المصايد السمكية في إفريقيا: الواقع والتحديات وآفاق التنمية

  • 18 -1 - 2019
  • د. صبحي رمضان فرج سعد


د. صبحي رمضان فرج سعد

أستاذ جغرافية البيئة المساعد، كلية الآداب/ جامعة المنوفية، مصر

تُسهم المصايد السمكية إسهاماً حيويّاً في تحقيق الأمن الغذائي والتغذية لأكثر من 200 مليون إفريقي، كما توّفر الدّخل لأكثر من 10 ملايين نسمة من سكان القارة، التي يعيش أكثر من 46% منهم في فقرٍ مدقع، وهي نسبةٌ في ارتفاعٍ مستمر[1].

وتعاني نسبةٌ كبيرةٌ من سكان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من أمراض سوء التغذية، فطبقاً لتقرير الأمن الغذائي والتغذوي الإقليمي في إفريقيا (2017م)، الذي أصدرته منظمة الأغذية والزراعة العالمية (FAO)، فإنّ انتشار نقص التغذية المزمن ارتفع من 20.8% إلى 22.7% بين عامَي 2015م و2016م. وزاد عددُ الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية من 200 مليون إلى 224 مليون نسمة، وأصبحوا يشكّلون 25% من 815 مليون شخصٍ يعانون من نقص التغذية في العالم عام 2016م.

وأوضح التقرير أنّ العوامل الرئيسة التي أدّت إلى هذه الزيادة في مستوى الجوع هي: ارتفاع نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحادّ؛ بسبب عدم قدرتهم على الحصول على الغذاء، بالإضافة إلى الظروف المناخية السيّئة والنزاعات المسلّحة[2].

ويمكن للأسماك، كمصدر «غذاء غني للفقراء»، أن تؤدي دَوراً مهمّاً في تحسين الأمن الغذائي لإفريقيا؛ فهناك أكثر من 200 مليون إفريقي يأكلون السمك بانتظام. وتُقدّر منظّمة الأغذية والزراعة أنّ الأسماك توفّر 22% من البروتين في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وتتجاوز النسبة 50% في الدول الأكثر فقراً (خاصّةً عندما تكون المصادر الأخرى للبروتينات الحيوانية شحيحةً أو مكلّفة)[3].

وبالرغم من ذلك- مع ما تزخر به القارة من موارد مائية عظيمة- فلا يزال الإنتاج السمكي بالقارة ضعيفاً؛ إذ لا تسهم بسوى قرابة عُشر الإنتاج العالمي (10.2%)، ولا يتجاوز حجم صادراتها السمكية 5% من الإجمالي العالمي- وفقاً لإحصاءات 2016م؛ ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، من أهمها: استقامة سواحلها ومن ثَمّ قلّة الموانئ الطبيعية، والفقر الحيوي المنشأ للمياه الإفريقية، واستغلالها من قِبَل السفن الأجنبية، والافتقار إلى المصايد الإفريقية خارج حدود المياه الإقليمية، بالإضافة إلى المشكلات المتعلقة بسياسات التسويق والبُنى التحتية.

مع ما تزخر به القارة من موارد مائية عظيمة؛ فلا يزال الإنتاج السمكي بالقارة ضعيفاً؛ إذ لا تسهم بسوى قرابة عُشر الإنتاج العالمي (10.2%)، ولا يتجاوز حجم صادراتها السمكية 5% من الإجمالي العالمي

وبالرغم من التحسينات التي أُدخلت على عمليات التجهيز والتبريد والنقل، في زيادة التسويق التجاري للأسماك وتوزيعها خلال العقود القليلة الماضية، فما زالت البلدان النامية تستخدم الأسماك الحيّة أو الطازجة (53% من الأسماك الموجهة للاستهلاك البشري في عام 2016م) مباشرةً بعد إنزالها أو صيدها. وبلغت نسبة الأسماك المحفوظة عن طريق استخدام أساليب تقليدية (مثل: التمليح، والتخمير، والتجفيف، والتدخين)- وهي أساليبٌ معتادةٌ خاصّةً في إفريقيا وآسيا- نحو 12% من جميع الأسماك الموجهة للاستهلاك البشري، بينما في البلدان المتقدّمة تتمّ تجزئة معظم الأسماك الموجهة للاستهلاك البشري على شكل منتجاتٍ مجمّدة أو مجهّزة أو محفوظة[4].

أولاً: تطور الإنتاج السمكي في إفريقيا:

ارتفع إنتاج الأسماك في إفريقيا بين عامَي 1990م و1999م من 5.16 ملايين طن متري إلى 6.30 ملايين طن متري. وقد بدأ هذا الاتجاه في عام 1994م؛ مع زيادةٍ سنويةٍ قدرها 3.5%. وقد أسهمت سواحل شمال الأطلسي (وبخاصّةٍ المغرب) والسواحل الغربية والجنوبية بشكلٍ كبيرٍ في إنتاج القارة. وأخذت القارة اتجاهاً واضحاً في تجارة الأسماك منذ 1990م، حيث بلغت قيمة الصادرات السنوية 2.6 مليار دولار، في مقابل 1.1 مليار دولار فقط للواردات (عام 1998م)[5].

(أ) إنتاج المصايد الطبيعية:

بلغ إنتاج المصايد السمكية الطبيعية بالقارة عام 2010م حوالي 7.80 ملايين طن متري، بما يمثّل 8.9% من إجمالي الإنتاج العالمي من المصايد الطبيعية، وبزيادةٍ تُقدّر بما يزيد على نصف إنتاج عام 1990م، يأتي ثُلثاه (66.4%) من المصايد البحرية، والنسبة الباقية (33.6%) من المصايد الداخلية، جدول(1).

جدول(1): تطور الإنتاج السمكي في إفريقيا خلال الفترة (2010-2016م)

السنة

المصايد الطبيعية

الإجمالي

(ألف طن)

% من جملة الإنتاج العالمي

المياه الداخلية

(ألف طن)

المياه البحرية

(ألف طن)

2010م

2619.7

5174.9

7794.6

8.9

2012م

2699.6

5743.0

8442.6

9.4

2014م

2843.6

5790.0

8633.6

9.5

2016م

2863.9

6414.6

9278.5

10.2

Source: FAO, Fishery and Aquaculture Statistics, 2016,pp.7-8.

والنّسب من حساب الباحث.

ووصل إنتاج المصايد السمكية الطبيعية بالقارة عام 2016م لحوالي 9.28 ملايين طن، مثّل ما يزيد على 10.2% من الإنتاج العالمي للمصايد الطبيعية، زادت فيه نسبة إنتاج المصايد البحرية لتمثّل حوالي 69.1% من مجموع الإنتاج.

وساعد على ذلك زيادة امتداد المناطق الاقتصادية الخالصة الوطنية إلى 200 ميل بحري، وقدرة الصيد العالية، والتقدّم التكنولوجي، وإنشاء أساطيل صناعية وطنية، والمعدل المرتفع لتسيير الزوارق الحرفية (61% في إفريقيا)، واتفاقيات الصيد الموقّعة بين الدول الإفريقية وغيرها، وبخاصّةٍ الاتحاد الأوروبي[6].

ويبلغ عدد السفن المزودة بمحركاتٍ في القارة 152.9 ألف سفينة (5.4% من مجموعها العالمي)، بالإضافة إلى 647.5 ألف سفينة غير مزودة بمحركات (14.0% من مجموعها العالمي). وشهدت القارة تراجعاً في أعداد السفن خلال الفترة (2014-2016م) بنحو 3000 سفينة[7].

(ب) إنتاج مزارع الأحياء المائية:

زاد إنتاج قارة إفريقيا من المزارع والمرابي السمكية من 110.2 ألف طن عام 1995م، (0.45% من الإنتاج العالمي)، إلى 646.2 ألف طن عام 2005م (1.46% من إجمالي الإنتاج العالمي)، إلى حوالي 1982 مليون طن عام 2016م (2.5% من إجمالي الإنتاج العالمي)، جدول(2).

وتتصدر مصر ونيجيريا القارة في هذا الشأن، حيث بلغ إنتاجهما 1371 و307 ألف طن لكلٍّ منهما، بما يشكّل 84.7% من إجمالي إنتاج القارة.

جدول(2): تطور إنتاج مزارع الأحياء المائية في إفريقيا خلال الفترة (2010-2016م)

السنة

الإنتاج الإجمالي

(ألف طن)

% من جملة الإنتاج العالمي

 
 

1995م

110.2

0.45

 

2000م

399.6

1.23

 

2005م

646.2

1.46

 

2010م

1285.7

2.18

 

2016م

1982.0

2.48

 

المصدر: الفاو، حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم، 2018م، ص27.

والنّسب من حساب الباحث.

 

ويشكّل أغلب إنتاج مزارع الأحياء المائية (الداخلية والساحلية)- بحسب إحصاءات 2016م- من الأسماك الزعنفية Finfish نسبة 99.50% من الإنتاج، بينما انخفضت نسبة الرخويات Molluscs والقشريات  Crustaceanإلى 0.5% فقط[8].

ثانياً: القوى العاملة بالمصايد ومزارع الأحياء المائية في إفريقيا:

زادت أعداد العاملين بالمصايد ومزارع الأحياء المائية الإفريقية خلال الفترة (2000م حتى 2014م) من 4.18 ملايين عامل إلى 5.67 ملايين عامل- أي بما يزيد قليلاً على الثلث (35.9%)، وتراوحت نسبتهم بين 8.9% و10.0% من إجمالي عدد العاملين بقطاع الصيد في العالم[9].

وزادت أعداد مستزرعي الأسماك بالقارة من 91 ألف عامل (عام 2000م) إلى 284 ألف (عام 2014م)، أي بما يزيد على الضعفَيْن (312%)، وهي زيادةٌ كبيرة؛ مقارنةً بأعداد العاملين بقطاع المصايد الطبيعية الذين زادت أعدادهم بما يربو قليلاً على الخُمس (20.5%)[10].

جدول(3): القوى العاملة بالمصايد ومزارع الأحياء المائية الإفريقية (2014م)

نمط الإنتاج

إجمالي أعداد العاملين

(ألف عامل)

 (%) من إجمالي العاملين بقطاع الصيد

المصايد السمكية الداخلية

مصايد

تجهيزات

4958

(3370)

(1588)

40.4

(68%)

(32%)

المصايد البحرية الحرفية

مصايد

تجهيزات

4041

(1876)

(2166)

32.9

(46.4%)

(53.6%)

المصايد البحرية الصناعية

مصايد

تجهيزات

2350

(901)

(1448)

19.2

(38.4)

(61.6)

مزارع الأحياء المائية

920

7.5

الإجمالي

12269

100%

Source: FAO, The Value of African Fisheries, Fisheries and Aquaculture Circular No. 1093, FIPS/C1093, 2014, p.4.

وطبقاً للتقديرات الحديثة؛ يستخدم قطاع مصايد الأسماك ككل 12.3 مليون شخصٍ للعمل «صيادي أسماك» بدوامٍ كامل؛ أو «عمال تجهيز الأسماك» بدوامٍ كامل أو جزئي. ويمثّل صيادو الأسماك نصف جميع السكان المنخرطين في هذا القطاع (42.4% يعملون عمال تجهيز، و7.5% يعملون في تربية الأحياء المائية).

وتمثّل النساء نحو ربع (27.3%) مجموع السكان الذين يعملون في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، مع وجود فروق في حصّتهنّ بين الصيادين (91.5% عمال تجهيز، و7.2% عمال صيد، و1.3% في تربية الأحياء المائية)[11]، جدول(3)، شكل(1).

وهناك أنماطٌ جغرافيةٌ واضحةٌ ذات نسبٍ مئوية أعلى لعمال التجهيز في غربَي وجنوبَي إفريقيا، بينما في شرقَي إفريقيا يتجاوز عددُ صيادي الأسماك غالباً عددَ مُجهّزي الأسماك. وعلى المستوى القُطري؛ تأتي نيجيريا في المرتبة الأولى بعددٍ يقترب من مليونَي شخص يعملون في قطاع مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ثم المغرب (1.4 مليون)، وأوغندا (مليون واحد)[12].

ثالثاً: استهلاك الأسماك، والأهمية النسبية للبروتين السمكي في الإمدادات الغذائية:

تتباين مساهمة الأسماك في المتناول من البروتين الحيواني بين البلدان المتقدّمة والنامية، فبالرغم من الانخفاض النسبي في مستويات استهلاك الأسماك؛ فإنّ حصتها ترتفع في البلدان النامية وبلدان العجز الغذائي ذات الدخل المنخفض. ووفقاً لإحصاءات عام 2013م؛ بلغت نسبة البروتين السمكي من البروتين الحيواني بالعالم 16.9%، زادت في إفريقيا وبلدان العجز الغذائي ذات الدخل المنخفض على 18%، بينما انخفضت بالبلدان المتقدّمة إلى 11.7%[13].

وتُسهم الأسماك بنسبة تبلغ أو تتجاوز 50% من مجموع المتناول من البروتين الحيواني في بعض الدول الإفريقية، مثل: غانا وساو تومي وبرنسيب وسيراليون (50% و53.3% و64.4% لكلٍّ منها على التوالي)، وتتراوح النسبة بين ثلث ونصف البروتين الحيواني في 13 دولةً إفريقية، هي: سيشل وغامبيا والسنغال وموزمبيق وجزر القمر ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديموقراطية والكونغو والكاميرون وتوجو وتشاد وغينيا الاستوائية وكوت ديفوار. وتنخفض النسبة عن الثلث في باقي بلدان القارة الإفريقية، انظر جدول(4).

جدول(4): نصيب الفرد من إمدادات أسماك المائدة ونسبة البروتين السمكي

من البروتين الحيواني بدول قارة إفريقيا (2013م)

الدولة

نصيب الفرد من إمدادات أسماك المائدة

(كجم/ نسمة/ السنة)

نسبة البروتين السمكي من البروتين الحيواني

(%)

الجزائر

4.0

4.8

أنجولا

18.6

25.8

بنين

13.3

25.3

بتسوانا

4.1

4.2

بوركينا فاسو

6.9

20.1

بوروندي

2.0

28.1

كابو فيردي

11.9

12.0

الكاميرون

15.4

36.4

جمهورية وسط إفريقيا

7.8

13.4

تشاد

9.5

35.8

جزر القمر

15.4

39.8

الكونغو

26.5

36.7

جمهورية الكونغو الديموقراطية

5.3

37.5

كوت ديفوار

16.1

34.7

جيبوتي

3.8

7.2

مصر

22.1

24.0

غينيا الاستوائية

24.6

35.7

إريتريا

0.6

2.8

إثيوبيا

0.4

1.6

الجابون

35.6

25.7

غامبيا

24.1

49.0

غانا

26.3

50.0

غينيا

10.2

29.7

غينيا بيساو

1.4

4.4

كينيا

4.1

7.3

ليسوتو

1.3

2.8

ليبيريا

4.1

13.8

ليبيا

22.6

18.3

مدغشقر

4.2

12.5

ملاوي

7.3

28.0

مالي

7.7

8.5

موريتانيا

8.1

7.4

موريشيوس

23.6

18.7

المغرب

18.1

22.2

موزمبيق

10.1

42.0

ناميبيا

12.1

18.0

النيجر

2.7

5.4

نيجيريا

13.3

38.6

ريونيون

3.2

...

رواندا

4.5

25.1

سانت هيلينا

75.5

...

ساو تومي وبرنسيب

30.4

53.3

السنغال

23.9

42.5

سيشل

56.6

49.7

سيراليون

32.3

64.4

الصومال

3.1

3.2

جنوب إفريقيا

6.3

5.0

جنوب السودان

3.3

...

السودان

1.1

1.1

سوازيلاند

2.6

3.5

تنزانيا

7.2

22.5

توجو

11.0

36.1

تونس

13.6

13.8

أوغندا

12.5

30.1

زامبيا

10.0

27.8

زيمبابوي

3.2

8.1

الجملة

10.1

18.4

Source: FAO, Fishery and Aquaculture Statistics, 2016,p.65-66.

ووصل متوسط نصيب الفرد من إمدادات أسماك المائدة 10.1 كجم/ نسمة/ السنة، وهو متوسطٌ منخفض، يبلغ 51.0% من المتوسط العالمي الذي يبلغ 19.8 كجم/ نسمة/ السنة. ويمكن تقسيم بلدان القارة إلى عدة مجموعاتٍ على النحو الآتي:

? بلدان يزيد فيها متوسط نصيب الفرد من إمدادات الأسماك على 25 كجم/ فرد/ السنة: تشمل- على الترتيب- كلّاً من: سانت هيلينا (75.5)، وسيشل (56.6)، والجابون (35.6)، وسيراليون (32.3)، وساو تومي وبرنسيب (30.4)، والكونغو (26.5)، وغانا (26.3).

? بلدان يتراوح فيها متوسط نصيب الفرد من إمدادات الأسماك بين 20 و25 كجم/ فرد/ السنة: تشمل- على الترتيب- كلّاً من: غينيا الاستوائية (24.6)، وغامبيا (24.1)، والسنغال (23.9)، وموريشيوس (23.6)، وليبيا (22.6)، ومصر (22.1).

? بلدان يتراوح فيها متوسط نصيب الفرد من إمدادات الأسماك بين 15 و20 كجم/ فرد/ السنة: تشمل- على الترتيب- كلّاً من: أنجولا (18.6)، والمغرب (18.1)، وكوت ديفوار (16.1)، وجزر القمر (15.4)، والكاميرون (15.4).

? بلدان ينخفض فيها متوسط نصيب الفرد من إمدادات الأسماك عن 15 كجم/ فرد/ السنة: تشمل باقي بلدان القارة. انظر: جدول(4).

ومن المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد من الأسماك في إفريقيا خلال الفترة (2016 -2030م) بمعدل 0.2% سنويّاً، ليصل بحلول عام 2030م إلى 9.6 كجم/ فرد؛ وذلك نتيجة النمو السكاني بمعدلات تفوق المعروض من الإمدادات. وسيكون الإنخفاض أكبر في إفريقيا جنوب الصحراء خلال الفترة ذاتها (من 8.6 إلى 8.3 كجم/ فرد)، ولن تكون زيادة الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الواردات السمكية خلال هذه الفترة كافيةً لتلبية الطلب المتزايد في المنطقة؛ مما يثير مخاوف بشأن الأمن الغذائي بها[14].

رابعاً: القيمة الاقتصادية لقطاع المصايد ومزارع الأحياء المائية الإفريقية:

(أ) الإسهام في الناتج المحلي الإفريقي:

بلغ الناتج المحلي الإجمالي (GDP) في إفريقيا عام 2011م حوالي 1.91 تريليون دولار (2.60% من الناتج الإجمالي العالمي)، مثّلت القيمة المضافة لإنتاج المصايد ومزارع الأحياء المائية فيه نحو 24 مليار دولار، بنسبة 1.26% فقط، جدول(5).

جدول(5): إسهام المصايد ومزارع الأحياء المائية في الناتج المحلي الإفريقي

نمط الإنتاج

إجمالي القيمة المضافة

(مليون دولار أمريكي)

النسبة من الناتج المحلي الإجمالي (%)

المصايد السمكية الداخلية

6275

0.33

المصايد البحرية الحرفية

8130

0.43

المصايد البحرية الصناعية

6849

0.36

مزارع الأحياء المائية

2776

0.15

الإجمالي

24030

1.26

Source: FAO, The Value of African Fisheries, Fisheries and Aquaculture Op.Cit, p.2.

والنّسب من حساب الباحث.

وقد شكّلت المصايد البحرية 62.3% من إجمالي القيمة المضافة، في مقابل 26.1% للمصايد السمكية الداخلية، و11.6% لمزارع الأحياء المائية. وتباينت هذه النّسب من دولةٍ إلى أخرى بالقارة على النحو المبين بالشكل(2)، حيث زاد إسهام المصايد البحرية بالدول الساحلية في شرقَي وشمال غربَي القارة (سادت المصايد البحرية الصناعية بوضوحٍ في ناميبيا وموريتانيا)، وزاد إسهام المصايد الداخلية بالدول غير الساحلية بقطاع وسط القارة، بينما زاد إسهام مزارع الأحياء المائية في دولٍ مثل: مصر وأوغندا ونيجيريا، وزيمبابوي، ومدغشقر.

شكل(2): إسهام المصايد السمكية ومزارع الأحياء المائية في الناتج المحلي الإفريقي

(ب) الصادرات والواردات السمكية:

بلغ إجمالي صادرات القارة الإفريقية من الأسماك (عام 2016م) حوالي 2.78 مليون طن، بما يعادل 7.2% من إجمالي حجم الصادرات العالمية من الأسماك في هذا العام، في المقابل بلغ إجمالي واردات القارة في العام ذاته 4.2 ملايين طن، بما يمثّل 10.7% من إجمالي حجم الواردات العالمية من الأسماك، ومن ثَمّ فإنّ الميزان التجاري السمكي ليس في صالح القارة، جدول(6).

جدول(6): إجمالي صادرات وواردات الأسماك في إفريقيا خلال الفترة (2016-2030م)

الإقليم

الصادرات

(بالألف طن)

الواردات

(بالألف طن)

2016م

2030م

نسبة النمو

2016م

2030م

نسبة النمو

إفريقيا

2782

2304

-17.2

4239

6111

44.2

% من جملة العالم

7.17%

4.79%

-

10.73%

12.71%

-

المصدر: الفاو، مصدر سبق ذكره، 2018م، ص192. والنّسب من حساب الباحث.

.

وتحت ضغوط النمو السكاني، والطلب المتزايد على الأسماك في بلدان القارة، من المتوقّع انخفاض حجم صادراتها بنسبة 17.2% بحلول عام 2030م، بالإضافة إلى زيادة حجم الواردات بنسبة 12.7% حتى التاريخ ذاته.

هذا؛ وقد بلغ إجمالي القيمة الاقتصادية لصادرات سبع مجموعات من السلع السمكية في إفريقيا عام 2016م نحو 6.39 مليارات دولار، في مقابل 4.86 مليارات دولار لوارداتها. وسجلت مصر ونيجيريا صافي ميزان تجاري سلبي (أكثر من 600 مليون دولار)، بينما سجلت المغرب وموريتانيا وناميبيا أعلى صافي ميزان تجاري موجب بالقارة (تجاوز 500 مليون دولار)[15].

خامساً: التحديات التي تواجه قطاع الصيد في إفريقيا:

(أ) التحديات التي تواجه قطاع المصايد الطبيعية:

(1) التغير المناخي:

من المتوقع أن ينخفض الإنتاج الأوليّ للمحيطات العالمية- الذي تعتمد عليه شبكة الأغذية البحرية والأسماك- بنسبة 6% بحلول عام 2100م، وبنسبة 11% في المناطق المدارية. وتتوقع النماذج المتنوعة بأنه بحلول عام 2050م قد تتفاوت إمكانيات صيد الأسماك عالميّاً بنسبةٍ تقلّ عن 10% طبقاً لمسار انبعاثات غازات الدفيئة. كذلك تكشف التوقعات عن انخفاضٍ في الإنتاج البحري والأرضي في حوالي 85% من البلدان الساحلية التي جرى تحليلها[16].

فعلى السواحل الإفريقية بالبحرَيْن المتوسط والأحمر؛ لوحظ انتشار الأنواع الحيّة المدارية القادمة من المحيطَيْن الهندي والأطلنطي. وعلى السواحل الشمالية الغربية والجنوبية الغربية للقارة؛ تمّ رصد تغيّراتٍ في التيارات الصاعدة، وبالتالي في الإنتاجية. وعلى سواحل المحيط الهندي جنوب شرق القارة؛ ظهر اتساعٌ في الحيّز الجغرافي للمناطق المحيطية التي تنخفض فيها تركيزات الأكسجين[17].

كما أنّ التغيّرات المناخية، وما يصحبها من ارتفاعٍ محتملٍ في مناسيب أسطح البحار، وزيادة احتمالات تكرار العواصف، وتغيّرٍ في نظام الأمواج، سوف يؤثر بلا شك في نشاط الصيد، بتقليص عدد أيامه، فضلاً عن كمية الأسماك المصطادة ونوعيتها.

(2) الصيد المُفرط وغير القانوني:

تشير التقديرات إلى ارتفاع نسبة الصيد غير القانوني بسواحل غرب إفريقيا بنسبة 40% عن الصيد المبلغ عنه، وقُدّرت الخسائر الإجمالية الناجمة عن الصيد غير القانوني دون إبلاغٍ أو تنظيمٍ، في المناطق الاقتصادية الخالصة في إفريقيا جنوب الصحراء، بمبلغ 937 مليون دولار[18].

وخلصت دراسةٌ نشرتها مجلة Frontiers in Marine Science إلى أنّ عدداً كبيراً من السفن الصينية بالغ الضخامة، تصطاد كميّاتٍ من السمك خلال أسبوعٍ واحدٍ توازي ما تصطاده المراكب السنغالية في سنة، وتكبّد اقتصادات غرب إفريقيا خسائر قيمتها 2.3 بليون دولار[19].

من المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد من الأسماك في إفريقيا خلال الفترة (2016 -2030م) بمعدل 0.2% سنويّاً، ليصل عام 2030م إلى 9.6 كجم/ فرد؛ نتيجة النمو السكاني بمعدلات تفوق المعروض من الإمدادات

 وتتعرض هذه المجتمعات لضغوطٍ على العديد من الجبهات، نتيجة الصيد غير القانوني من قِبَل سفن الصيد والتصنيع الأجنبية والصيادين المحترفين غير المسجلين، بدول غربَي إفريقيا المطلّة على مياه المحيط الأطلسي (موريتانيا والسنغال وغينيا وغينيا بيساو وغانا وليبيريا وسيراليون)، حيث تجلب صناعة صيد الأسماك من المحيط الأطلسي نحو 4.9 مليارات دولارٍ سنويّاً[20].

وقد أسهمت هذه الممارسات في تقلّص أرصدة العديد من الأنواع البحرية المهمّة؛ فاستخدام السفن الكبرى لشِباك الجرّ السُّفلي في صيدها للأسماك، بالمنطقة الاقتصادية الخاصّة بدول المنطقة، يتسبّب في تدمير موائل الأسماك عند قاع المحيط، واستنزاف آلاف الأطنان من المخزون السمكي، بالإضافة إلى الضغوط الناجمة عن استخدام الشِّباك البلاستيكية أحادية الألياف، والديناميت، وشِباك التطويق الشاطئية (المعروفة بشِباك السَّحب)، والتي تجلب كميات كبيرة من الأسماك؛ لكنها تقتل زريعة الأسماك قبل أن تُتاح لها الفرصة للنمو والتكاثر[21].

وجدّد الاتحاد الأوروبي (يوليو 2015م) مع موريتانيا اتفاقية صيد الأسماك- التي تعود إلى عام 1987م- وذلك لمدة أربع سنوات، والتي ستسمح لأكثر من مائة سفينة صيد أوروبية بدخول المياه الموريتانية، وهذا الاتفاق يسمح لسفن الاتحاد الأوروبي باصطياد أسماك الجمبري والتونة والأسماك القاعية والأسماك البحرية بقيمةٍ تصل إلى حوالي 280 ألف طنٍّ سنويّاً.

وقد اتبعت موريتانيا مبادرة مصايد الأسماك والشفافية؛ في محاولةٍ لإنهاء العقود السرّية التي تساعد على الصيد الجائر، وقد سعت للحصول على دعمٍ من رجال الأعمال والمجتمع المدني في تبنّي إدارة مصايد الأسماك المسؤولة، وقد شكّلت المبادرة خطوةً جادّةً في مكافحة الصيد الجائر[22].

وعلى الرغم من أنّ موريتانيا تلقت أكثر من بليون يورو خلال السنوات الـ 25 الماضية؛ فإنّ استفادة مجتمعات الصيد المحلية من ذلك قليلة، ولا تزال سفنه متهالكة، وقد وُضعت في منافسةٍ مع سفن الاتحاد الأوروبي المتقدّمة، ومع النقص المتزايد للأسماك؛ فإنّ الصيادين المحليّين أصبحوا مضطرين إلى القيام برحلات صيدٍ بعيدةٍ في الأعماق؛ وهو ما يعرّضهم للخطر.

وتفيد دراساتٌ تقييميةٌ، أجراها المعهد الوطني لبحوث المحيطات والصيد في موريتانيا (2006م)، ولجنة مصايد الأسماك لشرق وسط الأطلنطي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (2010م(، بأنّ العديد من الأنواع السمكية (وبخاصّةٍ الأخطبوط) مهدّدةٌ نتيجة الصيد الجائر. وكانت قيمة قطاع مصايد الأسماك في موريتانيا قد بلغت عام 2013م حوالي 10 مليارات دولار، وتُقدّر الخسائر الناتجة من استنزافها بحوالي 390 مليون دولارٍ سنويّاً[23].

كذلك تعاني مصايد الأسماك الداخلية من مشكلة الاستغلال الجائر لمواردها؛ فقد شهدت بحيرة فكتوريا- على سبيل المثال- خلال السنوات الأخيرة زيادةً كبيرةً في أعداد الصيادين، وتعدد المصانع السمكية بضفافها، واشتداد المنافسة فيما بينها؛ ما أسهم في ارتفاع كميات الصيد بشكلٍ مطرد، لينعكس سلباً على الزريعة السمكية بالبحيرة؛ وبالتالي قدرتها على الإمداد[24].

وأدّى زيادة الطلب على الأسماك بالبحيرة إلى اتباع طرقٍ غير قانونية في صيد الأسماك (شكّلت 40%)، كاستخدام شِباكٍ مخالفة، وإقامة سدود وأحواش داخل الجسم المائي للبحيرة.. وغيرها[25]. وفي إحدى الدراسات، التي أُجريت بالاستبانة على عدد 1066 صياداً (عام 1999م)، بالأقطار الثلاثة المطلة على البحيرة، أشار 33% منهم إلى أنّ تناقص المخزون السمكي بالبحيرة يرجع إلى مخالفة الصيادين لتعليمات الصيد، ورأى 32% منهم أنّ تناقص المخزون يعود إلى الإفراط في الصيد، بينما أفاد 11% منهم أنّ ذلك يعود إلى تلوث مياه البحيرة أو بسبب انتشار «ياسنت الماء» Water Hyacinth[26].

(3) التدهور البيئي:

تشهد العديد من المصايد السمكية بالقارة تغيّراتٍ بيئيةً كبيرة، تؤثّر بالسلب على إنتاجيتها من الأسماك، على سبيل المثال: بحيرة توركانا- التي تقع على الحدود بين إثيوبيا وكينيا- التي تشهد تحدياً أكبر؛ نتيجة انخفاض مستويات المياه في البحيرة بسبب الجفاف الدائم والتبخر وترسّب الطمي. وقد حذّر دعاة حماية البيئة مؤخّراً من أنّ أنشطة بناء السدود الجارية حاليّاً على نهر أومو (النهر الرئيسي الذي يمدّ البحيرة بالمياه) يمكن أن تؤثّر سلباً على مستويات المياه بالبحيرة، وبالتالي على سُبُل عيش الآلاف الذين يعتمدون على البحيرة.

ويؤثّر التلوث المائي بشكلٍ سلبيٍّ على موارد الثروة السمكية كمّاً وكيفاً، وتتمثّل أهمّ مصادره في تسرّب البقع الزيتية من شاحنات النفط، كما حدث على الشواطئ الموريتانية (مايو 2015م)، وعلى سواحل قرقنة في تونس (نوفمبر 2017م)؛ وتسببت في موت الإسفنج ونفوق كمياتٍ كبيرةٍ من الأسماك. كذلك تتلقى المصايد الداخلية كمياتٍ ضخمةٍ من مخلفات الصرف الصحي والزراعي والصناعي؛ لضعف أو انعدام شبكات البنيات التحتية في أجزاء عديدة من القارة، وبخاصّةٍ إفريقيا جنوب الصحراء، فضلاً عن الإضرار بالشِّعاب المرجانية على سواحل القارة، وهو ما يضرّ بموارد الثروة السمكية؛ حيث تُشكّل مأوًى حيويّاً للتجمعات السمكية البحرية.

(4) نقص التجهيزات وضعف إمكانات مرافق الصيد:

أظهرت الدراسات أنّ الفاقد والمهدر من الأغذية ينجمان عن عوامل متعددة، تنبثق عن قصورٍ ومواطن ضعفٍ فنية وتكنولوجية مرتبطة بالبنية التحتية في المعارف والمهارات، والتي تشكّل مجتمعةً 65% من الأسباب التي تقوّض توافر الأغذية[27].

ولا تزال المصايد الإفريقية- وغيرها من مصايد دول العالم النامي- تفتقر إلى أجهزة تجفيفٍ وتدخينٍ وتبريدٍ حديثة، وتحتاج إلى معدات تخزينٍ ونقلٍ محسّنة، للحدّ من الفاقد والمهدر من الأغذية على امتداد سلسلة الإمداد.

وعلى السواحل الشرقية للقارة؛ تعرّض أكثر من 50 مرفقاً من مرافق قطاع الثروة السمكية بالصومال للنهب والتدمير خلال الأعوام الماضية، وعاد الصيادون الصوماليّون يمارسون الصيد بطرقٍ ووسائل بدائية باستخدام الشِّباك والزوارق البسيطة، بالإضافة إلى سوء الأحوال الأمنية، إلى جانب عقبة التمويل وقلّة الإمكانات، وبخاصّةٍ إمدادات الوقود، وورش إصلاح الزوارق، والمعدات، ووسائل حفظ الأسماك وتعليبها[28].

(ب) معوقات تطوير المزارع والمرابي السمكية:

وفقاً لإحصاءات عام 2015م؛ تأتي مصر في المرتبة الأولى إفريقيّاً، والعاشرة عالميّاً، في إنتاج الأسماك المستزرعة، ويُسهم هذا القطاع بنحو 77.4% من مجموع الإنتاج السمكي المصري[29]. والفكرة الأساسية في إنشائها هي استغلال الأراضي البور، والأراضي غير الصالحة للزراعة. ويعتمد هذا النشاط على استخدام مياه الصرف الزراعي، ومواد العلف رخيصة الثمن لإنتاج بروتينٍ حيواني عالي القيمة الغذائية.

إلا أنّ هذا القطاع يشهد العديد من المعوقات، التي من أهمها: القصور في الموارد العلفية المتاحة وارتفاع أسعارها، وانخفاض جودة المياه المستخدمة وتلوثها، وعشوائية تصميم الأحواض السمكية وانهيار جسورها، وعدم توفر زريعة وإصبعيات الأسماك بالأعداد اللازمة للاستزراع، بجانب ما تسبّبه الأعداء الطبيعية للأسماك في المزارع من خسائر كبيرة[30]، بالإضافة إلى ممارسات الاستزراع ذات التأثير السلبي على البيئة، كاستخدام مغذيات مخالفة للبيئة ومحفزات وهرمونات نموٍّ تضرّ بالصحّة العامّة[31].

وفي إفريقيا جنوب الصحراء؛ تتمثل أهمّ معوقات تطوير قطاع الاستزراع السمكي في الآتي[32]:

? ضعف إمكانية الحصول على القروض: حيث يتمّ إعطاء الأفضلية لقطاعاتٍ أخرى من الاقتصاد، مثل قطاعَي البترول والتعدين، بسبب العوائد الضخمة لاستثماراتها.

? مشكلات التسويق: ينتج مزارعو الأسماك في إفريقيا جنوب الصحراء بشكلٍ رئيسٍ للسوق المحلي؛ بسبب تكلفة الإنتاج، وسياسة التجارة الدولية الحكومية، وسلوك الأفارقة إزاء ما يتمّ إنتاجه في إفريقيا.

? محدودية الأنواع السمكية المتاحة للاستزراع: حيث لا يزال التركيز على مزارع المياه العذبة، وعلى أنواعٍ محددةٍ من الأسماك، مثل: أسماك السلور والبلطي في نيجيريا، بينما لا يحظى استزراع أسماك المياه المالحة بشعبيةٍ كبيرةٍ في كثيرٍ من بلدان الإقليم.

? الطبيعة الائتمانية لأسواق الأسماك: يقع معظم مزارعي الأسماك- في كثيرٍ من الأحيان- تحت تحكّم الوسطاء والمشترين الذين يشترون دائماً على أساس الائتمان.

? عدم الاستقرار في أسعار مدخلات ومخرجات الإنتاج: ويُعزى ذلك إلى البيئة الاقتصادية غير المستقرة بالمنطقة.

? عدم وجود- أو ضعف- قيود صيد الأسماك بالمصايد الطبيعية: وذلك في بعض أجزاء إفريقيا؛ ومن ثَمّ فإنّ أسماك المصايد الطبيعية تكون أرخصَ لعدم وجود تكلفة إنتاج.

? الفيضانات السنوية والكوارث الطبيعية الأخرى: لم يلجأ الكثيرون إلى الاستزراع السمكي بسبب الفيضانات، كما أنّ الجفاف الشديد في بعض أجزاء الإقليم في بعض المواسم لم يساعد بالفعل في تنمية هذا القطاع.

سادساً: حماية المصايد السمكية في إفريقيا وتنميتها:

(أ) تجارب إفريقية رائدة في مجال حماية المصايد السمكية وتنميتها:

يساند البنك الدولي حاليّاً الجهود التي تبذلها حكومات غرب إفريقيا لتحسين إدارة مواردها الطبيعية الغنية، من خلال برنامج مصايد الأسماك بمنطقة غرب إفريقيا. ويساند البرنامج مزيجاً من أنشطة التعاون الإقليمي، والإصلاحات الوطنية، والتعليم المحلي، والتمكين من أجل مساعدة بلدان غرب إفريقيا على العمل لإدارة الموارد المشتركة[33].

1- «الصيد القائم على الحقوق» في السنغال:

أحرزت مجتمعات الصيد على امتداد الساحل السنغالي تقدّماً كبيراً في تطوير إدارة «المصايد القائمة على الحقوق»، حيث تتحمل هذه المجتمعات المحلية نفسها المسؤولية عن إدارة مواردها الطبيعية وبيئاتها البحرية بطريقةٍ سليمةٍ وصحّية، حيث يعمل السكان مع المنظمات الدولية والإقليمية في إطار برنامج مصايد الأسماك بمنطقة غرب إفريقيا لإقامة «مناطق للإدارة المشتركة»، تضطلع مجتمعات الصيد المحلية بإدارتها بالكامل.

وتحدّد مجموعة الإدارة المحلية عدد قوارب الصيد التي يمكن أن تخرج للصيد في وقتٍ واحد، وتقوم بالتسجيل الجماعي لسفن الصيد، وتستخدم الدوريات الذاتية لفرض هذه القيود. وبعد أقلّ من أربع سنوات، من إطلاق «برنامج مصايد الأسماك بمنطقة غرب إفريقيا»، انتعشت مخزونات الأسماك مرةً أخرى في هذه المنطقة.

واتخذت السنغال خطوةً جادّةً في إدارة المناطق الساحلية على المحيط الأطلسي عام 2012م، حيث تمّ إلغاء تراخيص الصيد للأجانب في المنطقة الاقتصادية الخاصّة بالسنغال، والتي تمثّل 158 كم2 من المحيط وتكرّس للصيد التجاري، وهو ما شكّل دعماً كبيراً لصغار الصيادين السنغاليّين.

2- الرقابة المجتمعية على المصايد في ليبيريا:

يجري تنفيذ هذا البرنامج من خلال كلٍّ من: برنامج علوم المجتمع من أجل الموارد الساحلية والبرية في ليبيريا مع المكتب الليبيري للمصايد الوطنية التابع لوزارة الزراعة، وذلك بمشاركة المتطوعين، من أجل استخدام المناهج العلمية الأساسية في المراقبة الدورية للمؤشرات الرئيسة لسلامة المحيط ومصايد الأسماك (قياس درجات حرارة الهواء والماء- وإجراء فحوصات صحّية بمواقع تفريغ الأسماك وتجهيزها- وفحص البلاغات عن الصيد بشِباك الجرّ والممارسات المدمرة خلال الصيد)، وتقوم الحكومة الوطنية بجمع المعلومات للمساعدة في إثراء السياسات.

ومن الآليات الأخرى اللازمة من أجل نشاط صيدٍ مستدامٍ بالمصايد الإفريقية:

3- توجيه البلدان لإدراج المصايد في خطط التكيف الوطنية مع التغيرات المناخية:

دعمت منظمة الأغذية والزراعة عدداً من البلدان لتنمية قدراتها على مواجهة آثار تغيّر المناخ في مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، ففي عامَي 2016 و2017م تمّ تنفيذ مشاريع وطنية وإقليمية للتكيف مع تغيّر المناخ في ملاوي ومنطقة تيار بنجويلا (أنجولا وناميبيا وجنوب إفريقيا) في قارة إفريقيا. ويتمثّل الهدف الشامل لهذه المشاريع في زيادة قدرة قطاع مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية على التكيّف وتعزيز قدرته على الصمود. وما زالت هناك حاجةٌ إلى فَهْمٍ أشمل لآثار تغيّر المناخ على الصعيدَيْن الوطني والمحلي، وضرورة تكييف ممارسات إدارة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية واستغلالهما[34].

4- تعزيز منظمات صيادي الأسماك:

لابُدّ من تمكين مجتمعات الصيد واستزراع الأسماك من خلال العمل الجماعي ومنظمات صيادي الأسماك، وذلك لتمكين المجتمعات المحلية الفقيرة من الوصول للخدمات والأسواق، والمشاركة في اتخاذ القرارات ووضع السياسات اللازمة لتحسين قطاع مصايد الأسماك، بالإضافة إلى الرعاية الاجتماعية والحفاظ على الموارد السمكية وحماية الأنظمة البيئية.

5- استخدام المنتجات السمكية الثانوية، وتحديث المرافق للحدّ من الفاقد:

تهدف مبادرة «النمو الأزرق»- التي تتبناها الفاو- إلى إرساء بيئةٍ مواتيةٍ للعاملين في مجال صيد الأسماك وتربية الأحياء المائية، وتركّز على أربعة مجالات عملٍ رئيسة، هي: مصايد الأسماك الطبيعية؛ تربية الأحياء المائية؛ سُبُل المعيشة ونُظُم الأغذية (التجارة، الأسواق، مرحلة ما بعد الحصاد، والدعم الاجتماعي)؛ وخدمات النُّظُم البيئية.

وشددت المنظمة الدولية (الفاو) على: أنّ تحديث مرافق التجهيز، والحدّ من الفاقد والمهدر، وزيادة استخدام المنتجات السمكية الثانوية، وتعزيز قدرات الجهات الفاعلة الصغيرة في سلسلة القيمة، يوفّر العديد من الفرص المهمّة لزيادة استهلاك الأسماك والإسهام في تحقيق النمو الاقتصادي[35].

ب- الاستراتيجية البحرية المتكاملة لإفريقيا لعام 2050م:

توفّر الاستراتيجية البحرية المتكاملة لإفريقيا لعام 2050م إطاراً واسعاً للحماية والاستغلال المستدام للمجال البحري الإفريقي، وتدمج الاستراتيجية خطة العمل المرفقة لتفعيلها مع رؤيةٍ واضحة المعالم وأهدافٍ قابلةٍ للتحقيق، ومن أهمّ ما جاء بها بشأن مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية[36]:

? تشجيع جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي على مواصلة تطوير مصايد الأسماك الداخلية المستدامة وتربية الأحياء المائية.

? دمج وتنفيذ السياسة المشتركة لمصايد الأسماك لحفظ وإدارة واستغلال الأرصدة السمكية؛ وفقاً للنُّظُم البيئية لكلّ المنطقة البحرية الحصرية المشتركة (CEMZA) عند إنشائها.

? ردع أنشطة الصيد غير المشروع، من خلال وضع عقوباتٍ صارمةٍ لحرمان المخالفين من فوائد أنشطتهم غير القانونية، واتخاذ مجموعة من التدابير، من أهمها: رصد ومراقبة السفن، اعتراض الصيد غير المسؤول، تنفيذ القواعد التقنية لسلامة السفن غير التقليدية، تعزيز الرقابة الفعّالة لدولة العلم؛ من خلال تنفيذ تدابير وترتيبات المنظمة الإقليمية لإدارة مصايد الأسماك.

? التعاون للمحافظة على الموارد البحرية الحيّة، من خلال التنسيق من قِبَل الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي، ومن المجموعات الاقتصادية الإقليمية والمنظمات الإقليمية لإدارة مصايد الأسماك (RFMOs)، لضمان تعزيز وتطبيق أحكام مواد اتفاقية قانون البحار.

? تنفيذ دورياتٍ بحريةٍ يومية، والدعوة لإعلان المناطق المحمية البحرية، وتطبيق القواعد والأنظمة الخاصّة بها، باعتبارها وسيلةً للحفاظ على التنوع البيولوجي البحري وحماية الأنواع البحرية المهددة بالانقراض بسبب الصيد الجائر.

? اعتماد التكنولوجيا المتقدّمة لزيادة القدرة التنافسية للقطاع البحري الإفريقي في السوق العالمية، من خلال مبادراتٍ على البحث والتطوير، بما في ذلك تجميع المعرفة في مركزٍ إفريقيٍّ للبيانات البحرية، بالإضافة إلى تحديث البيانات وتحليل الاتجاهات التي تفسّر المعلومات التي تمّ جمعها.

? السعي للحصول على التعويضات المناسبة عن الخسائر التي نجمت عن الإفراط في الصيد والصيد غير المشروع للأسماك في المجال البحري الإفريقي خلال العقود الخمسة الماضية، وإنشاء صندوق تعويضات تُستثمر عائداته في تطوير الصناعات السمكية المستدامة في إفريقيا.

[1] الاتحاد الإفريقي، الاستراتيجية البحرية المتكاملة لإفريقيا لعام 2050م، 2012م، متاح على:

www.au.int/maritime.

[2] متاح على:

http://www.fao.org/news/story/ar/item/1062938/icode

[3] World Fish Center, Fish and Food Security in Africa, Available at:

http://pubs.iclarm.net/resource_centre/Fish%26FoodSecurity%20in%20Africa.pdf.

[4] الفاو، حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم، 2018م، ص50.

[5] Tall, A., World Trade Trends for Fishery Products and the Share of Africa, INFOPECHE Trade, March 2002, pp.5-6.

[6] FAO, Globefish - Analysis and information on world fish trade,Available at:

http://www.fao.org/in-action/globefish/fishery-information/resource-detail/en/c/338418.

[7] الفاو، مصدر سبق ذكره، ص (35-38).

[8] الفاو، مصدر سبق ذكره، ص20.

[9] الفاو، حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم، 2016م، ص33.

[10] المصدر السابق، ص33.

[11] FAO, The Value of African Fisheries, Fisheries and Aquaculture Circular No. 1093, FIPS/C1093, 2014, pp.4-5.

[12] أماني إسماعيل، قيمة مصايد الأسماك الإفريقية، متاح على:

http://www.gafrd.org/posts/638824

[13] الفاو، مصدر سبق ذكره، 2016م، ص78.

[14] الفاو، مصدر سبق ذكره، 2016م، ص190.

[15] FAO, Fishery and Aquaculture Statistics, Op.Cit, p.4.

[16] الفاو، مصدر سبق ذكره، 2018م، ص133.

[17] الفاو، المصدر السابق، ص135.

[18] Greenpeace, Africa’s fisheries paradise at a crossroads, Investigating Chinese Companies' illegal FishingPractices in West Africa, May 2015, p.13-14.

[19] متاح على:

https://www.reuters.com/article/us-senegal-china-fishing-idUSKBN1910Z4

[20] البنك الدولي، غرب إفريقيا: مجتمعات الصيد تعيد العافية إلى الموائل البحرية بالمحيط الأطلسي، متاح على:

http://www.albankaldawli.org/ar/news/feature/2013/06/05/west-africa-fishing-communities-restore-health-to-ocean-habitats.

[21] المصدر السابق.

[22] دعا إلى المبادرة البنك الإفريقي للتنمية (BAD)، وتهدف إلى تشجيع مصايد أسماك أكثر مسؤولية واستدامة، من خلال تعزيز الشفافية والمشاركة في إدارة مصايد الأسماك، وتعميم المعلومات المتعلقة بالمصايد، وتشمل هذه المعلومات على سبيل المثال: تقديرات الأرصدة السمكية والنظم الإيكولوجية البحرية، والإحصاءات المتعلقة بمصايد الأسماك، وطرق منح تراخيص الصيد، والكشف عن عقود الصيد.

[23] البنك الدولي، موريتانيا: الاعتماد على الثروة الطبيعية لمستقبل مستدام، أبريل 2014م، ص18.

[24] Odada,E.O, et al, Mitigation of Environmental Problems in Lake Victoria, East Africa: Causal Chain and Policy Options Analyses, Ambio Vol. 33 No. 1–2, Feb. 2004, pp.14-15.

[25] Op. Cit, p.16.

[26] Loc. Cit.

[27] الفاو، لجنة مصايد الأسماك، الحد من الفاقد والمهدر من الأسماك، سبتمبر 2017م، ص4. متاح على:

http://www.ipcinfo.org/fileadmin/user_upload/COFI/FishTrade/uploads/6a.pdf.

[28] مركز مقديشيو للبحوث والدراسات، الفرص والتحديات أمام استغلال الثروة السمكية في الصومال، 2017م، متاح على:

 http://mogadishucenter.com/wp-content.

[29] وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، كتاب الإحصاءات السمكية السنوي، 2015م.

[30] وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، الإدارة العامة للتطوير والإرشاد، المعوقات التى تواجه المزارع السمكية وسبل التغلب عليها، سلسة النشرات الإرشادية (36)، 2009م.

[31] صبحي رمضان فرج، "التحليل الاقتصادي البيئي لمشروعات الاستزراع السمكي في مصر: دراسة جغرافية"، مجلة كلية الآداب، جامعة كفر الشيخ، عدد يونيه، 2015م، ص (932-933).

[32] Abiodun, E., Fish Farming in Sub-Saharan Africa: 8 Major Challenges, July 2016, Available at: http://www.profitablefishfarming.com/fish-farming-sub-saharan-africa-8-major-challenges.

[33] البنك الدولي، غرب إفريقيا: مجتمعات الصيد تعيد العافية إلى الموائل البحرية بالمحيط الأطلسي، مصدر سبق ذكره.

[34] الفاو، مصدر سبق ذكره، 2018م، ص139.

[35] أدى استخدام الرفوف المرفوعة لتجفيف الأسماك، في البلدان المطلّة على بحيرة تنجانيقا، إلى خفض فاقد ما بعد الصيد إلى النصف في غضون سنتَيْن، كذلك تقليل الفاقد من 25% إلى 4.9% ومبلغ 120 ألف أرياري مدغشقري لكلّ رحلة، من خلال تحسين صناديق نقل سرطان البحر على الزوارق، (الفاو، لجنة مصايد الأسماك، 2017م، ص5).

[36] الاتحاد الإفريقي، مصدر سبق ذكره.