النخب في شرق أفريقيا: دراسة مستقبلية

  • 7 -10 - 2017
  • إبراهيم ناصر

أ. إبراهيم ناصر – باحث في العلوم السياسة والعلاقات الدولية- السودان

عند الحديث عن النخب في شرق افريقيا من حيث الأنواع والسمات وطرق تأثيرها، فضلاً عن طبيعة العلاقات التي تربطها بالحكومات التي تعمل في إطارها، يبرز لنا موضوع مهم في هذا المجال، الا وهو قدرة هذه النخب على إحداث التغير المأمول منها، فالذي يميز النخب في شرق القار الأفريقية أنها متعددة ومتلونة بأدوارها، وليست نخب ذات طابع واحد كما هو الحال في أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية، فإلى جانب النخب السياسية والاقتصادية والثقافية، تبرز لنا النخب الدينية والقبلية التي مارست أداورا مهمة في حفظ الامن والسلم الاجتماعي، إلى جانب ذلك اخذت هذه النخب تمارس أدورا سياسية مهمة، وبالتالي الذي يتضح لنا هنا هو أنه على الرغم من كون اغلب الانظمة السياسية في شرق القارة ذات طابع شمولي، إلا أن هذه النخب استطاعت ان تفرض نفسها في ظل هذه النُظم السياسية.

تناول البحث توصيفا عاما للنخب في شرق أفريقيا، من حيث المفهوم والأنواع والسمات، وطبيعة العلاقة التي تربطها بالأنظمة الحاكمة، إلى جانب المقارنة بينها في عملية التاثير والتغير في مجتمعها وأدوارها المستقبلية، لقد إنطلق هذا البحث من فرضية مفادها، "أن النخب في شرق أفريقيا وفي ظل الواقع الدولي الجديد، والمتمثل بإلغاء كل الهياكل السياسية القديمة التي تعود بجذورها إلى فترة ما قبل الحرب الباردة، إستطاعت أن تحافظ على وجودها وتأثيرها"، وبالتالي هذا ما كان مدعاةً إلى طرح تساؤل مركزي وهي :ماهي طبيعة الأدوار التي تقوم بها النخب في شرق أفريقيا، وما هو المدى التأثيري الذي نتج عن ممارست هذه الأدوار، وما هو المستقبل الذي ينتظرها؟، وللإجابة على هذا التساؤل تم تقسيم البحث إلى عدة محاور تشكل بمجموعها الإطار العام للبحث، فضلاً عن مقدمة وخاتمة تتضمن بعض الاستنتاجات التي توصل إليها الباحث.

في مفهوم النخب

لغوياً مفردة النخبة متشقة من الفعل الثلاثي نخب، وإذا قيل نخب فلان شيء نخباً، اي بمعنى إنتخبة او إنتقاة او إصطفاة، وبمغنى أخر إذا قيل اُنُتخِبَ فُلان، أي بمعنى أُصطُفِيَ من بين مجموعة من الناس، ويقول "إبن منظور" في قاموس لسان العرب ايضاً ان كلمة النخبة مشتقة من كلمة نخب، وإنتخب الشيء بمعنى إنتقاة وإختارة، ونخبة القوم بمعنى خيارهم، وأصفياؤهم، واصطفى الشيء بمعنى إختارة وإستخلصة[1].

وفي معجم المحيط نجد تعريف النخبة: المختار من كل شيء، وإذا قيل جاء في نخبة أصحابة اي خيارهم او مصطفاهم، اما ما يُقابل كلمة النخبة في قاموس أكسفورد فهي كلمة ((Elite، وتدل على مجموعة فئة إجتماعية معينة متفاضلة على غيرها وذلك لإمتلاكها ميز إجتماعية وإقتصادية وفكرية وسياسية[2].

وكثيرون من عرفوا مفهوم النخبة فمثلا نجد الدكتور علي الدين هلال عرفها بأنها هى تلك الأقلية التى تتمايز عن بأقى أفراد المجتمع من حيث نفوذها وتأثيرها، وهناك تعاريف كثيرة لمفهوم النخبة، فمثلا هناك من يعرفها بأنها مجموعة او فئة قليلة من الناس يحتلون مكانة إجتماعية وسياسية وإقتصادية مرموقة في مجتمعهم.

وبناءاً علي ما سبق يمكننا  ان نعريف النخبة بأنها قلة من الناس هم خيار وصفوة قومهم، حيث تلعب هذه القلة الدور القيادي والمؤثر في محيطها، بناءً على الظروف الإجتماعية والسياسية والفكرية الإقتصادية التي مرت بها تلكم المجموعة البشرية.

أما المفهوم الاصطلاحي للنخب فنجد تفسيره في مجموعة من التعريفات التي ظهرت في العصر الحديث، إذ يعود مفهوم النخب الى أعمال الفيلسوف اليوناني أفلاطون عندما تحدث عن ضرورة ان يحكم المجتمع فئة قليله/ او  جماعة من الأفراد النابهين. لكن التصور الإجتماعي والسياسي لمفهوم النخبة الحديث يرجع الى دفاع المفكر الفرنسي سان سيمون ((Saint Simon عن حكم العلماء ورجال الصناعة إلا أن مفهوم النخب مؤخراً أخذ معاني ومضامين متنوعة، وبالخصوص عندما أقر هو الأخر مسالة الفروق الطبيقية وأكد التفاوت بين الفقراء والإغنياء. مما حدا أتباعة في بعد على دفع الفكرة نحو الإشتراكية[3].

أنواع النخب في شرق أفريقيا:

عندما يكون موضعنا النخبة في منطقة شرق أفريقيا، يعني ذلك التطرق الى مجتمعات ودول مختلفة عرقياً وثقافيا ودينياً، وهذا ما يُصَعِب مهمت بحثنا، بمعنى أخر دول منطقة شرق أفريقيا هي دول تحوي كيانات مجتمعية وديانات مختلفة، بالرغم من بعض التداخل العرقي والديني بين بعضاً من الدول، على سبيل المثال التداخل العرقي والديني بين السودان واريتريا وكذلك بين إثيوبيا وإريتريا، والصومال وإثيوبيا، وجيبوتي والصومال والصومال وكينيا. ويمكننا تصنيف النخب في منطقة شرق أفريقيا الى الأتي:

اولاً: النخبة السياسية:

 تعتبر النخبة السياسية ظاهرة مجتمعية ملازمة للمجتمع البشري عامة، و تمثل في الوقت ذاته ضرورة تنظيمية تفرضها الخصوصية البنائية و الوظيفية للمجتمع السياسي بوجه خاص، فالبشر بطبيعتهم الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم، كما أن متطلبات تنظيم المجتمع السياسي الحديث وتصريف شؤونه، تقتضي ضرورة تقسيم العمل السياسي بين أعضائه بحيث تختص قلة منهم بمهمة رسم السياسات العامة واتخاذ القرارات السلطوية الملزمة[4].

وتاسيساً علية يمكننا القول ان النخبة السياسية تتكون من مجموعة من الأشخاص الذين يساهمون في تدبير شؤون العامة والذين يمتازون عن غيرهم بشجاعة إتخاذ وصنع القرار، وهذه النخب تعمل تحت مظلت أحزاب سياسية في بلدان شرق افريقيا، على سبيل المثال في إثيوبيا مايقارب الستون حزباً سياسياً مسجلاً منها معارضة واخرى داخل الإئتلاف الحكومي، ويعتبر حزب الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية من أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، وكذلك في جنوب السودان فهناك حزب الحركة الشعبية لتحرير السودان والتي تعتبر من اقوى واكبر الأحزاب السياسية فيها.

ثانياً: النخبة الثقافية:

تشمل هذه النخب الكتاب و الروائيون والصحفيون والمفكرون والمنظرون والشعراء والفانون، بالإضافة الى أساتذة الجامعات والمعاهد العليا، على سبيل المثال في أوغندا حيث المؤسسة الأوغندا للثقافات المشتركة، وتنشط هذه النخب تحت مظلت هذه الإتحادات والموسسات الثقافية.

ثالثاً: النخبة القبلية:

على غرار المجتمعات العربية مجتمعات شرق أفريقيا يغلب عليها الطابع القبلي، وتُعتبر القبيلة في شرق أفريقيا من أهم الكيانات الإجتماعية والسياسية التي تساهم مساهم كبيره في الدول الأفريقية، فالقبيلة هي مجموعة بشرية غالياً ما تنتمي الى نسب واحد يعود الى جدا واحد، وتتكون القبيلة من مجموعة عشائر وبطون، وفي غالب الأمر افراد القبلية تعيشون إقليم واحد يعتبرونه موطنهم، ويخضعون لإمرة  شخص يطلق عليه إسم شيخ القبيلة او ناظر القييلة. وبذلك  يمكننا ان نقول النخب القبلية في شرق أفريقيا تتكون من شيوخ القبائل او النظار وشيخ العشيرة ويطلق عليهم أعيان القبائل. وهناك قبائل ذات ثقل إجتماعي وسياسي في دولها كمثل قبيلة الدينكا في دولة جنوب السودان، وإعتمادها على ثقلها السياسي والإجتماعي وإضطهادها الى بقيت القبائل ادى الى إنفجار الوضع في جنوب السودان.   

رابعاً: النخبة الدينية:

تمثل النخب الدينية مشايخ ووجهاء الطوائف الدينية، وعلماء اللاهوت والعقيدة وكل من يشكلون مراجع دينية وأصبحوا زعماء لأتباع تجمعهم رابطة دينية، فمثلاً الحاخامات يُعتبرون نخبة اليهود، كما يُشكل بابا الكاثوليك وكاردينالات الفاتيكان نخبة المسحين، بينما نخبة المسلمين هم الفقهاء، وعلماء الدين وشيوخ الطرق الصوفية[5]. وهناك كيانات للنخبة الدينية في بلدان شرق أفريقيا تعمل في إطارها النخب الدينية، على سبيل المثال المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في أثيوبيا، والمجلس الإسلامي في جنوب السودان، وهيئة علماء الصومال في الصومال.

خامساً: النخبة الإقتصادية:

تضم هذه النخبة أفراد تمكنوا عن طريق التجارة او الصناعة وهم أصحاب ممتلكات وعقارات وشركات وارصدة مالية ضخمة وهم يتجمعون في إتحادات خاصة بهم[6]. بمعنى أخر النخبة الإقتصادية هي النخبة التي تحتكر بيدها عوامل وموارد الإنتاج في مجتمع ما. وإذا بحثنا سبل سبل إيجادها في شرق أفريقيا فنلاحظ ان إيجادها مربوط بالأنظمة المتحكمة في بلدان المنطقة، فمثلاً! معلوم ان النظام الإريتري هو نظام شيوعي، والأنظمة الشيوعية لا تتيح للنخبة تجارية ان تبزغ، لان الحكومة هي من تسطير على عوامل وموارد الإنتاج، وإن أتاح لها البزوغ من الصعب ان تسمح لها ان تتصرف بعيداً عن سيطرته.

سادساً: النخب العسكرية:

لعبت النخب العسكرية دوراً مهما ً في دول شرق افريقيا في نيل إستقلالها من القوى الإستعمارية، حيث أنها لازالت تتصدر المشهد السياسي والإجتماعي في أغلب دول المنطقة فمثلاً نجد في أحدث دوله في المجتمع الدولي اليوم وهي دولة جنوب السودان بفضل مجاهدات النخب العسكرية نالت إستقلالها من جمهورية السودان، ومنذ ان إستقلت تتصدر النخب العسكرية المشهد السياسي والإجتماعي وحتى الإقتصادي في المجتمع الجنوبي سوداني، حتى ان اغلب قادة الحزب الحاكم"الحركة الشعبية لتحرير السودان" في دولة الجنوب هم من النخب العسكرية.  

تاثيرات وسمات النخب في شرق أفريقيا

تختلف كل نخبة عن غيرها في سماتها وميزها التي تمتاز بها، ويمكننا عد سمات النخبة في شرق أفريقيا وتاثيراتها العامة حسب نوعها كما يلي:

النخب السياسية:

1. صنع القرار: تعتبر النخبة السياسية في منظقة شرق أفريقيا هي من تصنع القرارات، ولكن الأمر يختلف من دولة لأخرى حسب الأنظمة الحاكمة، ففي إريتريا النخبة السياسية هي نخبة حزب الجبهة الشعبية هي من تصنع القرارات وهي من تمتلك شجاعة صنع القرار ، اما في بقيت الدول كالسودان وإثيوبيا وكينيا وأوغندا فدور النخبة السياسية في عملية صنع القرار متباينة، على سبيل المثال الأحزاب المعارضة في السودان تعلب دوراً جزئاً في صناعة القرارات، وليس دوراً مهماً  كما حزب المؤتمر الوطني الحاكم.

2.  تحشيد الراي العام: ايضاً النخبة السياسية تعلب دورا ومؤثراً في تحشيد الرأي العام بأنواعه المختلفة (العفوي، الفعال، والمؤقت). على سبيل المثال لعبة النخبة الثقافية السودانية في تحشيد الراي العام من أجل إيقاف الحرب في دارفور، بعقد دورات وندوات  وكذلك حاولت في الصومال تحشيد الراي العام من أجل التفاعل مع القضايا الهامة والمخاطر المحدقة بالبلاد. 

النخب الدينية

 اصدار الفتاوى: النخبة الدينية هي الجهات التي تصدر الفتاوى في شرق أفريقيا، فمثلاً الجهة المنوط بها اصدار الفتاوى في إثيوبيا  هو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.

تنظيم المظاهرات: في حال حدوث تطورات عالمية تهم العالم الإسلامي تحاول هذه النخب الدينية الإسلامية تنظيم تظاهرات من أجل جعل افراد المجتمع يتفاعلون مع الأحداث التي تخص دينهم، فمثلاً هيئة علماء الصومال عندما وقع هجوم إرهابي قرب المسجد النبوي نظمت الهيئة تظاهرت تندد بالهجوم حتى خطب على الجمع القفير رئيس الهيئة الشيخ بشير أحمد صلاد وعبر عن أسفه الشديد للاعتداء السافر.

ترتيب الفعاليات الدينية: الكيانات التي تعمل في إطارها النخب الدينية  هي من تنظم الفعاليات الدينية والاعياد الدينية في بلدان شرق أفريقيا.

النخب الاقتصادية

تاريخياً لعبت الجمعيات الاقتصادية دوراً مهماً في نيل بلدان شرق أفريقيا استقلها من الدول الاستعمارية، ولكن بمرور الزمن تضأل دورها وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لان أغلب هذه الجمعيات كانت تحت سيطرت المد الشيوعي انذاك. واما اليوم لازالت تلعب دوراً سياسيا رغم سيطرة الأنظمة عليها، ومن تأثيراتها:

المساهمة في خلق علاقات خارجياً للدول: أيضا النخب الاقتصادية تعلب دوراً مهماً في خلق علاقات خارجية لبلدها مع دول أخرى، فمثلاً اتحاد اصحاب العمل بجنوب السودان يساهم في توطيد علاقة دولة جنوب السودان بجيرانها.

النخب القبلية

الحفاظ على الأمن والسلم الإجتماعي: تلعب النخب القبلية دوراً فاعلاً في الحفاظ على الأمن والسلم الإجتماعي في أغلب دول شرق أفريقيا، فمثلاً في جنوب السودان يمثل شيخ او كبير القبيلة قاضياً يقضي بين الفرقاء في المجتمع الجنوبي.

لعب الدور السياسي: تحاول النخب القلبية في أغلب دول شرق أفريقيا لعب دور سياسي بالتاثير على النخب السياسية او التقرب منها، على سبيل المثال في جنوب السودان هناك مجلس كبار قبائل الدنيكا وهو منظومة سياسية تحت غطاء قبلي حسب الباحث الجنوب سوداني دينق زكريا ضوم. بمعنى ان هذا المجلس يحاول التاثير على قرارات النخب السياسية في جنوب السودان.

لعب الدور عسكري: أيضا هذه النخب تلعب دوراً عسكرياً في بعض بلدان شرق أفريقيا، فمثلاً في الصومال بعد إنهيار نظام سياد بري في تسعنيات القرن الماضي وإنهيار موسسات الدوله وخصوصاً المؤسسة العسكرية، لعبت النخب القبلية دوراً عسكريا سالباً حتى أصبح زعماء القبائل الى قادة حرب مما ادى الى اطال أمد الحرب في الصومال.

النخبة الثقافية

نشر الوعي الثقافي: هناك جمعيات ومنتديات ثقافية في أغلب بلدان القرن الافريقي، تقوم بإعداد معارض كتاب ودورات ثقافية تحاول من خلالها نشر الفكر والوعي الثقافي بين أفراد المجتمع، على سبيل المثال منتدى الخرطوم الثقافي يُقيم حفلات ومُلتقيات دورية يحاول توعية الشباب السوداني بالثقافية والتراث السوداني.

تفعيل دور الاتحادات الثقافية: تقيم النخب الثقافية دورات ومعارض تحاول عبرها تفغيل دور الإتحادات والجمعات الثقافية في بلدانهم، وعلى سبيل المثال في أوغندا بمبادرات من مجموعة من النخب الثقافية تنظم المؤسسة الأوغندية للثقافات المشتركة معرضا ًسنوياً تسعى من خلاله تسعى الى تفعيل المنظمات الثقافية في البلاد.  

النخب العسكرية:

لعب دور سياسي: تلعب النخب العسكرية دوراً سياسيا بارزاً في أغلب دول شرق أفريقيا، فمثلاً في الصومال لعبت دوراً سياسيا تاريخياً فأخر،حيث كان دورها بارزاً في عهد سياد بري، وايضا في جنوب السودان فيلاحظ ان من يتحكم في القرار السياسي هي النخب العسكرية بدلالات ان رئيس البلاد سلفاكير ميارديت هو من هذه النخبة.  

تقديم المشورة الأمنية للنخب السياسية: ايضا تقدم النخب العسكرية المشورة الأمنية للنخب السياسية الحاكمة، فعندما يتقاعد النخبة العسكرية فنحاول الأنظمة الاستفادة منها بشكل استشارة في المسائل الأمنية.  

 المقارنة بين النخب من حيث التأثير:

عندما تطرقنا الى النخبة السياسية في شرق أفريقيا وضحنا انها تدور في فلك الأنظمة الحاكمة، ولا تستطيع الخروج عن النسق العام الذي تفرضه الأنظمة الشمولية في شرق أفريقيا، فدورها في التنمية السياسية او التأثير والتغير في مجتمعات شرق أفريقيا فهو ليست بالمستوى المطلوب لان الأنظمة هي من أوجدتها، بعبارة اخرى مصير صعود وهبوط مرهون بالقيادة الحاكمة في بلدان شرق أفريقيا.

وبالرغم من مسؤولية الجميع عن واقع الذي تعاني منه مجتمعات شرق أفريقيا، إلا ان ركون النخبة السياسية والدينية والثقافية والقبلية عن قيامها بدورها الطلائعي في عملية التغير والتأثير على أفراد المجتمعات فمسؤوليتها أكبر، لذلك تعتبر شريكة الأنظمة الشمولية في الواقع الذي تعاني منه مجتمعات شرق أفريقيا. مع العلم ان دورها هو صناعة الأفكار ومحاربة الفساد والتوعية بالأخطار المحدقة بالأوطان وتعميم المعرفة الثقافية والسياسية والدينية والتجارية في الوسط الاجتماعي وهذا لا يتحقق على النخب في شرق أفريقيا. بالرغم من اننا نؤمن بان النخبة في شرق أفريقيا لا تقوم بالدور المرجو منها كاملاً، لكننا نلحظ مما تقدم ان النخب السياسية تعد من أكثر نشاطاً وتأثير في عملية التغير والتأثير على الأفراد في مجتمعات شرق أفريقيا، ولان الأنظمة  هي من اوجدتها كما اسلفنا، فبدلاً من ان تساهم في عملية التغير والتأثير على أفراد مجتمعها تساهم في حماية أنظمتها.

واما النخب الأخرى  فيُلاحظ ان النخبة الثقافية تتمتع بصيص من الحرية في بعض الدول في شرق أفريقيا فيمكنها ان تلعب دورها الفكري في عملية التغير والتاثير، ولكن في دول كإريتريا يصعب لها المساهمة في عملية التاثير والتغير لتّحكم النظام في مفاصيل الحياة.

ما طبيعة العلاقة فيما بينها وبين الحكومات، هل هي علاقات تقاطع؟ أم علاقات تكامل؟

علاقة النخب بالأنظمة:

وتأسيساً على ما سبق يمكننا استخلاص طبيعة العلاقة بين النخبة والحكومات في شرق أفريقيا، فعلاقة النخبة السياسية بأنظمة الحكم فهي تكاملية، لان الأنظمة في شرق أفريقيا، حيث لا تسمح الأنظمة السياسية للنخب السياسية بلعب الدور المناط بها، فالنخبة دائما ما تحاول الحفاظ على العلاقة التكاملية مع الأنظمة بدلاً من التصادم معها، ولان الأنظمة دائماً ما تُنكيل التي تحاول التأثير والتغير في مجتمعها، وتوقف نشاطاتها او تصادر دورها او صحفها السياسية،  مثال لذلك إثيوبيا عندما تظاهرت المعارضة ضد نتائج انتخابات 2009 قامت النظام الإثيوبي باعتقالات واسعة بين الصحفيين السياسيين والساسة المعارضين[7] .

واما عن علاقة النخب القبلية بالأنظمة الحاكم فهي تكاملية، على سبيل المثال قبيلية الدينكا في جنوب السودان هي جزء النظام الحاكم هنالك، اما علاقة النخب الدينية بالأنظمة ايضا تكاملية لأنها تحاول دعم شرعية الأنظمة، فمثلاً المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، حيث سنم النظام الإثيوبي عليه أقلية الأحباش من أجل ضبط المسلمين في إثيوبيا، فهناك عملية تكامل بين النظام الإثيوبي ومجموعة الأحباش، فالأحباش يريدون تعميم فكرهم في وسط المسلمين في إثيوبيا والنظام الإثيوبي يريد من يضبط له الحراك الإسلامي هناك حيث وجد ضالته في مجموعة الأحباش صاحبة الفكر الوافد على المجتمع الإثيوبي المسلم ومن هذا المنطلق يمكننا عن توصيف العلاقة بين النظام الإثيوبي والنخب الدينية بأنها تكاملية، وأما علاقة النخب الثقافية بالأنظمة فهي يمكن وصفها بالتكاملية مالم تقوم بنشاط سياسي، وإذا ما قامت بأي نشاط لا ترضى عن الأنظمة فمصيرها هو الإيقاف.

علاقة النخب فيما بينها:

وعلاقة النخب القبلية بالثقافية فيمكن وصفها بانها تقاطعية، لان النخبة القبلية ترى في النخبة الثقافية مهددا لمكانتها الاجتماعية باعتبار ان النخبة الثقافية تحاول محاربة ما يسمى بالقبلية والتقليل من شأن النظام القبلي شرق أفريقيا. اما النخب السياسية فعلاقتها بالنخبة الدينية والقبلية فهي شبه تكاملية لان النخبة السياسية دائما ما تحاول كسب دعم النخبة القبلية والدينية في العراك الانتخابي الشكلي والنخبة القبلية ايضا تحاول التأثير على النخبة السياسية وذلك لكسب الدعم المادي والمعنوي منها. فمثلاً الساسة الجنوب سودانيين عندما يخوض السياسي الجنوب سوداني اي انتخابات فيحاول الاستناد على قبيلته. فمثلاً السياسي المخضرم لام أكول رئيس حزب الحركة الشعبية التغير الديمقراطي والذي ينتمي الى قبيلة الشلك، قواعد الحزب هم أيضا من المنتمين الى هذه القبيلة.  

واما علاقة النخب الثقافية بالاقتصادية ففي بعض دول شرق أفريقيا فهي تكاملية ويمكن الاستدلال بمؤسسات الثقافية المشتركة  الأوغندية، حيث نظمت  فعالية وضعت من خلالها مبادئ توجيهية للشركات النفطية، ونقصد بالمبادي التوجيهية تعريف المنقبين بطبيعة وثقافة قطيني منطقة التنقيب، وهذا يعني ان هناك تواصل وعلاقة تكامل بين النخب الثقافية والاقتصادية في أوغندا، وهذا ما لم نشاهد في بقيت دول المنطقة[8].

علاقة النخب العسكرية بقيت النخب فتختلف من بلد لآخر، فمثلاً علاقتها بالنخب السياسية في الصومال وإثيوبيا وأوغندا فيمكن وصفها بالتكاملية،  فعلاقتها بالنخب الاقتصادية فهي تكاملية إن لم تمثل هي النخب الاقتصادية في بعض بلدان شرق أفريقيا، اما علاقتها بالقبلية في الصومال فهي متداخلة ومتكاملة، فلا يمكن الحديث عن علاقةً لها بالنخب الأخرى كالثقافية.

تأملات في طبيعة ادوار النخبة في شرق افريقيا: ما بين حقيقة الواقع وافتراضات المستقبل

صحيح أن الزمن القادم (المستقبل) لم يأت بعد، وهو ما يجعل من الرغبة في معرفة تفاصيله امراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن من (الأمور المستحيلة)، ولكننا على الرغم من ذلك نعتقد بأن الاعتماد على عدد من المعطيات يمكننا من إيجاد الإطار العام له، والتقرب من معرفة تلك الاحتمالات (سيما وان المستقبل أي بما يحفل به من أحداث هو من صنع البشر)، الأمر الذي سيجعل من تلك الاحتمالات امراً قابلاً للحصول، إذا ما توفرت الظروف الموضوعية لحدوث تلك المعطيات، وعند الحديث عن مستقبل الدور الذي ستلعبه النخب في شرق أفريقيا، تطرح ثلاث مشاهد مستقبلية في هذا المجال وهي على النحو الآتي:

مشهد الاستمرارية: يفترض هذا المشهد أن النخب في شرق أفريقيا، ونظراً للطبيعة المعقدة التي تعمل من خلالها، الى جانب التنوع الذي تتميز به بين نخب سياسية واقتصادية وثقافية ودينية وقبلية، سوف تستمر بممارسة نفس الأدوار التي تمارسها في الوقت الحاضر، من حيث التأثير، خصوصا النخب السياسية، التي تعتبر أكثر تأثيرا من غيرها، وبالتالي فإن هذه الفرضية تقودنا الى النقاط الآتية:

اتجاه اغلب الأنظمة السياسية في دول شرق افريقيا الى الاستمرار بإنتاج نخبها الخاصة بها، وذلك لتحجيم الادوار التي تمارسها النخب التي تعمل خارج إطارها وتحديدا في المجال السياسي.

استمرار محدودية الدور الذي تلعبه باقي النخب.

اتجاه النخب الدينية والقبلية الى مد جسور التعاون والعلاقة مع الانظمة الحاكمة.

مشهد التغير: يفترض هذا المشهد أنه نظراً لطبيعة التغيرات التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط خصوصا بعد الحراك الذي أطلق عليه الربيع العربي، إذ عمل هذا الحراك الى إنتاج نخب، أو تفعيل أدوار نخب أخرى كانت معطلة في ظل الأنظمة التي عصف بها هذا الحراك / او الربيع العربي، وبالتالي فإن عملية التغير هذه قد تلامس تأثيرات النخب في شرق أفريقيا، خصوصا وأنها بعض دولها قريبة من ليبيا ومصر التي كانت لهما حصة الأسد من عملية التغير هذه، وبالتالي فإن المستقبل قد يشير إلى تفعيل أدوار النخب في شرق أفريقيا كجزء من عملية تغير أخرى قد تجتاح دول شرق القارة.

مشهد الاستمرارية والتغير: يفترض هذا المشهد أنه ولطبيعة الضغوط التي أفرزتها التطورات الجديدة في منطقة الشرق الاوسط، اتجاه أغلب الانظمة السياسية في دول شرق افريقيا الى احتواء وتفعيل دور النخب فيها، كخطوة لقطع الطريق لأي عملية تغير مفترضة قد تحصل في دول شرق القارة، الى جانب اذابة دور هذه النخب داخل أنظمتها السياسية، وبالتالي تصبح هناك عملية تكامل بين الادوار التي تقوم بها النخب، والادوار التي تقوم بها الحكومات.

الخاتمة

من خلال ما تقدم ذكره، يمكن القول ان النخب في شرق أفريقيا، لعبت أدوار مؤثرة في العديد من المستويات:

على المستوى السياسي: يتضح دور النخب في شرق أفريقيا في هذا المجال، هي أكثر فعالية من النخب الأخرى، وذلك نظراً لعلاقاتها المتميزة من السلطات الحاكمة في أغلب بلدان الشرق الأفريقي، وتعود هذه العلاقة المتميزة بين النخب والحكومات، بكونها وليدتها وتعمل ضمن إطاراها السياسي، كما تتميز النخب السياسية بكونها أكثر نشاطاً من غيرها في عملية المشاركة في صنع القرارات السياسية داخل المجتمعات التي تنشط فيها.

على المستوى الاقتصادي: أما النخب الاقتصادية، فهي وكما هو مبين من عنوانها الرئيس نشطت في المجالات الاقتصادية والتجارية، من خلال الشبكة المميزة للعلاقات التي أنشأتها هي الأخرى مع الأنظمة الحاكمة، وذلك عن طريق رجال الأعمال والشركات التجارية والمؤسسات الاقتصادية العاملة، والتي تعود بالنفع المتبادل بينها وبين الحكومات، فنظراً لسيطرة الحكومات في شرق افريقيا على موارد وعوامل الإنتاج، يبرز دور النخب الاقتصادية من خلال الاستفادة من هذه الموارد وتحويلها إلى فائدة مشتركة بين الطرفين.

على المستوى القبلي: يمكن القول أن النخب القبلية في دول شرق أفريقيا، وبالمجمل لعبت أدواراً مكملة لدور الدولة، من خلال مساعدة الحكومات على بسط الأمن والاستقرار الاجتماعي، إلى جانب ممارستها أدواراً سياسية من خلال دعم بعض السياسيين المحسوبين عليها، إلا أن هذا الدعم يدخل في إطار المنفعة المتبادلة بين الطرفين.

على المستوى الديني: كما أشرنا في أعلاه، تتمثل النخب الدينية في معظم دول شرق افريقيا، من رجال دين مسلمين ومسيحيين، ولعبت هي الأخرى دورا مؤثراً في مجتمعاتها، من خلال الفتوى والإرشاد الديني، كما أنها كان بعضها أخذ يمارس نشاطاً مؤسسياً، من أجل تفعيل دور هذه النخبة وزيادة نشاطها الاجتماعي كما هو الحال المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في أثيوبيا وهيئة علماء السودان، اللذين سبقت الإشارة لهما.

على المستوى الثقافي: برز دور النخب الثقافية في دول شرق أفريقيا، من خلال النشاطات الثقافية التي تقوم بها، سواء عن طريق الملتقيات الثقافية والأدبية التي تنظمها، أو عن طريق المؤسسات التي تنتشر في أغلب هذه الدول، فقد أسهمت النخب الثقافية في إصدار العديد من الكتب والمجلات، التي كان لها الأثر الكبير في توعية وتثقيف المواطن في دول شرق أفريقيا.

على المستوى العسكري: هناك اتقاف بان مهمة الجيوش الحديثة هي حماية البلدان من المهددات الخارجية والداخلية، لا الانشغال بالأدوار السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهذه النخب كما وضحنا في أعلاله فهي تلعب أداراً اقتصادية وسياسية في بعض بلدان شرق أفريقيا، فإذا ما تفاعلت ونشط بقيت النخب في لعب أدوارها المنوط بها لعبها لعل النخب العسكرية تكتفي بلعب دورها الدفاعي عن الأوطان.

المصادر:

[1]  إبن منظور، لسان العرب، ج4/ج6، دار المعارف، القاهرة، ص، ص 2935-4374. في 24.08.2017 http://www.algabiriabed.net/n81_01zenaddine.(01).htm

2 The Oxford Thesaurus, the reader digest complete word Finder the reader’s digest Association limited, London, 1993, p: 476.

3 محمد بن صنيتان، النخبة السعودية دراسة في التحولات والإخفاقات، مركز الوحدة العربية، سلسلة أطروحات الدكتوراة العدد (48)، (2005)، ص: 23.

4. أسامة معقافـي، النخـبـة الحاكـمـة و مسـار التحـول الديمقـراطي دراسـة حالـة تـونس (2010 -1987)، مذكرة التخرج لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية و العلاقات الدولية تخصص: الدراسات المغاربية، جامعة الجزائ،  كلية العلوم السياسية و الإعلام قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية،(2011)، ص: 2.

5.ضياء طارق، ن بوست، في 23.08.2017 http://www.noonpost.org/content/12298

6The Cross- Cultural Foundation of Uganda, in 23.08.2017  http://crossculturalfoundation.or.ug/cultural-institutions-set-guidelines-oil-companies/.

[1]  إبن منظور، لسان العرب، ج4/ج6، دار المعارف، القاهرة، ص، ص 2935-4374. في 24.08.2017 http://www.algabiriabed.net/n81_01zenaddine.(01).htm

2 The Oxford Thesaurus, the reader digest complete word Finder the reader’s digest Association limited, London, 1993, p: 476.

[3] محمد بن صنيتان، النخبة السعودية دراسة في التحولات والإخفاقات، مركز الوحدة العربية، سلسلة أطروحات الدكتوراة العدد (48)، (2005)، ص: 23.

[4] . أسامة معقافـي، النخـبـة الحاكـمـة و مسـار التحـول الديمقـراطي دراسـة حالـة تـونس (2010 -1987)، مذكرة التخرج لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية و العلاقات الدولية تخصص: الدراسات المغاربية، جامعة الجزائ،  كلية العلوم السياسية و الإعلام قسم العلوم السياسية و العلاقات الدولية،(2011)، ص: 2.

[5]عبداالله كبـا، مصدر سبق ذكرة، ص: 219

[6]المصدر نفسه ، ص :220.

[7] ضياء طارق، ن بوست، في 23.08.2017 http://www.noonpost.org/content/12298

[8] The Cross- Cultural Foundation of Uganda, in 23.08.2017  http://crossculturalfoundation.or.ug/cultural-institutions-set-guidelines-oil-companies/.