المصارف الإسلامية في إفريقيا الواقع والمستقبل

  • 10 -4 - 2013
  • الصديق طلحة رحمة


د. الصديق طلحة محمد رحمة 

يُعد دخول الإسلام في إفريقيا وتغلغله فيها معلماً واضحاً في تاريخها، تمثّل في الهجرات المتعدّدة، وأبرزها هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة، ثم الفتوحات، واستقرار جماعات من الفقهاء والعلماء، وقيام السلطنات والممالك الإسلامية، وظهور حركات الجهاد والتحرّر الإسلامي في العديد من أرجائها ضد الاحتلال الغربي.

سادت إفريقيا في ظلّ الممالك الإسلامية النُّظم الإسلامية المختلفة، ومنها النّظام الاقتصادي الذي شمل التعاملات المالية والتبادلات التجارية، وطبقت نُظُم المواريث، والزكاة، والأوقاف - بالرغم من الاختلاف في نسب التعاطي مع الإسلام -، وقد ظلّت صور تلك النُّظم ماثلة في الأذهان، الأمر الذي ساعد على سرعة تقبّل نماذج المصارف الإسلامية الحديثة؛ ومن ثم أصبح التمويل الإسلامي في العديد من البلدان الإفريقية عنصراً مهمّاً ومدرجاً في برامجها للتنمية الاقتصادية؛ خصوصاً أن إفريقيا بها ثاني أكبر تعداد سكاني للمسلمين في العالم؛ حيث يبلغ عدد المسلمين فيها 540 مليون نسمة، بنسبة 52,4% من مجموع سكانها.

يسعى هذا المقال إلى تقديم صورة عن نشأة الصيرفة الإسلامية وتطورها بصورة عامة، وفي إفريقيا بصورة خاصة: واقعها، ودورها في عملية البناء والتنمية، إضافة إلى تلمّس الفرص المتاحة، واقتراح الحلول لما تواجهه من مشكلات، وصولاً - من خلال بعض المؤشرات - إلى ما يُتوقّع لها من مستقبل في القارة. 

التمويل المصرفي الإسلامي.. مفاهيم وأنماط:

انتظمت المصارف الإسلامية الحديثة العالم اليوم، وأصبحت مفاهيم الصيغ الإسلامية متداولة ومعترفاً بها حتى في المصارف الغربية ولدى المؤسسات الدولية، وهو ما أعاد الثقة من جديد في النماذج والمشتقات الإسلامية، وفي قدرتها على التكيّف والتأقلم والتجديد، وإمكانية استخدامها لاستحداث مفاهيم تنموية شاملة وكاملة واستنباطها.

يرتبط مفهوم نماء المال في إطار الفقه الإسلامي بممارسة نشاط استثماري، تتحقّق من خلاله الإيرادات المقدّرة، فالإيراد يمثّل نتاج لممارسة ذلك النشاط، يعزّز هذا الفهم بعض العلماء والفقهاء، كما جاء في حاشية قليوبي وعميرة في الجزء الثاني: «وَالرِّبْحُ، إنَّمَا هُوَ مُكْتَسَبٌ بِحُسْنِ التَّصَرُّفِ»[1]، ويقول ابن قدامة: «قولهم إن الربح تابع للمال وحده ممنوع، بل هو تابع لهما (أي المال والعمل)، كما أنه حاصلٌ بهما...»[2]، فالمال النقدي - كما يقول الفقهاء - لا يلد النقد بذاته، إذ لا بد من أن ينتقل ويتحوّل إلى عروض وسلع، ثم يعود مرة أخرى إلى نقد، ويتعرّض بذلك للمخاطر؛ فتُطبّق القاعدة الفقهية: (الغُنم بالغُرم = الكسب بالخسارة)، وهو ما يُتعارف عليه في اللغة الإنجليزية بعبارة Profit-and- Loss- Sharing Based Banking.

ومن جانب آخر؛ يصدق على التفاعل بين رأس المال والعمل، إضافة إلى حُسن الأداء والتصرّف، مفهوم ممارسة النشاط التشغيلي للمؤسّسة أو المنشأة، والذي يعد التمويل من أساليبه (الاقتراض، والتشغيل) التي تقرّها الشريعة الإسلامية، ما لم يكن ديناً بموجب فائدة فإنها تحرّمه.

تجربة المصارف الإسلامية في قارة إفريقيا تنبئ بمستقبل مشرّف من خلال القبول الشعبي والاهتمام الرسمي

وعن مفهوم «ثمنية النقود» يورد يوسف كمال في مؤلفه (المصرفية الإسلامية) قول ابن القيم: «الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي يُعرف به تقويم الأموال؛ فيجب أن يكون محدّداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلّع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع...»[3].

وهذا المفهوم يتفق مع ما يُعرف بحياد النقود وعدم إمكانية تحويلها إلى سلعة، والمخاطر المترتبة على ذلك، ويُعد مفهوم ثمنية النقود حجر الزاوية في إبانة مفاهيم أسعار الفائدة الدائنة والمدينة ووضعها ودورها، والتي صاغ الاقتصاد الغربي بمقتضاها العديد من النظريات التي تسوّغ طرح مفاهيم استخدام أسعار الفائدة، وجعلها إطاراً يحكم حركة التمويل المعاصر بصورة راتبة.

بالرغم من محاولة العديد من الاقتصاديين التخلّص من سعر الفائدة، أو التقليل من أثرها ودورها في الحياة الاقتصادية، فإنه ظلّ سائداً، حتى إن بعض منسوبي الإسلام عمدوا لإجازة استخدام أسعار الفائدة لإخفاقهم في تسويغ مطابقة التعامل بها وفق مفاهيم الربا في الشريعة الإسلامية، ولا شك أن أسعار الفائدة المعاصرة هي الربا نفسه في الشريعة الإسلامية، لذا وجب تأكيد فهم الواقع الاقتصادي المعاصر وتطبيقاته بمنظار الربا وآثاره الضارة، ولا شك أن خروج النقود من دورها الحقيقي سيؤدي إلى العديد من المخاطر والمزالق التي لا تُحمد عقباها.

ويرتبط بذلك ملاحظة أن الائتمان المصرفي، وهو إقراض الأموال، يُعد العمود الفقري في أصول البنوك التقليدية الربوية، بينما هو في الإسلام استثمار مباشر، وتمويل لشراء السلع، أو المضاربة، أو المشاركة وغيرها، وهو ما يقوم عليه المصرف الإسلامي.

وإن من أهم ما يميز أساليب التمويل الإسلامي عن غيره ارتباط عائد التمويل بنتيجة الأعمال (ربح، أو خسارة)[4]، وأنه يحتمل المخاطرة، وذلك وفق مبدأ «الغنم بالغرم»، فالإسلام يسعى لربط العديد من المعاملات المرتبطة بالجهد مع المكونات المالية الأخرى، كما يؤكد ضرورة تحريك المال، كالحثّ على استثمار مال اليتيم، لاستنباط العديد من المؤشرات التي تتكوّن من خلال الشكل المتجدّد للمال، ومن ثم الانتفاع به، لذلك نجد أن المفاهيم وأنماط الصيغ المستنبطة والمستخدمة فيما يخصّ المال وتحريكه تشكّلت في دائرة متّسعة ومستديمة ومتجدّدة وفق معايير واضحة، من أبرزها:

1 - الاستثمار المباشر.

2 - صيغة المشاركة.

3 - صيغة المضاربة.

4 - بيع المرابحة.

5 - بيع السلم.

6 - الإجـارة.

وهنالك غير ما ذكر أنماط  مختلفة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بالإسلام، تساعد على تصميم الشكل المناسب للوصول إلى مؤسّسات مالية تعمل وفق الموجّهات الشرعية الإسلامية في معاملاتها، وتطوير آليات جديدة لجذب الموارد وتوظيفها، لترسيخ تجربة الصيرفة الإسلامية، والتي ننتقل إليها بملمح تاريخي فيما يلي.

تاريخ المصارف الإسلامية:

الصيرفة الإسلامية ليست ظاهرة حديثة؛ فهي جزء لا يتجزأ من النِّظام الاقتصادي الإسلامي، والذي يدخل ضمن منظومة العقيدة الإسلامية السّمحاء، وقد قدّم الإسلام منذ البعثة النبوية وحتى اليوم نماذج وتجارب تطبيقية ثرّة، اعتمدت على قواعد محكمة لتنظيم المعاملات المالية وترشيدها، وزخرت السيرة النبوية وتجارب الخلفاء الراشدين ومن بعدهم بنماذج ناجحة من المعاملات المالية الإسلامية، وذلك عبر الحقب التي شهدتها الدول والدويلات الإسلامية، وقدّمت العديد من الحلول العملية للمشكلات الاقتصادية.

إن إدراك هذين البعدين العقدي والتاريخي للصيرفة الإسلامية يفسّر ما حظيت به المصارف الإسلامية في عصرنا الحاضر من قبول، جعلها تُثبت وجودها يوماً بعد يوم وتنتشر بهذه السرعة، إذ يُعد قيام المصارف الإسلامية الحديثة عملية إحياء لتلك النماذج والتجارب السابقة، مع الاستفادة من اجتهادات العلماء والمفكرين الإسلاميين حتى عصرنا الحاضر في تقديم رؤى لإمكانية صياغة نماذج معاصرة للتمويل والصيرفة الإسلامية، فكانت ثمرة تلك الجهود المصارف الإسلامية التي تتميز بوصفها مؤسّسات شاملة، تتعامل في العديد من المجالات ولا تقتصر على دور الوساطة المالية كما هو في البنوك التقليدية، وهو ما يؤكد شمولية أنماط التمويل الإسلامية لجميع الأوجه المستخدمة، ويدلّ على المرونة في استخدام التمويل في الإسلام، وتميزه عن النظريات المادية الغربية التي تركز في التمويل النقدي فقط.

وفيما يلي تعريف بالمصارف الإسلامية، وبيان لدوافع إعادة إحيائها، والعوامل المساعدة في تطوّرها ونجاحاتها، وأبرز مميزاتها.

تعريف المصرف الإسلامي:

يُعرف المصرف الإسلامي في إطار اقتصاديات النقود والصيرفة والتجارة الدولية بأنه «مؤسّسة مصرفية، هدفها تجميع الأموال والمدّخرات من كلّ من لا يرغب في التعامل بالربا (الفائدة)، ثم العمل على توظيفها في مجالات النشاط الاقتصادي المختلفة، وكذلك توفير الخدمات المصرفية المتفرّعة للعملاء بما يتفق مع الشريعة الإسلامية، ويحقّق دعم أهداف التنمية الاقتصادية في المجتمع»[5].

وفي تعريف آخر، هو: «مؤسّسة مالية إسلامية ذات رسالة اقتصادية واجتماعية، تعمل في ظلّ التعاليم الإسلامية، فهو بنك صاحب رسالة وليس مجرد تاجر، بنك يبحث عن المشروعات الأكثر نفعاً وليس مجرد الأكثر ربحاً، المصرف الإسلامي لا يهدف لمجرد تطبيق نظام مصرفي إسلامي، وإنما المساهمة في بناء مجتمع إسلامي كامل على أسس عقائدية وأخلاقية واقتصادية»[6].

يُستفاد من خلال هذين التعريفين أن الصيرفة الإسلامية تعتمد على أربعة أُسس، تتمثل في الآتي:

1 - الأساس الاستثماري.

2 - الأساس التنموي.

3 - الأساس الإيجابي.

4 - الأساس الاجتماعي[7].

وتعمل كلّ هذه الأُسس مجتمعة وفق إطار عقدي منبثق من الشريعة الإسلامية، وهو ما يدلّ على تكامل بناء المصارف الإسلامية وشمول أدائها التنموي، فالتنمية التي تحقّقها المصرفية الإسلامية لا تقتصر على التنمية الاقتصادية بشكلها المباشر، وإنما تشمل أيضاً التنمية الاجتماعية والأخلاقية، وهي مؤشرات غير مدرجة لا سابقاً ولا حالياً ضمن مؤشرات التنمية البشرية التي تصدرها مؤسّسات الأمم المتحدة.

إحياء النظام المصرفي الإسلامي:

لقد كان من أهم أسباب إحياء النظام المصرفي الإسلامي وقيام البنوك الإسلامية في سبعينيات هذا العصر تحرّر البلاد الإسلامية من المحتل، وما تبعه من صحوة إسلامية، إضافةً إلى زيادة الموارد المالية لدى أغلب الدُّول الإسلامية، وخصوصاً في ظلّ الطفرات النفطية المتعاقبة، فظهر العديد من المبادرات، وظهر الكثير من الأبحاث والدراسات والكتابات التي تنادي بقيام مؤسّسات إسلامية وفق أسس الشريعة الإسلامية ومقتضياتها.

كما كان للمجامع الفقهية دور بارز، تمثّل في وضعها للصياغة القانونية لأجل تطبيق صيغ التمويل الإسلامي، وقد شمل ذلك أيضاً تحرير الأجهزة المصرفية القائمة، وإبعاد كلّ التعاملات الربوية  القائمة وفق مفاهيم أسعار الفائدة، وشملت الفتاوى الشرعية: نظم الحسابات الجارية، ووضعها في إطار البنك الإسلامي، وتحريره من الربا وفق تكييفه بأنه قرض حسن في كونه وديعة مأذوناً في استخدامها ليصبح حساباً للخدمات فقط، وأيضاً تم رفض مفهوم الوديعة لأَجَل ذات الفائدة المصرفية، واستُبدل بها مفاهيم المضاربة الشرعية التي تنظّم العلاقة بين ربّ المال والمضارب.

وكان من أبرز المؤسّسات والمؤتمرات الإسلامية التي قدّمت الدّعم الفقهي للتعاملات البنكية ما يأتي:

- مجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي.

- مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

- المؤتمر الأول العالمي للاقتصاد الإسلامي.

يقول د. سعيد المرطان عن جهود هذه المرحلة: «ولقد تميّزت مرحلة الإحياء بقدر كبير من التنظيم والتأطير لمبادئ الاقتصاد الإسلامي في مجموعه، والتركيز بصفة خاصة في جوانب العمل المصرفي باعتباره العصب الأساسي والتطبيق العملي لهذا النظام، ففي هذه المرحلة ساهم الكثير من الاقتصاديين من المسلمين في الجامعات ومراكز البحوث مساهمات فعّالة في إعادة وصياغة المبادئ الأساسية للصيرفة الإسلامية من ناحية، وفي إيجاد وتدعيم سُبل الحوار مع المهتمين من الممارسين للعمل المصرفي والمشجعين من رجال الأعمال والمصارف للدخول إلى هذا المجال العملي؛ بإنشاء مصارف إسلامية قادرة على وضع النظرية موضع التطبيق العملي»[8].

ترتّب على هذه الجهود الإجماع على رفض التعامل بالفوائد، لكونها رباً محرّماً، دون استثناء، وتأكيد ضرورة البحث عن البديل للبنوك التقليدية الربوية.

في المؤتمر الثاني لوزراء خارجية الدول الإسلامية تقدّمت دولتان مسلمتان بمشروع «البديل الإسلامي»، وهو إنشاء بنوك إسلامية، فقامت على إثر ذلك البنوك الإسلامية، تتقدمها تجربة أحمد عبد العزيز النجار في «ميت غمر» بجنوب مصر بوصفها أول نموذج للمصرف الإسلامي، أعقبها العديد من النماذج والتجارب في دبي ومصر وغيرها، وبرزت مجموعة مصارف فيصل الإسلامية في مصر والسودان وغيرها، كما أُنشئ البنك الإسلامي للتنمية في جدة.

وشابه ذلك تجربة ماليزيا في تمويل الحجّ بوصفها وسيلة لتنمية الادخار وفق أهداف محدّدة، والذي اتسع نشاطه ليشمل قيام أوعية استثمارية متعدّدة لتحقيق تلك الأهداف وفق ضوابط إسلامية، ثم انتشرت وتطوّرت هذه المؤسّسات لتشمل شركات التكافل والتأمين الإسلامي، كما سارعت بتطبيق الصيغ الإسلامية، مثل: المرابحة والمشاركة والمضاربة وبيع السلم، وطورت ودائع الاستثمار بوصفها وعاء لجذب الودائع من الجمهور وفق مفاهيم المضاربة الشرعية، ويمثّل كلّ ذلك إطاراً مختلفاً عن الطرق السابقة في التمويل واستخدام الأموال.

أغرى ما حقّقته مؤسسات التمويل الإسلامي العديد من المصارف التقليدية في الأقطار الإسلامية وغيرها، وخصوصاً في إفريقيا، بإقامة نوافذ وإنشاء إدارات للخدمات المصرفية الإسلامية، كما حدث في المملكة العربية السعودية، وبعض الدول أقامت أجهزتها المصرفية بكاملها وفق المعايير الإسلامية، كالسودان، وباكستان، وإيران، وماليزيا، فزادت شبكة المصارف الإسلامية، بل اتجهت بعض المصارف الغربية، مثل «سيتي بنك» وغيره، إلى استخدام المشتقات الإسلامية كأنماط للتمويل، ومن ذلك البنك البريطاني الإسلامي بلندن.

وقد أدّى ذلك إلى زيادة عدد المؤسّسات الإسلامية واتسع انتشارها، حتى وصلت حالياً إلى ما يقرب من 600 مصرف إسلامي، و 90 شركة تكافل وتأمين إسلامي، تنتشر في أكثر من 80 بلداً في العالم، وتدير ما بين 500 و 800 مليار دولار، وصاحب ذلك قيام شركات للصكوك الإسلامية، وإنشاء هيئة المحاسبة والمراجعة للمصارف والمؤسّسات الإسلامية وغيرها، ويتوقّع المراقبون من خلال تطوّر دور المؤسّسات الإسلامية ومساهمتها في الاقتصاد العالمي كسب المزيد من القوة والتقدّم.

مؤشرات نجاح الصيرفة الإسلامية ودورها في الاقتصاد العالمي:

من هذه المؤشرات تقديم المصارف الإسلامية في الدول العربية والإسلامية وخارجها مجموعة متنوعة ومتزايدة من الخدمات والمنتجات المالية والمصرفية، وفقاً لصيغ التمويل والعمليات المصرفية الإسلامية، والتي أثبتت تفوقها إقليمياً ودولياً على الساحة المالية والمصرفية، في ظلّ نظام رأسمالي سائد، قامت فيه البنوك التقليدية على أساس واحد، وهو أسعار الفائدة.

تميّزت الصناعة المصرفية الإسلامية، وأثبتت قدرتها على تلافي تداعيات الأزمة المالية العالمية التي أطاحت بعدد كبير من البنوك التقليدية

تنامي مؤشرات البنوك الإسلامية أفقياً وعمودياً في الدول العربية والإسلامية، وزيادة اعتماد الصكوك الإسلامية بوصفها أداة فعّالة في نقل الأموال والمدخرات إلى قنوات الاستثمار والتنمية، كما ورد في تقرير المجلس العام للبنوك الإسلامية في البحرين مؤخراً: «أن نموذج العمل المصرفي الإسلامي يُعتبر مهماً...؛ نظراً لنجاحه خلال السنوات الأخيرة في تحويل المصارف الإسلامية إلى مصارف تمارس الخدمات المالية الشاملة، وفي تطوير أسواق المال العربية بفعل الأدوات الاستثمارية والمالية المهمّة التي أدخلتها الأسواق، ولإسهامها في توفير التمويل المناسب للمشروعات الإنتاجية والاقتصادية»، فهي مشارك مباشر في عمليات التمويل والاستثمار.

وجاء في ندوة الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية بالأردن في 12/1996م أن «المصارف الإسلامية ساهمت في تنشيط أسواق رأس المال الدولية في جوانب العرض والطلب، إذ استخدمت محافظ استثمارية وصناديق استثمار في الأسهم الدولية، فضلاً عن الإضافة النوعية التي أفرزتها التجربة على اعتبار أنها تطبيق مبكّر لفكرة المصارف الشاملة»[9].

أكد تقرير نشرته صحيفة إيكونومست البريطانية المعنية بالأخبار الاقتصادية العالمية أن البنوك الإسلامية فرضت واقعاً جديداً على السوق المصرفية العالمية، حتى اقتحمت مصطلحات «المشاركة» و «الصكوك» و «التكافل» قواميس البنوك الغربية، واستطاعت البنوك الإسلامية أن تطرح مفهوماً جديداً في التعاملات المصرفية، وليس أدلّ على ذلك من أن العديد من البنوك العالمية أنشأت أقساماً إسلامية لتلبية طلب العملاء المتزايد، بل إن بعضها أنشأ بنكاً كاملاً يسير وفقاً للعمل المصرفي الإسلامي استغلالاً لنظامه وإيماناً بجدواه الاقتصادية، كما سعت دول كبرى لإقامة مراكز جديدة للبنوك الإسلامية فيها، وبخاصة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وهو ما يمثّل اعترافاً دولياً بدور البنوك الإسلامية.

أصبحت المصارف الإسلامية موضع اهتمام المختصين في الجامعات والمؤسّسات المالية الدولية وغيرها، فقد سعى كلٌّ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لدراسة هذه الظاهرة، ومن ثم العمل للتعامل معها والاشتراك مع المسؤولين منها في متابعة أنشطتها المختلفة، وخصوصاً بعد ثبات التعاملات الإسلامية وقدرتها على التطوير وتميّزها بالحياد في أنشطتها، ووافق ذلك ظهور مؤشرات مالية إسلامية، مثل مؤشّر «داوجونز الإسلامي» و «سيتي قروب؛ من بنك سيتي الإسلامي» وغيرها.

وقد أكّد البنك الدولي في بعض دراساته صيغة العمل المصرفي الإسلامي، واقترح على الدول النامية أن تأخذ بها بوصفها تمويلاً مباشراً لاستثمار حقيقي تحتاج إليه هذه الدول.

ساهمت البنوك الإسلامية بشكل مباشر في انتعاش الاقتصاد العربي والعالمي؛ فهي - كما يؤكد بعض رجال الاقتصاد - شركة استثمار حقيقي، وليس استثماراً مالياً، ومن ثم فعملياتها هي الدخول في إنشاء مشروعات استثمارية وفقاً للأولويات الإنمائية للبلد الذي يوجد فيه البنك الإسلامي، كما يدخل في جميع المشروعات الاقتصادية التي تعمل على تنمية القدرة الإنتاجية للمجتمع موضع التنمية، ويوضح د. أبو عبد الله إدريس إيجابية المصرف الإسلامي مقارنة بالبنك الربوي بقوله: «إن البنك الربوي يقف كالمتفرج على الساحة الاقتصادية، يُقرض مَن يأتي إليه، ويغسل يديه من كلّ الأتعاب – الفائدة -، أما البنك الإسلامي فإنه المحرّك الأساسي للاقتصاد، فالودائع التي جمعها لا يقرضها، فهو يساهم بها في مشاريع تنموية مملوكة، أو يمول مشروعات بنفسه»[10].

وبالنسبة لتعبئة الموارد واجتذاب الودائع نجحت الصيرفة الإسلامية في تحقيق نسب مقدّرة بأسلوب مشاركة صاحب رأس المال في الربح والخسارة على أساس عقد المضاربة، ويذكر محمد البلتاجي أن: «معدّل النمو في القطاع المصرفي الإسلامي في العالم يصل إلى 15% سنوياً»[11]، وفي عام 2011م وحده نما حجم الصناعة بنسبة 24,4%، ليبلغ 1,084 ترليون دولار، ونما حجم إصدارات الصكوك في العالم بنسبة فاقت60%، لتصل إلى84,5 بليون دولار، وقد مثّل ذلك عاملاً مشجّعاً ومحفزاً للكثير من المؤسّسات المالية الإسلامية.

وفي مواجهة الأزمات المالية؛ تميّزت الصناعة المصرفية الإسلامية، وأثبتت قدرتها على تلافي تداعيات الأزمة المالية العالمية التي أطاحت بعدد كبير من البنوك التقليدية في معظم الاقتصاديات الصناعية.

وتقديراً لهذه النجاحات منحت مؤسّسات التصنيفات الائتمانية الدولية العديد من البنوك والمؤسّسات المالية الإسلامية أرفع التصنيفات الائتمانية، حيث أكّدت فاعلية إدارة الأموال، وأكّدت الأدوات المالية الإسلامية المختلفة نجاحها وقدرتها على تخطّي المعوقات المختلفة، ومواكبة التطوّرات التي تشهدها الصناعة المصرفية الإسلامية بما يتفق والضوابط الشرعية، ولبّت متطلبات الأفراد والمؤسّسات الحكومية والخاصة بيسر وكفاءة.

أبرز مميزات المصارف الإسلامية:

تتصف الاستثمارات وصيغ التمويل في المصرف الإسلامي بميزات كثيرة، أبرزها:

- التنوّع والتباين؛ حيث إن لكلّ نوع من أنواع الاستثمار سمات وخصائص يتميز بها عن الأنواع الأخرى.

- التفاوت في توقيت تحصيل العائد أو الإيراد.

- التفاوت في درجة المخاطر والضمانات اللازمة.

- التقيّد بالضوابط الشرعية التي تحكم العديد من الأدوات الاستثمارية.

- وهذا يمكّن من جانب آخر من اعتماد المصارف الإسلامية أجهزة للوساطة المالية، بالإضافة إلى دورها بوصفها أجهزة تعمل على المشاركة في الربح والخسارة.

ويلاحظ كذلك أن الوساطة المالية الإسلامية ليس شأنها شأن الوساطة المالية التقليدية؛ فهي مبنية على مبدأين أساسيين، هما:

1 - الشفافية، وتعني التوازن في المعلومات.

2 - المشاركة في حالة الخسارة أو الربح.

إفريقيا والمصارف الإسلامية:

تُعد تجربة «مصرف الادخار» في جنوب مصر، التي أشرف عليها د. أحمد النجار، والتي اعتمدت على مفهوم التربية الادخارية، ومن ثم طرح أسلوب جديد في التمويل، أول نموذج للبنوك الإسلامية في العالم، ومهدت دراسة تلك الحالة الطريق إلى التفكير في بنوك فيصل الإسلامية التي انتظمت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، فشهد السودان في عام 1977م قيام بنك فيصل الإسلامي بقانون خاص، ثم تبعه متزامناً بنك فيصل المصري، ولا شك أن تجربة بنوك فيصل الإسلامية التي أشرف عليها الأمير محمد الفيصل آل سعود، وما تبع ذلك من قيام الاتحاد العام للبنوك الإسلامية، والذي كان الأمين العام له هو الدكتور أحمد النجار صاحب أول نموذج للبنوك الإسلامية في مصر، كلّها كانت بدايات لمستقبل واعد.

ونستعرض فيما يلي أهم المنطلقات التي تشكّلت في مجموعات بنوك الفيصل، ومجموعات بنوك البركة، ودور البنك الإسلامي للتنمية ودعمه العديد من الدول الإفريقية في المجالات الاقتصادية وغيرها.

مجموعة بنوك فيصل الإسلامية:

كان من أهم النماذج وأولها مجموعة بنوك فيصل الإسلامية، والتي قامت بمبادرة من الأمير محمد الفيصل آل سعود، وبدأت بكلٍّ من مصر والسودان والنيجر وغينيا والسنغال وغيرها، ومؤخراً دخلت المغرب ونيجيريا، وتبع ذلك مجموعة من الشركات الإسلامية التابعة لها، وقد تكوّنت لهذه المجموعة أول هيئة رقابة شرعية للبنوك الإسلامية في العالم، تولّى إدارتها علماء من إفريقيا، منهم الشيخ محمد خاطر من دولة مصر العربية، والبروفيسور الصديق الأمين الضرير من السودان.

ومن ناحية أخرى؛ كان لبنك فيصل الإسلامي في السودان شرف قيام أول شركة تأمين إسلامي في السودان، كانت هي النواة لتنطلق منها شركات التأمين والتكافل الإسلامي على مستوى العالم أجمع، وعمل بنك فيصل الإسلامي السوداني بدور في إنشاء مجموعة من البنوك الإسلامية، مثل: بنك التضامن الإسلامي، وبنك الشمال الإسلامي، وغيرها، الأمر الذي أوجد الدعم المباشر لأن يسعى السودان إلى أسلمة الجهاز المصرفي بكلّ جوانبه، ومن ثم صياغة سياسات نقدية كلية منبثقة من التعاليم الإسلامية، وقيام الهيئة العليا للرقابة الشرعية للمصارف والمؤسّسات المالية.

مجموعة دلة البركة في إفريقيا:

تبعت مبادرة الأمير محمد الفيصل مبادرة أخرى، نجحت في إقامة مجموعة البركة المصرفية، وهي شركة مساهمة نشأت في مملكة البحرين، ويترأسها الشيخ صالح عبد الله كامل، وتُعد مجموعة البركة المصرفية من المصارف الإسلامية الرائدة عالمياً، بوصفها مجموعة متخصّصة في صناعة الخدمات المالية الإسلامية, كما تتميّز المجموعة بمبادرات التطوير في جميع مجالات المعاملات المالية الإسلامية، وبخاصة مجال تطوير الأدوات المالية الخاضعة للشريعة الإسلامية.

عملت مجموعة البركة المصرفية على قيام شركات تابعة لها، منها شركات للتأمين والتكافل وشركات تجارية أخرى، وتقدّم مجموعة البركة خدمات عديدة، منها التجزئة المصرفية والتجارية والاستثمارية وخدمات الخزانة، وتخضع جميع الخدمات التي تقدّمها المجموعة لقواعد الشريعة الإسلامية السمحاء، ويبلغ رأس المال المرخص به للمجموعة 1,5 مليار دولار أمريكي، كما يبلغ مجموع حقوق المساهمين نحو 1,57 مليار دولار، وقد حصلت المجموعة على تصنيفات ائتمانية طويلة وقصيرة الأجل جيدة من قِبل مؤسّسة ستاندرد آند بورز العالمية.

 وتتمتع المجموعة بانتشار جغرافي واسع في اثنتي عشرة دولة، تدير بدورها أكثر من 300 فرع، منها في إفريقيا: بنك البركة الجزائري / الجزائر، وبنك البركة السوداني / السودان، وبنك البركة / جنوب إفريقيا الذي تم تأسيسه بوصفه أول بنك إسلامي متكامل في جنوب إفريقيا في عام 1989م، وبنك التمويل التونسي السعودي / تونس، بنك التمويل المصري السعودي / مصر، إضافة إلى مكتب تمثيلي في موريتانيا.

البنك الإسلامي للتنمية:

تأسّس البنك الإسلامي للتنمية في جدة سنة 1975م، وهو بنك دولي، تشترك فيه جلّ الدول الإسلامية الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، وقد تم افتتاحه سنة 1976م، ويهدف البنك إلى دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية لشعوب الدول الأعضاء وللمجتمعات الإسلامية في الدول غير الأعضاء، مجتمعة ومنفردة، وفقاً لمبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها.

ساهمت مجموعة البنك الإسلامي للتنمية بجدة في دعم العديد من المشروعات الاستراتيجية وتمويلها، وأيضاً على عمل تدريب الكوادر وصقلها بدول منظمة التعاون الإسلامي، وكان للعديد من الدول الإسلامية بإفريقيا نسبة مقدّرة من المشروعات، كما ساهم البنك الإسلامي للتنمية بتأسيس شركة قابضة لإنشاء المصارف الإسلامية في إفريقيا بالمساهمة في شراء الأسهم التأسيسية بالتعاون مع البنوك الإسلامية القائمة بالمنطقة.

وضع المصارف الإسلامية في إفريقيا:

يتم استعراض وضع المصارف الإسلامية في بعض دول إفريقيا بغرض الإبانة والتمثيل والمقارنة، بوصفها نماذج تُقاس عليها باقي المصارف الإسلامية القائمة في بعض الدول الإفريقية الأخرى.

مصر:

سبقت مصر بتجربة بنوك الادخار في جنوبها، والتي أُنشئ على غرارها بنك ناصر الاجتماعي عام 1971م، وهو يقوم بكلّ أعمال البنوك دون التعامل بالفائدة، وفي عام 1977م تأسّس بنك فيصل الإسلامي المصري، وبدأ نشاطه في 5 يوليو 1979م بصفة شركة مساهمة مصرية، وفقاً لأحكام القانون رقم 43 لسنة 1974م، وفي عام 1989م تم إنشاء بنك التمويل المصري السعودي، كما صدر قرار البنك المركزي المصري في عام 1980م بالموافقة للبنوك التقليدية على فتح فروع إسلامية لها.

نيجيريا:

تشهد منطقة غرب إفريقيا بصورة عامة تطوّراً في الصناعة المصرفية الإسلامية، وبخاصة نيجيريا التي تضم أكبر عدد من المسلمين في إفريقيا جنوبي الصحراء، ويشكّل المسلمون أكثر من نصف سكانها البالغ عددهم 150 مليون نسمة.

كما أن بها أحد أسرع القطاعات المصرفية نمواً في إفريقيا، سواء على مستوى الخدمات المقدّمة للأفراد أو الشركات، ويقوم مجلس شرعي وطني بتحديد القواعد المنظّمة لأعمال المؤسّسات المالية الإسلامية، والتي يجري توحيدها من جانب البنك المركزي، حيث إن قانون البنوك والمؤسّسات المالية الأخرى في نيجيريا لعام 1991م بصيغته المعدّلة ينصّ على إنشاء مصارف إسلامية في نيجيريا، وقد تمّت الموافقة لبنك حبيب عام 1992م على تشغيل نافذة للخدمات المصرفية الإسلامية، وهو لا يزال يعمل مع بنك بي اتش بي، وفي يونيو 2011م تمّت الموافقة على منح تصريح لبنك جايز الدولي لبدء الأعمال المصرفية الإسلامية الأولى من نوعها في البلد.

جنوب إفريقيا:

حدثت تطوّرات كبيرة في السنوات الأخيرة في جنوب إفريقيا، جعلتها واحدة من أهم الدول الإفريقية في قطاع التمويل الإسلامي، وتُعد جنوب إفريقيا الدولة الإفريقية الأكثر تقدّماً من حيث قوة الهياكل التشريعية، وهياكل الحوكمة، وكذلك اللوائح، وهو ما يمنحها ميزة في تطبيق الأنظمة المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

لا بد لنماذج المصارف الإسلامية الحديثة أن تبتعد عن الحماس المفضي إلى تقديم صياغات غير ناضجة وغير مكتملة

ففي عام 2008م شكّلت وزارة الخزانة الوطنية في جنوب إفريقيا مجموعات عمل، مكوَّنة من ممثّلين عن البنوك وشركات التأمين والمحاسبة والاستثمار، لدراسة المتطلبات والآثار المترتبة على التزام الحكومة بخلق نهج أكثر إنصافاً للتمويل الإسلامي في البلاد، وتوّج ذلك بالتزام صريح من وزير المالية في خطابه الخاص بميزانية عام 2010م، تعهّد من خلاله بتبسيط النظام الضريبي، وتطبيق تدابير أخرى للحدّ من الروتين، وتعزيز جاذبية جنوب إفريقيا لتكون بمثابة موقع حيوي، تمتد من خلاله الأعمال إلى إفريقيا والعالم بأسره، وصدرت التعديلات الضريبية المقترحة في مايو 2010م، والتي من المتوقّع أن تهيئ مناخاً مناسباً لهذا القطاع في جنوب إفريقيا، ومساعداً أيضاً في بناء سوق حيوي ومتنام للتمويل الإسلامي.

وعلى صعيد قطاع المصارف الإسلامية؛ تم تأسيس بنك البركة بوصفه أول بنك إسلامي متكامل في جنوب إفريقيا في عام 1989م، وقامت البنوك التقليدية الرئيسة، مثل البنك الوطني الأول (FNB)، وهو جزء من مجموعة فيرست راند، وبنك اتش بي زد، وبنك ابسا، بإنشاء نوافذ إسلامية جنباً إلى جنب مع الممارسات المصرفية التقليدية، ويوجد حالياً بنك يقوم بتقديم الخدمات المالية الإسلامية بشكل متكامل، بالإضافة إلى أربع مؤسّسات تقوم بتشغيل نوافذ إسلامية.

وبعد أن أصبح البنك الوطني الأول أول بنك تقليدي يقوم بتقديم خدمات التمويل الإسلامي في عام 2004م؛ تم استخدام هيكل الإجارة في السوق في خدمات تمويل السيارات والأصول، وبعد ذلك بعام تم إدخال منتجات المضاربة، وكذلك تم توفير أنظمة المنتجات التجارية والعقارات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية.

وقد بدأت إدارة الأصول الإسلامية في جنوب إفريقيا عام 1992م مع إطلاق أول صندوق إسلامي مشترك في جنوب إفريقيا، باسم صندوق فيوتشر جروث البركة ايكوتي، وتمّت إدارة الصندوق في بادئ الأمر بواسطة مديرين للاستثمار من سنة 2000م إلى 2005م، وبعد ذلك تمّت إدارته من قبل فيوتشر جروث، والتي أصبحت منذ ذلك الحين عضواً في مجموعة أولد ميوتشوال انفستمنت جروب (أوميجسا).

ويبلغ عدد شركات إدارة الأصول في جنوب إفريقيا 11 شركة، تقدّم أنظمة استثمارية متوافقة مع الشريعة الإسلامية أو أنظمة استثمارية مشتركة، وتضم ربع العدد الإجمالي لشركات إدارة الأصول المسجَّلة تحت مجلس الخدمات المالية للبلاد، كما تدير مجموعة أواسيس لإدارة الأصول حالياً أكبر عدد من الصناديق الإسلامية في البلاد، والتي تشمل استثمارات محلية وأخرى خارجية.

وقد بدأ تداول أسهم أول صندوق متوافق مع الشريعة في البورصة في عام 2009م من قبل نيوفوندز، وهو مشروع مشترك بين أبسا كابيتال وفوناني كابيتال.

كما أن بيوت الاستثمار في جنوب إفريقيا تعرض استثمارات متوافقة مع الشريعة الإسلامية، تشمل: صناديق التقاعد، والمعاشات السنوية، وشركات توظيف برأسمال متغيّر، وإدارة للأوقاف.

وفيما يتعلق بعملية الصكوك؛ فإن إدخالها إلى السوق الجنوب إفريقي يتماشى مع توجّه وزارة الخزانة الوطنية نحو تنويع التمويل وقاعدة المستثمرين، وقد انضمت جنوب إفريقيا إلى مجموعة منتقاة من المناطق الجديدة التي تقوم بالإعداد لإصدار الصكوك السيادية، وقد تمّ إصدار الدعوة إلى البنوك في ديسمبر 2011م لتقديم العطاءات الخاصة بخدمة تقديم الاستشارات بشأن إصدار السندات الحكومية الإسلامية وهيكلتها في الأسواق المحلية والعالمية، كما قامت وزارة الخزانة الوطنية في البلاد بتعيين ستة بنوك لتقديم الاستشارات بشأن توقّعات إصدارات الصكوك السيادية، وهي مجموعة البركة المصرفية، وبنك بي إن بي باريبا، وشركة بيت إدارة السيولة، ونوفا كابيتال بارتنرز، وريجيمنت كابيتال، وبنك ستاندرد.

وعن دور المسلمين في جنوب إفريقيا؛ يذكر تقرير «بيتك للأبحاث» أن المسلمين في جنوب إفريقيا يمثّلون قرابة 2% من سكان البلاد، ولكن تدلّ كلّ المؤشرات على أنهم يساهمون بنسبة تزيد على 10% من إجمالي الناتج المحلي، لافتاً إلى جلب رجال الأعمال المسلمين وشركائهم العلامات التجارية العالمية إلى جنوب إفريقيا، فضلاً عن أنهم يقومون بتنفيذ عدد من أكبر المشاريع الإنشائية، ومشاريع تطوير البنية التحتية في البلاد.

السودان:

بدأت بواكير الاهتمام بموضوع الاقتصاد الإسلامي في السودان منذ منتصف الستينيات، عندما قرّرت جامعة أم درمان الإسلامية إقامة شعبة لتدريس الاقتصاد الإسلامي بإشراف د. أحمد عبد العزيز النجار، ود. محمد عبد الله العربي، وتبع هذا المشروع الدعوة لقيام مصرف للادخار وفق الموجّهات الإسلامية، الذي أقيم في سنوات السبعينيات برعاية د.أحمد عبد العزيز النجار، وبعد ذلك أُقيم بنك فيصل الإسلامي السوداني بوصفه أحد فروع مجموعة ومنظومة مصارف فيصل الإسلامية.

يورد د. محمد شيخون في كتابه (المصارف الإسلامية – دراسة في تقويم المشروعية الدينية والدور الاقتصادي والسياسي، دار وائل - 2002م)، أنه «بدأت الخطوات الأولى في الشروع لتطبيق فكرة الصيرفة الإسلامية في السودان عام 1966م في قسم الاقتصاد الإسلامي كمادة أساسية تدرس في قسم الاقتصاد، وقام بتدريسها كل من: د. محمد عبد الله العربي ود. أحمد عبد العزيز النجار، وانطلقت فكرة إنشاء مصرف إسلامي في السودان من هذا القسم»، ويواصل أيضاً: «وبعد أن مضى عقد من الزمان على ما تقدّم، وحدوث تطوّرات مهمّة في النظام السياسي، اجتمع الأمير محمد الفيصل آل سعود بالرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري في عام 1977م طالباً السماح بإنشاء بنك إسلامي في السودان، وتم الاتفاق على استصدار قانون خاص من مجلس الشعب في السودان بإنشاء بنك فيصل الإسلامي السوداني».

وأوضح السيد/ الباقر مضوي أول مدير لبنك الفيصل بالسودان أن «استجابة الدولة في كلّ المستويات كانت مشجّعة للغاية، ففي 18 أغسطس 1977م تم تسجيل بنك فيصل الإسلامي السوداني بصفة شركة سودانية عامة ومحدودة وفق قانون الشركات السوداني لعام 1925م، وقد مُنح البنك امتيازات وإعفاءات ضريبية وجمركية.

أما على المستوى الشعبي؛ فقد صاحب قيام بنك فيصل الإسلامي إقبال وحماس متزايد، تمثّل في زيادة الاكتتاب في الأسهم؛ ما حدا بالقائمين على تأسيسه إلى زيادة رأس المال الأولي من ستة ملايين جنيه إلى عشرة ملايين جنيه سوداني في خلال فترة الاكتتاب، وبعد مضي عامين فقط من تأسيس البنك لجأ البنك إلى زيادة رأس ماله مرة أخرى إلى خمسين مليون جنيه سوداني».

ويُعد بنك فيصل الإسلامي السوداني أول بنك إسلامي في السودان، وكان المؤسّسون له من السعوديين والسودانيين وبعض المواطنين من دول إسلامية أخرى، ومن البنوك الإسلامية الأخرى: بنك التضامن الإسلامي، وبنك البركة الإسلامي، والشركة الإسلامية للاستثمار، وبنك التنمية التعاوني الإسلامي.

وجدير بالذكر؛ أن جميع البنوك الموجودة في السودان قد تمّت أسلمتها منذ عام 1990م، حيث تبنّت الدولة التوجّه الإسلامي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مهيّئة بذلك المناخ الملائم لتطوير التجربة المصرفية الإسلامية في السودان.

كينيا:

أما في شرق إفريقيا، فقد بدأ العمل المصرفي الإسلامي في كينيا عام 2008م عندما سمحت الحكومة الكينية للبنك التجاري الكيني بالبدء بالعمليات التشغيلية لبنك الأمانة الإسلامي الذي يُعد أول بنك إسلامي في البلاد، إضافة إلى تأسيس البنك الخليجي الإفريقي، وكينيا لديها الآن اثنان من البنوك الإسلامية، تساهم بنحو 1% من صافي إجمالي موجودات القطاع المصرفي الكيني.

وقد أدخلت خمسة بنوك تقليدية أخرى في كينيا المنتجات المصرفية الإسلامية، وذلك بغرض دعم المنتجات المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى توسيع قاعدة العملاء، وفي مايو 2010م قام البنك المركزي في كينيا بتعديل قانون البنوك للسماح للمؤسّسات المالية الإسلامية، الأمر الذي يساعد في نموّها وازدهارها.

يوغندة:

تُعد التجربة في أوغندا واعدة ومبشّرة وهي في بدايتها، حيث قام البنك المركزي الأوغندي بتعديل الأنظمة المصرفية للسماح بإقامة وتأسيس بنوك إسلامية في البلاد، وهذه تُعد من أهم الخطوات المهيّئة لقيام المصارف ونجاحها في البلاد.

موريتانيا:

يُعد المصرف الإسلامي الموريتاني أول مصرف يطبّق الشريعة الإسلامية كاملة في المجال المصرفي، وهو يعتمد على منظومة متطوّرة لا تسمح باستيعاب أي عملية لا تطابق الشريعة، وذلك حسب ما ذكره خالد العبودي رئيس مجلس إدارة مجموعة تمويل إفريقيا المالكة للمصرف الإسلامي الموريتاني.

قام هذا المصرف برأسمال مشترك ما بين كلٍّ من المؤسّسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص - التابعة للبنك الإسلامي للتنمية - وبنك آسيا التركي، ورأسماله ستة مليارات أوقية، أي حوالى 21 مليون دولار أمريكي، يمتلك البنك الإسلامي للتنمية نسبة 60%، أما بنك آسيا التركي فله نسبة 40%.

ونذكر أن البنوك الأجنبية التي تقع في موريتانيا يبلغ عددها بهذا البنك خمسة بنوك، وتوجد توقّعات بأن يهيئ افتتاح المصارف الإسلامية بموريتانيا فرصاً نحو جذب الاستثمارات التركية، وذلك بالإضافة إلى مواكبة جهود رجال الأعمال الموريتانيين من أجل تمويل عمليات الاستيراد والتصدير بين كلٍّ من البلدين موريتانيا وتركيا.

ويبلغ حجم التبادلات بين موريتانيا وتركيا قرابة 20 مليون دولار أمريكي، وتأمل الحكومة الموريتانية أن يكون لافتتاح هذا المصرف دور فعّال في توسيع حجم تلك التبادلات بما يعود على الاقتصاد الموريتاني بالنمو.

وقد وجد افتتاح المصرف الإسلامي اهتماماً كبيراً؛ حيث ترأّس مراسمه وزير المالية الموريتاني تيام جمبار، بحضور العبودي، وأظهر سيدي أحمد ولد الرايس محافظ البنك المركزي الموريتاني مدى أهمية هذا الافتتاح، وقال رئيس مجلس إدارة مجموعة تمويل إفريقيا القابضة إن هذا المصرف سيعتمد تحسين الجودة والمعاملة للمساهمة في النهوض بقطاع الصيرفة في موريتانيا، وسيكون بنكاً متكاملاً يعتمد على الشركات العامة والخاصة وعلى الأفراد، وأضاف العبودي أن هناك نية لفتح فروع في نواكشوط ونواديبو.

وبالإشارة إلى المجموعة القابضة؛ فإن مقرّها الرئيس السنغال، وتمتلك ثلاثة بنوك في السنغال والنيجر وغينيا، وهي بصدد افتتاح بنوك في كلٍّ من مالي وبنين، كما أنها تخطّط لإنشاء المزيد من البنوك الإسلامية في إفريقيا، وسوف تعمل مع بنك آسيا في القطاع المصرفي الخالي من الفوائد في كلّ أنحاء إفريقيا، وخصوصاً الجزء الغربي منها.

المغرب:

تستعد أربعة بنوك إسلامية خليجية لفتح فروع لها بالمغرب بعد إقرار قانون جديد يسمح بذلك، وكشفت مصادر أن بنك فيصل الإسلامي السعودي والبركة البحريني والاستثمار الكويتي وقطر الوطني سبق أن قدّمت طلباتها إلى السلطات المغربية، ومن المرجّح أن يكون قد تم قبولها، كما كشفت مصادر عن اتصالات جرت بين إدارة بنك فيصل الإسلامي والمسؤولين المغاربة من أجل فتح فرع لهذا البنك بالمغرب، وقيام رئيس مجلس إدارة فيصل الإسلامي الأمير محمد الفيصل بزيارة عمل إلى المغرب لوضع اللمسات الأخيرة للاتفاق بين الجانبين.

ومن جانب آخر؛ ارتفعت المطالب بفتح فروع للبنوك الإسلامية بالمغرب بعد تولّي «العدالة والتنمية» قيادة الحكومة الحالية، وسبق أن أطلق ناشطون مغاربة حملة واسعة على الموقع الاجتماعي فيسبوك يطالبون فيها بضرورة السماح بإقامة فروع للبنوك الإسلامية ببلادهم، وشدّد هؤلاء الناشطون، خلال هذه الحملة التي أُطلق عليها اسم «الحملة الوطنية للمطالبة بالبنك الإسلامي في المغرب»، على أن الغالبية العظمى من المغاربة يقاطعون الخدمات والمنتجات البنكية لأسباب دينية.

رؤية مستقبلية:

وضح من خلال تناول تجربة المصارف الإسلامية في قارة إفريقيا أنها تنبئ بمستقبل مشرّف من خلال القبول الشعبي والاهتمام الرسمي، وهو ما يُتوقّع معه نهوض مستمر لها في معظم دول قارة إفريقيا، ويُتوقّع أن تستمر الصناعة المصرفية الإسلامية في التوسّع في إفريقيا من خلال العديد من العوامل المهمّة، والتي تشتمل على:

- التحولات التي تحدث في البلدان الإفريقية من كونها تعتمد على المساعدات؛ حيث تحولت نحو النمو في التجارة وعلاقات الأعمال مع الشرق الأوسط. ويمكن للتمويل الإسلامي أن يؤدي دوراً كبيراً في تسهيل العلاقات التجارية بين إفريقيا والشرق الأوسط، وبمشاركة أكبر من البنوك العالمية والإسلامية من كلتا المنطقتين.

- الإصلاحات السياسية والتجارية في بعض أجزاء القارة الإفريقية، والتي جعلت من القارة الإفريقية المنطقة الثالثة الأسرع نموّاً في العالم، بعد منطقة الشرق الأوسط وآسيا، وهذا سيؤدي إلى تعزيز متطلبات البنية التحتية الضخمة، والتي ستؤدي بدورها إلى زيادة في الطلب على التمويل الإسلامي، وهو ما يمكّن من توفير فرص جاذبة للتمويل الإسلامي، مثل إصدار الصكوك، والتي توفّر فرصة للاستفادة من الأموال المتاحة في الشرق الأوسط وآسيا.

وختاماً:

فإن تجربة المصارف الإسلامية تتطلب مزيداً من الإحكام في صياغة اللوائح والقوانين المنظّمة لها، وهو أمر مهم وضروري في مرحلة الانتقال للولوج في أدوار متجدّدة ومتقدّمة، ولا بد لنماذج هذه المصارف الحديثة أن تبتعد عن الحماس المفضي إلى تقديم صياغات غير ناضجة وغير مكتملة، بما قد ينعكس سلباً على التجربة برمّتها.

أهم المراجع:

(1) يوسف كمال: المصرفية الإسلامية، السياسة النقدية، القاهرة - 2001م.

(2) الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، القاهرة - 1984م، الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية.

(3) د. محمد شيخون: المصارف الإسلامية، دراسة في تقويم المشروعية الدينية والدور الاقتصادي والسياسي، دار وائل - 2002م.

(4) محمد عبد الله بارد النسمة: مفهوم المصرفي، مجلة المصرفي، 14/1998م، ص 20.

(5) الإمام ابن قدامه: المغني، تحقيق د. عبد الله التركي و د. عبد الفتاح الحلو، هجر للطباعة والنشر، القاهرة، ط 2 - 1992م، مجلد 6، ص 50.

(6) سعيد المرطان: ندوة إدارة مخاطر التمويل الإسلامي، الرياض - 2004م.

(7) مجلة «التقرير الإفريقي» الناطقة بالفرنسية Le Rapport African – الاثنين / 12 ديسمبر 2011م.

(8) دليل البنك الإسلامي للتنمية، جدة - 2007م.

(9) تقرير مجلس الخدمات المالية الإسلامية، البحرين – 2010م.

(10) تقرير أعدته شركة «بيتك للأبحاث» التابعة لمجموعة بيت التمويل الكويتي «بيتك» عن واقع ومستقبل مؤسسات وبنوك التمويل الإسلامي في إفريقيا، مارس 2012م.

* جامعة الرباط الوطني – الخرطوم - السودان.

 [1]شرح منهاج الطالبين لجلال الدين المحلي وحاشيتان للقليوبي وعميرة، ج 2 / زكاة التجارة (حاشية عميرة)، ص 32.

 [2]المغني، لابن قدامة، ج 5، ص 23، 24.

 [3]يوسف كمال: المصرفية الإسلامية، السياسة النقدية.

 [4]الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية، القاهرة - 1982م، ص 48.

 [5]اتفاقية إنشاء الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية, مطابع الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية, مصر الجديدة - 1970م, ص 10.

 [6]أحمد عبد العزيز النجار, صاحب أول نموذج للبنوك الإسلامية في مصر.

 [7]د. سيد الهواري: الأُسس النظرية للبنوك الإسلامية، الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، القاهرة.

 [8]مما يجدر ذكره أن أول شركة تأمين إسلامية قامت في السودان مع قيام أول بنك إسلامي هنالك (بنك فيصل الإسلامي)، سعيد المرطان: ندوة إدارة مخاطر التمويل الإسلامي، الرياض - 2004م.

 [9]مجلة الدراسات المصرفية، العدد الرابع - 2/1995م، ص 25.

 [10]أبو عبد الله إدريس، مجلة المسلم المعاصر، العدد 48 - 8/1987م، ص 119.

[11] د. محمد البلتاجي، ورقة مقدّمة لندوة المخاطر في المؤسسات الإسلامية، الرياض - 2004م.