النفط الإفريقي عندما تتحرك السياسة الأمريكية وراء الموارد!!

  • 7 -1 - 2012
  • أيمن شبانة

 

د. أيمن شبانة(*)

بدأ التنقيب عن النفط في إفريقيا في أوائل القرن العشرين، على أيدي الشركات متعددة الجنسيات، وكان البحث عن هذا المورد الحيوي قد تأخر في القارة السمراء لعدم استقرار الأوضاع الداخلية في معظم أنحاء القارة، والانشغال بمقاومة الاستعمار، والافتقار إلى البنية التحتية اللازمة للقيام بعمليات التنقيب والاستخراج.

وفي العشرينيات من القرن الماضي تبلور النفط كسلعة استراتيجية، وتركّزت الاكتشافات البترولية آنذاك في الشمال الإفريقي, وكانت معظم الشركات العاملة في الإقليم - وهي شركات أمريكية وفرنسية - تخفي عثورها على النفط حتى تحين الفرصة للاستئثار به دون غيرها!

ومنذ العام 1970م بدأت الدول النفطية الإفريقية تنعم بعائدات النفط، بعد ذلك بدأت الاكتشافات النفطية في شرق إفريقيا، تلتها اكتشافات غرب القارة وجنوبها, ثم دخلت الشركات الآسيوية مجال المنافسة في التنقيب عن النفط.

في ضوء ما تقدم؛ يسعى هذا المقال إلى معرفة خريطة إنتاج النفط في القارة الإفريقية، والمناطق البترولية الواعدة في القارة، وأهمية النفط الإفريقي على المستوى العالمي، مع التركيز في التنافس الدولي من أجل النفط الإفريقي، خصوصاً بالنسبة للولايات المتحدة، وكيف أصبح النفط أحد أهم محددات صنع السياسة الخارجية الأمريكية إزاء إفريقيا؟

أولاً: إنتاج النفط في إفريقيا:

تُعد إفريقيا أكبر القارات التي تضم دولاً منتجة للنفط، حيث توجد بها 21 دولة منتجة، في مقابل 19 دولة في آسيا، و 19 دولة في أوروبا، و 10 دول في أمريكا الشمالية والجنوبية, وتنتج القارة الإفريقية في الوقت الراهن نحو 11% من النفط العالمي، بما يعادل حوالي 80 إلى 100 مليار برميل من النفط الخام, كما أنها تملك قدراً من الاحتياطات النفطية؛ ربما يصل إلى نحو 10% من الاحتياطي العالمي، حسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية([1]).

وتنقسم القارة الإفريقية نفطياً إلى أربع مناطق، هي: شمال إفريقيا، شرق إفريقيا ووسطها، غرب إفريقيا، الجنوب الإفريقي.

بالنسبة لمنطقة الشمال الإفريقي؛ فتضم خمس دول منتجة للنفط، هي: ليبيا، الجزائر، مصر، تونس، المغرب.

أما منطقة شرق القارة ووسطها؛ فأبرز دولها المنتجة هي: السودان، التي بدأت تصدير النفط منذ العام 1999م، وتشاد، والكونغو برازافيل، والكونغو الديمقراطية.

أما منطقة غرب إفريقيا؛ فأبرز المنتجين فيها هم: نيجيريا، توجو، الكاميرون، غينيا الاستوائية، ساحل العاج، غانا، بنين، موريتانيا، ساوتومي وبرنسيب.

أما منطقة الجنوب الإفريقي؛ فأبرز منتجيها هم: أنجولا، جنوب إفريقيا، زيمبابوي.

وحتى السبعينيات من القرن الماضي كان الشمال الإفريقي في صدارة الإنتاج في القارة، لكن الوضع اختلف في العقود الثلاثة التالية لصالح إقليم غرب إفريقيا الذي أصبح أكثر مناطق إفريقيا الواعدة بالنفط، بعد الاكتشافات الكبيرة في منطقة «خليج غينيا»، وهي الشريط الساحلي الواقع بين نيجيريا وأنجولا، والتي تشير التقارير إلى أنها تعد من أهم الاكتشافات النفطية في العالم خلال السنوات الخمس الأخيرة.

والآن أصبح هذا الإقليم يستأثر بنحو 70% من إنتاج النفط الإفريقي، ويصل حجم إنتاجه الحالي إلى نحو 9.5 ملايين برميل يومياً، وهو ما يزيد عن مجمل إنتاج فنزويلا وإيران والمكسيك, ولعل ذلك هو ما دفع المختصين بصناعة النفط إلى تسيمة هذا الإقليم باسم «الكويت الجديدة, أو الجنة الجديدة»([2]).   

أما ترتيب الدول الإفريقية المنتجة للنفط: فإن ترتيبها منذ العام 2001م هو: نيجيريا، ليبيا، أنجولا، غينيا الاستوائية، الكونغو برازافيل، الجابون، الجزائر، مصر، الكاميرون، تونس.

لكن يراعى أن الترتيب السابق ربما يتغير من عام لآخر حسب حجم الإنتاج، والاكتشافات النفطية الجديدة، وعلى سبيل المثال احتلت أنجولا في العام 2002م المرتبة الثانية بعد نيجيريا، إلا أن ليبيا انتزعت منها هذا المركز بعد ذلك، ولا يزال تغيّر المراكز مستمراً([3]).

ثانياً: الإطار المؤسسي للتعاون النفطي الإفريقي:  

يتمثل الكيان المؤسسي الذي تتعاون في إطاره الدول الإفريقية المنتجة للنفط في 
«رابطة منتجي البترول الإفريقي  African Petroleum Producers Association -  APPA»، التي أُنشئت عام 1987م في لاجوس بنجيريا. ويدير شؤون الرابطة مجلس وزاري، يتألف من وزراء النفط في الدول الأعضاء، ويجتمع هذا المجلس مرة سنوياً على الأقل.

ويبلغ عدد أعضاء الرابطة 12 دولة, هي: نيجيريا، ليبيا، الجزائر، أنجولا، الكونغو برازافيل، الكونغو الديمقراطية، غينيا الاستوائية، الجابون، الكاميرون، مصر، ساحل العاج، بنين.

ومن بين هؤلاء الأعضاء تنتمي ثلاث دول إلى منظمة «أوبك»، وهي ليبيا, والجزائر, ونيجيريا([4]).

وتعد هذه الرابطة هي المنظمة الإفريقية الوحيدة المختصة بالشؤون النفطية في إفريقيا, وهي تهدف بالأساس إلى تطوير مبادئ السياسة العامة والمشروعات في كل جوانب صناعة النفط في الدول الأعضاء بشكل خاص، وفي إفريقيا بشكل عام، ودراسة طرق وأساليب إمداد الدول الإفريقية المستوردة للنفط بالمساعدات؛ للوفاء بمتطلبات الطاقة لديهم، حيث تعتقد الرابطة أن وضع منتجي النفط الأفارقة سيصبح أفضل عند تبني مبادئ مشتركة بشأن النفط والغاز، مما يمكّنهم من الاستفادة من مواردهم الطبيعية على النحو الأمثل.

ثالثاً: تنافس القوى الدولية على النفط الإفريقي:

يتميز النفط الإفريقي بتعدد أنواعه، حيث يوجد نحو 40 نوعاً من خام النفط في القارة, كما يتسم معظم هذه الأنواع بجودته الفائقة، نظراً لانخفاض نسبة الكبريت فيها، وخفة وزنها، واحتوائها على نسب أكبر من الغاز والبنزين, كما يتمتع قطاع النفط في القارة بواحد من أسرع معدلات النمو في العالم.  

في هذا الإطار؛ أصبح النفط الإفريقي محوراً للتنافس بين القوى الدولية، خصوصاً أن معظمها يواجه موقف الاعتماد على الورادات لتوفير الاحتياجات من الطاقة، فأوروبا تستورد 48% من احتياجاتها، كما أنها بحلول عام 2030م لن تغطى سوى 30% من احتياجاتها من الطاقة، واليابان تستورد 52%، والولايات المتحدة تستورد 53%. ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 62% عام 2020م.

 كما أصبحت الصين، التي كانت تتمتع باكتفاء ذاتي من النفط، مستوردة له منذ عام 1993م، حيث إنها تستهلك نحو 11 مليون برميل يومياً، مما جعلها تحتل المرتبة الثانية منذ عام 2003م بين الدول المستهلكة والمستوردة للنفط، وذلك بعد الولايات المتحدة الأمريكية التي تستهلك نحو 40% من الاستهلاك العالمي للنفط([5]).

انطلاقاً مما تقدم؛ أصبحت القوى الدولية تسعى إلى تنويع مصادر وارداتها من النفط، وذلك بالتوسع في استيراد النفط الإفريقي، وتكثيف استثماراتها النفطية في مناطق البترول التقليدية في إفريقيا، مثل نيجيريا, والجابون, وليبيا, والجزائر، فضلاً عن مناطق الاكتشافات الجديدة في كلٍّ من غينيا الاستوائية، والسودان، وموريتانيا.. إلخ.

فالولايات المتحدة تخطط بمنتهى الدأب لكي ترفع وارداتها النفطية من إفريقيا من 16% حالياً إلى 25% بحلول العام 2015م؛ بهدف التحكّم في إنتاج النفط العالمي وأسعاره([6]).

ومن جانبها تحرص الصين على زيادة وارداتها من النفط الإفريقي ليصل إلى 30% من إجمالي وارداتها بحلول العام 2011م، حيث إنها تسعى لتجميع احتياطي استراتيجي من البترول حجمه 100 مليون برميل، وذلك بالتركيز في دول معينة في منطقة خليج غينيا، أهمها: أنجولا, وغينيا الاستوائية, والكونغو, فضلاً عن ذلك تولي الصين السوادن اهتماماً خاصاً، حيث تعد الصين أكبر مستثمر في قطاع النفط في السودان، بعد أن تجاوزت استثماراتها 15 مليار دولار([7]).

وينطبق الأمر نفسه على فرنسا وبريطانيا اللتين تركزان بشتى السبل في تأمين احتياجاتهما من النفط الإفريقي، وتقليل الاعتماد على النفط الروسي، كما ينطبق على اليابان والهند وفنزويلا وكوريا الجنوبية، وعلى سبيل المثال تحصل الهند على 16% من وارداتها النفطية من منطقة خليج غينيا.

والجدير بالذكر أن الشركات الغربية العاملة في إنتاج النفط وتصديره تستأثر بالنصيب الأكبر من عائدات النفط، فطبقاً لنظام توزيع الأرباح النفطية في إفريقيا؛ فإن الدولة التي يُستخرج منها البترول تحصل على ما بين 30% إلى 35% من إجمالي الأرباح، في حين يعود الباقي على الشركات المستغلة، وذلك بعد خصم التكاليف المتعلقة بالمنشآت ووحدات الإنتاج والصيانة.   

رابعاً: أهمية النفط الإفريقي في الاستراتيجية الأمريكية:

تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين احتياجاتها من النفط، وتنويع مصادر الواردات، في ضوء خبرة الأزمات العنيفة التي عرفها سوق النفط العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي، وشيوع استخدام النفط سياسياً، وتزايد الاستهلاك الأمريكي من النفط، بالتزامن مع تناقص الإنتاج الأمريكي أيضاً.  

ومن ثم سعت واشنطن إلى السيطرة على منابع النفط في العالم، ودأبت على اتباع ما عُرف باسم «مبدأ كارتر»، الذي استحدث للمؤسسة العسكرية دوراً محورياً في التصدي لتهديد تدفقات النفط، كما أنها اتخذت موقفاً معادياً من سياسات منظمة «أوبك» التي ترمي إلى تحقيق التوازن بين العرض والطلب من النفط، بما يحقق مصالح المنتجين والمستهلكين، ثم سمحت بامتداد الذراع العسكرية الأمريكية وراء منابع النفط ومسارات تجارته أيّاً كانت، خصوصاً بعد أن حددت إدارة بوش الابن النفط كمصلحة «قومية استراتيجية» للدولة الأمريكية.

وعلى ذلك؛ فإن الولايات المتحدة تكاد تنفرد بـ «مفهوم خاص لتأمين النفط»، لا تشاركها فيه غيرها من القوى الدولية المنافسة، حيث لا يقتصر ذلك المفهوم على مجرد البحث عن مصادر النفط، وتأمين طرق الوصول إليها، وإنما يشمل أيضاً حماية تلك المصادر من الأخطار أو التهديدات القائمة والمحتملة، والحفاظ على استقرار أسعار النفط، ومنع القوى المنافسة من النفاذ إلى تلك المصادر والاستحواذ عليها([8]).

في هذا الإطار؛ يكتسب النفط الإفريقي أهمية استراتيجية خاصة للولايات المتحدة، حيث بدأت استيراد النفط من القارة منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وقد صدر العديد من التقارير الرسمية والتحليلات غير الرسمية التي تؤكد هذا المعنى.

على المستوى الرسمي؛ أصدر نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني تقريراً في العام 2001م حول السياسة القومية الأمريكية بالنسبة للطاقة، أكد فيه أن «إفريقيا ستكون أحد المصادر الأمريكية المتنامية بسرعة من النفط والغاز»، كما أعلن والتر كانستينر، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الإفريقية في فبراير 2002م أن «النفط الإفريقي أصبح مصلحة استراتيجية قومية لأمريكا»، وكذا صرح رئيس اللجنة الفرعية التابعة للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي بأنه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م يجب التعامل في موضوع البترول الإفريقي على أنه «أولوية بالنسبة إلى الأمن القومي الأمريكي», كما أعلن الرئيس بوش في خطابه عن  حالة الاتحاد عام 2006م عزم الولايات المتحدة الاستغناء عن 75% من الواردات النفطية من الشرق الأوسط, والحصول عليها من مصادر بديلة بحلول العام 2025م.

ومن جهة أخرى؛ صدرت الكثير من التحليلات والتقارير الأكاديمية والإعلامية التي تؤكد أهمية النفط الإفريقي بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية, ومن ذلك إعلان «شركة شيفرون تكساكو»، في العام 2002م، أنها استثمرت خمسة مليارات دولار في إفريقيا على مدى السنوات الخمسة الماضية، وأنها سوف تستثمر 20 مليار دولار في السنوات الخمسة القادمة.

والجدير بالذكر؛ أن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس كانت واحدة من أهم قيادات الشركة المذكورة، كما صدر تقرير عن صحيفة واشنطن تايمز بعنوان «في عيون أمريكا على شبكات الإرهاب، والنفط في إفريقيا»، وكذا تقرير لمجلة الإيكونوميست البريطانية يؤكد أن «النفط هو الغاية الأمريكية الوحيدة في إفريقيا».

وتعود أهمية النفط الإفريقي في الاستراتيجية الأمريكية إلى عدد من العوامل، من أهمها: تمتع الدول الإفريقية المنتجة للنفط بقدر يعتد به من الحرية بشأن سياسات الإنتاج والتصدير والأسعار، حيث إن معظمها لا ينتمي لمنظمة «أوبك»، بالإضافة إلى تراجع إنتاج النفط في مناطق عديدة، وبخاصة خليج المكسيك وبحر الشمال، وذلك في مقابل النمو الكبير في قطاع النفط الإفريقي، ودخول دول جديدة إلى ميدان إنتاج النفط وتصديره، مثل موريتانيا, وتشاد, والصحراء الغربية، فضلاً عن جودة المنتج، وقرب منابع النفط في الغرب والجنوب الإفريقي من السواحل الشرقية الأمريكية، بما يخفض من تكاليف نقله بنسبة تصل إلى 40% بالمقارنة بنفط الخليج العربي, كما أن خطوط نقل النفط من إفريقيا تمر عبر مناطق أكثر أمناً نسبياً من منطقة الخليج والشرق الأوسط، وهي ميزة في غاية الأهمية، خصوصاً إذا علمنا أن حجم الإنفاق الأمريكي من أجل تأمين مصادر النفط في الشرق الأوسط يبلغ نحو 50 مليار دولار سنوياً([9]).  

وعلى ذلك؛ دأبت واشنطن على التدخل في السياسة النفطية للدول الإفريقية، بشكل سري ومعلن أيضاً، ومن ذلك حضّ نيجيريا على الخروج من منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك», كما اتجهت الشركات الأمريكية إلى السيطرة على مناطق إنتاج النفط في القارة، حيث تستورد الولايات المتحدة من القارة أكثر من 770 مليون برميل من النفط سنوياً، وهنا تحتل منطقة غرب إفريقيا أهمية خاصة، حيث تسيطر على الاستثمار في هذه المنطقة شركات أمريكية كبيرة, مثل: إيكسون موبيل Exxon Mobil ، أميرادا هيس Amerada Hess ، شيفرون تكاسكو Chevron Texaco وماراثون أويل Marathon Oil.

واليوم أصبحت الولايات المتحدة تستورد من غرب إفريقيا نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وهي تقريباً الكمية نفسها التي تستوردها من المملكة العربية السعودية، ولعل ذلك هو ما دفع الكونجرس الأمريكي إلى إصدار تقرير أوصى فيه بجعل خليج غينيا «منطقة اهتمام حيوي للولايات المتحدة الأمريكية».

خامساً: أثر النفط في السياسة الأمريكية إزاء إفريقيا:

في ضوء الأهمية المتزايدة للنفط الإفريقي في الاستراتيجية الأمريكية، يمكن اعتبار النفط، بصفة خاصة، والموارد الاستراتيجية الإفريقية بوجه عام، أحد محددات السياسة الأمريكية إزاء القارة الإفريقية، وقد انعكس ذلك في سياسات واشنطن إزاء القارة في كثير من القضايا السياسية والأمنية.

على المستوى السياسي؛ تراجع الحديث عن تهميش الإدارة الأمريكية لإفريقيا، بعد أن تواترت التقارير عن تناقص القيمة الاستراتيجية للقارة بعد الحرب الباردة، وتعددت زيارات المسؤولين الأمريكيين للقارة، وفي مقدمتها جولة الرئيس بيل كلينتون في إفريقيا عام 1998م، وجولة وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في إفريقيا في العام نفسه، ولقاء الرئيس جورج دبليو بوش مع رؤساء 11 دولة إفريقية من دول إفريقيا الوسطى والغربية في سبتمبر 2011م، وجولتا بوش في إفريقيا في يوليو 2003م، وفي نهاية 2008م، وزيارة كولن باول وزير الخارجية الأمريكي للجابون عام 2002م، في زيارة هي الأولى لوزير خارجية أمريكي لهذه الدولة البترولية الواعدة.

واستمر الأمر نفسه في عهد الرئيس باراك أوباما، الذي زار غانا في يوليو 2009م، ووجّه لإفريقيا خطاباً شاملاً من منبر البرلمان الغاني، كما قامت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون بجولة في إفريقيا في أغسطس 2009م، وخلال هذه الزيارات كان تأمين النفط، والسيطرة على منابعه بنداً أساسياً على موائد الحوار بين المسؤولين الأمريكيين والأفارقه، وكانت نيجيريا واحدة من أهم المحطات الأساسية في معظم هذه الزيارات، حيث إنها مسؤولة وحدها عن 47% من النفط الذي تحصل عليه الولايات المتحدة من القارة الإفريقية([10]).

كما صاغت الولايات المتحدة مخططات للسيطرة على منابع النفط الواعدة، بأي ثمن، ولو وصل الأمر إلى حد تفتيت الدول الإفريقية، ومن ذلك ما حدث مع السودان، فمع اكتشاف النفط فيها، ووقوع أغلب الآبار في الجنوب، ضغطت واشنطن بكل قوة على حكومة الخرطوم من أجل القبول بالتفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، على أساس الاعتراف للجنوبيين بممارسة الحق في تقرير المصير، وهو ما تم بالفعل في إطار بروتوكول ماشاكوس بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية في يوليو 2002م، وما تلاه من توقيع اتفاق السلام الشامل «اتفاق نيفاشا» في 9 يناير 2005م، وهو الاتفاق الذي مارس الجنوبيون على أساسه حق تقرير المصير، بموجب استفتاء أسفرت نتائجه عن انفصال الجنوب، وقيام دولة جنوب السودان، التي تشكّل بكل المقاييس خصماً من مقدرات دولة السودان، وتمثل مقدمة لانفصال إقليم دارفور، خصوصاً بعد الإعلان عن اكتشاف النفط فيه عام 2005م، بما ينذر بتفتت دول القارة الإفريقية، الأمر الذي يهدد الوحدة الوطنية والسلامة الإقليمية لكيان الدولة في إفريقيا.

واستناداً إلى العامل النفطي؛ يمكن تفسير ازدواجية السياسة الأمريكية إزاء الصراعات الإفريقية، فهي لم تكترث في بادئ الأمر بالصراع الذي اندلع في ليبيريا منذ عام 1989م؛ بالرغم من العلاقات شديدة الخصوصية بين الدولتين، بدعوى أن ذلك شأن داخلي، وأن واشنطن كانت مشغولة آنذاك بحرب الخليج الثانية، بيد أنه مع تجدد الصراع الليبيري مرة أخرى عام 2003م، كانت الإدارة الأمريكية شديدة الحساسية للتهديد الأمني الذي كان يمثله هذا الصراع لمصالحها النفطية في غرب إفريقيا، ومن ثم فقد دعمت تدخل الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس» في ذلك الصراع، وساندت تدخل الأمم المتحدة لحفظ السلم فيها، ووقفت بقوة إلى جانب استكمال جهود المصالحة الوطنية وإعادة الإعمار في ليبيريا، والأمر نفسه تكرر بتفاصيل مشابهة في سيراليون المجاورة لليبيريا.

وفي أنجولا؛ سعت واشنطن لتسوية الحرب الأهلية بين الحكومة وحركة يونيتا المعارضة، مع توالي الاكتشافات النفطية في البلاد، واحتلالها المرتبة الثانية بين قائمة الدول الإفريقية المنتجة للنفط، ومن ثم فهي لم تتورع عن تصفيه حليفها السابق جوناس سافيمبي، زعيم يونيتا، من أجل تهيئة الأجواء لتسوية الصراع، ومن ثم إفساح مجال العمل للشركات الأمريكية التي تسيطر على إنتاج 75% من النفط الأنجولي وتصديره. 

وفي الصومال؛ قدّمت الولايات المتحدة لإثيوبيا كل أشكال الدعم المادي والعسكري والاستخباراتي من أجل الإطاحة باتحاد المحاكم الإسلامية في ديسمبر 2006م، خوفاً من تولي السلطة في الصومال حكومة ذات مرجعية إسلامية، يمكن أن تمثّل تهديداً لمصالحها في القرن الإفريقي، القريب من نفط الخليج العربي.

وفي ليبيا؛ ظلت الولايات المتحدة متوجسة مما يمثله نظام القذافي من تهديد لمصالحها في المنطقة، وفي مقدمتها المصالح النفطية، حيث تنتج ليبيا 1.7 مليون برميل يومياً، ويُقّدر احتياطيها بـ 39 مليار برميل, ومع العقوبات الدولية هجرت شركات النفط الأمريكية السوق الليبية، وفي المقابل حصلت الصين على امتيازات نفطية كبيرة في ليبيا. وبالرغم من استئناف العلاقات الدبلوماسية بين أمريكا وليبيا عام 2006م؛ فإن واشنطن ظلت تتحين الفرصة للإطاحة بنظام القذافي، حتى جاءت الفرصة مع اندلاع ثورة 17 فبراير 2011م.

ولأجل النفط أيضاً لم تكترث الولايات المتحدة بمخالفة ما تروّج له من دعمها لمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية، وقد حدث ذلك في مناسبات عديدة كان أهمها حالة غينيا الاستوائية، التي زاد إنتاجها من النفط الخام بنسبة 70 % في العام 2001م، وقُدّر مخزونها النفطي بـ 2 مليار برميل، حيث تم رفع اسم غينيا الاستوائية من اللائحة الأمريكية السوداء للدول الضالعة في انتهاك حقوق الإنسان، والتي تضم 14 دولة إفريقية، مع الاستمرار في تقديم الدعم لنظامها الحاكم، وإعادة افتتاح السفارة الأمريكية في مالاباو عام 2003م، بعد أن كانت قد أُغلقت عام 1995م في عهد إدارة بيل كلينتون([11]).

وكذا لم تتورع الإدارات الأمريكية والشركات النفطية المرتبطة بها عن تقديم الرشاوى والعمولات، السرية في الغالب، للمسؤولين المحليين في الدول المنتجة للنفط، مقابل الحصول على امتيازات كبيرة في عقود التنقيب عن النفط وتصديره.

أما على المستوى الأمني؛ ففي ضوء التقارير المتزايدة عن الضغوط المتزايدة من جانب الصناعة الأمريكية والجماعات السياسية المحافظة من أجل تأمين مصادر الطاقة في خارج الشرق الأوسط، وحماية من خطر الإرهاب، ومع تعدد التفجيرات التي طالت خطوط البترول في بعض دول غرب إفريقيا، لا سيما منطقة دلتا النيجر، فقد دعمت واشنطن إقامة العديد من الندوات والمؤتمرات حول الأمن في إفريقيا، ومن ذلك مؤتمر معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة، الذي استضافته واشنطن في يناير 2002م، والذي تناول ظاهرة تلازم وجود النفط مع اندلاع الصراعات والحروب، وكذا مؤتمر نابولي حول الأمن في خليج غينيا، والذي عُقد في أكتوبر 2004م بمقر قيادة الأسطول الأمريكي السادس، ومؤتمر أكرا في مارس 2006م.

وبالنسبة للسياسات الأمنية التي اتخذتها الولايات المتحدة لتأمين منابع النفط الإفريقي؛ فأهمها ما يأتي:

1- إنشاء قيادة أمريكية جديدة في إفريقيا:

قررت الولايات المتحدة إنشاء قيادة أمريكية جديدة في إفريقيا، على أن تبدأ هذه القيادة ممارسة مهامها اعتباراً من سبتمبر 2008م، وأن تتولى إدارة وتنفيذ المهام الأمنية الأمريكية في إفريقيا، لا سيما تأمين منابع النفط، ومحاربة الإرهاب، وذلك بعد أن كانت القيادة الأمريكية في أوروبا تضطلع بهذه المهام.

ولأجل إنشاء القيادة الأمريكية في إفريقيا واختيار مقرها، تعددت زيارات كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين إلى إفريقيا، ومن ذلك زيارة قائد المارينز الأمريكية في أوروبا في فبراير 2004م، وزيارة نائب قيادة القوات الجوية في أوروبا([12]).

2- السعى لإنشاء قواعد عسكرية أمريكية في إفريقيا:

استلزمت مصالح الولايات المتحدة في إفريقيا السعي لاتخاذ بعض القواعد العسكرية في القارة، خصوصاً في مناطق التهديد الأمني الوشيك, ومن ذلك قاعدة (كامب ليمونييه) في جيبوتي([13])، ومواقع العمليات المتقدمة في كلٍّ من السنغال ومالي وغانا والجابون، كما تواترت تقارير تشير إلى احتمال اتخاذ دولة ساوتومي وبرنسيب، وهي جزيرة صغيرة في غرب إفريقيا، قاعدة بحرية أمريكية، حيث إنها تحتل موقعاً استراتيجياً في خليج غينيا، وأيضاً حيث توجد حقول النفط الوفيرة في المياه العميقة، حيث بلغ الاحتياطي النفطي المؤكد في الجزيرة نحو 14 مليار برميل([14]).

وفي هذا السياق؛ عُقد لقاء عام 2002م بين الرئيس بوش والرئيس فراديكو دي مينيز، رئيس ساوتومي وبرنسيب آنذاك، كما قام مسؤول رفيع المستوى في القيادة العسكرية الأميركية في أوروبا هو الجنرال كارلتون فولفورد بزيارة الجزيرة في يوليو 2002م من أجل دراسة مسألة أمن العاملين في مجال النفط في خليج غينيا، ودراسة إمكانية إنشاء مركز فرعي للقيادة العسكرية الأمريكية فيها على غرار المركز القائم في كوريا الجنوبية.

3- إطلاق مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء:

أطلقت الولايات المتحدة ما عُرف باسم «مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء»، وذلك عام 2005م، وفي إطار هذه المبادرة أرسلت الولايات المتحدة قوات جوية خاصة إلى بلدان ساحل إفريقيا، شملت كلاً من: موريتانيا، وتشاد، ومالي، والنيجر، لتقديم تدريبات للقوات المسلحة في دول المنطقة لمواجهة الأزمات الأمنية، كما تزايد التعاون العسكري الأمريكي مع كلٍّ من المغرب والجزائر وتونس.

4- المعونات العسكرية واتفاقات التعاون الأمني:

يقتضي تأمين تدفق النفط في بعض الحالات تقديم المعونات العسكرية, وتوقيع اتفاقات التعاون الأمني، في هذا السياق كانت نيجيريا وأنجولا من أكبر الدول المتلقية للمعونات العسكرية الأمريكية في غرب إفريقيا، حيث شملت تلك المعونات: التعزيز بالسلاح, والذخيرة, والخبرة الفنية.

كما حرصت واشنطن على توقيع العديد من الاتفاقيات الأمنية مع دول القارة الإفريقية المنتجة للنفط، ومن أهم هذه الاتفاقيات تلك التي تم توقيعها عام 2005م بين الولايات المتحدة ونيجيريا، لتأمين الملاحة في منطقة دلتا النيجر، وكذا الاتفاقات الموقّعة مع الكاميرون والجابون وغينيا الاستوائية، والتي تتيح للقوات الأمريكية استخدام مطارات تلك الدول.  

وختاماً:

 فبالرغم من وضوح تأثر صنّاع السياسة في الولايات المتحدة الأمريكية بالعامل النفطي، وانعكاس ذلك فعلياً على السياسات الأمريكية إزاء دول القارة، والتي تشكّل تهديداً قوياً لسيادتها الوطنية وسلامتها الإقليمية، فقد دأبت واشنطن على نفي هذا الأمر، وعلى سبيل المثال، نفى كولن باول و وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في مؤتمر صحافي في جنوب إفريقيا نية الولايات المتحدة السيطرة على النفط الإفريقي، مؤكداً أنه ليس للولايات المتحدة أهداف أخرى في إفريقيا سوى تأكيد صداقتها والتزامها بمساعدة الشعوب المحتاجة.

في الواقع لا تعدو هذه التصريحات سوى نوع من الدبلوماسية، أما الحقيقة فهي أن الولايات المتحدة باتت شديدة الحساسية تجاه مسألة النفط الإفريقي، ومن ثم فهي لا تتورع عن استخدام كل الوسائل، بصرف النظر عن مشروعيتها، من أجل السيطرة على هذا المورد الاستراتيجي الحيوي، الذي يعد «إكسير الحياة» للصناعة والنقل في الولايات المتحدة.

ومن ثم فإن الأفارقة مطالبون الآن، أكثر من أي وقت مضى، بالوقوف في وجه المخططات الأمريكية التي تستهدف «النهب المنهجي» للنفط الإفريقي، بما يحول دون تكرار خبرات الماضي الأليم، التي تعرض فيها الأفارقة للنهب المستمر، بدءاً من استرقاق البشر، مروراً بمرحلة الاستعمار العسكري المباشر، والاستعمار الاقتصادي، والاستعمار الثقافي.

ولعل التصدي لتلك المخططات الأمريكية يتطلب من بين أمور عديدة: توثيق التحالف بين الشركات الإفريقية العاملة في مجال إنتاج النفط، وتحسين الشروط المتضمنة في العقود النفطية، بالنسبة للشركات الغربية، فيما يتعلق بالتنقيب، والتصدير، ونسب الأرباح, بالإضافة إلى تدعيم رابطة منتجي النفط الإفريقي، من خلال زيادة عدد أعضائها، وعقد اجتماعاتها بشكل دوري منتظم، والحرص على استقلالها، بما يسهم في تحسين المركز التفاوضي للأفارقة في سوق النفط العالمية، وبما يحول دون التدخل الأمريكي في شؤونها، بهدف التأثير في قراراتها، تلك القرارات التي يجب أن تصدر بالشكل الذي يضمن ويعظم مصالح الشعوب الإفريقية، التي يقبع معظمها تحت خط الفقر؛ بالرغم من أنهم يقطنون قارة تمتلك وحدها زهاء 30 % من احتياطي الثروات المعدنية في العالم.


(*) مدرس العلوم السياسية، نائب مدير مركز الدراسات السودانية، جامعة القاهرة.

([1]) سلوى أحمد مصطفى: النفط في إفريقيا: الحلقة الثانية، جريدة الجرائد العالمية (القاهرة: الهيئة العامة للاستعلامات، 30 مارس 2004م).

([2]) هدى علام (مترجم): خليج غينيا.. الجنة البترولية الجديدة في القرن الحادي والعشرين، جريدة الجرائد العالمية، 16 مارس 2004م.  

([3]) AFRICA WATCH, " Recent data statistics and indicators about oil Production in Africa" , 2001.

([4]) جمهورية مصر العربية, وزارة البترول، تقرير بشأن رابطة منتجي البترول الإفريقية (القاهرة: وزارة البترول، 2010م) www.petroleum.gov.eg/ar/InternationalAffairs

([5]) عبد المنعم طلعت: الهجوم الهادئ: المصالح الاستراتيجية الأمريكية والتهديدات الأمنية في خليج غينيا (القاهرة: بدون ناشر، 2008م)، ص 59.

([6]) US Department of Defense News Transcript , News Briefing, April2002.                   

([7])  Esther Pan, " China, Africa Oil ", Council of Foreign Relations " , No.12, July2006.       

([8])  Keith Somerville, " US Looks to Africa for Secure Oil " , BBC News, 13 September 2002. 

([9]) عبد المنعم طلعت، م.س.ذ، ص ص 74 – 79، وانظر أيضاً:

     US Department of Energy: Energy Information Administration, International Energy Outlook 2002 , April 2002.

([10]) US Department of Origin: Energy Information Administration, US Imports by Country, April 2007.   

([11])  Cora Currier, " The Scramble for Oil ", The Nation, 18 may, 2006.

([12]) شبكة النبأ المعلوماتية، افتتاح قيادة أمريكية جديدة في إفريقيا: تدشين مكان جديد للصراعات الدولية، أكتوبر 2007م. 

([13]) Philippe Leymarie, " Djibouti: A New Army Behind the Wire " , Le monde    Diplomatic, February 2003.   "

([14]) وللمزيد من التفصيلات حول القاعدة العسكرية الأمريكية المقترحة في ساوتومي وبرنسيب انظر:

     عبد المنعم طلعت، م. س.ذ، ص ص 246 - 247.