النمو التحصيلي في المدارس الإسلامية في نيجيريا العوائق والحلول

  • 6 -4 - 2012
  • ألاويي لقمان أولاتجو


الدكتور: ألاويي لقمان أولاتجو

تمهيد:

لم يكن التعليم الإسلامي الضحية الوحيدة للتدهور الكبير الذي يسود المجتمع النيجيري - كغيره من المجتمعات الإفريقية - في الوقت الراهن، فقد وقعت معظم مرافق الحياة أسيرةَ لهذا التراجع، لكن التعليم، بوصفه الجوهر الأساس لدفع مسيرة الحياة وقيام العمران، يعاني هذه الأزمة أكثر من غيره.

تتعالى أصوات المسؤولين عن شؤون العلوم والمعارف، والمهتمين بقضايا المناهج في التربية والتعليم، عن فظاعة تدني المستويات لدى الدارسين في المدارس الإسلامية، وبالرغم من ذلك فلا يكاد يوجد حل ملموس لإزالة هذه العقبات، وإعادة العملية التعليمة إلى المستوى اللائق بها، ولعل السبب في هذا الإخفاق - كما يبدو – هو اقتصار تلك الأصوات على مجرد ترديد الشكاوى الشفهية، وعدم القيام بدراسة تلك الظاهرة، وتتبّع عواملها والكشف عن أسبابها، واقتراح الوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى حل حاسم، وتفادي أزمات أخرى في المستقبل التعليمي.

وإذا لم يصح التعميم؛ فإنه لا يوجد من ينكر تدني المستوى لدى الأغلبية الساحقة من طلبة العلم في المنطقة؛ لأنّ الظاهرة بارزةٌ وخصوصاً لدى من يمارس التدريس أو يتعامل مع المتعلمين في المؤسسات العلمية العالية كالجامعات والكليات والمعاهد العليا، ولم تزل هيئة التدريس تبدي العجب وتتأسف لمستوى كثير من الملتحقين بالجامعات بعد الحصول على الشهادة الثانوية، ممن لا يفرّق بين مفعول به ومفعول لأجله، ولا بين الإضافة والصفة، وقد يصل الأمر في بعضهم إلى عدم إجادة قراءة القرآن، أليس من الغريب أن يوجد في فصول الجامعة التي تعدّ أعلى مؤسسة علمية مَن لا يجيد مجرد القراءة، ولا يستطيع التفاهم باللغة العربية، فضلاً عن امتلاكه لملكة الكتابة والخطابة، إنها ظاهرة مؤسفة ومؤلمة.

وفي الوقت الذي يزداد فيه مستوى المتعلمين ضعفاً، تزداد أعداد المدارس والمؤسسات والكليات، وصار يدخل في سلك التدريس أناس غير مؤهلين لأغراض متباينة ومصالح متغايرة، وعلى الرغم من التفاؤل الملموس من زيادة أعداد المدارس لدى المهتمين بشؤون التعليم الإسلامي، حيث توقّعوا أن يؤدي ذلك إلى تحسين الوضع في تقدّم العملية التعليمية وتقوية مستوى المتعلمين وتطوير ثقافتهم، انطلاقاً من التنافس، لكن ثمرة هذه الزيادة جاءت على خلاف ما توقّعوا، فكلما ازادات أعداد المدارس يتدهور مستوى المتعلمين ويزداد ضعفاً وتدنياً!

وسوف تركز هذه الورقة في المستوى التحصيلي للمتعلمين لكونه ثمرة لباقي المستويات.

ويمكن حصر عوائق ضعف المستوى التحصيلي لطلبة المدارس الإسلامية في أربعة عوامل:

أولاً: العائق النفسي:

ويتمثل هذا العائق في أمرين، هما:

أ - ضعف العزيمة وتشتت الهمم:

إذا كانت النفس هي ذلك الجوهر الذي يميّز الإنسان عن غيره؛ فيجعله يعقل ويفكّر ويدبّر، ويتخذ القرارات ويصدر الأحكام، ويدرك المنبهات المحيطة به، ثم يختار طريقه بإرادته الحرة[1]؛ فإن عليها المسؤولية الكبيرة في الرضا والقبول، وفي الامتناع والرفض؛ فلذا اعتنى بها وبدراسة أحوالها وطبيعتها وضبطها ومراتبها التربويّون، وأقاموا لها وزناً كبيراً في الدراسة التربوية قديماً وحديثاً، فالنفس بطبيعتها لا تعتني إلا بما اختارته في نطاق الحرية والرضا؛ فلذلك إذا قويت عزيمتها على شيء حرّكت بقية مكوّنات الإنسان للمجاهدة نحوَ تحقيقه، وهيّأتْ للإنسان استعداداً قويًّا لتحصيل ذلك الشيء بكل وسيلة ممكنة، والعكس كذلك.

المدارس الإسلامية في نيجيريا بُنِيَتْ على أهداف المؤسسين المتباينة ونزعاتهم المتفرقة؛ لذا فهي تسير على وتيرة متخالفة ودروب متغايرة ومناهج متناقضة

 

 

بناء على ذلك؛ ندرك أن أكبر عامل لضعف المستوى العام في الآونة الأخيرة هو ضعف العزيمة النفسية والإرادة في التعلّم والتحصيل.

ولا يخفى على كل من له إلمام بأحوال الطبيعة الكونية أن النجاح في الحياة لا يتحقق إلا بعد توفر شرطين، هما: تحديد الغرض والإخلاص للغرض المحدّد[2]، فالإنسان الذي لم يحدّد هدفه في الحياة لا يستطيع أن يحقق شيئاً في الوجود، وهذه  أكبر مشكلة نفسية أصيب بها الدارس الإسلامي في نيجيريا؛ حيث أصبح الدارس حبيس الهمم المتوزعة والأماني المتشتتة، يبني آماله على أحلام بعيدة الإمكان، وجهل كثير من الطلبة أن ازدواج العزائم النفسية يؤدّي غالباً إلى الإخفاق في الحياة، كما جهلوا أن الرجال الذين أبقى التاريخ ذكراهم في صفحات الخلود لم يسمَوا إلا بقوة النفس، وعلوّ الهمة، وسموّ الروح، والصمود أمام المغريات المادية والشهوانية، ولم تتحقق لهم الرفعة إلا بإحكام الحرص، وتوحيد الهمة والعزيمة على تحصيل ما قرروا لأنفسهم، وإنجاز ما رسموا لحياتهم.

وقد أدى توزع الهمة لدى الدارسين إلى تحصيل العلوم من أجل الشهادة والإجازات العالية بهدف الارتقاء بمستوى المعيشة والحصول على المكانة المرموقة في دنيا الناس، وأصبحنا اليوم في عالم الشهادات؛ لأنها في الوقت الراهن مفتاح النجاح والرقي، وسلّم الرفعة والترقية، وصار معظم الطلبة يلتمسون الحصول عليها بكل الوسائل المتاحة.

أما تحصيل العلوم ودراستها لأهداف إسلامية ترقى بالنفس والعلم والمجتمع، فلم يعد شغل هؤلاء الدارسين الحريصين على الشهادات لمطامع ذاتية؛ لأنها لا قيمة لها مهما كثرت ونفعت إن لم يصاحبها الشهادة اللامعة، ومن ثم صار للشهادات سوق تُباع فيه وتُشترى في المؤسسات العلمية وخارجها، وصار كثير من الشباب يحمل الشهادات، ليترفع بها على خيرة العلماء.

إن الشهادات - في الحقيقة - لها قيمة عالية، لكنها لم توُضَعْ لتُبَاع لجهلة الناس، وإنما وضعت لإعطاء الرخصة للمتفوقين في المجالات المعرفية لتكون ميزة سامية لهم عن غيرهم، وتكون دليلاً على تأهلهم للقيام بمسؤولية التوجيه والتدريس والتعليم، فالشهادة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي عنوان الغاية وشعار النجاح، فإذا جعلها الطالب غايته وصوّب نحوها عزيمته تخرّج في المدرسة كما دخل.

ب - الهزيمة النفسية:

ومن الأعراض النفسية التي يعانيها الطالب في المدارس الإسلامية في نيجيريا الهزيمة النفسية والشعور بالنقص؛ حيث يرى معظمهم أن دراسة اللغة العربية والعلوم الإسلامية لا تواكب التحديات المعاصرة، ولا تمكّن الإنسان من تحقيق غاية تُذكَر؛ فلذلك أصبحوا ينزلون الدراسة الإسلامية المنزلة الثانية في قلوبهم، وأصبحت العلوم العربية والإسلامية تُدرس لتكون ثروة علمية إضافية ملحقة لا مستقلة.

يستحيي الطالب في المدارس الإسلامية في المنطقة أن يُنسب إلى ميدان العلوم العربية، ويستنكف أن يُرى بين زملائه بصفة طالب عربي إسلامي، وذلك نتيجة الغزو الفكري الذي هزم قلوب الأمة، ونتيجة استهانة الدولة بقيمة اللغة العربية والدراسات الإسلامية، فصارت الدراسة العربية الاختيارَ الأخير لمعظم الدارسين في دولة نيجيريا وغيرها من الدول الإفريقية العلمانية عامة، كما صارت العربية ميدانَ تخصّص اليائسين، فإذا كانت القلوب لا تختارها عن رضا وقناعة؛ فأنّى يتقوى فيها المستوى مع فقدان الهمة والعزيمة؟!

ثانياً: العائق المنهجي:

إن المنهج هو جملة المقررات العلمية التي وُضعت لقيادة مسيرة شؤون العلوم من حيث التعليم والتربية، ويشمل المنهجُ: النظامَ الدراسيَّ، وأهداف التعليم، والبرامج الأكاديمية، والمساقات الدراسية، والمواد المدروسة، مع ذكر مخرجات البرنامج والمقررات التي تسير الدراسات على ضوئها. وقد وضع الإسلام أسس المناهج التعليمية والتربوية ومبادئها لمصالح الناس، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم: أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم، وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس»[3]، ونحن نتعلم من الرسول صلى الله عليه وسلم التدرج في التعليم، وتقديم الأصول على الفروع، ومبادئ العلوم على غرائبها، ومبسّطها على مركّبها.. وهكذا، فأين المدرّسون اليوم من هذا المبدأ المنهجي النبوي؟ وأين نحن من عقد العلاقة بين النظريات والتطبيقات مثل صنيع الرسول فى الحديث السابق؟!

لا يخفى على كل من له إلمام بالدراسات التربوية والنظر في أسفارها أن لكل دولة أهدافاً عمومية في نظام التعليم ومناهج تربوية تسير على ضوئها المدارس والمؤسسات العلمية وتسعى إلى تحقيقها وإنجازها، لكن مدارسنا العربية والإسلامية تنقصها المناهج الواضحة؛ لأنها مؤسسات مبنية لا على أهداف النظام التعليمي الوطني والعالمي، ولا على المناهج العامة، بل على الأهداف الذاتية من قبل المؤسسين، وعلى المناهج التي وضعها مديرو المدارس الخاصة، وهذا ما يجعل توحيد المناهج والأهداف في المدارس العربية متعذرّاً.

ولهذا أرى أن المشكلة المنهجية التي تعوق رفع المستوى في أوساط الشباب والطلبة ذات جانبين، هما:

أ – عشوائية النظام التعليمي الإسلامية في المنطقة:

قبل أن تسير المدارس نحو التكامل لا بد من نظام تعليمي واضح، يحدد المواصفات المطلوبة في إدارة المدرسة، وكيفية إجراء برامجها الأكاديمية، ويحتاج نظام أيّة مؤسسة إلى قواعد أساسية محكمة وأصول وأنظمة تامّة متكاملة كي تتمكن من البقاء، والاستمرار، والاطراد والتطوّر والتقدم، لكن معظم المدارس العربية والإسلامية في نيجيريا تمشي مشية عشوائية على غير نظام ثابت لبناء إداراتها وأنظمتها، كما تسير على قرارات فردية تتمثّل أكثرها في نزعات نفسية أنانية أثرية، فكيف لا يختلّ النظام التعليمي عندما تكون إدارة المدرسة وقيادتها وراثية يتوارثها الأبناء، ويتوظف فيها الأحباب، ويقود نظامها الجهلة من الذين ليس لهم نصيب في المعارف التربوية؟!

وقد أدى هذا الاختلال في النظام إلى مشكلات، منها:

- عدم وضع شروط دقيقة ومؤهلات جديرة لتوظيف المدرسين والمعلمين الذين ينقلون المعارف إلى الناشئة، بل نجد أن أكثر المدارس تعتمد على توظيف خريجيها فراراً من تكلفة دفع مرتبات وعلاوات للموظفين، فأصبحت المدارس ميداناً للاستغلال، وإذا وُظّف شبه جاهل لحمل مسؤولية التعليم؛ فماذا عسى أن يقدّم للدارسين، والحكمة تقول: إن فاقد شيء لا يعطيه؟!

 أصبح هؤلاء المدرّسون يرسخون الجهل، ويقوّضون اللبنة الفكرية والفطرة العقلية لدى الطلبة، ومن أبشع الظواهر أن ترى حامل الشهادة الإعدادية يتجرأ على القيام أمام طلبة المرحلة الثانوية لتدريس المواد التي لم يسبق له أن درسها، فإذا كان المتعلم أبصر وأعلم من المعلّم؛ فلا يُسْأَل إذن عن سبب تدني المستوى وضآلة المحصول الفكري لدى الخريجين!!

- عدم العناية بتحسين مستوى معيشة الأساتذة المدرَّبين، وبخس حقوقهم، وهو ما جعل أولئك المدرسين غير مهتمين بمسؤوليتهم التعليمية، وحبّب إليهم ثنائية الوظيفة بعدما أيقنوا أن المدارس لا توفّر لهم ما تغنيهم عن العمل في مجال الصناعة أو التجارة حتى «الجلب»[4].

- ولعل من الجدير بالذكر هنا قضية التخصصات التي أصبحت مهملة إهمالاً شبه كامل في معظم المدارس النيجيرية؛ إذ يندر أن يوجد من بين المدرّسين من له مؤهلات تخصصية في المادة التي يدرِّسها، فالمدرّس العربي في نيجيريا صاحب فنون في نظر نفسه وفي نظرة إدارة المدرسة المسكينة، إضافة إلى أنظار الطلبة المساكين، ويفسّر هذا الواقع غلبة السذاجة على جوّ التدريس؛ حيث يستنوق المعلمُ الجملَ في كثير من القضايا المعلوماتية، ناسياً قول الشيخ آدم عبد الله الألوري: «أما الأستاذ؛ فهو دليل التلميذ وقائده إلى الكمال، فيجب أن يكون من ذوى الأوصاف المحمودة»[5].

 ب – تشتت المناهج والمقررات وضعفها:

ينبغي إعادة النظر في المناهج، بتوجيهها نحو الأهداف المرسومة وتصنيف المواد وفق المناهج، ولتحقيق ذلك، يستحسن تشكيلُ لجنة لتوحيد مناهج المدارس الإسلامية في نيجيريا

 

 

لعل أول مشكلة منهجية للمدارس الإسلامية في نيجيريا عدم توحيد المناهج والأهداف، في حين نرى التعليم الغربي قد سجل النجاح في هذا الجانب؛ فلذلك يجد الناظر في كتاب نظام التعليم الوطني النيجيري (National Educational Policy) أن أول ما نُصّ عليه في النظام هو الأهداف التعليمية الموحَّدة لجميع المؤسسات العلمية في نيجيريا بالرغم من اختلاف الولاية والقبائل واللغات؛ لأن الدولة واحدة، وينبغي أن يكون التوجّه واحداً لتحقيق الوحدة القومية والوطنية والفكرية.

وللتعليم الإسلامي في نيجيريا في هذا الجانب إخفاق واضح؛ لأن المدارس الإسلامية بُنِيَتْ على أهداف المؤسسين المتباينة ونزعاتهم المتفرقة؛ فلذا فهي تسير على وتيرة متخالفة ودروب متغايرة ومناهج متناقضة، وقد أدت هذه المعضلة المنهجية إلى نتائج سلبية وخيمة في مستوى الطلبة، نذكر منها:

1 - عدم وضوح الأهداف التي يدرس الطالب من أجلها، ولا شكّ أنّ النفس إذا جهلت الغاية، ولم تدر الثمرة التي تجنيها من الجهود، ضعف إقبالها وعزيمتها وتباطأ سعيها، وأهملت وسائلها عن تحقيق تلك الغاية المجهولة.

2 - الاهتمام بالنظريات دون التطبيق؛ حيث كانت العملية التعليمية شكلية، وخصوصاً في المواد التي هي بحاجة إلى التطبيق للفهم الدقيق، مثل القواعد وعلم الفرائض، ولذلك يوجب هذا المنهج الخاطئ على الطلبة حفظ المتون والتعريفات والقواعد الجامدة لمصلحة الامتحانات فحسب، وسرعان ما تتعرض تلك القواعد المحفوظة لرياح الغفلة والنسيان بعيد مضي الامتحانات التي حُفظت  من أجلها.

3 - ربط القواعد اللغوية والشرعية بنماذج متكررة؛ حتى أصبحت هذه النماذج لصيقة بتلك القواعد كأنها لا تجاوزها.

4 - تدريس القواعد قبل المواد، مثل دراسة النحو والصرف قبل اللغة، ومثل تعليم العروض قبل الشعر، وقد انتبهت بعض الدول الإفريقية لهذه العقبة فقامت بتعديل مناهجها؛، فلذلك نلاحظ قوة التعبير وملكة الخطابة وامتلاك الثروة اللغوية لدى طلاب العلم فيها.

5 – جعل المدرّسون الفصولَ مسارحَ للتظاهر بالتفوّق على زملائهم، وصار همّ كثير منهم إظهار مهاراته أمام الطلبة، فيجول بهم في آفاق مجهولة تفوق مداركهم ومستوياتهم، وقليل ما يهتمّ بتوصيل المعلومات السديدة التي وقف أمامهم من أجلها.

    ومن ناحية المقررات؛ فإن المدارس الإسلامية في نيجيريا صنفان:

1 - المدارس التي تعتمد على المقررات الصادرة من الدول العربية.

2 - المدارس التي تعتمد على المقررات المحلية أو كتيبات المديرين وأساتذة المدارس الإقليمية.

ولكل واحد من هذين الاتجاهين إيجابيات وسلبيات أو منافع ومضار في تكوين الطلبة، فالمقررات الصادرة من الدول العربية صالحة وجيّدة؛ لأنها مقررات قام بتأليفها الأساتذة المتخصصون وفقاً للمناهج التعليمية والتربوية في تلك الدول، وقد روعي في تأليف تلك المقررات أمور كثيرة، منها:

- مراعاة مستويات الطلبة، ونزعاتهم، ومداركهم، ودرجاتهم العقلية والفطرية.

- وسهولة تعرف مضامينها.

- فلذلك تتصف معظم تلك المقررات بالسهولة والبساطة، وحسن التراكيب، والتوجيه.

وقد استفادت مدارسنا من هذه المقررات قديماً وحديثاً إلى حدٍّ بعيد، لكن السلبية الكبيرة فيها أن معظمها كُتب لبيئات تختلف عن بيئتنا، فلذلك يجد الأستاذ صعوبة في معرفة بعض الأشياء الواردة فيها، وحتى إذا فهمها وعرفها، بقيت مشكلة إيصالها إلى الطلبة؛ لأنها أشياء بعيدة عن أنظارهم في محيطهم الجغرافي، فصار الطالب يدرس الأشياء شكلاً، ويعرف الأسماء دون المسميات، في حين يجد حوله أشياء يراها ولا يعرف أسماءها.

وبالنسبة إلى المقررات المحلية؛ فقد راعى مؤلفوها أوضاع البيئة وأذواق الطلبة ومستوياتهم، إلا أن أكثرها يفتقر إلى المنهجية، وحسن الترتيب، والصياغة في التعبير، وأكبر سلبية فيها أن يكون المؤلف نفسه لا يجيد المادة التي يؤلف فيها، وليس له فضل في التأليف إلا سوء النقل وإساءة الوضع والترتيب، فبذلك تكون المقررات الخارجية أحسن في غالب الأحيان من المقررات الداخلية، وإذا اعتمد الطالب على مقرر ضعيف فكيف يتخرج بمستوى قوي؟!

ثالثاً: العائق الاقتصادي:

إن التدهور الاقتصادي الذي يعانيه مجتمعنا لم يزل يمتد بظلاله إلى كل شعب من شعوب الوطن، وقد ذاق مرارته كل من الطلبة والأساتذة والمدارس، ولا شكّ أنّ الوسائل التعليمية ضرورية لتقوية مستوى الطالب، فحاجة الطالب ماسّة إلى الكتب والمقررات والأجهزة الحديثة التي تساعده في تكوين نفسه وتحسين مستواه، لكن الفقر والمسكنة التي تسيطر على جوّ اقتصادنا لم تزل تؤدي إلى التقصير في هذا الجانب، فيلجأ الطالب إلى استعارة تلك المقررات من زميل له لبضعة أيّام ليمرّ عليها مرّ الكرام.

أما المعلمون؛ فإن روح المادية الجامحة لدى الكثير منهم، مع عدم توفر الإمكانيات لنفقات النفس والعائلة والأسرة، لم تزل تؤدي بكثير منهم إلى الفتور وعدم التفرغ التام للتدريس.

والمدارس الإسلامية نفسها لا تزال تعاني قلة الإمكانية المادية، والتي تجعلها قاصرة في دفع المرتبات، وتحسين مستوى معيشة الأساتذة، وامتلاك الأدوات اللازمة والوسائل التعليمية الواجبة، فالمدارس التي تملك مكتبة عامة مثلاً في نيجيريا تعد بالأصابع؛ فلذلك يكون اللقاء الأول بين الطالب والمكتبة عند التحاقه بالجامعة، وقد أدت هذه المشكلات والعقبات المادية أدواراً سلبية في زيادة ضعف مستوى الطلبة.

رابعاً: العائق الاجتماعي:

للمجتمع أدوار ملموسة في تكوين الأفراد، فإذا قصّر المجتمع في دوره فلا ريب في أنه سيترك آثارا سلبيّةً في شعوبه وأفراده.

وإنّ أول معضلة اجتماعية ساهمت في ضعف المستوى المعرفي لدى طلبة المدارس الإسلامية هي النظرة الدونية وتدهور منزلة الدراسة الإسلامية والعربية في الدولة، فنيجيريا دولة علمانية لا تعترف باللغة العربية كثيراً؛ لذلك تراجع مستوى الاهتمام بها إلى المرتبة الثالثة من بين اللغات المقررة في مدارسها، على الرغم من كون العربية هي أول لغة أجنبية دخلت البلاد.

نرجو من الحكومة الاهتمام بالدراسات العربية الإسلامية، وذلك بمساعدة مدارسها ومعاهدها ماديّاً ومعنويّاً، واعتماد شهاداتها ولو بشروط معقولة معيّنة

 

 

وامتداداً لهذه النظرة الجائرة أصبحت شهادات المدارس الإسلامية غير معترف بها للقبول في الجامعات، وغير معتمدة للتوظيف والتعيين للمناصب الإدارية ولا السياسية ولا الدبلوماسية، وقد أورثت هذه المشكلة عقدةً نفسية في معنويات المهتمين بالعربية، فأمسوا يرجعون القهقرى إلى الدراسات الغربية لمواكبة التحديات الوطنية والدولية المعاصرة؛ بغيةَ تبوّأ مكانة مرموقة في مراكز الحكومة ومؤسساتها.

وعلى الجانب الشعبي أصبح معظم الشعب مستنكفين عن الدراسة العربية إلا بقدر ما يؤدون به الواجب الديني، وكيف لا يضعف المستوى إذا كان المجتمع الذي يتولى شأن الطالب يرى أن العربية ليست دراسة مستقلة تنتهي بدارسيها إلى تحقيق هدف الحياة في نظرهم، فكثير من الأسر لا ترى في إرسال أبنائها للتخصص في العربية مصلحةً خاصّة ولا عامّة، وعندما يأبى الطالب إلا التخصص في التعليم العربي ينصرف عنه المموّلون من العائلة؛ لأنهم يرون في ذلك إضاعة للوقت والمال والجهد، وليس من المنطق –  في نظرهم - أن يستثمروا أموالهم فيما لا يعود عليهم بفائدة مالية ولا عائد مادي.

ولعلّ من الجدير بالذكر؛ أن المجتمع النيجيري ليس بيئة عربية يتمكّن الطالب فيها من ممارسة التخاطب والتحدث بالعربية، فالنطق بالعربية والكتابة بها مقصور على الفصول الدراسية، وليس للبيئة المحيطة بالطالب دور إيجابي أو إسهام ملموس في تطوير مهاراته اللغوية.

أضف إلى ذلك أن الوسائل الإعلامية، كالجرائد اليومية والصحف الأسبوعية والمجلات الشهرية والفصلية والدورية، قد جعلت الإنجليزية لغتها الخالدة، ولا تختلف في ذلك نشرات الإذاعات والأنباء، فغابت العربية في المجال الصحافي تماماً، ما عدا المجلات العلمية الفصلية التي تصدرها أقسام اللغة العربية في بعض الجامعات والكليات، والتي لا يحظى معظم الطلبة في المدارس الإسلامية الثانوية وما دونها بالحصول عليها والاستفادة من ثروتها المعلوماتية واللغوية، ولهذا كان دور الصحافة في تنمية المهارات اللغوية العربية مفقوداً في نيجيريا، بالرغم مما لهذا الدور من أهمية بالغة في التعليم والتربية، كما نبه إلى هذا التربيّون منذ القديم، فعدّوه من الوسائل المنقطعة النظير في المجال التربوي، حسبما يتجلى في كتب علم الاجتماع التربوي.

حلول مقترحة لإزالة تلك العوائق:

إن جميع ما مرّ ذكره من عوائق بحاجة ماسّة إلى محاولة عاجلة لإيجاد الحلول، لإيقاف تلك العقبات، وتفادي استمرارها، ولرفع مستوى العملية التعليمية، والتأكّد من تحقيق أهدافها التربوية.   

وثمة اقتراحات وتوصيات لو عمل بها يُرجى أن تؤدي إلى القضاء على تلك العوائق، أو الحد من تأثيرها، وهي:

- إعادة النظر في تحديد الأهداف التربوية والتعليمية، مع محاولة إقناع الطلبة بأن الهدف الأساسي للتعليم الإسلامي هو الفهم الدقيق لمبادئ الدين وشرائعه، والتسلّح بآليات لغوية ومعرفية لنشر الثقافة الإسلامية، والدعوة إلى التديّن والقيم وتحسين السلوك.

وليعلم المعنيون بشأن التعليم أنه إذا ما تعارضت أهداف الدراسة مع ما يقرره الله سبحانه وتعالى؛ فإن التعليم - لا محالة – سيتّجه نحو الانحراف والانهيار والتدهور، فينعكس على سلوك المجتمع مسجلاً آثاراً سلبية وخيمة.

- توجيه الهمم نحو تحصيل العلوم للمصالح العامة والخاصة، وأن لا يكون الهدف الجوهري للدراسة هو نيل الشهادات أو توزيعها فحسب.

- خلق أجواء دراسية مناسبة، عن طريق توفير آليات لازمة ووسائل تعليمية ضرورية، لتسيير عملية التعليم وفق المناهج المعاصرة، ولتسهيل الأداء لصالح الأساتذة، وتحسين مستوى التلقي والتحصيل للطلبة.

- إعادة النظر في المناهج، بتوجيهها نحو الأهداف المرسومة، وتصنيف المواد وفق المناهج، ويستحسن لتحقيق ذلك، تشكيلُ لجنة علمية لتوحيد المناهج التعليمية للمدارس الإسلامية في نيجيريا، ورسم طريقة لضمان استمرارية أعمال اللجنة، ومتابعتها لبرامج التعليم، تفادياً للجمود وتوقف النشاط الذي يصيب اللجان التعليمية القديمة في المنطقة.

- تصنيف المقررات وتأليف مضامينها وفق محتويات المناهج الموضوعة حتى تناسب المضامين أذواق الدارسين، وتقربهم من مجتمعهم المباشر أولاً قبل المجتمع الخارجي، ويجب عند التأليف مراعاة البساطة والسهولة، وإتاحة الفرصة للقواعد التربوية لتقوم بدورها التأصيلي في محتويات المقررات، ويتوقف ذلك على استشارة المتخصصين ذوي الخبرات المتميّزة في المجالات التربوية بالجامعات والمعاهد، إضافةً إلى مشاركة المديرين والمدرّسين في عملية التأليف.

- تحسين أوضاع المدرّسين ومعايشهم، والاهتمام بشؤون حياتهم، نظراً لأنهم القواعد الأساسية والأعمدة الداعمة لقيام العملية التعليمية.

- إيقاظ روح الأمانة وتحمّل المسؤولية في المدرّسين، وذلك عن طريق تنظيم الندوات والمؤتمرات وورشات العمل، لتوجيههم وتكوينهم تكويناً تربويًّا خاصًّا يؤهّلهم لمهنة التعليم والتربية.

- القضاء النهائي على ظاهرة استغلال الدارسين أو توظيفهم واستخدامهم خارج البرامج الأكاديمية.

- تشجيع الدارسين على الكتابة والتحرير باللغة العربية، وذلك بتنظيم مسابقات علمية على جوائز رمزية، تنمي المواهب وتوقظ الهمم وتبعث روح المجاهدة والمواظبة في الطلبة، مثلما أدت المسابقات القرآنية أدواراً كبيرة في تكثير الحفاظ بين الشباب في الآونة الأخيرة، وقد يضاف إلى المسابقة إنشاء برامج ثقافية مثل أسواق الأدب، وتكوين أسر للكتابة والشعر، وتشكيل أصدقاء الصحافة والتحرير، ومما يشجّع على ذلك إصدار مقالات الدارسين وأشعارهم ونتائجهم الفكرية في صحف حائطية، أو نشرها في صحف المدرسة بعد تعديل ما قد يرد فيها من أخطاء.

- إنشاء مكتبة عامة في كل مدرسة لتثقيف الطلبة وهيئة التدريس، وحثّ الدارسين على تقديم البحوث الفردية والجماعية ليتدربوا على الكتابة والتقديم.

- إجراء مقابلة للمتقدمين بطلب التدريس قبل توظيفهم للتأكّد من امتلاكهم للمؤهلات اللازمة للتدريس علميًّا وسلوكيًّا.

- ترغيب الطلبة في مواصلة الدراسة في المعاهد العليا والجامعات؛ لأن التوقف في المرحلة الإعدادية أو الثانوية يورث ضيق الأفق وادعاء العلم مع الجهل، كما يؤدي إلى قتل المهارات والمواهب الكامنة في بعض المتفوقين.

- إنشاء المجلات العلمية، والصحف الأسبوعية في حالة تعذّر اليومية، والاهتمام بالصحيفة الحائطية لكونها أقلّ تكلفةً وأسهل قراءةً لعامة الطلبة.

- إنشاء مجلس امتحانات عمومية موحَّدة لجميع المدارس بناءً على المناهج الموحَّدة المرسومة، بحيث يشترك فيها جميع الدارسين على اختلاف مدارسهم، وبهذا نتمكن من إجراء عملية الجودة والتقويم للبرامج الأكاديمية في كل المدارس، مما يسهم في تحقيق اعتماد الشهادات العربية على المستوى الحكوميّ الرسميّ.

- إنشاء رابطة الآباء والمدرّسين في كل مدرسة لضمان التفاهم بين أولياء الطلبة وإدارة المدرسة وأساتذتها، ولمعرفة أحوال الطلبة في البيت والمدرسة.

- وأخيراً؛ نرجو من الحكومة الاهتمام بالدراسات العربية الإسلامية، وذلك بمساعدة مدارسها ومعاهدها ماديّاً ومعنويّاً، واعتماد شهاداتها - ولو بشروط معقولة معيّنة - لتحسين أحوالها وإلحاقها بأخواتها من المدارس الغربية.

* محاضر بالجامعة الإسلامية بالنيجر وشاعر نيجيري.

[1] ينظر القذافي: رمضان محمد، علم النفس الإسلامي، ط 1، صحيفة الدعوة الإسلامية، طرابلس، 1990م، ص 7.

[2] القراءة والمحفوظات، لجنة من الأساتذة، منشور جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، ليبيا، 2006م - 2007م، الجزء الرابع، ص 23.

[3] صحيح البخاري، (2 / 64).

[4] الجلب: مصطلح شاع في أوساط المنتسبين إلى الثقافة العربية في نيجيريا، ويعنون به دعوى معالجة الناس واستجلاب قضاء حوائجهم بالدعاء، أو كتابة آيات القرآن والأدعية في الألواح للشرب أو التعويذ، أو بوسائل أخرى معروفة لدى أصحابها.

[5] آدم عبد الله الألوري: نظام التعليم العربي وتاريخه في العالم الإسلامي، ط 3، دار العربية، بيروت، ص 8.