الهجرة في واقع الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا

  • 15 -10 - 2011
  • آدم بمبا

د.آدم بمبا 

لا شكَّ أن أعظم الوقائع الإنسانيَّة التي غيَّرت مجرى التاريخ، وشكَّلت معالم الحضارة البشريَّة هي الهجرة النَّبويَّة. التي لا تزال نموذجاً يستلهم المصلحون دروسها وعبرها في إنعاش الحركات التَّجديديَّة كلَّما  استبدت الحال بالمسلمين، واحتاجوا إلى تنقية الحياة الإسلاميَّة.

من الخصائص المميزة للحركات التصحيحية والتجديدية في تاريخ الإسلام بإفريقيا قيامها على ثلاث شعائر إسلامية لا تحيد عنها، هي: الحج والهجرة والجهاد، وهي خطوات أو مراحل ثلاث لم نجد في الحركات التصحيحية الإسلامية وزعمائها في إفريقيا من ترك واحدة منها في مشروعه التجديدي, إلا من اضطرته بعض الظروف إلى ترك مرحلة دون غيرها، وهذا قليل.

وسببُ هذا الاهتمام بفقه الهجرة في أطراف العالَم الإسلاميِّ هو احتكاك المسلمين في تلك الأطراف بغيرهم من أصحاب الدِّيانات الأخرى، وعيشهم رعايا ـ مضطهدين غالباً ـ تحت حكوماتٍ وقوى لا تدين بالإسلام ولا تحترم شعائره، ولا تراعي المبادئ الإنسانيَّة النبيلة في حسن الجوار ومعاملة الإنسان لأخيه بالحسنى؛ فكان لا بدَّ من تكون أدبيات الهجرة، ومفاهيم الولاء والبراء، ودار الكفر، وما إليها من مفاهيم في ظلِّ تلك الظُّروف المختلفة عن ظروف حاضرة الإسلام.

أولاً: الشيخ عثمان دان فوديو :

ولد الشيخ عثمان دان فوديو عام (1167هـ/1754م) بمدينة غوبر شمالي نيجيريا الحديثة، وهو ينتمي إلى أسرة علميَّة توارثت العلم والدَّعوة في بلاد الهوسا. تلقَّى العلوم الشّرعيَّة وفنون اللغة العربية على يد مجموعة من المشايخ معظمهم من أقاربه، ورحل إلى بعض الحواضر والمراكز الإسلاميَّة في أفريقيا آنذاك. نشط الشيخ عثمان دان فوديو في الدَّعوة وتدريس العامَّة مركِّزًا جهوده في محاربة البدع والخرافات، وسرعان ما اشتهر وظهر أمره، وكثر أتباعه؛ فناصبه الملوك الوثنيون العداء، وبادأوه بالقتال؛ فأعلن الجهاد عليهم، وما هي إلا فترةٌ وجيزةٌ حتى سقطت في يديه تلك الممالك الوثنيَّة تباعًا، فأسس الشيخ دولة إسلاميَّة عاصمتها صُكوتو، وحكم بالشريعة، وتفرَّغ بعد ذلك للتَّدريس والتأليف، بعد أن وكل الأمور إلى أخيه وابنه. له ما يربو عن مائة كتاب. توفي الشيخ عثمان عام (1232هـ/1817م). وكانت الدولة التي أسَّسها أرقى الدُّول الإسلاميَّة في أفريقيا بشهادة المناوئين لها من المؤرِّخين المستشرقين.

وقد ورد مفهوم الهجرة لدى الشَّيخ في كتابه: "بيان وجوب الهجرة على العباد"، الذي يعدُّ المرجعيَّة الفكريَّة الأساسيَّة لحركته ودولته.

وتعد حركة الشَّيخ عثمان دان فوديو (ت 1817م) خير نموذج لما سبق تقريره من تلازُم وثيق بين الحج والهجرة والجهاد؛ إذ بدأ دعوته التصحيحية بتعليم العامَّة وتكثيف النشاط التَّثقيفي بين المسلمين، وما لبث أن ناصبه ملوك الهوسا العداء، فهاجر هو وجماعته، وأعقب ذلك دعوته إلى الجهاد حين أغار عليه أمير «يُنْف» وبادأه بالحرب9.

والملاحظ في سياق الحركة الفُوديَّة خلوُّها من الحج، غير أن ذلك ليس قادحاً في هذا النموذج؛ لأن الشيخ قد شُغل بالجهاد، وكان في شبابه قد عزم على الحج وخرج له، لكن لم يُقدَّر له ذلك، يقول عبد الله بن فودي في (إيداع النُّسوخ): «ثم سار الشيخ عثمان لطلب العلم إلى شيخنا جبريل، وصاحَبَه نحو سنة يتعلم منه، حتى بلغ معه قرية أقدس، فرجعه الشيخ جبريل إلى أبيه، وسار هو إلى الحج لكون أبيه لم يأذن له في المسير إلى الحج»10.

ثانياً: الشيخ عمر تال (عمر بن سعيد الفوتي) دعوته وهجرته:

هو الشَّيخ عمر بن سعيد بن عثمان الفوتي الطُّوري الكِدِوي، المولود ببلدة «حلوار» بمنطقة «فوتا تورو» جنوب السِّنغال الحالية في عام 1794م تقريباً, من أسرة وعشيرة علميَّة مشهورة بالمنطقة, تفيد المصادر التاريخية أنه درس في المحاضر العلميَّة المنتشرة آنذاك بمنطقة «فوتا تورو»، ومن ثمَّ خرج منذ سنِّ الخامسة عشرة إلى محاضر «فوتا جالون» في أقصى الجنوب الغربي من بلاد غرب إفريقيا، ولم يطل به العهد هناك حتى أصبح معلماً مقرئاً، وما لبث أن شدَّ رحاله إلى الدِّيار المقدَّسة للحج عام 1825م.

ومن فوائد رحلة الحج الأولى التي أثّرت في شخصية الشيخ عمر زيارته للحواضر العلمية آنذاك على امتداد طريق الحج الذي يمر ببلاد السودان الغربي، ومن ذلك «بوبو جُولاسُو»، وكانت مشهورة بعلم التفسير و الدراسات اللغوية، وفي «كبُونغ»، و«صُكوتو»  وقد اجتمع في الأخيرة بالسلطان محمد بللو، ووقف  من كثب على كثير من أحوال المسلمين بالمنطقة، ومما آلمه كثيراً ما رآه من فُرقة بين الدولتين الإسلاميتَين المتجاورتَين «بورْنو» و«صكوتو», فعزم على الإصلاح بينهما، لكنَّه أحجم عن ذلك خشية الإخفاق في مسعاه، ومخافة أن تصرفه تلك المساعي عن مقصده الذي خرج من أجله، لكنه سعى في الإصلاح بينهما إثر عودته حتى أفلح في ذلك.

وفي مصر التقى كثيراً من علماء الأزهر، وأفاد من الجو العلمي والثقافي بها، وفي مكَّة بعد أن أدَّى فريضة الحج اجتمع بأستاذه أحمد الغالي، فتتلمذ عليه وعلى عدد من علماء الحرمَين مدة ثلاث سنوات، وحصل على إجازات.

في طريق عودته من الحج وقف الشيخ عمر بصكوتو للقيام بمشروع المصالحة الذي قطعه على نفسه، وكان الهدف الحقيقي لتلك الوقـفة بها أن يتأمل من قرب مجريات الحكم والسِّياسة والإدارة بهذه الدولة الإسلامية التي كانت آنذاك في أوْج تألقها وازدهارها، وطال مـكثه بصكوتو -؛ إذ مكث  بها ست سنوات (1831م - 1837م)، وغادرها مباشرة بعد وفاة السلطان بللو.

 وقد ذكر المؤرخ موسى كَمَارا في (زهور البساتين) أن الشيخ عمر تعلَّـم فنون الحرب، وأن السلطان بللو عهد إليه قيادة بعض الحروب، وكان ظافراً فيها جميعاً(12)، وكانت تلك المرحلة أخصب مراحل حياته لتأثيرها في تكوينه وإعداده القيادي، وتوثيق العلاقات الاجتماعية بينه وبين «صكوتو»، فقد زوجه السلطان بللو إحدى بناته، ويبدو أنَّه أمدَّه بالمال الكافي للشروع في دعوته ببلاد «فوتا تورو».

ما لبث الشيخ إثر عودته إلى «فوتا تورو» أن ذاع صيته، والتفَّ حوله الناس، ومنذ ذلك الحين ظهرت بوادر عداء الزعماء المحليِّين له، ولكنه بالمقابل كان يحظى بدعم شعبي قوي؛ حيث لحق به زعماء محليُّون آخرون، مثّـلوا –  فيما بعد - أركان القيادة في جيشه، كما انضم إليه السَّواد الأعظم من القبائل التي كانت تعاني وطأة الاسترقاق.

وعلى الرغم من استجماع الشيخ للقوى اللازمة فإنه لم يعلن جهاداً ولم يهدد أحداً، وكانت الحرب الأولى بينه وبين ملك «تامبا» بمبادأة من الملك نفسه؛ وذلك حين أصر على المطالبة بإرجاع أحد خدَمه كان أسلم ولحق بالشيخ، لكن الشيخ عمر لم يخضع لطلبه.

يمكن تصنيف حياة الشيخ عمر، بعد هذه المرحلة، وحركته الجهادية إلى: مرحلة إعداد وهجرة وجهاد، وهي مراحل سارت متقاربة متعانقة أفقياً في الزَّمان ومتكاملة.

المرحلة الأولى: الإعداد والتربية:

باشر الشيخ في هذه المرحلة من الإعداد التربية الروحية والفكرية لأتباعه إثر عودته من الحج؛ إذ أسس محضراً علمياً ببلدة (Jegunku) في «فوتا جالون»، ومن ثمَّ انتقل إلى «دنغراي» في حوض نهر السنغال في منطقة «تامبا»، وقد اعتمد الشيخ في تلك الفترة التربية الصارمة، والتثقيف في الدين، وزرع روح التعاون والعمل الجماعي الدَّؤوب في نفوس أتباعه، واجتهد في توسيع دائرة دعوته بتأهيل مجموعات دعوية من طلبته، وإرسالهم إلى المناطق الأخرى.

 وممَّا يدل على مدى اهتمام الشيخ العميق بهذه المرحلة والإعداد المحكم لها موافقته على استئجار بلدة «دنغراي» والأرض المتاخمة لها من ملك ييمْبا (Yimba) الوثني عام 1849م، وظل بها مدّة ثلاث سنوات، وعُرفت تلك المرحلة باسم «سني الألواح الخشبية» إشارة إلى الألواح التي تُكتب عليها الدروس العلمية في مجالس الشيوخ، ومن دلائل اهتمامه بالتربية العلمية في هذه المرحلة أيضاً أنه لما احترقت له ثلاثة بيوت من الكتب أمر ابن أخ له وجماعة من تلامذته بالتوجُّه إلى تمبكتو لنسخ الكتب وأعطاهم ما يلزم من المال(13).

وتعدُّ هذه المرحلة أيضاً المرحلة الأولى من هجرته، ولكن المرحلة اللاَّحقة هي المرحلة الحقيقية للهجرة والجهاد مندمجين معاً.

المرحلة الثانية: هجرة الشيخ عمر بن سعيد (1858م - 1859م):

كانت الهجرة من الأفعال المميزة لحركة الدَّعوة والجهاد لدى الشيخ عمر وأتباعه من بعده, وقد ارتكزت – منذ عهود الحركة الأولى - على رؤية واضحة نظّر لها الشيخ في كتابه (رماح حزب الرَّحيم) الذي انتهى من تأليفه بصكوتو، وذلك في طريق عودته من الحج، كما نظَّر لها في كتابه الآخر (سيوف السعيد).

جاء بحث الهجرة في كتاب الرماح في الفصل الحادي والخمسين الذي يعدُّ أطول فصول الكتاب، وعنْوَن له الشيخ فقال: «الفصل الحادي والخمسون: في إعلامهم أنَّه ينبغي لكلٍّ أن يجتهد في خلاص نفسه، ويشمِّر ويقوم بساق الجدِّ والاجتهاد في عبادة ربِّه، ولا يعوقه عنها كل عائق... ولو أدَّى ذلك إلى مفارقة الأوطان, بل وضرب الأعناق بالهجرة والجهاد»(14).

وبإسهاب دلَّل الشيخ على وجوب الهجرة كتاباً وسنَّة وإجماعاً، وأورد من النصوص ما وسعه أن يورد، وفنَّـد القول بانقطاع الهجرة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم, وبهذا الصَّدد قسَّم الهجرة إلى معنوية (هجرة القلوب) وحسية (هجرة الأبدان)، وأكَّد تلازم هذين القسمَين وديمومتهما إلى قيام السّاعة.

وفي سياق المجتمع في بلاد السودان الغربي ذهب الشيخ إلى وجوب الهجرة فيه بناءً على التقسيمات الثلاثة المعهودة لتلك البلاد، وهي: بلاد إسلام (تجب الهجرة إليها)، وبلاد كفار (تجب الهجرة منها)، وبلاد إسلام يظهر فيها المنكر جهاراً (تجب الهجرة منها بشرط عجز المسلم عن التَّغيير فيها)(15).

هذا وقد جاءت هجرة الشيخ عمر بن سعيد تال توطئة لمرحلة الجهاد (1852م - 1864م)، وهي خطوة واعية أعدَّ لها الشيخ، ونظَّر لها كما سبق، وهيَّأ النفوس لها, وقد هاجر الشيخ مع جماعته الأولى من مسقط رأسه «فوتا تورو» (أرض الظّلم والفساد الظَّاهر)، وبدأ يستقطب الأتباع والمهاجرين من أقصى الغرب في غينيا الحاليَّة ومنطقة سنيغامبيا, وهي مناطق الزعامات المسلمة لقبائل الفولبي في «فوتا جالون» و«بُوندو» و«فوتا تورو». وكان ذلك عبر مجموعات مدرَّبة، وطلبة ذوي نفوذ كبير في المجتمع عن طريق التربية والتزكية, وكان يُطلق على أولئك الطَّلبة المسؤولين عن تجنيد الأتباع «جوم فيرغُو» (jom fergo).

وشجب الشَّيخ غفلة ملوك المسلمين المحليِّين وتواطأهم مع المستعمر الفرنسي «طُوباكْ» في اضطهاد إخوانهم، والتَّآمر على الإسلام، وكان هذا العنصر من المرتكزات التي ركَّز عليها الشيخ في حجاجه وتنظيراته، وحثّـه للمسلمين للخروج للهجرة(16).

 تجدر الإشارة إلى أن الشيخ في هذا كلِّه لم يكن بدعاً في موقفه ورؤيته عن الهجرة ببلاد السودان، وإنَّما كان متبعاً للشيخ عثمان دان فوديو وغيره تنظيراً وتطبيقاً، ولم تختلف جوانب الهجرة في حركة الشيخ عنه لدى غيره إلا في جوانب يسيرة غير جوهريَّة سيأتي بيان بعضها.

وحرصاً على التأسي العميق في هجرته بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الاقتداء به، أطلق الشيخ على البلدة الجديدة اسم «طيبة»، وعلى أتباعه الأولين «مهاجرين»، وعلى مَن لحقوا به في فترة متأخرة «أنصار», وممَّا نُقل عن أحد تلامذته من وصف لجماعته قوله: «يُطلَق عليهم (أنصار) أو "أهل طيبة"؛ لأنَّهم قد تركوا أمَّهاتهم وآباءهم، ونبذوا جميع عاداتهم وتقاليدهم. لقد علّمهم الشيخ دينهم، إنَّهم مطيعون للشيخ، يحبُّ بعضهم بعضاً، ويساعد بعضهم بعضاً، يتقاسمون كلَّ شيء. إنَّ هؤلاء المهاجرين لا يكلّون أبداً، فهم في عمل متواصل؛ لأن الشيخ نفسه لا يتوقَّف عن وعظهم وتعليمهم ليل نهار»(17).

هذا وقد سجَّل المجتمع المسلم في التاريخ الإفريقي مشهداً فذاً من التعاون والتضامن، وجمع الطاقات والخبرات الشعبية من صناعات وحرف، أسفرت عن قيام دولة إسلامية قوية في مدة زمنية قياسية، فقد كانت الأفواج المهاجرة للحاق بالشيخ لا تأتي خاوية الوفاض، وإنما كانت تأتيه بالمال والحبوب والطعام، وكانت قبائل الفوتا (Futanke) تبيع محاصيلها الزراعية لشراء الأسلحة وعتاد الحرب من سيراليون التي كانت تحت سيطرة بريطانية(18). ووظَّفت قبائل الحدَّادين والبنَّائين وغيرهم من القبائل المعروفة بمهن وصناعات محدَّدة خبراتهم في صناعة الأسلحة من مدافع وبناء حصون (Tata) منيعة حول حواضر الدولة الإسلامية؛  وهوما جعل من هذه الهجرة مَعلماً من معالم التاريخ الإفريقي، وفي قول بعض الباحثين: «إن من أهم ملامح تاريخ غرب إفريقيا هي هجرة الفولبي (الفولاتة) الموسعة نحو «الشرق» من مواطنهم الأصلية بالسنغال الأوسط. وقد قدِّر في أواسط القرن العشرين أن نسبة 3% من الفولبي فحسب كانوا مستقرِّين في مواطنهم الأصلية من مجموع 6 ملايين نسمة»(19).

حتى بعد مقتل الشيخ عمر واكبت حركة الهجرة الجهاد، بل كانت الهجرة الوقود الحقيقي المغذِّي للجهاد حتى سقوط الدولة وبعد سقوطها، وقد تحدَّدت معالم هذه الهجرة وأبعادها – على مستوى شعبي - بدخول المستعمر في مواجهات عنيفة ضدَّ الحركة العُمَرية، ومحاولتها الحدّ من أفواج المهاجرين بحرق القرى، ومصادرة الممتلكات، واعتراض طريق المهاجرين، وزرع الخوف في النفوس.

وقد تسببت بعض الأحداث في تأجيج رغبات المسلمين وحماسهم للهجرة، ففي فترة (1868م - 1869م) كان الكيان الاستعماري الفرنسي قاب قوسَين من الانهيار؛ وذلك حين تفاقمت الأمور إثر ظهور وباء الكوليرا الذي انتشر على سواحل المحيط الأطلسي من شمال إفريقيا، وخلال ذاك العام توفي عُشر سكان حوض السِّنغال، وشاع بين الشعب أن الكوليرا نقمة من الله على القاعدين؛ فبدأت الأفواج تشد رحالها نحو الشرق إلى المهاجرين، وأخذت السلطة الاستعمارية تمنع قراءة خطابات الدعوة إلى الهجرة على الناس(20). وتفيد المصادر الفرنسية أن مجموعات الفولبي في منطقة نهر السنغال السفلى، وبالتحديد من سانت لويس حتى دكار، قد نقصت من خمسين ألف نسمة تقريباً في حدود عام 1860م إلى أقل من عشرة آلاف نسمة في أواسط عام 1889م، وإلى أقلَّ من ذلك تدريجياً بعد تلك الفترة من جراء هذه الهجرة(21).

هذا وقد أعقبت هجرة الشيخ هجرةٌ أخرى لنجله أحمدو سيكو المدني الكبير، وهجرة ثالثة لتلامذته وأتباعه من «صكوتو» إلى الحجاز.

ثالثا: هجرة الشيخ أحمدو سيكو الكبير (1893 م - 1897م):

كان مقتل الشيخ عمر في فترة حرجة عنيفة من تاريخ نضال الأفارقة ضدَّ القوَّة الإمبرياليَّة الفرنسية؛ إذ هي الفترة التي حسمت فيها فرنسا حروبها ضدَّ حركات المقاومة والجهاد في إفريقيا. ولم يكن مقتل الشيخ عمر - في حدِّ ذاته - ممَّا يُهدِّد حركته ودولته بالتفكُّك والزَّوال؛ لأنَّه كان قد تركها قوية من الناحية العسكرية، مترامية الأطراف من المحيط الأطلسي إلى أواسط السودان الغربي، وبالإضافة إلى القوَّة العسكريَّة والماديَّة، كانت هناك قوَّة شعبيَّة وطبقة من الأتباع مؤمنة بشدَّة بمبدأ الجهاد، مدركة بالخطر الإمبريالي، لكن الدولة لم تكن على نظام إداري واضح؛ لأن الشيخ كان قد أفنى أيامه في حروب التأسيس ضدَّ جبهات كثيرة: الوثنيِّين، والمستعمر الفرنسي، والمسلمين الذين تواطؤوا مع أحد هذين الطرفَين.

لكن التهديد الأساس لوجود حركة الشيخ عمر كان يكمن في الداخل في الصراع بين أتباع الشيخ، وبخاصة بين أبنائه؛ إذ تمزَّقت الدولة بينهم خلال العقدَين اللاحقَين لوفاته

إلى ثلاثة أقسام، هي :

1 - «ماسينا»: استحوذ على الحكم فيها ابن أخيه تيجاني.

2 - «سيغو»: كان بها ابنه أحمدو سيكو.

3 -  «كآرْتا»: تنازع في الحكم عليها ابناه حبيب ومختار.

وزاد الطين بِلَّة استغلال المحتل الفرنسي لهذا الانقسام بتأليب بعضهم على بعض، وهكذا انضمَّ ابنه عقيبو (العاقب) إلى المعسكر الفرنسي، وتحالف معهم ضدَّ أخيه أحمدو سيكو الذي بويع أميراً للمؤمنين بعد والده.

بهذه الانقسامات والعداوات بين الإخوة كانت فرنسا تُحكِمُ قبضتها على أرض الدولة العُمَرية يوماً بعد يومٍ، وكانت الهزيمة الأخيرة للأمير أحمدو سيكو في معركة «كآرْتا» الحاسمة، لكن الأمير أصر على المضي قُدُماً في الجهاد ومواجهة الفرنسيِّين، والموت في الموضع نفسه الذي قتل فيه والدُه، لكن المجموعة الباقية من كبار طلبة الشيخ وزعماء حركة الجهاد أصرُّوا على الانسحاب والهجرة نحو الشَّرق للحفاظ على ما تبقَّى من رمزيَّة لدولة الإسلام.

       وهكذا بعد بيعة جديدة على الهجرة انطلـق موكـب الهجرة من بلدة « بانْجغارا » (Bandiagara) باتجاه الشرق نحو السودان الأوسط عبر قرى الفولبي شمال بوركينافاسو الحالية والنيجر ونيجيريا، وكانت جميع تلك المناطق ضمن الدولة العُمَريَّة، لكن القوى الفرنسية استمرت في ملاحقة المهاجرين، ووقعت مواجهات بين الفريقَين في محطَّات ثلاث، كان آخرها ببلدة «همْبوري»، لكن يبدو أن الهدف الأساس في ملاحقتهم كان لإثارة الرعب والخوف في نفوسهم، وثَنْيهم عن الرجوع إلى «سيغو» لمواصلة القتال، أضف إلى ذلك أن القوات الفرنسية لم تشأ أنْ تُجازف بالتَّوغل في المناطق النَّائية التي لم تكن تحت سيطرتهم تماماً، كما أن موكب الهجرة الذي بدأ بعدد قليل من الفوتيِّين كان يتضخَّم كلَّما تقدَّم به السَّير؛ إذ كان المسلمون في المناطق التي يمرُّون بها ينضمُّون إليهم، حتى ذُكر أن الموكب قد بلغ عشرة آلاف مقاتل، لكن المؤرخ دافيد روبنسون يذهب إلى أن هذا العدد مبالغ فيه، ويقدِّر عددهم بين ألفَين وأربعة آلاف.

بعد زوال التهديد الفرنسي عانى المهاجرون عقبة أخرى بدخولهم في أرض الوثنيِّين الواقعة بين مملكة الشيخ عمر وبين «صكوتو»، فهوجِموا مرَّتين ولكن النصر كان حليفهم فيهما، كانت المرة الأولى حين اعترضهم الزعيم الوثني إيسا كرومْبا (Isa Kurumba) بجيش قوامه ثلاثة آلاف فارس وعدد كبير من المشاة، ومنع الركب من عبور منطقته ببلدة «بَمبا»، لكن المهاجرين تلقوا مدداً كبيراً من الأمير إبراهيم بن غيلاجو؛ إذ استنفر المسلمين من القرى المجاورة، وهاجم مع المهاجرين جيش كرومبا، وقتلوه وهزموه وغنموا منه خيلاً وعتاداً. وكانت المواجهة في المرَّة الأخرى مع جيش باغاجي في منطقة متاخمة لصكوتو.

بالوصول إلى منطقة «صكوتو» كان الأمير وزعماء حركة الجهاد قد قادوا بأمان البقيَّة الباقية من تَركَةِ الحاج عمر إلى برّ الأمان، والوصول إلى الدولة الإسلامية التي كانت رَحِماً لجنين الحركة العُمَرية، ولكن قبل أن يصل الركب مدينة «صكوتو» مرض الأمير، واشتدَّ مرضُه ببلدة «مايْ كُولْكي»، وبها توفي ودفن، وكان موته يوم الثلاثاء (21 رجب 1315هـ / ديسمبر 1897م) بعد رحلة هجرة طويلة ابتدأها من «سيغو» عام 1893م، واستغرقت أربع سنين.

تذكر الرواية أن الخليفة عبد الرحمن حين بلَغه نبأ وفاة الأمير بكى طويلاً، وقال: «لطالَما استَبشرتُ بقدومه، وبوجود من يُساندني ضدَّ الكفَرَة، ولكن خاب أمَلي», ثمَّ أكرم وفادة ركب الهجرة، وأرسل إليهم خيولاً وطعاماً، وبنى لهم الأمير بلدة جديدة، وأقطعَ لهم أرضاً يزرعون فيها، لكن المهاجرين لم يأنَسُوا كثيراً بهذا المستقر الجديد الذي سمَّوه «دار السَّلام»؛ فبادروا إلى مبايعة القائد بشيرو على الهجرة، وكان هو والشيخ ألفا هاشم (الذي سيُخصُّ بالحديث بعد قليل) من كبار طلبة الشيخ عمر وقادة الجهاد.

رابعا: هجرة الفوتيِّين (بعد 1903م):

بعد خمس سنوات تقريباً من وجود المهاجرين الفوتيِّين بأرض «صكوتو» كانت مجموعة منهم قد رضيت بالمقام هناك في منطقة «زَامْفَرَا وزِنْدر»، وكانوا في جلِّهم ممن لحقوا بالقاعدة المركزية من المهاجرين على امتداد طريق الهجرة من «سيغو»، وبحلول عام 1903م بعد موت الأمير عبد الرحمن، واستخلافه بالأمير الطاهرو بن سعيد (قتل 1903م) آخر خلفاء الإمارة الصكتيَّة، كان وحش الإمبريالية الذي أخرج الفوتيِّين من ديارهم قد فعل بإمارة الإسلام بصكتو ما فعل بفوتا.

وهنا أيضاً ندب الأمير أهل مملكته إلى الهجرة نحو الشرق، وسرعان ما انضم إليه مهاجرو فوتا بقيادة ألفا بشيرو وألفا هاشم، وفي موقعة بُورْمي قُـتل الأمير الطَّاهرو (28/7/1903م) بعد معركَتَين حاسمَتَين بينه وبين الإنجليز، وكان ذلك نهاية مأساوية لآخر إمارة إسلامية بإفريقيا الغربية، لكن مأساة المهاجرين الفوتيِّين كانت أكبر؛ لأنَّهم ذاقوا مرارة الهزيمة وسقوط حصن الإسلام المنيع مرَّتَين: مرَّة بسيغو وأخرى ببُورْمي.

بمقتل الأمير الطاهرو تشتَّت المهاجرون في المناطق النيجيرية «البريطانية» ومناطق نيجر «الفرنسية», غير أن جذوَة العزيمة على الهجرة نحو الشرق لم تنطفئ لدى طائفة كبيرة منهم  وبخاصّة طبقة العلماء, بايع المهاجرون الأمير محمد بللو (مايْ بوُرْنو) على الهجرة، وقدِّر عددهم بما يقرب من عشرين ألفاًَ؛ فسار بموكب الهجرة حتى بلغ نهر النيل الأزرق بالسودان الحالية وعَبَره، واستقرَّ ببلدة عُرفت باسمه في السودان الشرقي(22).

والظَّاهر أن عزيمة المهاجرين الفوتيِّين كانت صامدة في الهجرة لم تتزعزع، ولكنهم انتهجوا في تلك الفترة سياسة التخفِّي وأخذ الحيطة، فكانوا يهاجرون نحو الحجاز في مجموعات صغيرة لا تثير فضول المستعمر البريطاني، فهاجر الشيخ ألفا هاشم وحده عام 1905م، وتبعه بعد ذلك مجموعة من الطلبة مع جماعة من آل الشيخ عمر تال.

تجدر الإشارة إلى أن وجهة المهاجرين الفوتيِّين كانت مكة! وبذلك اختلفوا عن المهاجرين الصُّكتيين الذين كانوا يهاجرون إلى السودان للِّحاق بالحركة المهدية آنذاك؛ لذلك لم يستقر المهاجرون الفوتيُّون من طبقة العلماء بالسودان الشرقية أو بغيرها من البلاد، وأبرز أولئك المهاجرين قاطبةً الشيخ ألفا هاشم.

الشيخ ألفا هاشم  (ت 1349هـ):

تبرز أهمية الشيخ محمد بن أحمد الشَّهير بألفا هاشم وأصحابه في تاريخ الحركة الإسلامية بإفريقيا الغربية لكونهم آخر زمرة مهاجرة من إفريقيا إلى بلاد الحرمَين الشَّريفين، وكان ذلك غاية في الرمزيَّة؛ حيث كانت بلاد الحرمين الشَّريفين آنذاك القطر الإسلامي الوحيد الذي لم يخضع للإمبريالية الأوروبية الطَّاغية، وكانت – في الواقع - هجرة مباركة حيث أعاد الدُّعاة الفوتيُّون ترتيب صفوفهم، واعتمدوا استراتيجية دعوية جديدة هي التَّعليم ومد جسور التعارف والتواصل  مع المسلمين في شتَّى بقاع العالم، وبخاصة في أقصى الشرق في بلاد الملايو، وقد تولَّى ريادة هذا المشروع الجديد الحاج ألفا هاشم.

كما سبق فإن الشيخ ألفا هاشم، وهو من أقرباء الشيخ عمر، هاجر إلى الحجاز وأدى فريضة الحج، وما لبث أن صقل علومه؛ فتصدَّر للتدريس بالحرَم المكي، ثم انتقل إلى المدينة المنورة واستقر بها، ودرّس بالمسجد النبوي، واشتُهر بطول باعه في الفقه والحديث والتفسير وغيرها من علوم الشريعة، وتشهد بذلك مؤلفاته القيِّمة، مثل: كتاب (هداية الخلَف)، وكتاب (إمتاع الأحداق والنفوس بمطالعات أحكام أوراق الفلوس)، وكتاب (تعريف العشائر والخلان بالشعوب والقبائل الفُلاَّن)(23).

بالإضافة إلى تضلّعه في العلوم، وكونه مثالاً للحالة العلميَّة التي كانت قد بلغتها منطقة فوتا في القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين؛ فقد كان الشيخ ألفا هاشم نقطة وصل وتقريب بين مسلمي إفريقيا على اختلاف بيئاتهم؛ فله طلبة كثيرون وبخاصة في نيجيريا والسِّنغال وغينيا والسودان, ويدل على مقامه المميَّز كثرة المدائح المدبَّجة التي نظمها المشايخ الشعراء في تلك المناطق لمدحه(24).

بالجملة كان «عالماً فذاً، كاتباً ومرشداً في خدمة القادة العمريين، مقدَّماً وزعيماً للجاليات الإفريقيَّة في إفريقيا الشماليَّة، وفي جزيرة العرب»(25).

في الواقع فإنَّ الكيان الاستعماري الفرنسي والبريطاني لم يقر له قرار برؤية المهاجرين في موقعهم الجديد ذلك؛ فأعادوا قصة صناديد قريش لكن بأسلوب آخر، إذ ثبت في مصادرهم الاستعمارية أنَّهم كانوا يرسلون  العيون في مواسم الحج للتجسُّس على الشيخ هاشم وأمثاله من زعماء الجالية الإفريقية ببلاد الحرمين الشَّريفين ورصد أنشطتهم, ففي عام 1909م أوفد الاستعمار الفرنسي بسانْت لويس السِّنغال أخَوَين إلى الحج هما: سليمان سيكْ وعِينينا سيكْ، وكانا معلّمَين في المدرسة الإسلامية الاستعمارية، وكانت مهمَّتهما تدوين نشاط الشيخ وعلاقاته بالحجاج القادمين من إفريقيا، ومدى تهديده للمُستعمر(26), وقد أفادا أنَّ الشَّيخ قد استقر بالمدينة المنورة، وأنه يلقى أموالاً ومعونة من أهل «فوتا تورو» موطنه، ويوظفها في خدمة حجاج غرب إفريقيا ورعايتهم في بيوت ونُزل(27).

من آثار الهجرة والجهاد العُمَري:

لعلَّ من الإجحاف والظُّلم قياس حركة الشيخ عمر بموازين الغلبة والهزيمة العسكرية, بل الميزان الحقيقي ما أحدثته هذه الحركة من نشاط ديني وفكري في تاريخ الإصلاح الإسلامي بإفريقيا على الرغم من قِصر عمرها (1849م - 1898م), وإذا ذهبنا نتلمَّس بعض ذلك فسنجده واضحاً ملموساً في معظم الحركات والإمارات الجهادية التي بزغت في منطقة سنيغامْبيا بعد مدة وجيزة من ظهور حركة الشيخ عمر، وهي الحركات التي تزعمها طلبته المباشرون، أو من تربّوا على أيدي طلبته، وتشرّبوا مبادئه الفكريّة والتربوية في الدعوة والإصلاح.

من الأمثلة على آثار الحركة العُمَريَّة:

أ -  جهاد الشيخ مابا جانْخو (Maba Janxu):

كان مابا خانخو (1809م - 1867م) من تلامذة الشيخ عمر ومريديه، ابتدأ حركته بالدعوة في مناطق الولوف والسيرير، ودعوة ملوكها وزعمائها إلى الالتزام الصحيح بالإسلام، ثم أعقَبَها بإعلان الجهاد على مملكة باوُلْ 1863م، وعلى مملكة سَلوم وجُولوف 1864م, وحين نشبت الحرب بينه وبين جُولوف، أمر المسلمين، وبخاصة العلماء بالهجرة منها إلى سَلُوم.

ومن أعيان العلماء المهاجرين الذين وفدوا عليه آنذاك الشيخ مَعْمَر أنتا سَلي امْباكي (ت 1881م)، وهو والد الشَّيخ أحمدو بمبا (ت 1921م).

ب -  جهاد لاتْ جُورْ (Lat Joor):

يُعدُّ لات جور (حكم 1871م - 1883م) من امتدادات آثار حركة الشيخ عمر المباشرة. وفـد لات جور على ماباَ جانخو عام 1864م، وهو من سلالة ملكيّة حكمت كاجور منذ 1693م، بعد أن خسر صراعاً على زعامة المملكة ضدَّ ماجوجو فال الذي سانده الفرنسيون ضدَّه، وكان لات جور قبل ذلك قد درس القرآن والعلوم الإسلامية بـ «كوكي» في منطقة جامْبور.

تأثَّر لات جور بالتربية الدينية العميقة لدى مابا جانخو، وعاهده على الالتزام بالشريعة الإسلامية في مملكته، وكان للقاضي معمر أنتا سلي الأثر الكبير في شخصية لات جور, وكانت دولتُه من حصون الدِّفاع عن الإسلام ضدَّ الزحف الاستعماري، حتى قتله الفرنسيون عام 1886م.

ج - حركة الحاج محمد الأمين:

من قبائل السَّراخوليه، وكان قائداً ومريداً للشيخ عمر، حج عام 1868م، وبعد عودته   قام بحركة جهاديّة أسفرت عن قيام دولة في منطقة سنيغامبيا امتدَّت إلى بامبوك وخاسو وبُونْدو وجافونُو. وقف بالمرصاد للمحتل الفرنسي، وقُتل غيلةً على يد ملك فِرْدُو بتاريخ 10 ديسمبر 1887م حين لجأ إليه بعد حروب عديدة مع الفرنسيين.

وبعد يمكن استخلاص عدَّة دروس وملاحظات من خضم هذه الحركات المتفاعلة في الإصلاح والتجديد الإسلامي بإفريقيا:

1 -  أن السَّبب الأساس في قيام معظم الحركات الجهادية في غرب إفريقيا التصدِّي لحركة النّخاسة التي تفشَّت آنذاك، والزَّحف الاستعماري الإمبريالي؛ لذلك تركَّزت الحركات الجهادية في منطقة سنغامبيا وفوتا جالون على امتداد سواحل المحيط الأطلسي، حيث كانت بؤرة تجارة الرَّقيق، ومركز القوى الفرنسية والإنجليزية. كما كانت الممالك الإفريقية المتاخمة لهذه المنطقة أنشط القوى المحلية في ممارسة هذا العمل المشين ضدَّ الأفارقة، وقد أرجع أحد الباحثين قيام حركة الشيخ دان فوديو منذ أواخر القرن السابع عشر الميلادي إلى رغبته في التصدِّي لحركة تجارة الرَّقيق في عمق بلاد السودان (السودان الأوسط) ببلاد الهوسا(28).

بذلك فإن التاريخ والحضارة الإفريقية والشُّعوب الإفريقية مَدينة للإسلام وللمسلمين ولتلك الحركات الجهادية، والتي كانت صدور المسلمين فيها دروعاً مُشرَعة ضدَّ الزَّحف الإمبريالي الغاشم واستعباده للأفارقة.

2- تكمن أهمية هجرة الشيخ عمر وجهاده هو وغيره، وما أنشؤوه من حملات هجرة إسلامية بغرب إفريقيا؛ في نجاحها في صهر مسلمي إفريقيا في رابطة وبوتقة واحدة على اختلاف إثنياتهم وبيئاتهم ولغاتهم؛ لمواجهة التهديدين الداخلي والخارجي (الوثني والأوروبي), هذا في الدَّاخل. أمَّا على المستوى الخارجي؛ فقد كانت الشعائر الثلاث (الحج والهجرة والجهاد) رباطاً أميناً غير مُنْفصم، أسهم في ربط مسلمي إفريقيا بالمجتمع الإسلامي العالمي.

3- أنَّ المجتمع الإفريقي يحوي قوى ذاتية جبَّارة، وأن الإسلام عموماً، والحج والهجرة والجهاد، محاور جامعة لهذا الشَّتات من القوى المبعثرة؛ لذلك وقف المستعمر الأوروبي ضدَّ تحالف الحركات الجهادية، وكثَّف جهوده للتَّفريق بين مراكز القوى في إفريقيا وغيرها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك – مع الأسف - الزِّعامات المحليَّة التي ضرب بها المستعمر حركة الشيخ عمر الجهادية, وحركة شيخو أحمدو لوبو، حين أزعجت انتصاراته المتواصلة المستعمر الفرنسي؛ فتحالف مع لات جور، وقُتل أحمدو لوبو على يد الجيش الفرنسي وجيش لات جور، وما برح الفرنسيُّون أن تخلَّصوا من لات جور بقتله بعد انتهاء مهمته(29).

ومتى ما تكاتفت تلك القوى الإفريقية فإنها تغدو كاسرةً، وهذا ما وقع للمسلمين وهم في حضيض الانكسار في موقعة بُورْمي؛ إذ ألحق المهاجرون الصكتيُّون والفوتيون هزيمَتين مَريرَتَين بالجيوش البريطانيَّة قبل مقتل آخر الأمراء الطَّاهرو بن سعيد.

4- أن حركة الشيخ عمر وهجرته قد نقشت خطوطاً ثابتة في النفسيَّة المسلمة بفوتا يصعُب محوُها وإزالتها, يدل على ذلك أن المهاجرين العائدين إلى «فوتا تورو» من مناطق النيجر الأوسط في نيورو وكونْياكاري وسيغو، بعد الهزيمة العسكرية أواخر العقد الأول من القرن العشرين، وكان عددُهم عشرين ألفاً تقريباً، قد حظوا بتقدير شعبي كبير، ولُقِّبوا بـ (fergankobe)؛ لأنهـم في نظر الشعب قد لبـوا داعي الهجرة، وجاهـدوا ضدَّ الكفرة، والمستعمرين(30).

5- من الأمثلة على الحرص في التَشبه بالعهد الإسلامي الأول والشوق إلى البقاع المقدسة، سلاسل المدن المسمَّاة باسم «مدينة» أو غير ذلك, من ذلك بلدة «مدينة» التي أسَّسها الشيخ موري (المقرئ) وُولي سيسه حين قام بحركة جهادية في أعالي نهر الفولتا عام 1835م، واستشهد عام 1845م، وتابع مسيرته الإمام ساموري توري(31). ومما لاحظ الباحث بورْدير (Bourdier) بهذا الصَّدد وجه الشَّبه المعماري الوثيق بين مساجد «فوتا تورو» القديمة بالمسجد النبوي الشَّريف، في بنائها بالطُّوب وشكلها المعماري(32)، ومثل هذا الحرص على التَّأسي والتشبّه برموز البقاع المقدسة ظاهر أيضاً في الأسماء والألقاب الشخصيّة, مثل: أحمد المدني الكبير، ومحمد المكي الصغير، وكلاهما من أبناء الشيخ.

ختامًا، فإنَّ الهجرة النَّبويَّة حدثٌ تاريخيٌّ ثرٌّ بالدُّروس والعِبر التي ينبغي للمسلمين استلهامها في حياتهم وعلاقاتهم مع الآخرين، وهي – الهجرة- أكثر أهميَّة في حياة الأمَّة الإسلاميَّة المعاصرة؛ ولاسيما أن عصرنا الحاضر قد شهد صوراً وأشكالاً كثيرة معقَّدة من الهجرات، ومواقف مختلفة لدول العالَم وحكوماته،  وبخاصَّة الحكومات الغَرْبيَّة. وتُجمع تلك الدُّول على استغلال الظُّروف من أجل إحكام قبضتها على المسلمين؛ فتُرحِّب بالمسلمين المهاجرين في ظرفٍ، وتصدُّ عنهم أبوابها في ظرفٍ آخر، أو ترحِّب بطائفةٍ منهم، بينما تعرض عن آخرين. والمسلم كيِّس فطنٌ، وأحرى به أن يفهم أبعاد تلك الهجرات والسِّياسات المحفوفة بها.

* أكاديمي من ساحل العاج محاضر  بكليَّة الدِّراسات الإسلاميَّة، جامعة الأمير سونكلا نكرين، فطاني تايلاند.

12- موسى بن أحمد كمارا:  زهور البساتين،  مخطوط. روبنسون،  هامش 35.

(13) انظر:  John H. Hanson, “Islam, Migration and the Political Economy of Meaning: Fergo Nioro from the Senegal River Valley, 1862 - 1890”, The Journal of African History, Vol. 35, No. 1 (1994), p46.

(14) علي حرازم:  جواهر المعاني -  وبهامشه رماح حزب الرحيم،  ص 311.

(15) رماح حزب الرحيم،  ص 317.

(16) انظر: Tyam, la vie d’El Hajj Omar Qacida en Poular, (Paris : Institut d’Ethnologies). p 109.

 Tyam, la vie d’El Hajj Omar Qacida en Poular, (Paris : Institut d’Ethnologies). p 109.

(17) انظر:  John Hanson, Migration Jihad and Muslim Authority in West Africa, p31.

(18) انظر:  Victor Azarya, Pastoralists under Pressure,  p 380.

(19) انظر:  Elizabeth Allo, A History of African Societies, p 295.

(20) انظر:  John Hunwich, ALA, p 54.

(21) انظر:  Muslims Brotherhood, p 83.

(22) انظر: Roman Loimeier, Islamic reform and political change in northern Nigeria, (Northwestern University Press, 1997), p 26.

(23) ينظر كتاب: أعلام من أرض النبوة، لأنيس يعقوب كتبي، ج1 (ص 206 –  213). وكتاب: تاريخ الشيخ ألفا هاشم الفوتي، لمحمد مجذوب مدثر، (الخرطوم: مطبعة منديل، 1351هـ / 1932م).

(24) انظر:  Triaud, Jean Louis & David Robinson, La Tijaniyya Une Confrerie a la Conquete de l’Afrique, p 401.

(25) انظر: D. Robinson, Societes Musulmanes, p 243.

(26) انظر: Ibid.

(27) انظر: David Robinson, The Umarian Emigration of the Late Nineteenth Century, Source: The International Journal of African Historical Studies,Vol. 20, No. 2 (1987), p 262.

 

(28) انظر:  Isichei Elizabth, A History of African Societies to 1870, p 295.

(29) انظر:  Sufism and Jihad, p 67.

(30) انظر:  David Robinson, Umarian Emigration, p 262.

(31) انظر: Marvin Lapidus, A History of Islamic Societies, (Cambridge University Press,  2000), p 426. 

(32) انظر:  Thimothy Insoll, Archeology of Islam in Sub-Saharan Africa, p 401