجب تشجيع القطاع الخاص الإفريقي من خلال محفّزات غير تقليدية، وتحسين بيئة الاستثمار، وإزالة العراقيل أمام القطاعات الإنتاجية الوطنية، وتوفير التمويل المناسب بأسعار فائدة منخفضة، وتشجيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ودفعها نحو قيادة عجلة التنمية، كما أنه من المستغرب أن يكون من بين دول القارة، بالرغم مما تمتلكه من أراضٍ زراعية خصبة وموارد مائية، 37 دولة مستورداً صافياً للغذاء!

ولا شكّ في أنّ اتفاقيات الشراكة الإفريقية البينية تُعدّ بديلاً مؤكداً لاتفاقيات الشراكة الإفريقية مع دول الشمال التي تُعدّ الوجه الجديد للاستعمار في ثوبه الجديد، ومن ثمّ يمكن القول بأنه: لا مستقبل لإفريقيا خارج الشراكة بين دولها.

ومن خلال تحليل بيانات الصادرات البينية الواردة في (الجدول رقم 2)؛ يتضح أنّ هناك نموّاً في الصادرات البينية كنسبة من إجمالي صادرات جميع التجمّعات الاقتصادية الإفريقية ما عدا كلٍّ من تجمّع (سيماك) وتجمّع (الإيكاس)، وقد حقّـق تجمّع (السادك) أعلى زيادة في نسبة الصادرات البينية، فمن نسبة بلغت 13% عام 1990م؛ إلى نسبة بلغت عام 2010م نحو 14.6%.

جدول رقم (2): واقع التكامل الاقتصادي بين دول القارة الإفريقية (الصادرات البينية)

Source: World Bank, Africa Development Indicators, 2012/2013, 2013

التجمّع

سنة التأسيس

1990م

2010م

القيمة

مليون دولار

نسبة من إجمالي الصادرات (%)

القيمة

مليون دولار

نسبة من إجمالي الصادرات (%)

التجمّع الاقتصادي والنقدي لدول وسط إفريقيا CEMAC

1994

138.7

2.3

383

1.2

التجمّع الاقتصادي لدول البحيرات العظمى CEPGL

1976

7

0.5

80.7

1.5

السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا CPMESA

1994

1146

4.7

8157.8

7.7

تجمّع شرق إفريقياEAC

1996

334.5

17.7

1996.7

20.3

التجمع الاقتصادي لدول وسط إفريقياECCAS

1983

159.7

1.4

482.5

0.6

التجمّع الاقتصادي لدول غرب إفريقياECOWAS

1975

1532.3

8

8910.7

8.8

تجمّع دول المحيط الهندي IOC

1984

62.5

3.9

184.1

5.3

التجمّع الاقتصادي لدول جنوب إفريقياSADC

1992

1655.3

6.6

14575.9

9.8

الاتحاد الاقتصادي والنقدي لدول غرب إفريقياUEMOA

1994

620.8

13

2250.3

14.6

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفرصة الثالثة: تحسين طرق نقل التجارة البينية:

ولا شكّ في أنّ الاهتمام بالإنفاق على البنية التحتية لطرق التجارة البينية يحمل معه الخير الكثير من حيث تخفيض الوقت المستغرق للنقل، وتخفيض تكلفة النقل، وتقليل فرص الهدر في السلع التي يتم نقلها عبر هذه الطرق، كما أنّ تحسين مستوى الطرق يزيد من التجارة في الصناعات التحويلية، حيث سيتمكّن المصنّعون من الحصول على المواد الخام اللازمة للتصنيع، وأيضاً سيمكّنهم من توصيل منتجاتهم للأسواق الإفريقية بشكلٍ أيسر.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أنّ تكلفة النقل تشكّل (15 - 20%) من أسعار الواردات في العديد من الدول الإفريقية، كما أنّ الدول الحبيسة تفقد ما بين (1 - 1.5) نقطة من النموّ سنويّاً بسبب مشكلات النقل، وتشكّل تكلفة الوقود وإطارات السيارات نسبة 90% من التكاليف المتغيرة لمعظم شركات النقل.

ووفقاً لأحدث بيانات صادرة عن البنك الدولي، بشأن مؤشر التجارة عبر الحدود لعام 2013م، يبلغ الوقت اللازم لإتمام عملية الاستيراد في إقليم إفريقيا جنوب الصحراء 38 يوماً؛ مقارنةً بنحو 10 أيام في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما تتكلف عملية الاستيراد 2793 دولاراً لكلّ حاوية في المتوسط؛ مقارنةً بنحو 1090 دولار فقط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وبشكلٍ عامٍّ توجد على الأقل خمسة أسباب تجعل الدول الإفريقية تواجه مشكلات ارتفاع أسعار النقل، وهي: (المسافة، والدول الحبيسة، وعدم كفاية اقتصاديات الحجم، ونقص الاستثمارات الموجهة لبنية النقل، وسياسات النقل والتجارة)، فعلى سبيل المثال أثبتت الدراسات أنّ كلّ زيادة بنسبة 1% في المسافة تزيد تكلفة النقل بنسبة 0.25%، ومن المعروف أنّ جميع الأسواق التقليدية للصادرات الإفريقية في أوروبا وأمريكا تزيد المسافة فيها عن 3000 كم.

وفي هذا الصدد؛ توجد أهمية لزيادة الإنفاق على البنية التحتية لطرق النقل المشتركة، والتعاون بين الدول الحبيسة والدول الساحلية المجاورة في مجالات النقل والمشاريع المشتركة، ويأتي دور التجمّعات الإقليمية المختلفة في تنفيذ مشروعات جادة لتحسين البنية التحتية لطرق التجارة البينية، فقد أثبتت الدراسات أنّ كلّ زيادة في الإنفاق على بنية الطرق بنسبة 1% ينتج عنها تخفيض تكلفة النقل بنسبة 0.14%.

الفرصة الرابعة: الاهتمام بالتعليم، وإتاحة الفرصة لتعليم المرأة وتمكينها:

توجد علاقة ارتباط وثيقة الصلة بين التوزيع العادل لفرص التعليم وخفض مستويات الفقر وتعزيز النمو الاقتصادي، كما أنّ الاهتمام بتعليم النساء يؤدي إلى تعزيز مشاركتهم الاقتصادية، ويجعلهم أكثر وعياً بالشؤون الصحية وتغذية أطفالهم بشكل جيد.

وقد أثبتت العديد من الدراسات أنّ التعليم هو أحد أهم العوامل المؤثرة في تخفيض فرص إصابة الأفارقة بمرض نقص المناعة (الإيدز)، كما أنّ التعليم يؤدي إلى الاستغلال الأمثل للموارد الاقتصادية وتقليل مستويات الهدر، وبالرغم من الجهود المبذولة لنشر التعليم في دول إفريقيا جنوب الصحراء فإنّ نسبة تقلّ عن 60% من الشباب قادرون على القراءة والكتابة بفهم.

وبالاعتماد على النتائج الدولية الخاصة بتعليم المرأة (معدل محو الأمية) في دول القارة (أكبر من 15 عاماً)، والمتاحة فقط لـ 33 دولة إفريقية عام 2009م، يتضح أنّ أعلى نسب تعليم المرأة تتركز في ليسوتو بمعدل 95.3%، تليها دولة غينيا الاستوائية بمعدل 89.8%، وفي المركز الثالث تأتي دولة زيمبابوي بمعدل 89.4%، وفي المركز الرابع تأتي دولة ناميبيا بمعدل 88.1%، أما أقلّ الدول من حيث تعليم المرأة فتتركز في دولة تشاد، حيث بلغ المعدل فقط 23.1%، تليها دولة غينيا بمعدل 28.1%، تليها بنين بمعدل 29.1%، ثم سيراليون بمعدل 30.1.%.

الفرصة الخامسة: التنمية الصناعية وتوطين مشتريات القطاعات الاستراتيجية الكبرى:

يُنظر للتنمية الصناعية بوصفها أحد أهم محدّدات التنمية الاقتصادية، ويجب أن توجّه السياسة الصناعية نحو تطبيق أدوات متنوعة لتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة؛ نظراً لأهميتها في تشغيل العمالة وتخفيف حدّة البطالة، ويمكن أن تشمل هذه السياسة ما يتعلق بتقديم قروض ميّسرة، وتخفيض الرسوم الجمركية المفروضة على واردات المواد الخام، ووضع حماية جمركية للمنتجات المصنعة.

وبالنظر إلى الدول الإفريقية التي تتمتع بموارد نفطية وتعدينية؛ فيجب أن تكون هذه الموارد هي المحرك الأساسيّ للتنمية الصناعية، وذلك عن طريق توطين مشتريات هذه القطاعات، وإلزام الشركات العاملة فيها بشراء مستلزمات التشغيل من السوق المحلي، وتشغيل العمالة المحلية وتدريبها وتأهيلها لتمكينها من الإحلال محلّ الخبرة الأجنبية.

فمن حيث احتياطيات البترول الخام؛ فاحتياطي إفريقيا من البترول الخام يبلغ نحو 130.3 ألف مليون برميل، وتحتل ليبيا المركز التاسع عالميّاً، في حين تحتل نيجيريا المركز العاشر، كما توجد احتياطيات كبيرة لدى كلٍّ من أنجولا والجزائر، وذلك وفقاً لإحصاءات عام 2013م.

وتبلغ احتياطيات إفريقيا من الغاز الطبيعي ما يزيد عن 14.2 تريليون م3، وتحتل نيجيريا المركز التاسع عالميّاً في احتياطي الغاز الطبيعي، كما توجد قدرات كبيرة كامنة لدى كلٍّ من الجزائر ومصر.

وبالنسبة للفحم؛ توجد احتياطيات كبيرة لدى كلٍّ من جنوب إفريقيا وزيمبابوي.

وفيما يتعلق بتوليد الطاقة الكهربائية يبلغ حجم الطاقة المولَّدة لإفريقيا عام 2013م نحو 703 تيراوات/الساعة، وتُعدّ جنوب إفريقيا أكبر الدول إنتاجاً في إفريقيا، تليها مصر ثم الجزائر.

كلّ هذه القطاعات الاستراتيجية يجب أن توجّه سياساتها نحو توطين المشتريات، ويمكن في هذا المجال الاستفادة من التجربة النيجيرية في قانون (المكوّن المحلي) الصادر في مارس 2011م، والذي أكدت المؤشرات الأولية قدرته على جذب مزيدٍ من الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وخلق مزيدٍ من فرص العمل أمام العمالة النيجيرية، يُضاف لذلك الاستغلال الأمثل لاحتياطيات النفط من خلال التوسع في إنشاء مصافي تكرير وطنية، وإنتاج المنتجات البترولية بأيدٍ وطنية، والتوسع في سنّ سياسات لتوطين مشتريات قطاع النفط والغاز والمعادن؛ كما في قانون (المكوّن المحلي) في نيجيريا.

الفرصة السادسة: العدالة في توزيع الموارد داخل الدول الإفريقية:

بالرغم من تعدّد الموارد الطبيعية في العديد من الدول الإفريقية فإنّ هناك سوء عدالة في توزيع الموارد، ومثال على ذلك بعض الدول النفطية مثل نيجيريا؛ ينعم فيها الجنوبيون وسكان حوض نهر النيجر بعوائد النفط؛ بينما الولايات الشمالية هي الأكثر فقراً، وتزداد فيها معدلات البطالة، كما أنه في دولة مثل جنوب إفريقيا - أكثر الدول تنمية - يتركز مرض الإيدز في الفقراء.

فعلى سبيل المثال؛ تبلغ مساحة الولايات الإسلامية في نيجيريا (عددها اثنتا عشرة ولاية) 466712 كم2، وبما يشكّل نسبة 51.3% من إجمالي مساحة نيجيريا، ويبلغ عدد سكانها 60.64 مليون نسمة وفقاً لتقديرات عام 2010م، وبما يشكّل نسبة 38% من إجمالي سكان نيجيريا، وبالرغم من هذه الأهمية النسبية فإنّ معدل البطالة يبلغ في المتوسط في هذه الولايات 32.1%؛ مقارنةُ بمتوسط يبلغ 19% في باقي الولايات ذات الأغلبية المسيحية، كما تشكّل الأسر الأكثر فقراً من إجمالي الأسر في هذه الولايات في المتوسط نسبة 8.6%، ويبلغ أقصاه في ولاية زامفارا، وذلك بنسبة 15.3% من جملة سكان الولاية، تليها ولاية سوكوتو بنسبة 12%، وفي المركز الثالث تأتي ولاية كانو بنسبة 11.5%.

ومن خلال تحليل الخصائص الأساسية للولايات الإسلامية في نيجيريا؛ يتضح أنّ جميع هذه الولايات ولايات زراعية، تعمل النسبة الأكبر من مواطنيها بنشاط الزراعة، وصيد الأسماك، أو تجارة المنتجات الزراعية، أو تصنيع المنتجات الغذائية والنسيجية أو الجلود، ومع ذلك تُعدّ ولاية كادونا هي الولاية الصناعية الأكثر شهرة بين هذه الولايات، حيث يوجد بها بعض الصناعات، مثل: الآلات، والصلب، والألمنيوم، والمنتجات البترولية التي ترتبط بقطاع النفط والغاز، ويمكنها الاستفادة من الفرص التي قدّمها قانون (المكوّن المحلي) النيجيري، أما فيما عدا ذلك من الولايات؛ فتتضاءل نسبة الاستفادة بشكلٍ كبيرٍ نظراً لعدم وجود خبرة صناعية كافية في تصنيع متطلبات قطاع النفط والغاز من الآلات والمعدات وقطع الغيار، والتي تُعدّ من الصناعات ذات المكوّن التكنولوجي المرتفع.

الفرصة السابعة: تفعيل دور التجمعات الإفريقية في ضمان السّلم والأمن الإفريقي:

تُعدّ الصراعات الداخلية التي تعتبر عادةً ومظهراً أساسيّاً في الحياة السياسية والأمنية في الدول الإفريقية، ومصدراً أساسيّاً للبؤس الإنساني بما ينتج عنه من فقرٍ ومجاعة، فوفقاً لتقديرات البنك الدولي فإنّ معدلات الفقر تزيد معدل 20 نقطة في الدول التي يوجد بها عدم استقرار سياسي، وكلّ عامٍ يمرّ على الدولة في حالة العنف وعدم الاستقرار يصاحبه إبطاء فرص تخفيض الفقر بمعدل 1%، كما أنّ الدول التي تعاني تدهوراً في أوضاع حقوق الإنسان، وضعف الأداء الحكومي، وضعف دور القانون، أكثر عرضة للحروب الأهلية بمعدل يتراوح بين (3 - 45%)؛ مقارنةً بالدول النامية.

وتؤدي الصراعات إلى تهديدات للبشر بالوفاة أو الإعاقة أو نزوح السكان وهروبهم لأماكن أخرى بعيداً عن مصدر دخلهم ومواردهم، ويوجد في إفريقيا - وفقاً لإحصاءات عام 2011م - ما يزيد عن 13.5 مليون لاجئ ومعاق حرب، وبما يشكّل نسبة 38% من العدد العالمي البالغ 35 مليون شخص.

وبالاعتماد على مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي، وخصوصاً ما يتعلق بمؤشر الاستقرار السياسي (2013م)، يلاحظ أنّ الصومال تحتل المركز الأول عالميّاً من حيث عدم الاستقرار السياسي، حيث حصلت على درجة صفر من 100 درجة، وتوجد 11 دولة إفريقية أخرى حصلت على درجات أقلّ من 10، وكانت على التوالي: (الكونغو الديموقراطية، والسودان، وإفريقيا الوسطى، ونيجيريا، وليبيا، وجنوب السودان، ومالي، ومصر، وإثيوبيا، وبوروندي، والنيجر)، وبالرغم من ذلك احتلت: (موريشيوس، وناميبيا، وسيشل) مراكز متقدّمة عالميّاً، حيث حصلت على درجات (77.73 و 77.25 و 73.46) على التوالي.

وفي هذا الصدد يجب تفعيل دور الاتحاد الإفريقي والتجمعات الإقليمية الأخرى في ضمان السّلم والأمن الإفريقي، سواء داخليّاً أو فيما بين الدول الإفريقية.

الفرصة الثامنة: السيطرة على الفساد من خلال الحوكمة:

يحدث الفساد عندما تقوم الحكومات باستغلال أموال الشعوب بشكلٍ غير مسؤول، فبدلاً من توزيع الموارد بشكلٍ عادلٍ تقوم الحكومات بجني الثمار وحدها وترمي لشعوبها الفتات، وبما يؤدي إلى تدمير مقدّرات البلاد وزعزعة الثقة بين الحكومات والشعوب، وهو ما يوفّر مناخاً خصباً للعنف والتطرف، ففي الدول النفطية الإفريقية تكثر ظاهرة الفساد بين كبار المسؤولين في الحكومة وشركات النفط العالمية التي تبحث عن طرق خلفية لتخفيض الضرائب المفروضة عليها، الأمر الذي يضيّع مليارات عديدة من أموال الشعوب، كما تكثر ظاهرة تهريب الموارد النفطية المدعمة للدول المجاورة الفقيرة نفطيّاً.

وبتحليل نتائج مؤشرات الحوكمة العالمية الصادرة عن البنك الدولي، خصوصاً ما يتعلق بمؤشر الفساد (2013م)، يلاحظ أنّ دولة غينيا الاستوائية تحتل المركز الأول عالميّاً من حيث الفساد، حيث حصلت على درجة صفر من 100 درجة، وقد حصلت 12 دولة أخرى على درجات أقلّ من 10، وهي على التوالي: (الصومال، وليبيا، والسودان، وبوروندي، وزيمبابوي، وجنوب السودان، وغينيا بيساو، وأنجولا، والكونغو الديموقراطية، وتشاد، ونيجيريا، والكاميرون).

ولا شكّ في أنّ أحد أهم العوامل التي تساعد في التحكّم في الفساد ما يتعلق بتطبيق معايير الحوكمة في كافّة الشركات والأجهزة الحكومية، وتحويل شركات قطاع الأعمال إلى شركات مساهمة عامّة ومدرجة في البورصة، بحيث يتمّ إلزامها بمعايير الإفصاح والشفافية والرقابة الداخلية والخارجية.

الفرصة التاسعة: الإدارة المتكاملة للموارد المائية:

تواجه بعض دول القارة مشكلة نقص الموارد المائية أو (الفقر المائي)، وذلك على الرغم من الجهود الدولية المبذولة لتوفير مياه الشرب بالكمّ والكيف المناسبين للحياة البشرية، فقد أكدت خطّة عمل (مؤتمر الأمم المتحدة للمياه) المنعقد عام 1997م أنّ «كلّ البشر أيّاً ما كانت مرحلة التنمية التي تمرّ بها دولهم، وأيّاً ما كانت ظروفهم الاقتصادية، لديهم جميعاً الحقّ الكامل في الحصول على مياه الشرب بالكمّ والجودة التي تناسب احتياجاتهم الأساسية»، وبالرغم من ذلك لا يزال نصف سكان القارة يعانون الأمراض المرتبطة بالمياه، مثل الكوليرا، بالرغم من ثراء القارة المائي، وبالرغم من المشروعات الدولية المقدمة لدول الأنهار في النواحي الفنية والمالية والاقتصادية والمؤسسية؛ فإنّ سوء الإدارة كان عاملاً أساسيّاً في تدنّي فرص الاستفادة من هذه المشروعات.

وتشير التقديرات إلى أنّ حصّة المواطن الإفريقي من المياه لا تزيد عن 5000 م3 سنويّاً؛ مقابل 24000 م3 في القارة الأمريكية و 9000 م3 في أوروبا، ومع استمرار معدلات النمو السكاني المرتفعة في إفريقيا؛ فمن المؤكد أنّ هذه الحصّة معرضة للانخفاض بشكل ملاحظ، كما أنّ الموارد المائية في إفريقيا لا تتوزع بالتساوي، حيث يمثّل نهر الكونغو وحده 30% من الموارد المائية في القارة الإفريقية.

وبشكل عامٍّ؛ يجب على دول أحواض الأنهار أن تتبع منهج الإدارة المتكاملة للموارد المائية، بما يشمل إشراك المجتمعَيْن المدني والخاص في عملية تخطيط الموارد المائية، وإرساء إطار قانوني منطقي وآليات لحلّ المنازعات، وحماية الأنهار من التلوث ومن الاستغلال المفرط، والاستعانة بتقنيات حديثة في الزراعة المروية، وذلك بهدف زيادة الإنتاجية من الموارد المائية، ورفع كفاءتها، وتحقيق مزيد من العدالة في توزيعها، وتحسين نوعية المياه، كما توجد أهمية لتفعيل التعاون المائي فيما بين الدول الإفريقية لتعزيز فرص الاستفادة المثلى من الموارد المائية.

الفرصة العاشرة: الرعاية الصحية:

لا يوجد شكّ في أنّ انتشار الأمراض المزمنة في العديد من الدول الإفريقية كان له الأثر الكبير في تردي الأوضاع الاقتصادية، ذلك أنّ المرض يعني إعاقة الأفراد عن المشاركة بفعالية في العملية التنموية، كما أنّ الصحة من أحد المكونات الرئيسة لرفاهية الإنسان، فهي رأس المال البشري، ومحدّد رئيس في تكوين الثروة، ومن ثمّ توجد علاقة تبادلية بين الصحة والثروة، فالدول الغنية تتمكن من الاهتمام بصحة مواطنيها، كما أنه كلما تحسّن المستوى الصحي زادت إنتاجية العمالة، ومن ثمّ تتحقق التنمية، ومن بين البيانات الصادمة في هذا الإطار أنه على الرغم من أنّ سكان إفريقيا يشكّلون نسبة 10% من سكان العالم فإنهم يتحملون أعباء 25% من الأمراض، ويوجد بها 3% فقط من القوى العاملة بالقطاع الصحي.

وتشير أحدث بيانات متوسط العمر المتوقع عند الميلاد في الدول الإفريقية، كمؤشر للمستوى الصحي (2010م)، أنّ هناك 11 دولة إفريقية يقلّ متوسط الأعمار فيها عن 50 عاماً، وأقلها دولة سيراليون بمتوسط 47.4 عاماً، وباقي الدول على التوالي هي: (ليسوتو، إفريقيا الوسطى، غينيا بيساو، جمهورية الكونغو الديموقراطية، سوازيلاند، زامبيا، تشاد، موزمبيق، زيمبابوي، بوروندي)، وعلى الجانب الآخر توجد 8 دول إفريقية يرتفع متوسط العمر فيها عن 70 عاماً، وأفضلها ليبيا بمتوسط بلغ 74.8 عاماً، والدول الأخرى على التوالي هي: (تونس، كاب فيرد، موريشيوس، سيشل، مصر، الجزائر، المغرب).

ومن المؤكد أنّ زيادة الإنفاق الحكومي على الصحة في الدول الإفريقية سيكون له أثر إيجابي كبير في تحسين المستوى الصحي للمواطنين، ويجب على الدول الإفريقية تطبيق توصيات إعلان أبوجا (2001م) بشأن تخصيص نسبة 15% من الإنفاق الحكومي للقطاع الصحي، وتوجد ضرورة للاستغلال الأمثل للمعونات الدولية الموجّهة لقطاع الصحة الإفريقي، والتي تبلغ 10 مليارات دولار سنويّاً، وتفعيل الاستراتيجية التي وضعتها الشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا (نيباد) (2007م - 2015م)، والتي تركز في حوكمة القطاع الصحي، ووضع التشريعات والسياسات المحلية الداعمة للقطاع الصحي، وتمويل القطاع الصحي، والوقاية المجتمعية، والأمن الغذائي.

خاتمة:

قدّم المقال لمحة سريعة حول واقع التنمية في إفريقيا، كما عرض بعض الفرص التي يمكن من خلالها المساهمة الفعالة في تخفيض معدلات الفقر في إفريقيا وتحسين مستوى معيشة المواطنين، غير أنّ المجال لا يتسع لعرض جميع الفرص في مقالٍ واحد، ولا يتسع أيضاً للاستفاضة في عرض تفاصيل كلّ فرصة، ولا شك أنّ جميع هذه الفرص يجب أن تكون جزءاً أساسيّاً من استراتيجيات التنمية الاقتصادية وخططها في جميع الدول الإفريقية؛ لتأثير كلٍّ منها في التنمية ومواجهة الفقر بشكلٍ أساسيّ.

المراجع:

 

1- International Trade Centre Africa’s Trade Potential: Export Opportunities in Growth Markets, 2012.

2- NEPD, Africa Health Strategy: 2007-2015.

3- Overseas Development Institute, Poverty and Poverty Reduction in Sub- Saharan Africa: An Over view of Key Issues, London, 2009.

4- United Nations University, The Significance of Transport in Africa, Policy Brief N.O 5, 2007.

5- World Bank, Africa Development Indicators, 2012/2013, 2013.

6- World Bank, Study of Transport Costs and Prices in Sub-Sahran Africa, 2008.

* دكتوراه في الاقتصاد (جامعة القاهرة)، ومستشار اقتصادي.