المياه وقود حروب المستقبل (1999م – 2004م)

  • 20 -10 - 2005
  • رندا عطية سليمان

 

رندا عطية سليمان

randa_suliman2002@yahoo.com

هل يوجد بديل للمياه؟

هذا السؤال قفز إلى عقلي من وسط أحداث العراق، التي هي في حقيقتها صراع من أجل السيطرة على مصادر الطاقة، على الرغم من تعدُّد أنواع الطاقة، من طاقة شمسية إلى حرارية إلى نووية، ولكن بالرغم من هذا فقد ساد أسلوب الصدمة والترويع؛ للسيطرة على نوع واحد من أنواع الطاقة، فماذا يكون الحال لو تحوَّل الصراع إلى صراع حول المياه، التي لا يوجد لها بديل؟ هذا الماء الذي قال عنه الحقّ عز وجل: ?أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ? [الأنبياء : 30]، وماذا سيكون شكل الصراع الذي سيدور حولها؟

وهكذا نجد أنّه ليس ثَمَّة مفارقة في أن الماء الذي هو وقود الحياة هو وقود دمارها وفنائها، فهو نعمة من نعم الله - سبحانه وتعالى - على الإنسان، هذا الإنسان الذي بأنانيته وجهله جعلها نقمة تطول كلَّ مَن حباه الله بمورد ثَرٍّ من موارد المياه، فالماء هو سبب الحياة المباشر بالنسبة للإنسان، والبيئة الطبيعية التي يعيش ويعتمد عليها، وازدادت أهميته مع الازدياد السكاني الكبير في العالم، تزامناً مع مرور موجةٍ من الجفاف والتصحّر خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي وحتى الآن، وهو الشيء الذي أدَّى إلى عدم توازن بين ما هو متاح من المياه، وما هو مطلوب لتلبية احتياجات سكان كوكب الأرض.

كميّة المياه:

نجد أن 75% من مساحة الكرة الأرضية هي عبارة عن مياه، و 25% يابسة، والمياه الصالحة للشرب على سطح الأرض هي 2% فقط، ويقوم الإنسان والحيوان والنبات باستهلاك 0,4% منها، وتضيع 0,3% أدراج الرياح نتيجة التبخُّر، والشيء الذي لا يختلف حوله خبراء المناخ أن درجة حرارة الكون مرشّحة للارتفاع بمقدار 0,7%.

مشكلات المياه:

مشكلة التبخّر مع امتداد حالة الجفاف التي يعيش فيها العالم، وكمثال نجد أن هناك 18 مليار متر مكعب فاقداً سنويّاً للمياه في جنوب السودان؛ بسبب أعشاب النيل، كما أنها تعاني أيضاً مشكلة التلوث؛ بسبب رمي المخلّفات الصناعية في الأنهار والبحيرات، وأيضاً قرب المياه العذبة من البحيرات؛ مما أدَّى إلى تداخل المياه المالحة معها، وهو الشيء الذي أدى إلى تملّح هذه المياه الجوفية، مع صعوبة استخدامها للشرب أو الزراعة أو الصناعة إلا بعد تحليتها، وهذه عملية شاقة ومكلفة؛ لأنها تتطلب الشيء الكثير من المال.

والإنسان أيضاً ساهم في هذه المشكلات؛ فهو يقوم بتبديد المياه في أشياء ذات طبيعة مرفّهة، فقد أشار بعض الخبراء إلى أن المخزون الاستراتيجي الجوفي لكميات المياه في جنوب الولايات المتحدة قد انخفض إلى النصف تماماً؛ بسبب أن الولايات تهدر يوميّاً ما مقداره 1,3 بليون لتر من المياه الجوفية لبحيرات الاستحمام، والنوافير، وأشجار الزينة، وميادين الحشائش، وحذَّر الخبراء من أنّ الاستمرار في استهلاك المياه - وَفْقاً للمعدلات الحالية - يجعل الولايات المتحدة عرضة للجفاف في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي.

وفي تقرير بثته «وكالة تيرفند للتنمية»؛ بيّنت أنّ اثنين من كلّ ثلاثة أشخاص سيعانون نقصاً حادّاً في المياه بحلول عام 2025م، وأضاف التقرير أن المعروض من المياه في العالم لا يمكنه مسايرة الطلب المتزايد عليه، وزاد التقرير أن استهلاك المياه زاد ستة أمثال ما بين عامي 1990م - 1995م، وتوقَّعت الوكالة أن تنفد مياه الهند الجوفية بحلول 2015م، وأن تتقلّص بحيرة تشاد بنسبة 95% خلال الـ 38 عاماً القادمة، برغم أنها تخدم 20 مليون نسمة في ست دول، ودعا التقرير إلى الاستثمار في مشروعات المياه ومواردها، ومضاعفة الجهود لتقليل الانبعاثات الحرارية الناجمة عن ظاهرة الاحتباس الحراري بحلول عام 2012م[1].

وفي آخر تقرير صادر عن الأمم المتحدة، والذي يحمل عنوان: (تحديات العالم فرصة للعالم)، أوضح أنّ 40% من سكان الأرض يواجهون نقصاً في المياه، وبحلول عام 2025م سيواجه نصف سكان الأرض نقصاً خطيراً في المياه[2].

ومن خلال كلّ ما تقدّم، إن حسمت معركة النفط، نجد أنّ المياه مرشّحة - بل هي فعلاً - بأن تكون سبباً مباشراً في قيام حروب المستقبل المنظور، فها هو ذا جويس ستار الخبير الأمريكي في شؤون المياه يرى «أنّ لتر الماء سيصبح أغلى من لتر النفط، وتوقع أنّ تنشب النزاعات حول المياه»، وبالنظر إلى الخريطة الدولية نجد أنّ هناك الكثير من القنابل المائية الموقوتة.

وحتى يشعر العالم بخطورة الوضع صرَّح رئيس مؤتمر دبلن المنعقد في 2/2/1994م أنّ صدمة النفط في السبعينيات كان لها أثر لا يُستهان به في حفظ الطاقة، وربما نحن بحاجة إلى صدمة مياه؛ لكي يشعر العالم أكثر بمشكلتها.

الدور الأجنبي في تفجير النزاعات وتحريكها في منابع النيل:

ولأنّ المياه هي عصب الحياة بالنسبة للإنسان وللزراعة وفي الصناعة، بما يتولّد عنها من طاقة كهرومائية، والتي تُعَدّ من أرخص أنواع الطاقة، من أجل هذا نجد أنّ الدول الكبرى، والتي لديها أطماع وأجندة خفية في منابع المياه، أصبحت تقوم بخلق النزاعات في المنابع وتحريكها؛ حتى لا تستفيد منها شعوبها، وحتى تكون مخزوناً استراتيجياً مستقبلياً لها.

إفريقيا (البحيرات العظمى):

ويظهر هذا الأمر جليّاً في منطقة البحيرات في إفريقيا، إفريقيا هذه القارة البكر، والتي تتمتع بموارد مائية عظيمة لم يُستغلَّ إلا جزء يسير منها، ويكفي لكي ندلِّل على ذلك أنه في دراسة خاصة لمصادر المياه في العالم، في ورشة قضايا البيئة والزراعة التي عُقدت في عام 1997م، بيّنت أنّ السودان (سودان ميشاكوس، وأخيراً وليس آخراً نيفاشا!) هو الدولة الثالثة من مصادر المياه في العالم بعد كلٍّ من: العراق المحتل أمريكيّاً والمنهوب إسرائيليّاً، وموريتانيا المطبَّعة والمخترقة إسرائيليّاً.

وقد أكدت تقارير إفريقية أنّ إسرائيل بمساعدة أمريكا نجحت في تأمين سيطرتها على بعض مشاريع الري في منطقة البحيرات العظمى في القارة الإفريقية، وأشارت إلى أنّ تل أبيب قدّمت دراسات تفصيلية لبناء ثلاثة سدود كجزء من برنامج شامل؛ لإحكام السيطرة على مياه منطقة «البحيرات العظمى»، والتي تُعَدّ من أكثر مناطق القارة تمتعاً بكميات عظيمة من المياه.

هذا بجانب تزايد معدَّل النشاط العسكري في القارة، وخلق مناطق أزمات، وتأجيج نيران الحروب الأهلية، حيث تفيد التقارير أنّ إسرائيل تعمد إلى تزويد الأطراف المتنازعة في عدد من الدول الإفريقية بالأسلحة، وذلك في نطاق الخطة الرامية إلى تفجير الصراعات العرقية والإثنية؛ لخلق حالة من عدم الاستقرار في تلك الدول.

وقد حذّر خبراء سياسيون مصريون من الأخطار المحتملة من التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا، فها هو ذا الكاتب والمحلِّل المصري المعروف (محمد حسنين هيكل) يقول: «إن هناك إرهاصات أولية لحدوث خطر محتمل من الجنوب حيث منابع النيل؛ نتيجة للمؤامرات الإسرائيلية»، وأشار (هيكل) إلى أن هناك مخططات أمريكية لتفتيت كلّ الكيانات المؤثِّرة في العالم، واعتبر ما يحدث في دول البحيرات العظمى (رواندا، وبوروندي، وزائير، وغيرها) مقدّماتٍ لتفتيت هذه النّظم (والتي فُتّت بالفعل الآن)، وتؤكد الدوائر السياسية في القاهرة أنّ مصر أكثر الدول اهتماماً بالنشاط الإسرائيلي شرقاً، خصوصاً في إثيوبيا وإريتريا، بجانب مناطق جنوب القارة ووسطها.

وتشير الدوائر إلى أنّ هذا يفسّر حالة عدم الارتياح في القاهرة للتأييد غير المحدود الذي يبديه النظام الإريتري لعناصر المعارضة السودانية في أراضيه؛ إذ ترى مصر أنّ ذلك يشكل تهديداً حقيقيّاً على منابع النيل، ويمهّد السبيل لإسرائيل للوصول لهذه المنابع، خصوصاً أنّ اتفاقية (ميشاكوس) تتم تحت رعاية وغطاء أمريكي.

والذي لا يخفى أنّ مصلحة إسرائيل وأمنها تقدّم على كلّ ما سواها، مثلما صرح بذلك وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في الاجتماع السنوي لمنظمة (إيباك) في شهر أبريل 2003م، كما أن الولايات المتحدة تسعَى للسيطرة على هذه المنطقة الحيوية من القارة، وذلك من خلال وضع أنظمة موالية لها على سدة الحكم، وإحياء النعرات القبلية والإثنية، مثل دولة التوتسي الكبرى، والذين قامت أمريكا بدعمهم بالسلاح في المجازر وعمليات التطهير العرقي في كلٍّ من رواندا وبوروندي، وأخيراً زائير.

وها هي ذي تسعى لإدخال مفهوم (الأفريقانية) في ثقافة دول القارة، وما زيارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون - بالرغم من أزمته الأخلاقية السياسية، والتي أوشكت أن تودي بما تبقّى من فترة رئاسته - في نهاية تسعينيات القرن الماضي إلا تأكيدٌ لهذا الرأي، فأمريكا تريد إقامة قاعدة صناعية في منطقة وسط القارة وجنوبها؛ ففي الوسط تستفيد من الموارد الموجودة، وفي الجنوب تستغل المواني لحمل هذه الموارد إليها.

وهكذا؛ نرى أنّ الاستعمار قد تشكّل بهيئة جديدة في ظلّ النظام العالمي الجديد، لقد أصبح استعماراً أقلّ تكلفة، إنّه الاستعمار الاقتصادي بأبشع صوره؛ وذلك لأنه يستغل أرواح الشعوب، أما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001م فنجد أن الاستعمار قد عاد بوجهه القديم، بل أكثر دمامة وبشاعة.

إفريقيا (جنوب السودان):

وبما أن السودان يقع في قلب القارة الإفريقية، مع تمتعه بمصادر مائية عظيمة ومتعددة، ففيه يتشكّل نهر النيل من مياه النيل الأبيض، والذي تقع كلّ روافده داخل السودان، والنيل الأزرق الذي ينبع من الهضبة الحبشية، زيادة على وجود الأنهار، والبحيرات الصغيرة، والمياه الجوفية، والتي لم تُستخدم بشكل كبير بعد، وكميات الأمطار الكبيرة، والتي تهطل في أغلب أجزائه.

ومن أجل كلّ هذا توجهت بسؤالي للبروفيسور حسن مكي (الخبير في شؤون القرن الإفريقي): هل - بوصفكم خبيراً في شؤون القرن الإفريقي - ترون أنّ السودان مرشّح للدخول في دائرة حرب المياه مستقبلاً؟ فأجابني بنعم! وذلك لأنّ السودان يتمتع بكميات وفيرة من المياه ومواردها، هذه المياه التي تعاني دولة إسرائيل نقصاً حادّاً فيها.

وأنا أرى أيضاً أن حرب البحيرات التي اندلعت تُعَدّ المياه سبباً رئيساً من أسباب اشتعالها، وأجد أنّ الحلّ يكمن في أن ينظر قادة الدول الإفريقية إلى ما فيه فائدة شعوبهم، وأن يتفقوا على وضع اتفاقيات عادلة ما بين دول المنبع والمصبّ.

ولعلّ في إجابة البروفيسور (حسن مكي) ما يسوّغ القلق والتململ المصري الرسمي تجاه الاتفاق الإطاري ومباحثات (ميشاكوس) الجارية الآن ما بين الحكومة السودانية وحركة جون قرنق (التمرد سابقاً)، والتي لا يخفى على أحدٍ ما لهذه الأخيرة من علاقات وطيدة مع إسرائيل، تلك التي تطالب بحصة من مياه النيل، كيف لا، وحدود إسرائيل التوراتية هي إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل؟! (وقد سقط نهر الفرات في قبضة الكاوبوي الأمريكي، ولكن يبدو أن المقاومة العراقية قد قامت بثقب جيوبه؛ مما أدى إلى تسرّب كرامته، وبعثرتها في أرض حمورابي).

وقد صرَّح وزير الزراعة السوداني، في أثناء خطابه في الاحتفال باليوم العالمي للمياه في عام 1997م، أنّ ما يدور في منطقة البحيرات من اضطرابات وعدم استقرار سببه الصراع حول المياه كقاسم بين دول المنطقة، وأن بعض الدول الأجنبية تسعى لتنفيذ أجندة قديمة للسيطرة على منابع النيل.

كما رفض السودان اشتراك إسرائيل في مياه النيل، هذا ما قاله وزير الري السوداني، مضيفاً أنّ مياه النيل حقٌّ مشترك لدول حوض نهر النيل، وأشار إلى أنّ الحروب القادمة هي حروب المياه، ومَن ينظر مليّاً لحرب الجنوب يجد أنّ من أسباب استمرارها المياه؛ لأنه بسببها توقف العمل في قناة «جونقلي» التي كانت ستقلل نسبة الفاقد من المياه بسبب التبخر، ونجد أنّ الأيدي الإسرائيلية ليست بعيدة عن هذا الأمر.

الشرق الأوسط (إسرائيل وسرقتها للمياه العربية):

أزمة المياه جزء لا يتجزأ من الصراع العربي الإسرائيلي، ويُعَدّ من أخطر المواضيع التي تعانيها منطقة الشرق الأوسط، هذه المنطقة التي تتصف بأنها جافة إلى شبه جافة، مواردها المائية محدودة، تزايدها السكاني كبير نسبيّاً إذا ما قورنت مع تزايد السكان في مناطق مختلفة من العالم، ولموضوع المياه مظاهرُ مختلفة، أهمها كيفية الحفاظ على الموارد المائية.

وقد حذَّرت دراسة دولية من نقص المياه في الشرق الأوسط، مبيِّنة أنّ ذلك يعدُّ من أخطر التحديات التي تواجه التغذية في هذا الإقليم، وقالت الدراسة التي أصدرتها منظمة الأغذية والزراعة الدولية (فاو) حول نقص المياه في الشرق الأوسط - أو الشرق الأدنى كما هو شائع - بمناسبة اليوم العالمي للمياه: «إنّ المعدل السنوي لهطول الأمطار هناك يبلغ 205 ملم، وإن موارده المائية لا تمثّل سوى اثنين في المائة من سطح العالم».

وذكرت الدراسة أنّ الإقليم الذي يقطنه 6,2% من عدد سكان العالم، هو من أكبر أقاليم العالم معاناة لندرة المياه؛ حيث لا يتمتع إلا بنحو 5,1% من المياه العذبة المتجددة في العالم، وأضافت بأنّه من بين 21 دولة تعاني ندرة المياه، 12 دولة منها موجودة في إقليم الشرق الأدنى، ومعظمها في حوض البحر الأبيض المتوسط، وذكرت الدراسة أنّ هذا الإقليم قد تعرض خلال العشرين عاماً الماضية لفترات طويلة من موجات الجفاف، التي كانت تمتد أحياناً لأكثر من سنة كاملة؛ حيث كانت في أفغانستان والأردن والمغرب.

وذكرت الدراسة أنّ إيران شهدت جفافاً شديداً في الأهواز والبحيرات المعروفة دوليّاً؛ مثل أهواز (هامون) التي أصبحت جافة تماماً، مضيفة أنّ أصناف المحاصيل التقليدية التي تشكّل الغذاء الأساسي للسكان في المناطق الجافة في السودان تعرضت للانقراض.

لهذا يذهب الباحثون الاستراتيجيون إلى أنّ حرب النفط قد انتهت في المنطقة، وقد تأكد ذلك بعد حرب الخليج الثالثة، وأنّ الصراع على المياه في الشرق الأوسط سيكون المدخل لمعظم حروب هذا القرن، فالأطماع الصهيونية جزء أساسي في المشروع الإسرائيلي المتكامل؛ فها هم أولاء مؤسسو الكيان الصهيوني يعلنون ذلك، وأبرزهم «ديفيد بن جوريون» الذي قال في عام 1955م: «إنّ اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه، وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل».

وفي كلّ يوم نسمع عن سرقة جديدة للمياه يقوم بها العدو الصهيوني، فقد كشف تقرير أن إسرائيل استطاعت الاستيلاء على ونهب 80% من مصادر المياه العربية؛ كي تؤمِّن نحو 40% من مجموع احتياجاتها، فقد قامت بتحويل مجاري الأنهار اللبنانية الثلاثة (الوزاني، والحاصباني، والليطاني) إلى داخل صحراء النقب تحت حماية جيش سعد حداد، وأصبحت إسرائيل تحصل على 67% من احتياجاتها المائية من المصادر العربية، فهي تأخذ 35% من احتياجاتها من نهر الأردن، و 22% من مياه هضبة الجولان، و 10% من مياه أنهار الجنوب اللبناني.

وبرغم ذلك فقد قامت بحرمان الفلسطينيين من حقوقهم المائية؛ بحيث تدنّى استهلاك الفرد من المياه لجميع الأغراض إلى 100 متر مكعب في السنّة، بينما ارتفع متوسط استهلاك الفرد في إسرائيل لأكثر من 500 متر لجميع الأغراض.

وهكذا، استطاعت إسرائيل أن تسرق 1300 مليون متر مكعب من المياه العربية، والتي قامت بسحبها من سيناء، ولبنان، والأردن، وسوريا، في حين نجد الدول العربية تعاني عجزاً يبلغ 45% من احتياجاتها بالنسبة لمياه الشرب.

والدليل الواضح على أن إسرائيل تسعى للسيطرة على المياه العذبة العربية أنّ عملية غزوها للجنوب اللبناني في عام 1982م سمّيت «الليطاني»؛ نسبة لنهر الليطاني اللبناني، فإسرائيل تعمل باستمرار على سرقة المياه اللبنانية، وتحولها إلى الأراضي المحتلة، ونهر الليطاني في الجنوب كان وما يزال محطّ أنظار الإسرائيليين منذ عام 1946م، وهي تسعى إلى تحويل مجراه إلى داخل حدود الأراضي المحتلة ليصبّ في بحيرة طبرية.

وقد ذكرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا)، في تقرير قامت بنشره في عمان، أنّ إسرائيل قامت باستغلال نهر الليطاني والوزاني في لبنان عام 1987م، كما شقّت بعد اجتياحها اللبناني الأخير نفقاً بطول 17 كم يربط نهر الليطاني مباشرة مع أراضيها، وقدّرت اللجنة كمية المياه المسحوبة من لبنان بـ 150 مليون متر مكعب.

وكثيراً ما برز الدور الإسرائيلي في محاولات إعاقة جريان مياه النيل؛ وذلك بتحريض إثيوبيا على اتخاذ مواقف عدائية تجاه السودان، وقد أكملت إثيوبيا بناء المرحلة الترابية لسد إماراتي على النيل الأزرق، وبلغت الأزمة المائية ذروتها في عامي 1983م - 1984م، عندما اعتذر وزير الري السوداني عن عدم قدرة وزارته بالإيفاء بالمياه اللازمة لذلك الموسم، الذي تزامن مع ازدياد حدّة الجفاف والتصحّر، وتوقيف أمريكا لبروتوكول القمح السنوي المعتاد للسودان.

كما أشار الخبراء في المؤتمر القومي للمياه المنعقد عام 1992م إلى أنّ الصهاينة يقومون بإجراء دراسات في إثيوبيا لبحث إمكانية إقامة المزيد من المشاريع المائية على روافد النيل الأزرق، كما أشاروا إلى اقتراحات رئيس جامعة تل أبيب (حاييم بن شاها)، ومدير وزارة الزراعة (مائير بن مائير)، ومفوض المياه السابق (مناحم كانتور)، والتي تقضي بأن تمنح مصر إسرائيل حصة من مياهها؛ حيث قام الباحثون الصهاينة بإعداد خطط تفصيلية لنقل حصة من مياه النيل إلى صحراء النقب، وقطاع غزة، والمناطق الصناعية الجديدة.

وقد ذكرت مصادر عربية أنّ إسرائيل تنفذ حاليّاً مشروعاً لمدّ شبكة مياه عبر الجولان المحتلة، وأنّ هذا هو أقوى دواعي إسرائيل للاحتفاظ بها، كما تخطط إسرائيل لتحويل مياه نهر اليرموك الذي يمتد بين سوريا والأردن إلى بحيرة طبرية.

وذكر خبير عربي داخل الأراضي المحتلة أنّ السياسة الصهيونية الجديدة منذ يوليو 1991م، والتي وضعتها لجنة تضم وزراء الحرب والداخلية والمالية والشؤون العربية، تهدف إلى الاستيلاء العسكري والاقتصادي على مصادر المياه العربية لخدمة الاستيطان والصناعة اليهودية، وأنّ اقتصاديّاً يهوديّاً يشرف حاليّاً على تنفيذ خطط جديدة داخل هذا الإطار.

ونجد أن 67% من استهلاك إسرائيل الحالي يأتي من خارج حدودها في عام 1948م بالاحتلال، 35% منها من الضفة الغربية وروافد نهر الأردن، و 32% من الجولان، فإسرائيل تسيطر على ثلاثة منابع تصبّ في نهر الأردن، وهي نهر حاصباني في لبنان، وبنياس في سوريا، ونبع دان في إسرائيل.

وهكذا نجد أنّ مشكلة المياه في الشرق الأوسط لم تبرز إلا مع قيام الكيان الصهيوني عام 1948م، وتهديده للمصادر المائية الأساسية، حتى عندما جرت محاولات الاستيطان الأولى في بلاد ما بين النهرين في مطلع القرن الماضي، فقد كان ذلك يرجع لغناه بالمياه، وأيضاً عندما جرت مشاريع الاستيطان الأولى في العريش كان الاعتماد في التمويل المائي على نهر النيل.

وقد وضع الخبراء العرب تصوّراً لعام 2000م في ضوء زيادة السكان؛ حيث وجد أنّ السكان العرب في حاجة إلى 470 مليار متر مكعب، وأن هنالك عجزاً في الموارد المائية يقدّر بنحو 123 مليار متر مكعب.

وإسرائيل تقوم في إطار سياستها العدائية تجاه الدول العربية بتحريض تركيا لقطع المياه عن سوريا والعراق، والتي تجيء إليها عن طريق الفرات المنحدر من تركيا.

تركيا (سوريا - العراق):

مشروع «جونيدو جو أناضولو بروجيس»، أي مشروع «غابة الأناضول»، يُعَدّ من أكثر المشروعات التركية طموحاً واستثماراً، وأكبرها حجماً من الناحية الإنشائية، مقارنة بالدول المماثلة لها والقريبة منها في نطاق منطقة الشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وتقوم البنية الأساسية لهذا المشروع على إقامة عدد كبير من السدود تبلغ 21 سدّاً، تمثّل شبكة ضخمة متكاملة للريّ، مع إقامة 19 محطة من محطات توليد الطاقة الكهرومائية، كما أنّ تركيا تسعى لحفر أنفاق وبحيرات لتخزين المياه، وتصديرها لدول الخليج والأردن وإسرائيل، مستغلَّة في ذلك مياه نهرَي دجلة والفرات اللذينِ يمرَّانِ في الأراضي العراقية؛ حيث يصبّ النهران في الخليج بمنطقة شطّ العرب، بينما يمر الفرات فقط في الأراضي السورية.

وها هي ذي تركيا تعلن في 7/8/2002م أنها توصّلت إلى اتفاق مع إسرائيل يقضي بحصول إسرائيل على احتياجاتها من المياه الصالحة للشرب من تركيا، وقالت وزارة الخارجية التركية: «إنّ الطرفين اتفقا على أن تشتري إسرائيل من تركيا 50 مليون متر مكعب من المياه سنويّاً لمدة 20 عاماً»، وكانت تركيا قد أنفقت عشرات الملايين من الدولارات لإنشاء محطة ضخّ للمياه، ومصنع لمعالجة المياه على نهر (ماناوغات) الذي يبعد 80 كم إلى الشرق من (منتجع أنطاكية) الواقعة على البحر الأبيض المتوسط[3].

وعندما أرادت تركيا القيام بمثل هذا المشروع الضخم والطموح، كان ذلك من أجل بناء وضعها السياسي والاستراتيجي في المنطقة، ودعماً لمكانتها الإقليمية والدولية، وأيضاً من أجل خلق نفوذ مؤثِّر لها في منطقة الشرق الأوسط، وتطويراً لسياستها الداخلية، تحقيقاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك كوسيلة مهمة يمكن استخدامها بفعالية في تحقيق أهداف سياستها الخارجية الطموحة.

ولا بد أن تكون تركيا قد وضعت في اعتبارها كلّ هذه المعطيات عندما بدأت في تخطيط مشروعها الضخم من الاستغلال الأمثل لثروتها المائية في منطقة جنوب شرق الأناضول، ليس فقط كتجربة جريئة في مجال ما يسمّى «الهندسة الاجتماعية»، ولكن كذلك كعامل اقتصادي كبير له أبعاده الخارجية، وانعكاساته الإقليمية والدولية.

ولكن يبدو أنّ مشروع «غابة الأناضول» التركي أصبح ترجمة لمنطق الغاب، فافتتاح «سدّ أتاتورك» في عام 1997م كان عبارة عن نذير شؤم على المنطقة، فقد صرّح رئيس الوزراء التركي آنذاك قائلاً: «النفط لهم، والماء لنا»، وظهرت بوادر النية السيئة المبيَّتة عندما صدر تصريح من وزارة الخارجية، وليس وزارة الأشغال المختصة بالمياه، يعلمون فيه سوريا بوقف المياه لمدة شهر.

ونجد أن المسؤولين الأتراك في معرض دفاعهم عن أنفسهم يوجّهون تهديداً مبطَّناً لكلٍّ من سوريا والعراق - عراق صدام السابق! - بأنهم لن يفعلوا تحت أي ظرف ما فعله الأمريكيون مع المكسيك، عندما حوَّلوا كليّاً مجرى نهر «كولورادو» عن الأراضي المكسيكية، وكانت التقارير الاستراتيجية الدولية تشير إلى أن سيناريوهات الحروب المقبلة في الشرق الأوسط ستكون بسبب الصراع على المياه، ومما يزيد من تفاقم الأوضاع عدم وجود اتفاقية دولية لتقسيم مياه دجلة والفرات بين تركيا وسوريا والعراق؛ مما يمكِّن أنقرةَ من استخدام سلاح المياه، وتوظيفه في مجال الضغط السياسي وقتما تشاء.

ومن خلال كلّ ذلك نجد أنّ العَلاقات السياسية بين هذه الدول كثيراً ما تنعكس على معدلات جريان المياه في نهري دجلة والفرات.

خطورة الوضع:

وهكذا نجد على ضوء كلّ هذه المعطيات السابقة أنّ مشكلة المياه أصبحت مُهدِّداً من مهددات الأمن القومي، سواء على المستوى العربي أو الإفريقي، ففي إفريقيا نجد أنّ إثيوبيا تقوم باللعب بورقة المياه من حين لآخر ضدّ مصر والسودان، ولكن وجود «اتفاقية مياه النيل» الموقّعة بين هذه البلدان الثلاثة في عام 1959م تحدُّ من حركتها في هذا المجال، ولكن منطقة البحيرات ما زالت تحمل بذور انفجارها في أي لحظة.

ونجد أنّ السودان برغم تمتعه بكلّ هذه الموارد المائية الكبيرة فهو لا يقوم باستغلالها الاستغلال الأمثل، فنصيب السودان حسب اتفاقية مياه النيل عشرون مليار متر مكعب، يستغل منها 18 مليار متر مكعب، ويوجد مليارَا مترٍ مكعب غير مستغلة؛ وذلك لعدم وجود مواعين وسدود لتخزين الفائض المتبقي من مياه النيل، وهذا خطأ يجب تداركه ومعالجته سريعاً؛ لأننا نهدر ثروة تزداد قيمتها في كلّ يوم، وأصبحت الدول تخطط لشنّ الحروب المستقبلية من أجلها، كما أن علينا الاستفادة من مياه الفيضانات والأمطار؛ وذلك بتخزينها لوقت الحاجة.

أما على مستوى العالم العربي؛ فنجد أن خطورة الوضع تكمن في أن منابع المياه تقع خارج الأراضي العربية؛ فهي تقع داخل أراضي دول ذات أطماع توسُّعية معروفة، ويظهر ذلك بوضوح عندما سلخ لواء إسكندرون من سوريا لمصلحة تركيا؛ فقد سُلخ لغناه بالمياه، أو لوقوعها تحت الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي، والعراق تحت الاحتلال الأمريكي الحديث، فأصبحت هذه الدول تستغل الأهمية الاستراتيجية والحيوية التي تتصف بها المياه؛ لتمارس ضغوطها على الدول العربية، وموقف تركيا خير دليل على هذا، فتركيا حينما قامت بقطع المياه عن سوريا لمدة شهر كامل كان ذاك وسيلة ضغط عليها؛ حتى لا تقوم بمدِّ يد العون والدعم للأكراد الأتراك الانفصاليين، وقد ظهر أثر هذه السياسة حينما قامت تركيا بمطالبة سوريا بتسليمها «عبدالله أوجلان» الزعيم الكردي، أو طرده من أراضيها، وإغلاق قواعد محاربيه، فاستجابت لها سوريا، خصوصاً أنها أصبحت واقعة ما بين المطرقة والسندان - في ذاك الوقت -؛ في ظلّ الحلف الشبح غير المرئي والمحسوس ما بين تركيا وإسرائيل، بمباركة الولايات المتحدة الأمريكية؛ ليظهر ملمح من ملامح النظام العالمي الجديد في صورة إرهاب الدولة، وخطف الأشخاص، من خلال التعاون الكامل بين أجهزة مخابراتهم، وعمليةُ خطف الزعيم الكردي (أوجلان) من كينيا دليلٌ واضح وملموس.

أما بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق؛ فنجد أنّ الأوضاع قد ازدادت تعقيداً؛ فلم يعد إرهاب الدول يتم بالوكالة، بل بإدارة مباشرة من سيد البيت الأبيض وطاقمه، وهكذا نجد أنّ سوريا لم تَعُد فقط بين المطرقة والسندان، بل وضعت فوق السندان، وازدادت المطرقة الملتهبة - وهي اسم قوات حلف الأطلسي بقاعدة إنجرليك التركية - التهاباً واستعداداً للطرق بعد احتلال العراق، وجعله قاعدة أمريكية عسكرية في قلب الوطن العربي، مع إمكانية استخدام سلاح المياه كنوع من الضغط والترهيب؛ من أجل حمل سوريا على التطبيع الكامل مع دولة الكيان الصهيوني، خصوصاً أنّ سوريا أصبحت بين طرفي الرَّحى بين القاعدة الأمريكية البغدادية والدولة العبرية الصهيونية، فنحن نجد أنّ تركيا حينما قامت بقطع المياه عن سوريا لمدة شهر قد أثر ذلك في المناطق الزراعية، وفي قاعدتها الصناعية الكبرى، والتي تعتمد عليها سوريا اعتماداً كبيراً؛ مما أدَّى إلى أن تصاب سوريا بخسائر مادية فادحة.

وها هي ذي الولايات المتحدة الأمريكية اليوم 2/5/2003م تطلب من سوريا حلّ حزب الله اللبناني، وسوريا تجيب بأنها على استعداد للتفاهم، ولعلّ هذا ليس من باب «العاقل مَن اتعظ بغيره»، ولكنه انحناء لا يقصم في وجه عاصفة هوجاء لا عقل لديها ولا منطق، ولربما أجَّلت إسرائيل مواجهتها مع لبنان بسبب المشروع اللبناني لسحب جزء من مياه الوزاني العام الماضي؛ حتى تتيح الفرصة للإدارة الأمريكية للتفرغ للملف العراقي بما تراه مناسباً لمصالحها، والآن بعد أن تمّ إغلاق هذا الملف لصالح أمريكا نجد أنّ إسرائيل تحرص في أي اتفاقية سلم أو استسلام أن يكون أهم بند لديها هو الاتفاق على السياسة المائية بينها وبين الدول العربية التي تقوم بالتطبيع معها، ولعلّ أكثر نقطة أعاقت محادثاتها مع سوريا هي الانسحاب من هضبة الجولان؛ وذلك لأن الهضبة تتمتع بكميات مياه وفيرة تقوم إسرائيل بسرقتها.

التوصيات والحلول:

على الصعيد العربي؛ فنجد أن هناك دولاً عربية تتمتع بمصادر مائية ضخمة؛ مثل سودان ميشاكوس، وموريتانيا التي قامت بالتطبيع المفاجئ مع إسرائيل، والعراق المحتل أمريكيّاً، وأخرى تتمتع بالثروات المادية الضخمة المتمثلة في النفط، كدول الخليج، وإذا ما أمعنا النظر قليلاً في هذه المعطيات، نجد أنّ التكامل الاستثماري هو الحل، وذلك لن يتم إلا عن طريق استثمار دول النفط لجزء مقدّر من أموالها - خصوصاً أنّ النفط سينفد خلال المائة عام المقبلة - في تمويل المشاريع الزراعية والصناعية التي تقوم على المياه والطاقة الكهرومائية، وذلك من أجل الاستفادة من منتجاتها الزراعية في سدّ احتياجات الشعوب العربية، والتي تزداد كثافتها في إيقاع سريع لا يتماشى مع ما هو موجود من موارد مائية أو صناعية، ومن ثَم نجد أنّ كلا الجانبين سيستفيد من هذه العملية الاستثمارية التكاملية، ولكننا نجد أنّ هناك وعياً لدى بعض المنظمات والقيادات العربية، فإننا نجد أنّ المؤتمر الدولي الذي ينظِّمه «مركز زايد للتنسيق والمتابعة» حول (المياه في الشرق الأوسط الآفاق والتحديات)، قام بمناقشة الأمن المائي العربي، وقد شارك في المؤتمر وفد عراقي - قبل انهيار الحكومة العراقية -، قام بطرح ورقة عمل بعنوان: «مشاريع الريّ والتخزين التركية، وتأثيراتها السلبية على العراق»[4].

كما أننا نجد أنّ هناك وعياً لدى بعض القيادات العربية؛ فها هي ذي منظمة الأمم المتحدة تعلن في 18/12/2002م تنصيب الأمير (طلال بن عبدالعزيز) رئيس «برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية» (الأجفند) مبعوثاً دوليّاً خاصّاً للتعريف بمشكلة المياه التي تواجه العالم، وقد تم اختيار الأمير؛ نسبة لتبنيه قضية المياه من خلال (أجفند)، والمؤسسات التنموية الأخرى التي يرعاها بالتعاون مع البنك الدولي والمنظمات المَعْنِية بالتنمية البشرية المستدامة.

ويُعَدُّ تمويل المشروعات التي تهدف إلى توفير المياه النقية في المجتمعات النامية من الأولويات في الاستراتيجية التمويلية لبرنامج الخليج العربي، وقد بلغ عدد المشروعات التي أقرَّ (أجفند) المساهمة في دعمها وتمويلها في هذا المجال (27) مشروعاً بأكثر من ثلاثين مليون دولار.

كما أنّ دور الأمير طلال البارز في التحوّل الإيجابي الذي تحقّق في المملكة العربية السعودية تجاه قضية المياه واضحٌ وملموس؛ فقد حذّر في وقت مبكر من الخطر الذي ستواجهه البلاد إذا لم تحسن التخطيط المستقبلي للمياه، وإذا لم تنتبه لخطر نضوب المياه الجوفية، ودعا قبل عقدين من الزمان إلى أنّ تتخذ الدولة موقفاً جذريّاً وحسناً بالنسبة للمياه، واعتبارها القضية الاستراتيجية الأولى، وأهم مشكلة تواجه البلاد، كما دعا إلى ضرورة وقف زراعة الحبوب التي تستنزف المياه[5].

أما على المستوى الشعبي؛ فنجد أن هنالك تقصيراً كبيراً في توعية الشعوب الإسلامية والعربية بأهمية قضية المياه وخطورتها، ولكن هذا لن يتم إلا من خلال سياسة إعلامية جريئة، فالشيء الملاحظ أن المشكلة على المستوى القيادي العربي تأخذ اهتماماً وبعداً كبيراً؛ لذا على الآلة الإعلامية المسلمة العربية أن تتناول هذه القضية بطريقة موسَّعة؛ حتى تجعلها هاجساً يؤرِّق كلّ مواطن؛ ليسعى إلى الترشيد في استخدام المياه؛ حفاظاً منه عليها لأجيالنا القادمة، وذلك من خلال وضع مقررات دراسية لكلّ المراحل التعليمية تعريفاً بهذه القضية، وتشجيع كلّ الاختراعات والمقترحات التي تؤدي إلى الاستخدام المرشد والأمثل للمياه، وأن تساهم كلّ مؤسسات المجتمع المدني في هذه الحملة، خصوصاً في هذه الأيام العصيبة التي تداد فيها الهجمة الاستعمارية الشرسة على الوطن الإسلامي العربي لنهب خيراته وثرواته، بحجة أنه موطن تفريخ الإرهاب العالمي، وأن تكون السياسة الإعلامية ضاغطة على متخذي القرار السياسي؛ حتى يجعلوا مصالح شعوبهم نصب أعينهم؛ لتكون فوق كلّ اعتبار، أو تحالفات دولية مشبوهة، مع معرفتنا التامة بصعوبة هذا الأمر؛ لأن القرار يأتي في هذه الأيام جاهزاً من البيت الأبيض ترهيباً بإيماءة أو إشارة دون الترغيب بأي جزرة، ولكن لا بد من محاولة الحفاظ على حقوقنا آنيّاً؛ ليسترجعها أبناؤنا مستقبلاً.

* باحثة من السودان.

[1] المصدر: الرأي العام، 25/3/2001م.

[2] الأهرام، قمة الأرض، 17/9/2002م.

[3] موقع نسيج الإخباري.

[4] صحيفة الأسبوع - إدارة المعلومات، وكالة سونا، 15/4/2002م.

[5] صحيفة الرأي العام - الأربعاء الموافق 18/12/2002م.