المطران «دانيال كمبوني» رائد التنصير في إفريقيا (1831م – 1881م)

  • 8 -10 - 2012
  • سيلا علاسان


سيلا علا سان

يُعَدّ المطران «دانيال كمبوني» أول مَن أدخل الكاثوليكية في إفريقيا عامة، وفي السودان على وجه الخصوص، حيث تأثر بالخطابات الحماسية التي كان يلقيها الباباوات في المدرسة التي تربّى فيها، وهو ما جعله يعزم على تكريس حياته لخدمة التنصير في إفريقيا.

كان دانيال كمبوني شخصاً متفائلاً، يقترب من الناس، ويحب التحدّث إليهم، والاستماع إلى مشكلاتهم، كما كان كاتباً متميّزاً، كتب العديد من الرسائل التي تشكّل مرجعاً تاريخياً وأدبياً في الأوساط المسيحية، وكانت مقالاته تجابه معضلات تلك الفترة التي سادت فيها تجارة الرقيق والاستعباد في إفريقيا، يشرح فيها الحالة المأساوية التي كان يعيش فيها سكان السودان.

نشأت مؤسّسات دانيال كمبوني التنصيرية منذ عام 1897م، من أجل تكوين جمعيات تدّعي العمل للعدالة والسلام، وهي تعمل حقيقة على إثارة العداوة والبغضاء، وبخاصة تجاه المسلمين

 

 

كان دانيال كمبوني يعرف أن عمله لن يكون له مستقبل دون تعاون الجهات المعنية، وتضافر جهودها على مستوى التخطيط والتنفيذ، لذلك كان بحثه الدائم عن آراء الآخرين، وعدم اعتبار تلك الآراء تافهة, فيقول: «نحن نعمل جميعنا بدون منافسة في اكتساب أنفس جديدة ليسوع، فنحن جميعنا نمد أيادينا، فنذورنا واحدة، وهدفنا واحد، وعملنا واحد، وهو تنصير إفريقيا بالمسيح» (كتابات 2182).

وفي النهاية؛ فإن روح التعاون والشراكة عند منصِّري كمبوني تأتي من قناعتهم بأنهم يقومون بعمل جليل، تسندهم فيه العناية الإلهية، وأنهم لا ينتظرون ثماراً سريعة، فهي ستأتي فقط من الاستمرارية، ومن المنافسة بين كثير من الهيئات التنصيرية، «إن المرسل في إفريقيا الوسطى يجب أن يفرح بأنَّه بمزيد من العرق وسط الحرمان والصعوبات؛ قد زرع بذوراً، وهي سوف تثمر فقط للمرسلين القادمين بعده، يجب أن يعتبر نفسه فرداً مجهولاً وسط العديد من العمّال الذين يجب عليهم أن ينتظروا نتائج عمل لا يعتمد على قدرتهم الشخصية بقدر اعتماده على أعمال العناية الإلهية الفائقة. وفي كلمة واحدة؛ فإنَّ منصِّر إفريقيا يجب أن يعكس أنه يعمل في عمل جليل، ويحتاج المزيد من الجهد والعرق لكي يكون حجراً مخفياً تحت الأرض، ولن يرى النور أبداً، وأنه جزء من الأساس الذي سيكوّن المبنى الضخم والعملاق، وأن خلفاءه فقط هم الذين سيظهرون» (كتابات 2700 - 2701).

النشأة:

وُلد دانيال كمبوني في 15 مارس / 1831م، في مدينة ليمون شمال إيطاليا، وكان أبوه لويس بستانياً في «تيزول»، وهي ملكية واسعة مزروعة من الزيتون، يملكها واحد من أعيان المنطقة، هو الدكتور جان باتست فراري، وكانت الأم دومنيك تهتم بالمنزل، كان دانيال واحداً من ثمانية أبناء يقع ترتيبه الثالث، وهو الوحيد الذى عاش طويلاً حتى تجاوز الخمسين سنة.

دراسته:

في عام 1838م إلى عام 1840م؛ تابع دانيال في قريته منهج الدراسة الموجز للفصلين الأولين، تحت إدارة راعيين متتابعين، هما: الأب رونسيتي والأب كولوسيو، وفي خلال هذين العامين كان والده لويس يلاحظه جيداً، وكان الطفل يبشّر بإمكانات كبيرة؛ ولذا لم يوجّهوه إلى مهنة البستاني مثل أخيه الأكبر فيجيل، ودرس مع الأب ياتوتزي في ليمون.

وفي عام 1841م نجد دانيال في فيرونا يدخل المدرسة العليا التي كان يديرها الأب ريكوبللي، وسكن الطفل بين عائلة صديقة لعائلته، ونجح في امتحانه نجاحاً باهراً.

وفى بدء السنة الدراسية 1842م – 1843م تابع الدراسة في المدرسة الإكليريكية الأسقفية في فيرونا، وكان طالباً خارجياً يسكن مع العائلة التي آوته.

كان والده دائماً يتابعه بالرغم من بعد المسافة، واكتشف أن صحته هزيلة، وأنه يحتاج إلى حياة أكثر انتظاماً في كلّ نواحي حياته من دراسة ونوم وغذاء؛ فأدخله في فبراير 1843م معهد الأب ماتزا[1]، فتابع فيه منهج دراسة الإكليريكية.

بالطبع لم يكن المعهد مقصوراً على سكنى الشباب، فهم حين كانوا يعيشون مع الأب ماتزا - المرشد الروحي ومدرس الرياضيات - كانوا يحصلون على تكملة جوهرية من التكوين المدرسي والديني، يعدّهم لكي يصيروا كهنة، أو أطباء، أو مهندسين، أو أصحاب عائلات ذوي قيمة، وكان الأب ماتزا مهموماً بعملية التنصير، واتخذ فيما بعد مبادرات في هذا الخصوص، حيث هيأ في مؤسّسته مناخاً ملائماً لعملية التنصير، في الوقت الذي كان الاهتمام نفسه يملأ الكنيسة بأسرها.

الأحداث المؤثرة في نشأته:

قبل مولد دانيال كمبوني ببضعة أسابيع في 2 فبراير 1831م ارتقى الكاردينال ماورو كابيلاري عرش البابوية باسم غريغوريوس السادس عشر، وفي هذا الوقت اجتاحت الثورة الأملاك البابوية، حتى إن البابا طلب من الجيش النمساوي أن يعيد النظام إلى الأراضي الكنسية، وأصبح لمدة 15 عاماً أحد الباباوات الأقل شعبية في القرون الأخيرة، خصوصاً لأنه لم يكن ماهراً في إدارة هذا الوضع الذي تمثّله الأملاك البابوية.

ولكن بالنسبة للكنيسة كان وضع كابيلاري مختلفاً، حيث رأت فيه الكنيسة مبشّراً بالإنجيل ذا نور وحزم، ووجدت فيه القائد الذي كان يلزمها ليأخذ على قواعد جديدة عبء تجديد التنصير[2] الذي بدأ عقب حروب نابليون[3]، لم يكن يخلو من الخبرة في هذا الميدان لأنه أدار مدة خمس سنوات «جمعية نشر الإيمان» أي «المجمع لانتشار الإيمان»، وقد أعطى هذا البابا للمرسلين توجيهات جديدة عامة، سمحت له فيما بعد بتطوير الأعمال الإرسالية من بعده بوقت طويل.

نشأ دانيال كمبوني متأثراً بالتوجّهات الإصلاحية، وهو ما انعكس بعد ذلك في جهوده على الساحة الإفريقية

 

 

في هذا العصر لم يكونوا يعترفون أن سود إفريقيا وأمريكا لهم أنفس مثل أنفس البيض، وفي هذا المناخ حدثت ضربة جديدة لإدارة الكنيسة الكاثوليكية في سنة 1787م، فقد رفض «المجمع لانتشار الإيمان» فكرة السماح للمواطنين السود بالكهنوت والأسقفية، والمجمع نفسه رفض في 1818م الفكرة نفسها.

لكن البابا غريغوريوس تدخّل في هذا الموضوع بقلب هذه الميول وشجبها، وهذا في نشرته  «تعليمات للمرسلين» الصادرة سنة 1845م من «المجمع لانتشار الايمان» والتي أيّدها البابا، ونصّ على أن الإكليروس المحلي - أي الكهنة الملوّنين - يلزم تكوينهم في الناحية العلمية والدينية، لكي يمكنهم أن يصبحوا هم أيضاً أساقفة في المستوى نفسه وبالسلطة نفسها مثل البيض، وأنه يلزم التخلص نهائياً من الادعاء الذي يجعل من الكهنة الوطنيين مرؤوسين وأقلّ درجة.

في ظل هذه التطوّرات الدينية والتنظيمية والفكرية نشأ وترعرع دانيال كمبوني، فتأثّر بتلك التوجّهات الإصلاحية، وهو ما انعكس بعد ذلك في جهوده على الساحة الإفريقية.

البيئة المؤثّرة فيه:

لقد تربّى دانيال كمبوني على الثقافة الإنسانية والدينية العميقة، حيث اعتاد دانيال كمبوني منذ صغره الذهاب يومياً إلى الكنيسة ليصلي، وكان شغوفاً بالوعظ، وكان أصحابه يرونه واقفاً على كرسي أو فوق أحد الصخور وذراعاه مبسوطتان، ويعظ بأعلى صوته وبكلّ حماس.

كلّ هذه الأحداث والشخصيات كان يلاحظها دانيال كمبوني الذي كان يدرس في فيرونا، وتدريجياً وجّه نفسه نحو الكهنوت، ثم نحو الإرساليات، وأخيراً نحو العمل التنصيري في إفريقيا الوسطى التي كانت تُسمي في ذلك الوقت «نيجريسيا».

وفي الواقع؛ لا يرتبط هذا التطوّر الداخلي بتواريخ دقيقة، ولكن يمكننا ذكر وقائع تبيّن بوضوح أكثر هذا الإدراك والوعي التدريجيين، فعندما كان دانيال في الخامسة عشرة قرأ باهتمام شغوف قصة الـ 26 شهيداً مسيحياً الذين صُلبوا في ناجازاكي في اليابان عام 1597م، وقصة الـ 205 مسيحيين الذين قُتلوا في الأعوام الثلاثين التالية، وكان ألفونس ماري دي ليكوري كتب هذه القصة في القرن السابع عشر في كتاب له اسمه (انتصارات الشهداء).

ثم في سنّ السادسة عشرة كان شاهداً مع كلّ رفاقه لأول التزام إرسالي لمعهد ماتزا، وهو سفر الأب فينكو إلى ارسالية إفريقيا الوسطي مع الأب ريلو، وفي أثناء ذلك كان يرى مولد وتطور «برنامج ماتزا» الخاص بإفريقيا، وكان ذلك في المحاضرات والمناقشات، وكان هذا البرنامج يقبل بكلّ بساطة فتيات إفريقيات في فيرونا، وبعد ذلك يقبل فتيان، لإعطائهم تعليماً جيداً وتكويناً متيناً في المسيحية، وبعد ذلك يعودون إلى إفريقيا، ويختارون هم أنفسهم طريقهم الخاص، لكنهم يعملون بوصفهم منشّطين مسيحيين في الإرساليات والعائلات.

وسبقت هذه المبادرة في إيطاليا «مؤسّسة تحرير العبيد»، والتي أقامها الأب أولبفييري Olivieri الذي انضم إليه فيما بعد الأب فيري، وهو من كومو.

وصلت الفتيات الأوليات عام 1851م، وقد كان هذا التجديد سبب مناقشات حادة في المعهد، أدّت إلى تحسينات في المناهج الدراسية، وأصبح من الضروري تطوير دراسة اللغات، وبخاصة اللغة العربية.

أول زيارة لدانيال كمبوني إلى إفريقيا:

وكانت أول زيارة لدانيال كمبوني إلى السودان في عام 1856م، مع مجموعة من أعضاء كلية ماتزا، مات اثنان منهم بعد وصولهم بفترة وجيزة، أما دانيال كمبوني فقد اضطر للعودة إلى إيطاليا في عام 1859م، لتدهور صحته آنذاك، ولكنه بالرغم من ذلك قرّر أن يكرّس حياته للعمل من أجل تنصير الأفارقة، وبعد أن قضى فترة النقاهة في بلدته أبحر إلى الإسكندرية ثم عدن، وبعض الموانئ والمدن في سواحل إفريقيا، وقام باختيار صبيان من الأفارقة امتازوا بذكائهم، ونقلهم إلى كلية ماتزا وغيرها من المعاهد الخيرية، لينالوا تربية تنفع مواطنيهم عندما يعودون إلى ديارهم.

وعندما عزم دانيال كمبوني على الذهاب إلى إفريقيا عمل متطوعاً بين المصابين بالكوليرا، وكان يعلم أنه ذاهب إلى قارة الأسود، وأنه سوف يجابه العديد من الصعوبات والعقبات، لذلك جاء استعداده مبكراً وشاقاً.

استعداده لتحمّل الصعاب والعقبات: 

عندما بلغ دانيال كمبوني العام الحادي والثلاثين من عمره كان يتقن عشر لغات، من بينها اللغة العربية، وبعض اللهجات الإفريقية المحليّة، وكان متحدثاً جيداً، يعرف ماذا يقول، وكيف يقنع الآخرين.

لاحظ كمبوني أن الأوروبي يعاني الظروف المعيشية في البيئة الإفريقية، كما أن الإفريقي يعاني البيئة الأوروبية، لذا قرر إنشاء مراكز تدريب في كلٍّ من القاهرة وأسوان، يتدرّب فيها الأفارقة، ثم يعودون إلى مراكزهم لتدريب إخوانهم وأخواتهم.

وقد كُللت التجربة بالنجاح، وأصبح رأساً للكنيسة في أواسط إفريقيا عام 1872م، وأول مطران كاثوليكي للخرطوم في الثاني من يوليو عام 1877م، وكافح في زيادة معاونيه، كما كان يمدهم دائماً بالمشورة الصالحة الداعمة لمقوّمات الحياة.

وكانت قيادته سليمة في المجال المسيحي وتطوير الناحية الإنسانية، وخلق مجتمعات مسيحية متماسكة في منطقة الخرطوم وفي الغرب، وهو ما كان له أثره في تطوير مصالح المسيحيين في هذه المناطق، لقد مرّت عليه جميع أنواع الصعاب، وأُرهق جسدياً، وقاسى الشدائد نفسياً.

بداية نشاطه في إفريقيا:

لقد تمكّن دانيال كمبوني من إقامة علاقات وصداقات واسعة، وأصبح المنسّق لحركة التنصير الأوروبية، والمصدر لكلّ أولئك الذين يرون إفريقيا قارة مسيحية.

وفي عام 1873م عاد دانيال كمبوني إلى الخرطوم للمرة الثانية، وذلك بعد أن قام البابا - بولس التاسع - بتعيينه نائباً رسولياً لإرسالية أواسط إفريقيا، وهي المنطقة التي تغطي حالياً: السودان وشرق إفريقيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، وأعطاه البابا السلطة لإعادة فتح هذه المناطق، وكان مع كمبوني دفعة من المرسلين المساعدين له، واثنين من الأفارقة الذين تخرّجوا في كلية ماتزا، حيث كان هؤلاء الطلاب الأفارقة عبيداً في الماضي تم تحريرهم على يد منظّمات كاثوليكية، وأُدخلوا معهداً دراسياً في فيرونا، حيث تلقوا التدريب على التنصير المسيحي، ومن ثم أعيدوا إلى إفريقيا مرة أخرى.

طبّق دانيال كمبوني في كلّ مؤسّساته تلك الأسلوب المعروف اليوم بـ «العون الذاتي»

 

 

أعطى دانيال أوامره لاثنين من القساوسة بالذهاب إلى مدينة الأبيض بغرب السودان لبناء مدرسة وكنيسة، وعندما وصل كمبوني إلى السودان كان أول ما فعله – على حدّ قول أتباعه – أن «كرس إفريقيا لقلب يسوع»، ومن عبارته المؤثّرة في استمالة الناس إلى الكنيسة وخداعهم؛ أنه وقف في وسط سوق الرقيق في مدينة الأبيض بغرب السودان، ليقول للناس: - حدّ تعبيره - «حب شبابي الأول كان إفريقيا التعساء، كانت أفكاري وخطواتي دوماً لكم، أنا أبوكم، وأنتم أبنائي، أعود إليكم لئلا أتوقف أبداً، وأن أكون لكم، يلقاني الليل والنهار، الشمس والشتاء، متأهباً دوماً لتلبية حاجاتكم الروحية، الغني والفقير، المتعافي والمريض، الشاب والشيخ، ربّ البيت والخادم، لهم دوماً مدخل إلى قلبي، خيركم خيري، أوجاعكم أوجاعي، أسعد أيامي يكون يوم أستطيع أن أهب حياتي لكم».

بدأ دانيال كمبوني عمله في جبال النوبة، وهي في ذلك الوقت كانت منطقة مغلقة؛ إذ لم يصل إليها أي من التجار بعد، وقام بفتح مزرعة بالدلنج لتدريب الأهالي على الزراعة، وأقام مزرعة أخرى بالقرب من مدينة الأبيض في (ملبس)، وطبق دانيال كمبوني في كلّ مؤسّساته تلك الأسلوب المعروف اليوم بـ «العون الذاتي»؛ إذ كان يعمل على تدريب الأهالي على الاكتفاء الذاتي، وخصوصاً في أعمال الزراعة، وكان يشجّعهم على أن يؤمّنوا معيشتهم بأنفسهم، كما قام بفتح مركز آخر في بربر، وكان في نيته أن يقيم مركزاً في القطاريف وبعض مناطق الجنوب؛ إلا أن وفاة الكثير من مساعديه حالت دون ذلك.

أفرقة الإفريقيين:

كانت إرسالية أواسط إفريقيا بالخرطوم قد أغلقت منذ عام 1862م، ولكن رغبة دانيال كمبوني في مساعدة شعب إفريقيا على الخلاص كانت أقوى وكافية لمواجهة أهوال وتحديات القارة السوداء، لذلك أعدّ خطة لإعادة فتح الإرسالية، والعمل في إفريقيا، وذلك بالاستعانة بالأفارقة أنفسهم، وساعده في ذلك مقدرة الأفارقة على إدارة شؤونهم الدينية والاجتماعية بأنفسهم.

وفي هذا المجال كان دانيال كمبوني سبّاقاً في «أفرقة الإفريقيين» سياسياً وثقافياً واجتماعياً، ومن أجل هذا طاف جميع العواصم الأوروبية، معلناً خطته وداعياً إليها، بغرض جمع التبرعات لإنجاز مهمته، ولكنه لقي الكثير من المعارضة، وبالأخص من رئيس كلية ماتزا الذي رفض اقتراح إعادة فتح إرسالية أواسط إفريقيا بالخرطوم، لكثرة الصعوبات التي واجهها المشروع، إلا أن دانيال كمبوني لم يستسلم؛ إذ عزم على أن يحمل هذا العبء الثقيل وحده، وأن يواصل العمل دون مساعدة من كلية ماتزا.

واهتم دانيال كمبوني بدور المرأة في عملية التنصير، وعمل في السودان ومصر الدولتين الإسلاميتين، واستطاع بالرغم من العادات والتقاليد أن يضم إليه عدداً من النساء للعمل راهبات في المدارس والكنائس التي أقامها دانيال كمبوني.

الكنيسة ودور دانيال كمبوني في إفريقيا:

ترى الكنيسة أن أفراد بعثات التنصير، وعلى رأسهم دانيال كمبوني، عملوا على زرع الثقة والإيمان بدور المسيحية، بوصفها أداة لتلخيص الأفارقة من الفقر والاضطهاد والقنوط واليأس والكوارث البيئية التي كانت تعصف بهم، والتنصير بعصر جديد من العدالة والسلام، وكان أفراد البعثات يشاركون هؤلاء البؤساء في أحوالهم، يواسونهم ويقدّمون لهم ما يستطيعون لتخفيف معاناتهم.

ومنذ عام 1897م تناضل مؤسّسات دانيال كمبوني التنصيرية، والتي جرى تأسيسها آنذاك من أجل تكوين جمعيات تدّعي العمل للعدالة والسلام، وهي تعمل حقيقة على إثارة العداوة والبغضاء، وبخاصة تجاه المسلمين، وحالياً بقي بعض هؤلاء المنصِّرين يعملون مع الناس الذين ألقيت مسؤوليتهم على عاتقهم في دول مثل الكونغو السودان وأوغندا، برغم تردي الحالة الأمنية في هذه البلدان.

وذكر المجمع الفاتيكاني الثاني: «أن سلطة الكلمة والأسرار المقدّسة قد حضر بها رجال الدين، كما أن العلمانيين لهم دورهم الهام إذا كانوا عمّالاً للحق».

وأوصى خلال الاحتفالية بالعام المئوي لوفاة دانيال كمبوني بالآتي:

1 - التعمق في معرفة جهود دانيال كمبوني، ومسيرة الكنيسة المسيحية، في السودان.

2 - أن على مدارس دانيال كمبوني تكريم راعيها بتنظيم الاحتفالات المناسبة.

وقد تم تقديم ثلاث مؤسّسات في السودان؛ إحداها في الحقل الروحي، وأخرى في الخدمات الطبية، والثالثة في الحقل الثقافي.

الأول: سيكون مركزاً للقاء المسيحي في منطقة كوبر الخرطوم البحري.

والثاني: مركزاً شعبياً بالحاج يوسف بالخرطوم البحري لتوفير العناية بالمرضى.

أما الثالث: فهو للتدريب الحسي والطبيعي للأطفال والمعوقين؛ حتى يتم مساعدتهم وتعليمهم وتدريبهم وتأهيلهم لكي يستطيعوا مجابهة الحياة.

وخلاصة القول: أن هذه الاحتفالية تم التركيز فيها على الأسر المسيحية، حيث تم دعوة الأسر المسيحية لأن يهيئوا سكناهم أولاً ليكون كنيسة منزلية، يليها أن يعرفوا ويخدموا كنيستهم المحلية، وثالثها أن يستجيبوا لنداء البابا، وضم حملاتهم في إطار الكنيسة العالمية.

مدارس دانيال كمبوني:

عندما نقوم بالنظرة الفاحصة إلى تجربة مدارس دانيال كمبوني في السودان عموماً؛ نجد أنها استطاعت أن تحوي كلّ أفراد المجتمع السوداني، على الرغم من كونهم من بيئة مشبّعة بعادات وتقاليد معينة، ومتباينة، وقيم مختلفة عن البيئات الأخرى إلا ما ندر، وكانت مدارس كمبوني أيضاً هي الوعاء الذي عمل على مسخ هوية أبناء المسلمين.

إن مدارس دانيال كمبوني، ولأجل تحقيق دورها التنصيري لم تقتصر على الجانب التعليمي فقط، إذ كانت ولا تزال تولي اهتماماً مقدّراً بالإنسان بوصفه قيمة تنموية، ورأس مال أي دولة، لذلك اهتمت بتربية الجوانب الأخرى من هذا الإنسان، والذي هو أحد تلاميذها، إذ كانت الأنشطة الرياضية حاضرة بقوة (لا تخلو مدرسة من مدارس كمبوني من ملعب لكرة السلة، وآخر للكرة الطائرة)، وكذلك اهتمت بالجوانب الثقافية والأدبية.

ويُذكر أن مدارس دانيال كمبوني توجد في عدة مناطق في السودان، وبخاصة شندي وعطبرة وبور تسودان والقطاريف وحلفا ومدني، إلى جانب ثلاثين مدرسة في الخرطوم، يقوم بالتدريس في هذه المدارس قرابة سبعين معلماً، وتقوم المنظمات التي تتبع الكنيسة الكاثوليكية العالمية بتوفير الوجبات لها، ودفع مرتبات المعلمين.

وفي كلّ عام يقام في مدارس كمبوني بالخرطوم احتفالية بذكرى وفاة مؤسّسها دانيال كمبوني أحد المنصِّرين الخمسة الذين انتدبهم «مجمع نشر الأديان التبشيري الإيطالي» ضمن الرسالة التبشيرية لإفريقيا في القرن التاسع عشر.

وفاته:

توفي المطران دانيال كمبوني في الخرطوم عاصمة السودان في العاشر من أكتوبر عام 1881م، في سنّ الخمسين، بعد أن أنهكه مرض الملاريا، والصعوبات التي واجهته في عمله التنصيري، وعند احتضاره طلب من المنصِّرين أن يقسموا على مواصلة العمل الذي بدأه، وقال: «لا تخافوا! فأنا أموت ولكن عملي لن يموت».

ودُفن في حديقة الإرسالية بالخرطوم، وقد هُدم قبره من قِبل جيوش المهدي، وتم نقل رفاته لاحقاً إلى فيرونا في إيطاليا هناك في البيت الذي سُمّي باسمه.

وأخيراً:

 امتد نشاط مؤسّسات دانيال كمبوني التنصيرية ليعم معظم أنحاء القارة الإفريقية، وكانت هي الأولى من نوعها التي وصلت إلى إفريقيا، وتغلغلت أعمالها في معظم مناطق الحضرية والقروية لدول القارة الإفريقية، وكان من رأي هؤلاء المنصّرين أن التنصير بالمسيحية يرتكز في التجاوب مع الثقافات والديانات الأخرى، والتركيز في التعليم، وهي المرتكزات التي قامت عليها البعثات التنصيرية لتحتل مكاناً مرموقاً من حيث القيام بواجبها على أكمل وجه.

لقد سافر دانيال كمبوني إلى أوروبا بحثاً عن دعم لمهمته في إفريقيا، وقد جعل أوروبا نقطة للالتقاء بمختلف بعثات ومنظمات التنصير الكاثوليكية الأخرى في إيطاليا وفرنسا والنمسا وألمانيا، حيث كان يشرح تجربته، والصعوبات التي يواجهها في إفريقيا، والسلبيات والإيجابيات في عمله بها.

وقد نجح دانيال كمبوني في تحقيق التواصل مع الكنائس في أوروبا، والذي كان مهماً لنجاح مهمته في إفريقيا، وعندما زار البابا بولس السادس إفريقيا في عام 1969م قال: بأن على الأفارقة القيام بأعمال التنصير للمسيحية بأنفسهم لمواطنيهم وللعالم أجمع، وبعد مرور خمسة وثلاثين عاماً على مقولته تلك تحقّق ما قاله على أرض الواقع، وأصبحت إفريقيا موطناً جديداً تتمدد فيه النصرانية.

فأين نحن المسلمين من هذا التحدي! و أين نحن من الإصرار على تحمّل الصعوبات في سبيل نشر رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في جميع  ربوع القارة الإفريقية والعالم أجمع؟!

المصادر:

1 - الأب فرنتسيسكو بييرلي الكمبونياني، نصوص مقتبسة من كتاب "Come Erodi" (القاهرة ، عيد القيامة 2007م).  http://www.comboniegypt.org

2 - دومنيكو أجاسو، "دانيال كمبوني حياة من أجل إفريقيا"، ترجمة الأب لويس نصري، في ذكرى ميلاد دانيال كمبوني، (القاهرة: مقر البطريركي الكاثوليكي بكوبري القبة، 15  مارس 1996م).Comboni Missionaries in Egypt, www.Comboniegypt.org    

3-  نبذة مختصرة عن حياة دانيال كمبوني،www.Comboniegypt. org                 

4 – H.G.A. BARO TORAL NI,"THE CENTENARY YEAR OF BISHOP DANIEL COMBONI"IN PASLETAR (KARTOUM:24-9-1980).

5 – WWW.COMBONI MISSION.ORG.

6 – WWW.WORLD WIDE SOUTH AFRICA.

7 – JEUNESSE ETUDIANT CHRITIAN JEC  WWW.JEC JORDAN.ORG 2010.        

* باحث ماجستير -  قسم السياسة - معهد البحوث والدراسات الإفريقية - جامعة القاهرة.

[1] وُلد الأب نيقولا ماتزا في فيرونا عام1790م، وصار كاهناً عام 1814م، وكان تكوينه في مدرسة قديس أتى بعد ذلك، هو الأب جسبار برتوني Gaspare Bertoni المرشد الروحي للإكليريكيين، وكان يتابع روحياً الكهنة بعد سيامتهم عن طريق محاضرات في اللاهوت العقائدي والأدبي، وقد كانت فرصة لقاء ومناقشة للجميع،    وزيادة على ذلك، وبفضل الأب برتوني وانفتاحه على احتياجات فيرونا، ولدت هيئة كهنة الجروحات، وهم مرسلون في خدمة الأساقفة، وفي التحريك الأول للرأي العام نحو الإرساليات عبر البحار.

وأصبح نيقولا ماتزا الذي نشأ بهذه الطريقة بدوره مربياً، فأسّس للبنات عام 1828م مدرسة كان بها عام 1848م ثلاثمائة طالبة، ثم أسّس عام 1843م مدرسة للبنين، بدأت بخمسة طلاب، وكانت غايتها ما يلي: قبول الأولاد الفقراء وتربيتهم دون سواهم، بشرط أن تكون فيهم الصفات الآتية: الاستعداد للدراسة مع حسن السلوك والطباع. وكان يعطيهم التربية الحسنة الكاملة مع منحهم الحرية في اتّباع الدعوة التي يميلون إليها بطبيعتهم وميولهم، ولم يكن عليهم التزام أن يصيروا كهنة، وكان قرار مستقبلهم يعود إليهم، وبعد الدراسة في الإكليريكية كان يمكنهم الالتحاق بجامعة بادوفا، حيث أسّس الأب ماتزا معهداً خاصاً، كما كان يمكنهم الالتحاق بالدراسات اللاهوتية في الإكليريكية.

[2] بدأ التجديد التنصيري بمقدمتين مهمّتين:

الأولى: إعادة تكوين الرهبنة اليسوعية عام 1815م.

الثانية: إعادة المجمع لانتشار الإيمان على قواعد جديدة عام 1817م.

وظهرت جماعات رهبانية ذات هدف تنصيري، وأصبحت المؤسّسات الموجودة حينذاك تعمل للتنصير هي أيضاً، نذكر منها على سبيل المثال في فرنسا عمل آن ماري جافوهيه التي أسّست عام 1802م رهبنة القديس يوسف من كلوني، وهي للتعليم والتمريض، والتي أصبحت بعد الحرب رهبنة مرسلات، وقد كانت الأولى في العالم في هذا المضمار، وكان ذلك يعد عيباً، في البداية ذهبت الأم جافوهيه بنفسها، وأسكنت الراهبات في السنغال وفي جويانا الفرنسية، واعتبروها في فرنسا وفي روما مجنونة، أما الآن فقد سقط الحاجز التاريخي، وأصبح للراهبات الحق في الذهاب للإرساليات.

   وهذا الأمر كان قاطعاً بالنسبة للتجديد االتنصيري، فلم يستخدموا الأساليب القديمة التي عمرها ثلاثون عاماً كما فعل بعض الملوك العائدين لعروشهم، ولم يستعملوا الخطاب القديم الذي انقطع، كان يلزم الكلام بلغة المستقبل، ولذا كان يلزم إعداد متكلمين جدد ومختلفين، تحركهم آراء جديدة، حيث يتم الحفاظ على الهدف الأخير للكرازة (الوعظ) بالإنجيل، فهاهم العلمانيون تحت دفعة فتاة Pauline Jaricot بولين جاريكو يخترعون في ليون أسلوباً غير مألوف لمساندة الإرساليات، وهو «جمعية نشر الإيمان».

كان المبدأ فيها خلق تضامن جديد مع مفهومية جديدة، إذ لم يكن الهدف هو جمع مبالغ طائلة من أفراد ولا مبادرات مرتجلة، وإنما تخطيط لتقدمات بسيطة في مقدور الجميع، وهو مبلغ بسيط يدفعه أي شخص، يقوم بجمعه كلّ أسبوع جهاز متفرع، كان يسلم للمرة الأولى مسؤوليات لآلاف العلمانيين الكاثوليك، ويضمن للإرساليات تمويلاً شعبياً من أشخاص منفردين، تحولوا إلى روح الإرساليات، تحركهم نشرات شعبية.

[3] كانت أزمة الإرساليات قائمة منذ زمن بعيد، وكانت تبدو مستحيلة الحلّ بسبب الثورة الفرنسية واحتلال روما، والقبض على بيوس السادس وموته وحيداً في فالانس، وما كان بدأه عصر النور مع إلغاء الرهبنة اليسوعية وباقي الرهبانيات، ومع سياسة الحكومات التي كانت كلها تهتم بمضايقة النشاط التنصيري أو استغلاله، كلّ هذا تم استكماله بتشريع الثورة الفرنسية والحروب المتتالية، وأصبح المرسلون يجدون أنفسهم في وحدة وعزلة دون سند أو عون، يشيخون ويموتون في عزلتهم، وفي عام 1798م صدر قرار فرنسي أعلن في روما؛ به تم إلغاء «المجمع لانتشار الإيمان» ونهب مكتبتها.