الوجه المظلم للاستثمارات الصينية في إفريقيا

  • 11 -7 - 2018
  • جهاد عمر الخطيب


جهاد عمر الخطيب

باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية- مصر،

باحث ماجستير بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية- جامعة القاهرة.

عقب أُفول نجم القطبية الثنائية، مطلع تسعينيات القرن المنصرم، عانت القارة الإفريقية من التهميش، وفقدت كثيراً من هامش المناورة الذي كان قد أتيح لها آنفاً إبَّان الحرب الباردة، ليصبح الحديث عن سقوط القارة الإفريقية من حسابات القوى الكبرى والمجتمع الدوليAfrica: Falling off the map هو السمة الأبرز لصيرورة التفاعلات الدولية طيلة العقد التاسع من الألفية البائدة.

وتوجَّهت أنظار تلك القوى صوب أوروبا الشرقية التي حظيت باهتمام الدول المانحة والمؤسسات الدولية؛ في محاولةٍ لدمجها سياسيّاً واقتصاديّاً بالنظام الدولي الجديد؛ الذي باتت تهيمن على مجرياته الولايات المتحدة فيما عُرِف بـ«الأحادية القطبية».

بيْدَ أنه منذ مطلع الألفية الجديدة عاود المجتمع الدولي اهتمامه بالقارة الإفريقية، وتسابقت- ولا تزال- القوى الكبرى والصاعدة لتعميق أواصرها التجارية والاقتصادية بإفريقيا، التي غدت واحدةً من أبرز المناطق الجاذبة للاستثمار بالعالم، وكان من بين تلك القوى: (الصين)؛ بغية مواكبة صعودها الاقتصادي على الساحة الدولية.

تُقدِّم الصين نفسها للدول الإفريقية بوصفها نموذجاً للدولة النامية؛ بغية الدفع قُدُماً بتعاون (الجنوب - الجنوب)، ويرتكز دَورها الاقتصادي في إفريقيا على التنمية المشتركة، وتبادل المنافع، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، حسبما أعلنت رسميّاً، رافعةً شعار «العولمة التنموية»؛ وهو طرحٌ مغايرٌ لنهج القوى الكبرى والمؤسسات المالية الدولية؛ الذي طالما اقترن بالمشروطية السياسية والاقتصادية Political& Economic Conditionality.

لكنَّ الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهيه السفن؛ إذ أثبتت الممارسات الصينية في السنوات القليلة الماضية- بما لا يدع للشك مجالاً- أنَّ هناك دائماً جانباً مظلماً للدَّور الاقتصادي الصيني في إفريقيا بصفةٍ عامّة، وإفريقيا جنوب الصحراء خاصّة، ولا سيما ما يتصل بالاستثمارات الصينية في البنية الأساسية لتلك الدول.

وعلى هدي ذلك؛ يصبو المقال إلى تسليط الضوء على طبيعة الدَّور الاقتصادي الصيني في إفريقيا، وفي القلب منه: الاستثمارات الصينية الموجَّهة لجُل دول القارة، فضلاً عن تناوُل أبرز مآلات تلك الاستثمارات التي تلقي بظلالٍ سلبية على مجتمعات إفريقيا جنوب الصحراء، وتُنْذر بتقويض الاستقرار المجتمعي في مثل هذه المجتمعات إذا لم تحظ باهتمامٍ وجدية من قِبل حكومات الدول الإفريقية. ويُخْتتم المقال بتقديم جملة من التوصيات بغية تقديم رؤية نحو التعاطي الفاعل مع الانعكاسات السلبية للاستثمارات الصينية على اقتصاديات وبيئة الدول الإفريقية، واستقرارها السياسي وسيادة أراضيها.

الدور الاقتصادي الصيني في القارة الإفريقية.. نظرة عامّة:

ثمّة عواملُ اقتصاديةٌ عدّة جعلت من القارة الإفريقية أرضاً خصبةً وفضاءً رحباً للاستثمارات الصينية في الآونة الأخيرة؛ فالسوق الإفريقية التي تناهز مليار نسمةٍ تمثِّل سوقاً واعدةً أمام المنتجات الصينية، كما أنّ الموارد الطبيعية التي تزخر بها إفريقيا تشكِّل صمام أمانٍ للصناعة الصينية؛ فهي تؤمِّن لها احتياجاتها من المعادن ومصادر الطاقة؛ كالنفط والمواد الخام، فضلاً عن الموارد الطبيعية كالمياه والأراضي الزراعية الوفيرة.

عوامل اقتصادية عدّة جعلت من القارة أرضاً خصبةً للاستثمارات الصينية؛ فالسوق الإفريقية تناهز مليار نسمة، ومواردها الطبيعية الوفيرة تشكِّل صمام أمانٍ للصناعة الصينية

وبإطلالةٍ على أبرز المحفِّزات التي دفعت بالاتجاه نحو تصاعد الاستثمارات الصينية في الدول الإفريقية، أو بعبارةٍ أخرى: أهمّ الموارد التي تزخر بها القارة الإفريقية ممّا يؤهِّلها لتكون أهمّ وِجْهات الاستثمارات الصينية، نجد أنّ إفريقيا تتمتع بوفرةٍ في الأراضي الصالحة للزراعة، تُقدَّر بحوالي 60% من إجمالي الأراضي غير المستغلَّة على مستوى العالم، وحوالي 8% من هذه الأراضي ذات إنتاجية زراعية عالية. هذا فضلاً عن امتلاك القارة قرابة 12% من إجمالي الاحتياطيات النفطية العالمية، ونحو 10% من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي، و63% من إجمالي احتياطيات الكوبلت عالميّاً، وتُعَدُّ موريتانيا الخامسة عالميّاً في إنتاج الحديد، وتزخر غينيا بحوالي 15% من إجمالي المخزون العالمي للألومنيوم[1].

ومنذ عام 1990م تحولَّت الصين إلى مستوردٍ للنفط الخام؛ كون احتياجاتها من النفط قد ناهزت 600 ألف برميل يوميّاً آنذاك، وفي ظلّ محدودية الاحتياطيات الصينية من النفط، إذ أشارت التقديرات في عام 1997م إلى أنّ هذه الاحتياطيات في طريقها للنضوب خلال 21 عاماً؛ ما يعني أنّ الصين ستصبح بلا مخزونٍ نفطي بنهاية 2018م، اتجهت الصين إلى تأمين احتياجاتها من النفط بالاستيراد من الدول الإفريقية النفطية. هذا إذا أخذنا في الحسبان أيضاً أنّ التوترات والنزاعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط قلَّلت كثيراً من ضمان صيرورة الواردات النفطية من المنطقة إلى الصين، ومن ثَمَّ أضحت الأولوية للقارة الإفريقية فيما يتصل بواردات النفط، التي هي- بلا ريب- عصب الصناعة الصينية العملاقة.

وقد أصبح النفط الإفريقي يمثّل قرابة 25% من إجمالي الاحتياجات النفطية للصين، التي تسعى إلى مضاعفة تلك النسبة، خصوصاً في ظلّ ما تشير إليه التقديرات حول تضاعُف احتياجات الصين النفطية بحلول عام 2030م.

من هنا؛ وجدت الصين ضالتها في القارة الإفريقية، فانطلقت تستثمر في العديد من القطاعات الحيوية، كالتعدين والتصنيع والموارد الطبيعية. وتستهدف الاستثمارات الصينية قطاعاتٍ اقتصاديةً بعينها، وهي القطاعات التي تحتاج إلى رأس المال الكثيفٍ الذي تفتقر إليه الدول الإفريقية، كإثيوبيا على سبيل المثال، ودول وسط إفريقيا وغربها.

وتأتي تلك الاستثمارات الصينية على شاكلة الاستثمارات المباشرة، وهي تلك الاستثمارات طويلة المدى؛ حيث ينخرط المستثمرون بفاعليةٍ ونشاطٍ في كثيرٍ من النواحي الإدارية ومراحل صُنع واتخاذ القرار؛ من خلال الإسهام والمشاركة في رأس مال المشروع.

وقد بلغت الاستثمارات الصينية المباشرة في إفريقيا نحو 26 مليار دولار بنهاية 2013م، ومثَّلت الاستثمارات الصينية نحو 4.5% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إفريقيا جنوب الصحراء في 2015م.

وفيما يتصل بالشركات الصينية العاملة في إفريقيا؛ نجد أنّ عددها قد ناهز 700 شركةٍ في الفترة من 2002م حتى 2005م، وتضاعف عددها ليزيد على 2000 شركةٍ في الفترة من 2006م حتى 2015م[2].

حَرِيٌّ بالذكر: أنه من بين أهمّ القطاعات، التي نشطت في إطارها الاستثمارات الصينية بإفريقيا، قطاع البنية التحتية، فطيلة عقدَي السبعينيات والثمانينيات من الألفية المنصرمة قدَّم المانحون التقليديّون عديداً من القروض لدفع الاستثمار قُدُماً في مجالات البنية التحتية للطاقة والمواصلات[3]، بيْدَ أنّ هذه الاستثمارات لم تُؤتِ أُكُلَها، ولم تُحقِّق غاية الدول الإفريقية في تحسين معدلات نموّها الاقتصادي، كما ساهمت هذه القروض في تفاقم أزمة الديون الإفريقية، الأمر الذي دفَع المانحين التقليديّين إلى الاستثمار بكثافةٍ فيما يتصل بالقضايا والخدمات الاجتماعية؛ وبالتالي تركزَّت الاستثمارات في مجالات نقل وتوصيل المياه والصرف الصحي؛ مما ساهم في زيادة معدلات الوصول إلى المياه النظيفة في الدول الإفريقية، ولا سيما الدول منخفضة الدخل، لتقترب من المعدلات العالمية.

ولذا جاء ترحيب الدول الإفريقية بالاستثمارات الصينية في البنية التحتية لقطاعات المواصلات والطاقة؛ لملء الفراغ الذي خلَّفه انسحاب المانحين التقليديّين من تمويل مثل تلك المجالات.

وفي هذا الصدد؛ زادت الاستثمارات الصينية في تلك المجالات من صفر (أي لا شيء) من الاستثمارات عام 2000م، لتصل إلى الذروة في عام 2010م بقيمة 8 مليارات دولار.

وتمثِّل الاستثمارات الصينية في قطاع البنية التحتية للمواصلات، كتشييد الطرق والسكك الحديدية والموانئ، حوالي نصف إجمالي الاستثمارات الصينية في قطاع البنية التحتية بالقارة، والنصف الآخر ينصرف إلى مشروعات الطاقة؛ متضمِّناً توليد الطاقة الكهرومائية، كما تتجه نسبةٌ ضئيلةٌ من الاستثمارات الصينية بالقارة الإفريقية إلى قطاع الاتصالات والمياه.

وفي سياق الحديث عن الدَّور الصيني الاقتصادي في الساحة الإفريقية؛ تجدر الإشارة إلى أنّ معدلات التبادل التجاري بين الجانبَيْن تضاعفت أكثر من عشر مرّات منذ مطلع الألفية الجديدة، وأضحت الصين منذ 2010م ثاني أكبر شريكٍ تجاريٍّ للقارة بعد الولايات المتحدة؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبَيْن عام 2012م: حوالي 198.5 مليار دولار.

وقد أطاحت الصين بالولايات المتحدة، لتأتي هي في صدارة الشركاء التجاريّين مع إفريقيا عام 2013م؛ إذ ناهَزَ حجم التبادل التجاري بين الطرفَيْن حوالي 200 مليار دولار، ليتخطى حجم التبادل التجاري الأفروأمريكي.

والشكلان الآتيان يوضّحان أهمّ الصادرات والواردات الإفريقية إلى الصين[4]:

شكل رقم (1): رسم توضيحي لنِسَب الصادرات الإفريقية إلى الصين

شكل رقم (2): رسم توضيحي لنسب الواردات الإفريقية من الصين

مصدر الشكلَيْن (1) و (2) (مع ملاحظة أنّ الباحثة قد اضطلعت بتعريب الشكلَيْن):

Ayoub Taha Sidahmed, "The Economic Dimensions of Chinese Investments in Africa (2000-2015)", International Journal of Business and Economics Research, Vol. 6, No. 6, 2017.

الانعكاسات السلبية للاستثمارات الصينية في إفريقيا:

يدافع البعض عن العديد من التأثيرات الإيجابية للاستثمارات الصينية في إفريقيا، والتي يتمحور أغلبها حول الإسراع بوتيرة النمو الاقتصادي للقارة، وانخفاض معدلات الفقر كنتاجٍ للتقارب الصيني الإفريقي؛ فمعدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي لدول إفريقيا جنوب الصحراء قد ارتفع بمعدلاتٍ ملاحظة، خصوصاً منذ منتصف السنوات السابقة من الألفية الجديدة؛ إذ اقترب من نسبة 7% سنويّاً، وإنْ تباطأ هذا المعدل في عامَي 2015م و2016م.

وقد انعكس ذلك بشكلٍ نظريٍّ أو حسابي- إنْ جاز التعبير- على نصيب الفرد سنويّاً من الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا جنوب الصحراء، والذي ارتفع من 0,6 سنويّاً خلال عقد التسعينيات إلى 2.8% خلال السنوات السابقة من الألفية الجديدة.

كما أسهمت في خفض معدلات الفقر في دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ إذ ظلت تلك المعدلات ثابتةً خلال الفترة من 1990م حتى 2002م؛ فحوالي 57% من سكان تلك الدول يعيشون تحت خط الفقر (1.90 دولار للفرد يوميّاً وفقاً لمؤشر الفقر العالمي الذي وضعه البنك الدولي). وبين عامَي 2002م و2011م؛ انخفضت معدلات الفقر بنحو 13%، وهذا يدلِّل- وبلا شك- على عِظَم دَور الاستثمارات الأجنبية في الدفع قُدُماً بالتنمية المستدامة في تلك الدول وتخفيض معدلات الفقر[5].

إنّ الاستثمارات الصينية، وإنْ كانت تُلقي بظلالٍ إيجابية على التنمية الاقتصادية لدول إفريقيا جنوب الصحراء، خصوصاً في ضوء النموذج الذي تقدِّمه الصين في سياستها الخارجية تجاه إفريقيا، وهو نموذجٌ مبنيٌّ على شراكة دول الجنوب وتحقيق المنفعة للجميع، فضلاً عن عدم اقترانه بأية مشروطيات سياسية واقتصادية على غرار القروض والمساعدات التي تقدمها الدول الكبرى والمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي، إلا أنّ هذه الاستثمارات تعتريها إشكالياتٌ عدّة، وسوف نضطلع في هذا الجزء بتسليط الضوء على جملةٍ من التداعيات السلبية للدَّور الصيني الاقتصادي بشكلٍ عام، والاستثمارات الصينية على وجه التحديد.

أولاً: إشكاليات البعد الحقوقي والإنساني للاستثمارات الصينية في إفريقيا:

ثمّة إشكالياتٌ حقوقيةٌ وإنسانيةٌ عدّة غدت تثيرها الاستثمارات الصينية المتنامية في إفريقيا خلال الآونة الأخيرة، وسنشير في هذا الصدد إلى ما يأتي:

أ- الانتهاكات الصينية لحقوق عمال المناجم الأفارقة:

في تقريرٍ نشرته منظمة «هيومان رايتس ووتش»، حول انتهاكات حقوق العمالة الإفريقية في مناجم النحاس المملوكة لشركاتٍ صينية[6]، جرى تسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرّض لها العمال الأفارقة على أيدي الإدارة الصينية؛ إذ جرى استجواب ما يزيد على 170 عاملاً إفريقيّاً في مناجم النحاس خلال عام 2011م؛ 95 عاملاً في المناجم المملوكة للصين، ونحو 48 عاملاً في مناجم تمتلكها شركات متعددة الجنسيات.

أطاحت الصين بالولايات المتحدة، لتأتي في صدارة الشركاء التجاريّين مع القارة عام 2013م

وخلال الاستجواب؛ أعلن أولئك العمال عن ترحيبهم بالاستثمارات الأجنبية في بلدانهم وما تخلقه من وظائف لهم، إلا أنهم في الوقت نفسه عبَّروا عمَّا يقاسونه من انتهاكاتٍ وظروفٍ غير آدمية للعمل في تلك المناجم تحت الأرض، وهذه الظروف تفتقر إلى المعايير الحقوقية والإنسانية المتفق عليها محليّاً وعالميّاً، وقد أفصح أولئك العمال عن الافتقار إلى معايير الأمن والسلامة والرعاية الطبية، والذي يؤدي إهمالهما إلى الإصابة بأمراضٍ خطيرةٍ كأمراض الرئة وغيرها.

كما تفتقر المناجم إلى معدات تأمين العمال، فضلاً عن التهديد بالقتل إذا رفض العامل الإذعان للأوامر والاستمرار في العمل في ظلّ المخاطر الجمّة بتلك المناجم. هذه الانتقادات لم يكن منبعها المنظمات الحقوقية فحسب، بل نجد أنّ الاستثمارات الصينية في زامبيا كانت محلّ انتقاداتٍ رسمية؛ فقد هدَّد الرئيس السابق لزامبيا مايكل ساتا الشركات الصينية بالطرد لانتهاكاتها المستمرة لحقوق العمالة الزامبية.

لم يكن هذا التقرير سوى حلقةٍ في سلسلةٍ طويلةٍ من الانتهاكات الصينية لحقوق عمال مناجم النحاس في زامبيا؛ ففي عام 2006م أصيب نحو 5 عمال زامبيّين بطلقٍ ناري من جانب المدير الصيني لأحد المناجم بمدينة تشامبشي Chambishi بزامبيا، وفي عام 2010م قام مشرفٌ صيني بإطلاق النار على 13 عاملاً من زامبيا.

وتكررت شكاوى العمال من افتقاد المناجم لمعايير الأمن والسلامة فضلاً عن تدني الأجور، وقامت السلطات في زامبيا في العام نفسه بإلقاء القبض على حوالي 31 عامل مناجم من حاملي الجنسية الصينية لتنقيبهم غير القانوني عن النحاس في زامبيا. وفي عام 2005م قُتِلَ حوالي 52 عاملاً محليّاً من زامبيا في مصنع للمواد المتفجرة مملوك لشركة صينية[7].

وإبَّان تشييد الصين لسكك حديد كينيا، التي تربط بين ميناء مومباسا ونيروبي كمرحلة أولى تمهيداً لربطها ببقية دول شرق إفريقيا، بتكلفةٍ قُدِّرت بحوالي 13.8 مليار دولار، أعلن العمال الكينيّون في أحد مواقع التشييد بمنطقة ناكورو إضرابهم عن العمل في أغسطس 2016م، فضلاً عن تعطيلهم حركة المرور مطالبين برفع أجورهم من 250 شلناً كينياً إلى 500 شلن، أي ما يعادل 5 دولارات يوميّاً، وهو متوسط الأجر اليومي الذي يحصل عليه العامل في كينيا، إلى جانب ما أبدوه من احتجاجٍ على قيام الإدارة الصينية بإطلاق النار على أي عاملٍ يطالب برفع أجره[8].

ب- اندلاع التوترات بين الشركات الصينية والسكان المحليّين:

في تقريرٍ نشرته فرانس 24 في 9 مارس 2018م[9]، سلطت فيه الضوء على التوترات التي شهدتها مؤخراً قرية لونجامالي Longa Mali بغرب الكاميرون، حيث يقوم السكان بالتنقيب يدويّاً عن الذهب واستخراجه بطريقةٍ تقليدية؛ إذ لاحظوا قدوم شركاتٍ صينية مدجَّجة بمعداتٍ وجرافاتٍ وعمالٍ صينيّين لمتاخمة السكان المحليّين في استغلال مناجم الذهب، الأمر الذي أثار حفيظة السكان، وبخاصّة عمال المناجم.

وفي شهادةٍ أدلى بها أحد السكان؛ أوضح أنّ الشركة الصينية، التي باتت تستغل مناجم الذهب بالقرية، قامت بإجلاء السكان المحليّين من أراضيهم دون دفع تعويضات لهم، وقد كانت حُجّة الشركة الصينية- حسبما ورد في التقرير أنّ الحكومة الكاميرونية هي التي مكَّنتهم من استغلال تلك الأراضي؛ مما أفضَى إلى اندلاع توتراتٍ بين الشركة الصينية وأهل القرية. وقد أسفرت التوترات عن إطلاق الصينيّين الرصاص على أحد أهالي القرية الذين اندفعوا لقتل أحد الصينيّين رميّاً بالحجارة؛ وسط صمتٍ من السلطات الكاميرونية عن ذلك الحادث.

ج- العمالة الصينية بديلاً للعمالة الإفريقية:

إنّ الإشكاليات الحقوقية والإنسانية التي باتت تثيرها الاستثمارات الصينية في القارة الإفريقية لم تَعُدْ قاصرةً على انتهاكات حقوق عمال المناجم، أو التوترات التي تندلع بين الفنية والأخرى بين الشركات الصينية العاملة في مجال التعدين والسكان المحليّين فحسب، فقد امتدت أيضاً إلى تفاقم أعداد العمال الصينيّين الوافدين إلى إفريقيا؛ بالتزامن مع تصاعد حجم الاستثمارات الصينية في قطاع البنية التحتية وغيره من القطاعات الاقتصادية الإفريقية الجاذبة للاستثمارات الصينية الحكومية والخاصّة، الأمر الذي يُفضِي إلى تفاقم معدلات البطالة الإفريقية.

وفي هذا السياق؛ أشار التقرير السنوي، الصادر عن الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، إلى أنّ إفريقيا قد أضحت موطناً لنحو 1.1 مليون مهاجر صيني في عام 2012م؛ أخذاً في الاعتبار أنّ تعداد المهاجرين الصينيّين إلى القارة في عام 1996م قد بلغ 160 ألف مهاجرٍ فقط[10].

واللافت للنظر أنّ المهاجرين الصينيّين الأوائل إلى القارة الإفريقية كانوا عمّالاً بالأساس، لكن القارة الآن أضحت تستقطب الخبراء والأكاديميّين الصينيّين. بيْدَ أنه من خلال استطلاع رأي عيّنةٍ من المهاجرين الصينيّين إلى إفريقيا- تضمّنه التقرير- وُجِدَ أنّ حوالي 71.8% من المبحوثين عبَّروا عن رغبتهم في العودة إلى موطنهم عند بلوغ سنّ التقاعد، بينما مثَّل البقاء في إفريقيا رغبة حوالي 5.1% فقط من إجمالي المبحوثين[11].

وإذا ما استعرضنا أرقام العمالة الصينية في إفريقيا- وفقاً للتقديرات الرسمية الصينية- نجد أنّ عدد العمال الصينيين قد بلغ 227.407 ألف عامل بنهاية 2016م، وهذا الرقم يمثِّل ارتفاعاً محدوداً عن تعداد العمالة الصينية عام 2013م، ولكنه في الوقت نفسه يمثِّل انخفاضاً في تعداد العمالة الصينية في إفريقيا إذا ما قُورِنَ بتعدادها خلال عامَي 2014م و2015م.

وتتركَّز العمالة الصينية بشكلٍ كبيرٍ في خمس دول إفريقية، وهي: (الجزائر، أنجولا، إثيوبيا، نيجيريا، كينيا)، إذ تمثِّل العمالة الصينية في تلك الدول قاطبةً نحو 65% من إجمالي تعداد العمالة الصينية الوافدة إلى إفريقيا، وحوالي 40% من إجمالي تلك العمالة يتركَّز في الجزائر وحدها[12].

شكل (3): رسم يوضح عدد العمال الصينيين الوافدين إلى إفريقيا في الفترة (2009-2016م)، (العدد مقدَّر بالآلاف)

المصدر: China Africa Research Initiative, "DATA:CHINESE WORKERS IN AFRICA"

وثمّة تقارير وردت في الصحافة الأمريكية، تحديداً نيويورك تايمز، مطلع تسعينيات القرن البائد، أوضحت أنّ الصين تلجأ إلى استخدام السجناء من العمال فيما تنتجه من بضائع تصدِّرها إلى الولايات المتحدة، وكذا ترسل بعضاً منهم إلى إفريقيا للعمل في مشروعات البنية التحتية كونها عمالةً رخيصة. وتلك الممارسات تنتهك الحقوق الآدمية للمسجونين، إلى جانب انتهاكها للقوانين المتعارَف عليها في التجارة الدولية، كما أنّ وجود سجناء يعملون في المشروعات الاستثمارية الصينية في إفريقيا يُثقل كاهل حكومات الدول المستقبلة لتلك العمالة؛ فيما يتصل بإجراءات تشديد الرقابة على أولئك العمال للحيلولة دون اضطلاعهم بأية سلوكيات تهدِّد السّلم المجتمعي فيها[13].

وأولئك العمال الصينيّون الوافدون يزاحمون السكان المحليّين في فرص العمل المتاحة في المشروعات الاستثمارية الصينية؛ الأمر الذي يثير حفيظة العمالة المحلية، وقد أفضى ذلك في مرات عدّة إلى توتراتٍ اندلعت بين الشركات الصينية من جانب والعمال المحليّين من جانبٍ آخر، ففي عام 2016م- كما أشرنا آنفاً- شرعت الصين في تشييد سكك حديد كينيا التي تربط بين ميناء مومباسا ونيروبي، وخلال تلك الأثناء هاجم عددٌ من العمال الكينيّين أحد مواقع المشروع الصيني بالهراوات والأسلحة الخفيفة، مما أسفر عن وقوع حوالي 14 مصاباً من القائمين على إدارة الموقع، وقد أعلن العمال المحتجون أنهم بعد الوعود التي أُطْلِقت لتوظيفهم في هذا المشروع الصيني؛ وجدوا نصيب العمالة الكينية من تلك الفرص الوظيفية هزيلاً للغاية، ولم يرْقَ إلى مستوى الوعود التي قد حصلوا عليها قبل شروع المستثمرين الصينيّين في هذا المشروع الضخم[14].

ثانياً: إضفاء الطابع العسكري على الوجود الاقتصادي الصيني في إفريقيا:

على الرغم من الطرح الصيني الرسمي، الذي كان دائماً ما يركِّز على سلمية الصعود الصيني، أو بالأحرى الانشغال الدائم بالبعد الاقتصادي لهذا الصعود على الساحة الدولية، والاتجاه نحو تعميق العلاقات السينو- إفريقية Sino- African Relations من منظورٍ اقتصادي، وتنسيق الرؤى والمواقف تجاه القضايا الدولية تحت مظلة تعاون (الجنوب – الجنوب)، في إطار تحقيق أهداف المنفعة المتبادلة والتعاون المشترك، إلا أنّ الوجود الصيني الاقتصادي في إفريقيا قد أُضيفت له أبعادٌ عسكريةٌ مؤخراً، اتضحت بصورةٍ جلية في إعلان الصين عن إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي في 20 يناير 2016م، تمَّ افتتاحها رسميّاً في أغسطس 2017م، على مساحةٍ تبلغ نحو 23 ألف كم2، وقد جاء في التقرير الذي بثَّته الإذاعة الصينية: أنّ القاعدة الجديدة ستُعَزِّز قُدُرات الصين في إسناد الدوريات التي تقوم بها القِطَع البحرية الصينية في المياه قبالة السواحل اليمنية والصومالية؛ لتنفيذ مهمّاتها الإنسانية بالمنطقة.

لا يمكن أنّ نُغْفِل ضرورة اضطلاع دول إفريقيا جنوب الصحراء ببناء مؤسساتها الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار المحلي اللذين هما الحصن المنيع للدول الإفريقية

جديرٌ بالذكر: أنها القاعدة العسكرية الأولى التي تُنْشئها الصين في إفريقيا، لتنضم بذلك إلى سباق القواعد العسكرية في جيبوتي التي تُعَدُّ واحدةً من أفقر دول العالم وأقلها تنميةً، وتستضيف على أراضيها عدّة قواعد عسكرية، كقاعدة كامب ليمونيه الأمريكية، وهناك قواعد عسكرية فرنسية ويابانية وإيطالية أخرى، إلى جانب استضافة قوات ألمانية وإسبانية في القاعدة الفرنسية هناك.

وهذه القاعدة تأتي لتضيف حلقةً جديدةً ضمن حلقات ما يُعرف بـ«سلسلة اللؤلؤ» String of Pearls، وهو مصطلح بزغ بين أوساط الباحثين الأمريكيّين عام 2004م؛ تعبيراً عن الطموحات الصينية التوسعية في المحيط الهندي[15]، ويشير هذا المصطلح إلى الشبكات العسكرية والتجارية التي تشيِّدها الصين في إقليم المحيط الهندي، أي الدول المشاطئة للمحيط، والقابعة بين الصين إلى بورسودان شمال شرق السودان، وهي سياسة تبتغي في مجملها توطئة النفود الصيني العسكري والاقتصادي بتلك المناطق، بإقامة طرقٍ تجارية برية وبحرية وقواعد عسكرية، لحماية التجارة والواردات النفطية، ويكفي أن نشير إلى أنّ التجارة الصينية الأوروبية، التي تناهز حوالي بليون دولار في المتوسط يوميّاً، تمر من خلال خليج عدن، فضلاً عن أنّ حوالي 40% من إجمالي واردات النفط الصينية تمر عبر المحيط الهندي[16].

ناهيك عن كون مبادرة «حزام واحد طريق واحد» الصينية، التي تستهدف تعزيز التواصل الإقليمي بين الصين والمحيط الهندي وخليج عدن والبحر المتوسط، عن طريق إنشاء شبكةٍ من الطرق البرية والبحرية على قَدْرٍ كبيرٍ من التعقيد، وشبكات من السكك الحديدية، وأنابيب النفط والغاز، وخطوط الطاقة الكهربائية، وغيرها من البنى الأساسية، تتطلب أيضاً بِنْية أساسية أمنية وعسكرية على درجةٍ عاليةٍ من الكفاءة والفاعلية لتأمين تلك المشروعات الضخمة.

Resource: Maninder Dabas, "Here Is All You Should Know About 'String

of Pearls', China's Policy to Encircle India"[17].

جديرٌ بالذكر: أنّ إعلان الصين نيّتها إنشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي لم تكن الخطوة الأولى على طريق تعزيز وجودها العسكري الصيني في القارة، بل سبق ذلك عديدٌ من الخطوات الجادة لتعزيز مشاركة الصين في البعثات الأممية لحفظ السّلم والأمن في إفريقيا، إذ تُعَدُّ الصين واحدةً من بين أكبر الدول المساهمة بقواتها في بعثات حفظ السلام للأمم المتحدة.

وقد كان عام 2015م عاماً فارقاً بالنسبة للصين في تنامي مشاركتها في حفظ الأمن والسّلم الدوليَّيْن؛ إذ أعلن الرئيس الصيني تشي جي بينج وضع نحو 8000 من القوات تحت تصرف القوة الأممية الجاهزة، وهذا الرقم يمثّل حوالي خُمس تعداد قوات الأمم المتحدة لحفظ الأمن قاطبةً، التي تناهز 40 ألف قوة، كما قدَّمت الصين 100 مليون دولار للقوة الجاهزة للاتحاد الإفريقي[18]. وحوالي 2400 من القوات الصينية المشاركة في بعثات حفظ السّلم الأممية تخدم في إفريقيا في إطار سبع بعثات للأمم المتحدة، خصوصاً في مالي وجنوب السودان.

ولعلَّ الهدف الرئيس لتلك التحركات الصينية الرغبة في كسب العقول والقلوب الإفريقية، وتقديم نفسها كقوة عظمى على قدرٍ كبيرٍ من المسؤولية، في إطار ترويجها لسياسة التنمية السلمية Policy of a peaceful development، وقد يُفسّر هذا الأمر على أنه محاولةٌ من الصين لمزيدٍ من الانخراط، إلى جانب القوى العظمى، في الشؤون الدولية؛ بوصفها شريكاً وليس منافساً أو متحدّياً للهيمنة الغربية على العالم.

ثالثاً: غياب التنافسية وأزمة الديون الجديدة:

تنتهج الصين ما يُسمَّى بـ«سياسة الإغراق»؛ إذ يتم إغراق السوق الإفريقية بالمنتجات والسلع الصينية قليلة الجودة زهيدة الأثمان، وهذه السياسة المتَّبعة تُفْضِي إلى تداعياتٍ بالغة الخطورة على الصناعة المحلية والشركات الوليدة؛ فقد قادت إلى إغلاق كثيرٍ من تلك الشركات المحلية التي لم تصمد كثيراً أمام المنافسة الصينية، فعلى سبيل المثال لا الحصر: جرى إغلاق كثيرٍ من شركات جنوب إفريقيا العاملة في مجال صناعة الغزل والنسج، وما بين (23 ألف - 85 ألف) عاملٍ قد خسروا وظائفهم.

والأكثر من ذلك أنّ المنتجات الصينية قد أثّرت سلباً في معدلات التجارة البينية بين دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ فدولٌ مثل جنوب إفريقيا والكاميرون وكينيا؛ فقدت أسواقها في الدول المجاورة لصالح إغراق تلك الأسواق بالمنتجات الصينية.

كما أنّ معدلات التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا تَصُبُّ كثيراً في صالح الصين، فنجد مثلاً أنّ دولاً، مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا، تعاني عجزاً في تبادلها التجاري مع الصين؛ وقد بلغ مقدار العجز التجاري بالنسبة لجنوب إفريقيا نحو 4 مليارات دولار، أما نيجيريا؛ فقد ناهَز عجزها التجاري الـ1.7 مليار دولار.

ومن ثَمَّ أضحى البعض ينظر إلى العلاقات الاقتصادية بين الصين وإفريقيا باعتبارها شكلاً من أشكال العلاقات بين (الشمال والجنوب)، وتعكس التخصّص وتقسيم العمل الدولي التقليدي؛ إذ تنظر الدول الصناعية الكبرى إلى القارة الإفريقية والدول النامية بوصفها مصدراً للمواد الخام، كالنفط والأخشاب والمعادن، وهذه النظرة لا تصبُّ بأية حالٍ في صالح تنمية القاعدة الصناعية الإفريقية والتنمية المستدامة لإفريقيا جنوب الصحراء[19].

وتُثار إشكالية أخرى ترتبط بالدَّور الاقتصادي الصيني في إفريقيا، خصوصاً عند الحديث حول الاستثمارات الصينية في مجال البِنَى التحتية بالقارة، وما تقدِّمه الصين من قروضٍ للدول الإفريقية بشروطٍ ميسَّرة، وهي كيفية سداد الدول الإفريقية للقروض وفوائدها في ظلّ العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة بين الصين وإفريقيا، وأيضاً في ظلّ تقاعس الجهود الإفريقية لبناء قاعدةٍ صناعيةٍ تلبِّي احتياجات السوق المحلي.

وقد أُثيرت تلك الإشكالية، ألا وهي: أزمة الديون في العلاقات الصينية السودانية، فقد أعلن قطاع العلاقات الخارجية بالمؤتمر الوطني السوداني، في نوفمبر 2016م، أنّ العلاقات السودانية الصينية تمرّ بتحدياتٍ بسبب عدم قدرة السودان على سداد مديونياتها حتى بعد جدولة الديون[20].

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام: هو أنّ الصين تقدِّم ما يقرب من 6.2 مليارات دولار سنويّاً قروضاً لإفريقيا جنوب الصحراء، ونجد دولةً مثل كينيا، قد بلغت مديونيتها للصين حوالي 57% من إجمالي الدين الكيني الخارجي[21].

وتتفاقم إشكالية الديون الإفريقية للصين، ولغيرها من القوى، خصوصاً في ظلّ استشراء الفساد السياسي، أو ما يُعْرف بسياسة «ملء البطون» التي تتبعها الطبقات الحاكمة في إفريقيا، وكذا غياب الشفافية، والمساءلة، وقواعد الحكم الرشيد.

رابعاً: التداعيات البيئية للاستثمارات الصينية في إفريقيا:

ثمّة العديد من التداعيات الخطيرة التي تنجم عن الاستثمارات الصينية في إفريقيا، وتؤثّر بشكلٍ سلبيٍّ في الحياة والتنوع الإيكولوجي بالقارة؛ فالصين- على المستوى المحلي- تولي القدر الأكبر من الاهتمام للإنتاج والربحية، وتتجاهل كثيراً التأثيرات البيئية الناجمة عن مشروعاتها ومؤسساتها الصناعية، وعلى الرغم من وجود كثيرٍ من المحاولات لوضع حدٍّ لتلك التأثيرات؛ فإنها ما تزال دون المستوى المأمول.

ويكفي أن نسلّط الضوء على بعض التقديرات الواردة في هذا السياق، والتي تشير إلى أنَّ مستوى المواد السامة في الهواء بلغ 391 ميكروجرام/ م3، وهو رقمٌ يفوق بأضعافٍ المستوى الآمن، الذي حددته منظمة الصحة العالمية بـ25 ميكروجرام لكلّ م3، كما أنّ تلوث الهواء في الصين يتسبّب في وفاة أكثر من 1.6 مليون شخص سنويّاً، ما يعادل 4400 يوميّاً.

ومن ثَمَّ لا يُتوقع من الصين أن تُولِي قدراً كافياً من الاهتمام في القارة للأبعاد البيئية لاستثماراتها؛ التي تُسهم في زيادة نسبة تلوث الهواء والماء، وزيادة حدّة تأثيرات التغيُّر المناخي، فالاستثمارات الصينية في إفريقيا في مجال البنية الأساسية، كتشييد الطرق والكباري والسدود والسكك الحديدية، لا تراعي المعايير البيئية المتفق عليها عالميّاً، كما أنّ معظم الاستثمارات الصينية تتجه إلى مجالات الطاقة والتعدين وصيد الأسماك وقطع الغابات، وهي مجالاتٌ تزداد احتمالات ونسب تلويثها للبيئة عن غيرها من الاستثمارات.

هذا إذا أخذنا في تقديرنا الاستثمار الصيني في زراعة حاصلات الوقود الحيوي، كالجاتروفا والذرة، وغيرهما من الحاصلات في موزمبيق وتنزانيا وإثيوبيا وغيرها، وزراعة مثل تلك الحاصلات تُسهم في زيادة تلوث التربة والمياه، فضلاً عن إزالة مساحاتٍ كبيرةٍ من الغابات لاستبدالها بزراعة مثل تلك الحاصلات؛ مما يقود إلى تدهور التنوع البيولوجي.

ناهيك عن تهديد الأمن المائي والغذائي للقارة؛ كون هذه الحاصلات شَرِهَة الاستهلاك للمياه؛ كما أنّ التوسُّع في زراعتها يأتي على حساب زراعة الحاصلات الزراعية الغذائية. هذا فضلاً عن الانتقادات التي باتت تُوَجَّه إلى مراكب الصيد الصينية، والتي بات نشاطها يؤثِّر سلباً في الأمن الغذائي للمواطنين الأفارقة ودخول الصيادين المحليّين.

نحو التعاطي الفاعل مع الانعاكسات السلبية للاستثمارات الصينية في إفريقيا:

إذا كانت ثمّة تداعياتٌ إيجابية للاستثمارات الصينية والدَّور الاقتصادي الصيني بشكلٍ عام في إفريقيا جنوب الصحراء، أسهمت في الإسراع من وتيرة نموها الاقتصادي، وقلَّلت من معدلات انتشار الفقر، إلا أنه يبقى لتلك الاستثمارات مآلاتها السلبية التي يجب التعامل معها بحذر، وإيلاؤها القدر الكافي من الاهتمام، خصوصاً على المستوى الرسمي.

وفي هذا السياق؛ فإننا نتوجَّه بتقديم جملة من التوصيات المستقاة أساساً من تحليل التكلفة والعائد للوجود الاقتصادي الصيني- الذي سبق التطرُّق إليه آنفاً من خلال استعراض أبرز الجوانب الإيجابية وكذا السلبية بشكلٍ أكثر استفاضة- على النحو الآتي:

أولاً: إرادة سياسية حقيقية لحكومات الدول الإفريقية في اتخاذ خطواتٍ لتمكين قطاعات الاقتصاد المحلي، فضلاً عن ضرورة بذل الجهود وإصدار التشريعات بغية خلق بيئة مواتية لتشجيع الاستثمار المحلي، وإتاحة مزيدٍ من الحركة والدَّور للقطاع الخاص، ذلك لأنهما إنما يشكِّلان حصناً منيعاً إزاء أية تهديدات خارجية قد تنجم عن اضطلاع القوى الكبرى والصاعدة بدَورٍ اقتصادي متفاقم في إفريقيا.

ثانياً: بذل الجهود وتذليل المعوقات التي تقف كعقبةٍ كؤود أمام تفعيل العمل الاندماجي الإفريقي، وتقوية المنظمات الإقليمية الفرعية وتفعيل دَورها كمنظمات فوق وطنية؛ ذلك لأنّ اندماج القارة يمثِّل الغطاء الأمني والسياسي والاقتصادي الذي يحول دون انكشاف القارة، ويقلِّل روبداً رويداً من تأثيرات تبعية القارة الاقتصادية للقوى الكبرى والصاعدة، ولعل توقيع أكثر من أربعين دولةً إفريقية، في شهر مارس المنصرم، على اتفاقية منطقة التجارة الحرة الإفريقية يمثِّل خطوةً جيدة على طريق تنفيذ المعاهدة المؤسسة للجماعة الاقتصادية الإفريقية (معاهدة أبوجا)، التي تصبو في نهاية المطاف إلى إنشاء سوقٍ إفريقية مشتركة.

ثالثاً: الإرادة السياسية الحقيقية، وتنسيق الجهود على المستوييْن الرسمي والشعبي، لأجل رأب صدع القارة الإفريقية، والتعاطي الفاعل مع المدركات والصور الذهنية السلبية وبذور التفرقة التي أرساها الاستعمار، ولا تزال تُلقي بتأثيراتٍ خطيرة على إمكانيات التعاون بين الشمال والجنوب الإفريقي.

رابعاً: التعامل الإفريقي الجاد مع الإشكاليات الحقوقية والإنسانية المرتبطة بالاستثمارات الصينية، من قبيل احتجاجات العمالة المحلية الإفريقية، والتأكد من التزام المشروعات الصينية بمعايير سلامة وأمن العمال، والتحقيق في وقائع إطلاق النار على العمالة الإفريقية التي أوردها المقال وغيرها، فضلاً عن ضرورة تضمين اتفاقيات التعاون الاقتصادي بين الصين ودول القارة حصّة معيّنة للعمالة المحلية، ومتابعة الالتزام بتلك النسبة من الناحية الفعلية.

خامساً: من الأفضل أن تأتي اتفاقيات التعاون الاقتصادي بين الصين ودول القارة على شاكلة اتفاقيات جماعية، أو تضمّ أكثر من دولةٍ إفريقية؛ فذلك من شأنه تعزيز الموقف التفاوضي الإفريقي، وتقليل الضغوط التي يفرضها الجانب الصيني في هذا الصدد.

[1] Ayoub Taha Sidahmed, "The Economic Dimensions of Chinese Investments in Africa (2000-2015)", International Journal of Business and Economics Research, Vol. 6, No. 6, 2017, pp. 153-161.

[2] Idem, pp. 156,157.

[3] David Dollar, "China's Engagement With Africa: From Natural Resources to Human Resources", Paper presented to The John L. Thornton China Center at Brookings (Washington: The John L. Thornton China Center at Brookings, 2016), pp. 55, 56.

[4] لحسن الحسناوي، "استراتيجية الوجود الصيني في إفريقيا: الديناميات والانعكاسات"، مقال نُشِر في مجلة المستقبل العربي (بيروت، مجلة المستقبل العربي، المجلد رقم 40، عدد رقم 466، ديسمبر 2017م)، ص (111، 110).

[5] David Dollar, Op.Cit, pp 7-9.

[6] Human Rights Watch, "You’ll Be Fired if You Refuse: Labor Abuses in Zambia's Chinese State-owned Copper Mines", Available at:

https://www.hrw.org/news/2011/11/03/zambia-workers-detail-abuse-chinese-owned-mines

[7] Mwai Daka, "Are China’s economic activities good for Zambia?", Sheffield Political Economy Research Institute, Available at:

http://speri.dept.shef.ac.uk/2017/08/15/are-chinas-economic-activities-good-for-zambia/

[8] Lily Kuo, "Kenyan rail workers are protesting against their Chinese employer for a raise—to $5 a day", QUARTZ Africa, Available at:

https://qz.com/749177/kenyan-rail-workers-are-protesting-against-their-chinese-employer-for-a-raise-to-5-a-day/

[9] "توتر بين الصينيّين والكاميرونيّين حول مناجم الذهب في الكاميرون"، فرانس 24، على الرابط:

http://cutt.us/bMrQ3

[10] SU ZHOU, "Number of Chinese immigrants in Africa rapidly increasing", CHINADAILY, Available at:

http://www.chinadaily.com.cn/world/2017-01/14/content_27952426.htm

[11] Idem.

[12] China Africa Research Initiative, "DATA:CHINESE WORKERS IN AFRICA", Available at: http://www.sais-cari.org/data-chinese-workers-in-africa/

[13] The New York Times, "China Has Used Prison Labor in Africa", Available at:

https://www.nytimes.com/1991/05/11/opinion/l-china-has-used-prison-labor-in-africa-540291.html

[14] Lily Kuo, Op.Cit, Internet resource.

[15] ألكسندر بافدونوف، "لماذا تبني الصين قاعدة عسكرية في القارة السمراء؟"، نون بوست (ترجمة)، الرابط:

https://www.noonpost.org/content/18867

[16] Emmanuel Igbinoba, "Economic implication of China’s military base in Djibouti", Centre for Chinese Studies, 19 April 2016.

[17] https://www.indiatimes.com/news/india/here-is-all-you-should-know-about-string-of-pearls-china-s-policy-to-encircle-india-324315.html

[18] Courtney J. Fung, "China’s Troop Contributions to U.N. Peacekeeping", United States Institution of Peace, at:

 https://www.usip.org/publications/2016/07/chinas-troop-contributions-un-peacekeeping

[19] Roquia Fane Madouka Koumou, Wang Manyi, "Effects of Chinese Foreign Direct Investment in Africa", Journal of Finance and Accounting, Volume 4, Issue 3, May 2016, Pages: 131-139.

[20] "تحديات تواجه علاقة السودان والصين بسبب عدم سداد الديون"، السودان اليوم، على الرابط:

http://cutt.us/H6bFJ

[21] Lily Kuo, "China now owns more than half of Kenya’s external debt", QUARTZ Africa, at:

https://qz.com/707954/china-now-owns-more-than-half-of-all-of-kenyas-debt-2/