المشكلة الصومالية وتداعياتها الراهنة أحداث وآراء

  • 20 -10 - 2004
  • عبدالرحمن سهل


                                                       عبد الرحمن سهل الصومالي*

رؤية من الداخل:

تُعتبر المشكلة الصومالية من أعقد المشكلات السياسية وأصعبها في القرن الإفريقي، حيث جعلت المتابعين لها عن بعد حيارى ومدهوشين حيال ما يجري في الساحة الصومالية، المضطربة أحياناً والهادئة أحياناً أخرى، منذ سقوط  نظام «محمد سياد بري» عام 1991‏م.

وعادة هناك من يعشق أن تقوم الدنيا ولا تقعد، ويفضل الإثارة والمشكلات بدل السكون والطمأنينة، خصوصاً في هذا العصر الذي يشهد أضخم تطور تكنولوجي، لهذا وذاك  فلا غرو أن نجد بعض المتابعين يميلون - ودون تردد - إلى مشاهدة المسلسل السياسي الصومالي المثير للجدل، والغموض هو عنصر القوة وسيد الموقف في المسلسل، والسبب في ذلك أنه ليست له بداية ولا نهاية برغم اكتمال عنصر الإثارة والحبكة فيه.

‏إن اندلاع الحرب الأهلية في هذا القطر من العالم لم يأت مصادفة ودون مقدمات، بل كان هناك سيناريو خفي أُحكمت خطوطه ومفاصله من قِبل أعدائه المعروفين للصومال، ففي الوقت الذي سقطت فيه ‏حكومة مقديشو عام 1991‏م قدّم الرئيس الإثيوبي آنذاك «منغستو هيلا ماريام» كلمته التاريخية أمام البرلمان، وكان ملخصها أنه حقّق للأمة الإثيوبية ما لم يحقّقه رئيس إثيوبي من قبل، وهو إسقاط الحكومة الصومالية، لتتحول الساحة الصومالية بعد ذلك إلى بحر من الدماء، ويتغيّر لون مياه ‏نهري جوبا وشبيلي إلى لون دم، والحكاية ليست بعيدة عما حدث في منطقة البلقان، ولكن الفرق هنا يتجلّى في طبيعة الصراع وأهدافه ووسائله.

‏ما يحدث هنا في الصومال، وما وقع في منطقة البلقان، دمار وخراب وفقدان هوية وحالة من اليأس والإحباط باستخدام الترسانة السوفييتية المدمرة، والتي لم تفرق بين صغير ولا كبير، وبرغم كلّ ذلك لم تتضح معالم خطة «حلف الناتو» الموجهة لمنطقة البلقان، وعندما أتحدث عن سيناريو خفي، ومؤامرة خبيثة تستهدف تمزيق وحدة الصومال قد يتبادر إلى ذهن بعض القراء أنني ما زلت أعيش في مرحلة الحرب الباردة، والتي كثر فيها الحديث عن نظرية المؤامرة، وإلقاء اللوم على الجهات الخارجية، وغضّ الطرف عن المشكلات الداخلية التي تنخر في الجسم الصومالي للقضاء عليه في اللحظة المناسبة.

‏وأعتقد أن العوامل الداخلية المتشابكة قد أدّت الدور الحاسم في إسقاط نظام «محمد سياد بري»، حيث اختلطت الأوراق السياسية والعسكرية والأمنية في الصومال ما بعد 1977‏م، وبرغم كلّ ذلك فليس من الإنصاف في شيء أن نحمّل طاقم الحكومة المركزية الصومالية السابقة المسؤولية الكاملة، والعوامل الداخلية الأخرى أيضاً، ونغفل العوامل الخارجية التي وفّرت الوسائل الممكنة للمعارضة الصومالية ما قبل 1991‏م لإسقاط النظام القائم آنذاك.

‏وهناك عامل آخر أشد خطورة من العوامل الأخرى، والتي لم يتحدث عنها كثير ممن تناول الأزمة الصومالية، وهو عدم الالتزام الواضح بالنظام الإسلامي.

‏إن ما يجري الآن في الساحة الصومالية، وفي أماكن كثيرة أخرى من العالم الإسلامي، من تناقضات سياسية، ومن حروب أهلية وتمرد، وانتشار الأوبئة والمجاعة والجفاف والتصحّر الذي يضرب أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، إنما يرجع ذلك في المقام الأول إلى عدم الالتزام بالدين الإسلامي الحنيف، وصوره المثالية التي يجب على الأمة المسلمة في كلّ مكان وزمان أن تطبقها وتنزلها في حياتها اليومية، وتجعلها المصدر الأساس الذي تلجأ إليه في جميع الأوقات لتكون خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وذلك تحقيقاً لقوله ‏تعالى: ?إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ? [الرعد : 11]، وقوله تعالى: ?وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ? [الأعراف : 96].

‏ولكن الأمور تغيّرت عندما سيطرت مجموعة قليلة من العسكريين بزعامة «اللواء محمد سياد بري» على مقاليد الحكم عام 1969‏م، حيث باشرت بنفسها تهيئة المناخ والظروف لإحلال الإيديولوجية الماركسية محلّ القيم والنظم الإسلامية النبيلة، وخصوصاً عام 1974‏م، ومنذ هذا الوقت بدأ العد التنازلي والانهيار الداخلي بصورة تدريجية.

وفي الوقت الذي رفض فيه الشارع الصومالي تلك الأفكار الرجعية التي تتصادم مع تقاليده وقيمه؛ لجأ النظام العسكري البائد إلى استخدام قوته العسكرية المفرطة غير المسوّغة لتنفيذ الإيديولوجية الشيوعية في القرن الإفريقي، باعتبار أن قيادة مقديشو وقتذاك رأت نفسها أنها الأقدر على تنفيذ إيديولوجية وسياسة الاتحاد السوفييتي السابق في إفريقيا، ولذلك أنزلت تلك البرامج العفنة في ربوع الصومال، وكأنها وحي أُنزل من السماء، وفي سبيل تحقيق ذلك أعدمت قوات الأمن الصومالي عام 1971‏م 12‏ من العلماء الصوماليين البارزين رمياً بالرصاص أمام الجماهير، وكان يوماً مشهوداً، ?وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ? [البروج : 8]، فكانت العاقبة ذهاب النظام بكامله وإيديولوجيته الفاسدة، ويُعَدّ ذلك درساً بليغاً وقاسياً لكلّ السياسيين الصوماليين في الوقت الراهن.

ونطرح الآن السؤال‏: من الذي يملك مفتاح حلّ الأزمة الصومالية العويصة؟

وللإجابة عن هذا السؤال المحيّر في حدّ ذاته نقول أولاً: إن المشكلة الصومالية ليست كما يتصور بعض المحللين السياسيين الذين يرون القضية لا تعدو كونها مجرد صراع قبلي فقط، للسيطرة على الكلأ والمرعى والأراضي الصالحة للزراعة ومنابت الشجر ومراكز القرار السياسي في البلد مثل العاصمة، لتحقيق أغراض قبلية في المقام الأول، كما لا يوجد صراع سياسي بين الفرقاء الصوماليين بمفهومه الإيديولوجي، وقد أشرنا في افتتاحية هذا المقال أن هناك من يلقي اللوم فقط على التدخلات الخارجية الرامية إلى تأجيج الحرب الأهلية في البلد لتحقيق أغراض استراتيجية معينة.

‏ولكن كلا الفريقين قد جانبهم الصواب، لأن القضية الصومالية أكبر من كل ذلك، فليست مجرد صراع قبلي أولاً، بل هناك عوامل متداخلة ومتشابكة أدّت في مجملها إلى ما نحن فيه الآن من الفوضى العارمة، ومنها - على سبيل المثال - الاستعمار الأوروبي الذي قسم الأمة الصومالية إلى أجزاء وفتات في بداية القرن الماضي المنصرم.

أضف إلى ذلك السياسية الخاطئة التي انطلقت من عقلية الحزب الواحد الذي حكم البلد ردحاً من الزمن (1969م - 1991م)، ‏تلك السياسات المخفقة أدّت في مجملها إلى انهيار الاقتصاد الوطني في البلد، وتعميق النعرات القبلية، وخصوصاً ما بعد 1977‏م، ولم يقتصر الأمر على هذا الحدّ، بل لجأت الحكومة السابقة إلى استخدام أساليب هدّامة غير حضارية، وخصوصاً في المجال الأمني، حيث قامت بتصفية حسابات طالت جميع شرائح المجتمع الصومالي من سياسيين وعسكريين ومدنيين.

بالإضافة إلى المرتكزات الأساسية التي انطلقت منها السياسة الخارجية الصومالية تجاه‏ تعاملها مع التوازنات الدولية في العالم إبان حكومة «محمد سياد برى» السابق، حيث لم تكن واقعية فيما أعتقد، كما أنها لم تكن ترعى المصالح العليا للوطن، ومما يبرهن ذلك كونها هرولت في بداية مشوارها إلى «موسكو» (موطن ومركز إشعاع وتصدير سرطان الاشتراكية إلى العالم الثالث)، لتأخذ أفكار الثورة الاشتراكية البلشيفية كما هي، ودون أن تلجأ إلى غربلتها وإنتاجها من جديد، وبخاصة الجانب الثقافي والإيديولوجي منها.

وفي الوقت الذي خدّرت فيه القيادة الصومالية شعبها بهذه‏ الأفكار الاشتراكية البالية المستوردة من الاتحاد السوفييتي السابق؛ تلقت القيادة الصومالية نفسها المتحمسة لهذا المشروع ضربة قاضية من حليفتها الاستراتيجية موسكو، حيث اتخذت الأخيرة قراراً يقضي بإيقاف إمداد الصومال بقطع الغيار والذخائر إبّان «حرب أوجادين» عام 1977‏م التي اندلعت بين الصومال وإثيوبيا (الاشتراكيتين)، وفي الوقت نفسه قدّم الاتحاد السوفييتي إمدادات عسكرية كبيرة إلى «أديس أبابا»، تمثّلت في الدبابات والمدفعية الثقيلة، وقد أثار ذلك حفيظة القيادة الصومالية آنذاك، واتخذت أثناء ذلك وبصورة مفاجئة قراراً سياسياً حاسماً يقضي بطرد خبراء الاتحاد السوفييتي البالغ عددهم 7000‏ خبير.

وبعد أن طوت مقديشو صفحة العلاقات الاستراتيجية مع الاتحاد السوفييتي السابق اتجهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية بوساطة سعودية، وكانت المملكة العربية السعودية قلقة من الوجود العسكري السوفييتي آنذاك في الصومال قبل أن يحصل الطلاق البائن بين مقديشو وموسكو، وفي الفترة من 12‏ إلى 14‏يوليو 1977‏م قام الرئيس الصومالي «محمد سياد بري» السابق بزيارة مفاجئة إلى جدة لإجراء مناقشات مع القادة السعوديين، وبعد أقلّ من أسبوعين عرضت إدارة كارتر- في 26‏ يونيو 1977‏م - الحلول محل الاتحاد السوفييتي كمصدر للأسلحة المطلوبة للصومال.

وتخيّلت القيادة الصومالية أن واشنطن ستصبح البديل الأمثل القادر على ملء الفراغ الكبير الذي خلّفه الاتحاد السوفييتي، بيد أن تلك الوعود قد تحولت إلى سراب، حيث سلكت إدارة البيت الأبيض الطريق نفسه الذي سلكته موسكو، ولم تقدّم شيئاً للحكومة الصومالية، وكان ردّ فعل ذلك مرارة صومالية شديدة عبّر عنها الرئيس الصومالي «سياد بري» السابق في أثناء زيارة ثانية له إلى جدة لترتيب الحصول على مساعدة سعودية، وفي 4‏ سبتمبر 1977‏م اتهم الرئيس الصومالي السابق «محمد سياد بري» الولايات المتحدة بالنفاق لسحب تعهدها بالمساعدة.

‏وهنا يكمن خطر الشعارات الجوفاء التي يرفعها قادة الانقلابيين في العالم الإسلامي، وذلك بعد سيطرتهم على مقاليد الحكم، حيث يطلقون التصريحات تلو التصريحات عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية، مفادها أنهم ثوريون ومخلصون لوطنهم، وليس لهم من الوطنية إلا الزي في المناسبات المحلية، والشعارات التي لا معنى لها يرددونها كالببغاء.

نعم! إذا كانت الثورة والانتفاضة تأتي من الشعب، مثل الثورة الفرنسية، والانتفاضات الشعبية في العالم الإسلامي ضد الاستعمار الأوروبي في بدايات القرن العشرين المنصرم، ولكن في واقع الأمر الانقلابات العسكرية ما هي إلا وسيلة راديكالية ماكرة يلجأ إلى استخدامها من يلهث وراء تحقيق المصالح الشخصية فقط، وما يحدث الآن في العالم الإسلامي خير شاهد على ذلك، حيث نرى التراجع الكبير الذي أصاب القيادات السياسية التي رفعت في بداية عهدها الشعارات الثورية والاستقلالية، ولكن اليوم انضمت إلى صفوف الدول الانبطاحية.

‏إن المشكلة الصومالية تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، ولا يُعرف حتى الآن من الذي يملك العصا السحرية لاحتواء هذه الأزمة، ويعيد المياه الجارفة إلى مجراها الطبيعي، ولكن قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، مع ما تحمل في طياتها من الموجات المتلاطمة، والتي قد تزحزح الجدار العازل المعنوي بين القبائل الصومالية ذات الأهداف والمصير المشترك.

والمدهش أيضاً الذي لا يتصوره بعضهم أن المجتمع الصومالي، وبرغم تلك المحنة التي ألمّت به، لا يزال يواصل حياته اليومية العادية على هذه البقعة الجغرافية من العالم، وفي ظلّ غياب المؤسسات الدستورية، ومع كلّ ذلك فإن الاقتصاد الصومالي - من القطاع الخاص - قد قطع شوطاً كبيراً، وخصوصاً في مجال الاتصالات والتجارة.

ويعتقد من لا يتابع مجريات الأحداث في الصومال عن قرب أن الشعب الصومالي يعيش تحت رحمة المدافع وقعقعة السلاح، ولا يدري أن أغلب المناطق في البلد، ما عدا العاصمة مقديشو والمناطق القريبة لها، تنعم بالأمن والاستقرار، كما تشهد الساحة الصومالية نهضة تنموية، تتمثّل في فتح الجامعات والمعاهد العليا والمدارس، بالإضافة إلى شركات الطيران والاتصالات، وجميع ما يحتاج إليه الإنسان المدني في العصر الحديث، ولكن برغم كلّ ذلك فإن ما ينقص الساحة الصومالية في الوقت الراهن، والذي ذاع صيته هو غياب السيادة الصومالية، وهو ما سنركز فيه في مقالنا هذا، حيث سنلقي الضوء على المشكلات السياسية فقط، ودور المجتمع الدولي في إيجاد حلٍّ ناجع لهذه المشكلة العويصة.

‏ونشير هنا إلى أن القضايا الأخرى المشابهة للقضية الصومالية في قارة إفريقيا السمراء وغيرها، نجد أنها وجدت الحلّ المناسب، حيث تم احتواؤها، سواء عن طريق دول القارة، أو عن طريق المجتمع الدولي، ‏وما حدث في البحيرات العظمى في وسط إفريقيا، والحرب الأهلية المريرة التي اندلعت في سيراليون في الفترة ما بين عام 1991‏م إلى عام 2001‏م، والتصادم المسلّح الذي انفجر في ليبيريا للسيطرة على مقاليد الحكم، بالإضافة إلى الصراع العسكري المرير الذي وقع بين إريتيريا وإثيوبيا عام 1998‏م، كلّ هذه القضايا الساخنة وغيرها قد تمّت معالجتها واحتواؤها.

ولكن لماذا لم تجد المشكلة الصومالية حتى الآن حلاً منطقياً؟ ولماذا نسمع كلّ يوم إعلان مبادرة ترمي إلى إنهاء الصراع السياسي في الصومال؟ أيعني ذلك أن المجتمع الدولي تخلّى عن الصومال، وما دور الدول العربية والإسلامية والإفريقية في وقف الصراع السياسي في الصومال؟

‏لمعرفة المزيد من الإيضاح حول هذه الأسئلة المطروحة حول الساحة الصومالية نحاول أن نلقي الضوء على جميع القضايا المتشابكة والمتداخلة بالتحليل والنقد، للوصول إلى نتائج قد تقودنا في نهاية المطاف إلى معرفة المواقف المتباينة الصادرة من الجهات المعنية بالملف الصومالي الساخن.

‏أولاً: دور الدول العربية والإسلامية حيال القضية الصومالية:

‏تزامن انهيار النظام الصومالي عام 1991م مع حدوث تغيّرات جذرية في المنظومة السياسية الدولية، ‏ليس في العالم الإسلامي فحسب، بل في العالم كلّه، وذلك بإعلان شهادة الوفاة للاتحاد السوفييتي واختفائه عن الساحة الدولية، حيث سطع بعد ذلك في الفضاء الدولي المضطرب اسم الولايات المتحدة الأمريكية، وتناقلت وسائل الإعلام الدولية التصريحات الصادرة من البيت الأبيض الموجهة إلى جميع دول العالم لإقناعها بالدخول في حظيرة واشنطن طوعاً أو كرهاً.

وكرّست أمريكا هيمنتها على الكوكب الأرضي لكي تنفرد بقيادة العالم، وتجعل نفسها شرطي العالم، هذا الحدث الكبير ربما كان إيذاناً بدخول مرحلة جديدة لم تتضح حتى الآن صورته الكاملة، ولم تضع قيادة الصقور في البيت الأبيض استراتيجية سياسية واضحة المعالم تجاه ‏ما أعلنته من «النظام العالمي الجديد عام 19990م» الذي غيّر وبصورة دراماتيكية الخريطة السياسية في النظام الدولي، والذي تحوّل فيما بعد إلى نظام العولمة (أمركة العالم)، ومنها على سبيل المثال: غزو العراق للكويت، وانهيار أنظمة اشتراكية في العالم الثالث كان آخره ‏نظام بلغراد.

‏ونتيجة لهذه‏ الأحداث المأساوية وغيرها احتلت «القضية الصومالية» ذيل قائمة جدول الأعمال في اجتماعات دول العالم الإسلامي، فأصبح الشغل الشاغل وحديث الساعة التركيز في الخلافات السياسية الداخلية، ومحاولة تعميق النزاع السياسي بين الدول العربية، فبدلاً من أن تهتم الدول العربية بـ «الملف الصومالي» وتجعله في قائمة أولوياتها السياسية، مثل القضايا الأخرى المعروفة، أبرزت العواصم العربية نوعاً من الفتور الدبلوماسي، لأنها فاقدة للحركة الدينامية النشطة المصحوبة بالمسؤولية التاريخية تجاه‏ الأمة الصومالية، هذا الإهمال الواضح أدّى إلى أن تبتعد الدول العربية رويداً رويداً من مواقع القرار السياسي الإفريقي الذي استأثر - دون منافسة – بـ «الملف الصومالي»، وبمباركة من الدول العربية بوعي ودون وعي.

وليت الأمر اقتصر على الشأن الصومالي، بل انتقلت العدوى إلى مشكلة جنوب السودان أيضاً، فبعد أن اتخذت القيادة السودانية قرارها الحاسم القاضي بإعطاء الجنوبيين حقّ تقرير المصير، والذي جاء في إطار اتفاقية الخرطوم للسلام عام 1996‏م، بسبب الظروف السياسية والعسكرية التي واجهت حكومة الخرطوم من دول الجيران - آنذاك - المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، استيقظت الدول العربية من كبوتها وغفلتها العميقة، إذ لم تقف مع السودان عسكرياً وسياسياً قبل ذلك الوقت، وندمت الدول العربية بتقصيرها تجاه ‏السودان الذي يتعرض الآن إلى تمزيق وحدته، ولات حين مناص، حيث لا ينفع الندم في (عصر العولمة) والتكتلات الدولية، فبدأت بعض العواصم العربية المعنية بـ «الملف السوداني» الشقيق تحركاتها الدبلوماسية من هنا وهناك، ليس من حيث حفظ وحدة الأراضي السودانية (سلّة غذاء العالم العربي كما يقولون)، ولكن لحفظ مصالحها الاستراتيجية، ولن تستطيع أن تحقّق مصالحها بالطريقة البهلوانية؛ مهما بذلت من الجهود الدبلوماسية الرامية إلى وقف الزحف الصهيوني على العالم الإسلامي.

‏إن الدور العربي قد اختصر في مبادرات ثنائية وبجهود فردية لم تثمر الحدّ الأدنى المعروف في الأبجديات السياسية في قاموس رأب الصدع، وحلحلة القضايا الشائكة ذات الطابع الدولي، مثل قضية الصومال، فكانت المبادرة المصرية في بداية عام 1998‏م.

يقال إن القاهرة استطاعت في بداية الأمر أن تزيل الحاجز النفسي بين الفرقاء الصوماليين، حيث تقاطر الفرقاء الصوماليون إلى مصر للجلوس معاً حول مائدة الحوار الوطني، ولكن تدخل الحكومة الإثيوبية في هذا الشأن أفسد مناخ التفاوض، لأن الخطوط الساخنة كانت مفتوحة بين السفارة الإثيوبية في القاهرة وبين بعض رؤساء الفصائل الصومالية، ومع كلّ ذلك فإن الدول العربية المعنية بـ «الملف الصومالي» كانت تصدر التصريحات المهينة التالية: «‏نعتقد أن إثيوبيا كدولة مهمة وجارة للصومال، لا يمكن إغفال دورها الحيوي الهام في دعم جهود المصالحة الصومالية»‏.

‏والغريب هنا عدم مقدرة مصر على استخدام الوسائل الممكنة لإقناع الفرقاء الصوماليين بالتخلي عن «الأساليب الراديكالية» التي تطيل أمد الصراع السياسي في البلد، ولكن الأغرب من كلّ ذلك انقياد الفرقاء الصوماليين لإثيوبيا، ومشاوراتهم المستمرة معها، برغم معرفتهم أنها تصبّ الزيت على النار لتأجيج الصراع السياسي في البلد بين الحين والآخر، في حين رفضت الفصائل الصومالية المتناحرة مقترحات جمهورية مصر عام 1998‏م الرامية إلى إقامة حكومة وطنية ذات قاعدة عريضة، وبرغم ما بذلت مصر من جهود إلا أن الوفود الصومالية التي شاركت في هذا المؤتمر رجعت إلى ثكناتها الملتهبة.

‏ومن عجائب الدنيا، في ميزان القوى والتأثير في الشأن الصومالي الذي يخصّ الأمة الإسلامية في المقام الأول، أن نجد الدول العربية عاجزة عن أن تعلن موقفها السياسي الواضح تجاه ‏ما يحدث في الصومال، وأن توجه في الوقت نفسه رسالة سياسية إلى الجهات الإفريقية المعادية للصومال، تحمل في طياتها بنوداً تدعو إلى وقف التلاعب في الملف الصومالي، وإذا لم تنفّذ (كينيا وإثيوبيا) مطالب الدول العربية فإن بإمكانها أن تلجأ إلى استخدام أوراقها الاقتصادية من الاستثمارات الكبيرة التي تتدفق إلى (أديس أبابا، ونيروبي) من كلّ حدب وصوب.

ونتساءل الآن: أين كبرياء الدول الإسلامية غيرتها حيال ما يجري في الصومال؟ لماذا لا تستخدم - وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي - قوتها الاستثمارية العظيمة، والتي تذهب إلى الكيان الإثيوبي المحتل للأراضي الصومالية، لتقزيم دور الرجل المريض «مليس زناوي» المغلوب على أمره في الشأن الصومالي، ووقف خطواته الرامية إلى تأجيج الصراع السياسي والقبلي في الصومال، ويستخدم في تحقيق ذلك كلّ الوسائل المتاحة لديه؟

‏وخلاصة القول:

إن الاهتمام العربي والإسلامي حيال الأزمة الصومالية وتعاملها معها برز إلى السطح منذ بداية عام 1998‏م، حيث وصلت القضية الصومالية إلى مواقع اتخاذ القرار السياسي في الدول العربية، وذلك بعد إنهاء المقاطعات السياسية بين الدول العربية نتيجة غزو العراق للكويت وتداعياته المريرة، ولكن أحداث  11‏ سبتمبر خلطت الأوراق العربية من جديد، ومن هول ما أصاب «حركة طالبان» الإمارة الإسلامية في أفغانستان 2001‏م، وتصفية «النظام البعثي» في العراق 2003‏م، وتوجيه الإنذارات القوية إلى جميع دول العالم الثالث، بما في ذلك الدول العربية ودون استثناء الدول الصديقة والمارقة كما يحلو لأمريكا، فإن الدول العربية اقتصر دورها على إصدار البيانات المقتضبة التي تدعو إلى وقف الصراع السياسي في البلد ووضع حدٍّ للفوضى العارمة من التصادم المسلح.

كما عبّرت الدول العربية عن تأييدها الكامل ووقوفها خلف «مبادرة الإيجاد» الحالية في كينيا، ولتحقيق هذا الغرض فإن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى قام بزيارة مهمة في شهر مارس 2004‏م إلى نيروبي لتحريك الجمود الذي طرأ في مؤتمر المصالحة الصومالي، ويسعى عمرو موسى إلى تقريب وجهات النظر المتباعدة - دائماً - بين الفرقاء الصوماليين، ‏وهي خطوة متقدّمة في حدّ ذاتها، ترمي على ما أعتقد إلى إحياء الدور العربي المفقود في الصومال والسودان.

كانت محادثات السلام بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان مستمرة في منتجع مشاكوس إبّان زيارة عمرو موسى، ولذلك فإن الأمين العام لجامعة الدول العربية أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد، ففي يوم 5‏/6‏/2004‏م وجّه عمرو موسى في أثناء مشاركته حفل توقيع برتوكول السلام الدائم بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان خطاباً سياسياً إلى زعماء الفصائل الصومالية المشاركة في مؤتمر المصالحة الصومالي في كينيا، دعا فيه إلى وضع حدٍّ للفوضى السياسية العارمة في الصومال، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة بإقامة حكومة وطنية.

بيد أن هذا الخطاب، وغيره ‏من البيانات المكررة والتي أصدرتها الجامعة العربية ودولها أيضاً، لا يخرج عن كونه مجرد بيانات لا قيمة لها، مثله مثل البيانات الأدبية التي تصدر سنوياً من القمم العربية، والتي تدور في حلقة مفرغة، حيث لا تقدّم ولا تأخر.

ثانياً: احتكار الدول الإفريقية لملف الصومال يأجّج الصراع السياسي في البلد:

‏ تعاني الدول الإفريقية نفسها مشكلات سياسية واقتصادية وصحية وأمنية، وغيرها من القضايا الساخنة ذات الوزن الثقيل، حيث لم تستطع الدول الإفريقية البعيدة عن الصومال جغرافياً أن تلتفت ولو من طرف خفي إلى حلحلة الأزمة الصومالية، لأنها ربما وصلت في مرحلة يُرثى لها، وهي مرحلة (اللهمّ سلمّ)! ومع كلّ هذا وذاك فإن دول غرب إفريقيا قد استطاعت أن تحلّ مشكلة سيراليون، وليبيريا بمساعدة من الأمم المتحدة، وغيرها من القضايا الأخرى، كما اهتمت جميع الدول الإفريقية القوية منها والضعيفة بمشكلة البحيرات العظمى: بورندي وروندا والكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً).

بالإضافة إلى ذلك؛ فإن منظمة الوحدة الإفريقية استطاعت وبصورة أدهشت الجميع نزع فتيل الأزمة العسكرية بين (أسمرا، وأديس أبابا) عام 1998‏م، حيث وقّع البلدان اتفاقية وقف إطلاق النار في الجزائر والتي مهّدت الطريق فيما بعد لإرسال قوات الأمم المتحدة متعددة الجنسيات إلى المناطق المتنازعة عليها بين الدولتين، ولكن الأمر الغريب للغاية أن تهمل الدول الإفريقية «الملف الصومالي» إلى هذه الدرجة برغم احتكارها له، والسبب في ذلك يعود إلى أن الصومال كانت من الدول القوية في إفريقيا، وانضمت إلى جامعة الدول العربية فيما بعد عام 1974م، مع الوضع في الاعتبار أن الدول الإفريقية، سواء الدول الفرنكفونية أو الدول الأنجلو أمريكية، قد انتقل إليها فيروس الكراهية لما هو عربي، وهذا معروف لدى الجميع.

وسبب الكراهية هذه تنبع من مصدرين:

1 ‏- المناهج الدراسية لكثير من الدول الإفريقية: حيث تكرّس نشر العداوة بين الأفارقة والعرب؛ بحجة أن العرب استعمروا الأفارقة من قبل، كما مارس أثرياء العرب - حسب رأي الأفارقة - دوراً بارزاً في تجارة الرقّ بالأفارقة، حيث كان النشاط التجاري مزدهراً قبيل مجيء الاستعمار الأوروبي، وكان تدخّل الدول الأوروبية في القارة إنقاذاً للأفارقة من الهجمة العربية التي أرادت أن تستعبد الأفارقة.

‏وعندما كنت طالباً في المرحلة الجامعية في السودان تناقشت مع زملاء لي من غرب إفريقيا وشرقها ووسطها حول هذا الموضوع، فأكدوا لي وجود مثل تلك الأفكار الهابطة، وحملوا المسؤولية الكبيرة على الاستعمار الأوروبي والنشاط الصهيوني في إفريقيا، الذي يسعى دائماً وبكلّ السبل إلى تغييب الأغلبية الإسلامية المنتشرة في إفريقيا من هنا وهناك، بالإضافة إلى غياب دور الدول الإسلامية والعربية - إن صح التعبير - في المجال الثقافي والتعليمي مقارنة بما تقدّمه الدول الأخرى للأفارقة.

2 ‏- القيادة السياسية الإفريقية بمختلف مشاربها وطرقها: فقد تلقت دروسها السياسية من العواصم الغربية (لندن - باريس - روما - مدريد - واشنطن)، سواء عن جامعاتها المفتوحة للأفارقة أو الكورسات (الدورات) التدريبية الخفية، مثل: التدريبات الإسعافية المكثفة التي يتلقاها - الآن - مجموعة من القادة العراقيين الجدد في لندن وواشنطن لنشر قيم الديمقراطية في العراق، والعكس هو الصحيح، تلك المجموعة السياسية من قادة إفريقيا، والتي تدور في محوري الفرنكفونية والأنجلو أمريكية، لا شك أنها تلقت كمية من المعلومات الخاطئة المتعلقة بالعالم الإسلامي وفي جميع المجالات؛ بغية تعكير وتقطيع العلاقات الثقافية والعلمية والتجارية بين الدول الإفريقية والدول العربية، وإخفاء الحقائق الغائبة عن الدول الإفريقية المرتبطة بالدور الإيجابي الذي قام به المسلمون في إفريقيا، سواء في مجال نشر الإسلام وثقافته السامية، أو التبادل التجاري المشروع أيضاً، ومساعدة الأفارقة من جهة أخرى.

‏وتقتصر علاقة الدول الإفريقية بالدول العربية والإسلامية على المجال السياسي بما يحقق مصالح الدول الإفريقية فقط، تلك الظروف السياسية الصعبة التي سيطرت على فضاء إفريقيا ردحاً من الزمن، والصراع السياسي بينها وبين الدول العربية، ألقت بظلالها على القضية الصومالية العويصة.

‏وبناءً على ذلك؛ فإن الدول الإفريقية احتكرت وبصورة لا رجعة عنها «الملف الصومالي»؛ بدعم من كوفي أنان (الإفريقي الأمين العام للأمم المتحدة)، وبمباركة من الدكتور سالم أحمد سالم (الإفريقي أيضاً الأمين العام للاتحاد الإفريقي).

ولم تثمر حتى الآن المحاولات الجادة التي بذلتها دولة جيبوتي الشقيقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حيث أطلقت عام 2000‏م مبادرتها الرامية إلى إحياء الأمل في الصومال الذي مزقته الحرب الأهلية، وقد نجحت تلك المبادرة في تأسيس حكومة انتقالية بقيادة الدكتور عبده قاسم صلاد حسن، لكن في نهاية المطاف لم تستطع الحكومة المذكورة أن تتأقلم مع المناخ السياسي في البلد الذي يعتمد على الكثافة النارية بدل الحوار الهادئ، بالإضافة إلى معارضة أغلب رؤساء الفصائل الذين يفرضون قبضتهم الحديدية وسيطرتهم الكاملة على الساحة الصومالية، فاصطدمت الحكومة الجديدة بهذا الجدار العنيد، فتفرقت بعد ذلك شذر مذر.

‏وتجدر الإشارة هنا إلى أن «الاتحاد الإفريقي» الذي أعلن ميلاده أثناء انعقاد القمة الإفريقية في «ديربان» عام 2002م لم يأت بشيء جديد، خصوصاً في مجال احتواء الأزمات السياسية في القارة، ومحاربة الفقر، والأمراض الفتاكة، ولا غَرْوَ إذا قلنا: إن الكيان الجديد هو مجرد واجهة فقط تستخدمه الولايات المتحدة لمحاربة ما يُسَمّى «الجماعات الإرهابية»، والتي وجدت ملاذاً آمناً في إفريقيا - حسبما تزعمه أمريكا -، أضف إلى ذلك أن العواصم الإفريقية تعشق دائماً هذا التغيير الشكلي.

‏وانطلاقاً من هذا؛ فإن الدول الإفريقية متمثلة في الاتحاد الإفريقي، وفي شخصية أمينه العام الدكتور سالم أحمد سالم، أعطى الشرعية والضوء الأخضر لمنظمة الإيجاد، وبخاصة نيروبي وأديس أبابا، للنظر في المشكلة الصومالية العويصة وليس حلّها، فكانت المبادرات تلو المبادرات، وكانت تنتقل بين تلك العواصم المذكورة، لكن باءت كلها بالإخفاق الذريع، وآخرها المبادرة الكينية التي انطلقت شرارتها الأولى في بداية 15 أكتوبر من عام 2002‏م، ولا يزال زخمها الإعلامي مستمراً حتى الآن.

‏لست من الذين يرفضون الدور الإفريقي الإيجابي - إن وجد - تجاه المسألة الصومالية، خصوصاً من الدول التي تتمتع بعلاقات دبلوماسية طيبة مع الصومال، ولكن أن يفرضوا سيطرتهم الكاملة عليه دون تقديم مقترحات منطقية وواقعية تخرج الشعب الصومالي في الوقت نفسه من النفق المظلم، فهذا ما أرفضه جملة وتفصيلاً، وعندما تحتكر بعض الدول الإفريقية، المعادية للصومال، «ملف الصومال» وكأنه شأن داخلي للأفارقة؛ فمن حقّنا أن نقول وبصوت عال: متى أصبح الذئب راعياً؟!

‏وفي نهاية عام 1997‏م وبداية عام 1998‏م عندما استضافت القاهرة الفرقاء الصوماليين لكسر الحاجز النفسي بينهم على الأقل في بداية الأمر، وإحياء الدور العربي المفقود لاستعادة مركزه في القرن الإفريقي إعلامياً على الأقل، فإن عواصم إفريقية معروفة وقفت بشدة ضد تحركات مصر، وفي هذا الوقت بالذات نشرت مقالاً في صحيفة الرأي العام السودانية، أوضحت فيه أن المسألة الصومالية ذات بعد إسلامي وعربي وإفريقي، إشارة إلى أن أبوابها مفتوحة لكلّ من عنده مفتاح الصندوق الأسود الضائع في أدغال إفريقيا والصحراء العربية لحلّ المشكلة الصومالية، ولكن من الصعب جداً أن تفهم القيادة الإفريقية عقلية الشخص الصومالي مهما حاولت أن تقترب منه، وخصوصاً في أثناء الجلسات الخاصة في الفنادق ذات النجوم الخمسة في ساعات مبكرة من الليل، وقد يقول قائل: إن هناك محادثات صومالية جارية - الآن - في (كينيا)، وقد تؤدي في نهاية المطاف إلى إنشاء حكومة انتقالية، بيد أن الأمر ليس في يد نيروبي ولا الدول الإفريقية الأخرى الأعضاء في منظمة الإيجاد، ولكن القضية برمتها في يد أمريكا، وكينيا ما هي إلا وسيلة تستخدمها واشنطن لتنفيذ أجندتها الخاصة في شرق إفريقيا، والدور الشكلي الذي قامت به كينيا في المحادثات الثنائية بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون غارانج، والذي توصل الطرفان فيه إلى اتفاق تاريخي بعد جولات ساخنة - وباردة أحياناً - بين الجانبين، خير دليل وشاهد على ما نقول.

‏ومن المفارقات العجيبة - أيها القارئ - في دنيا السياسة ما يسمّى «المصالحة الصومالية»، والتي يرتفع زخمها السياسي بين الحين والآخر منذ انهيار الحكومة الصومالية في يناير عام 1991‏م إلى هذه اللحظة، وقد حطمت تلك المبادرات الأرقام القياسية في تاريخ رأب الصدع، وحلحلة الأزمة السياسية في الصومال منذ انهيار الحكومة المركزية الصومالية، وما أن تنتهي مبادرة تستمر لفترة وجيزة - قد تصل في بعض الأحيان إلى عام - حتى تلوح في الأفق مبادرة أخرى تهدف إلى إنهاء الحرب الأهلية في البلد، ولكن القاسم المشترك الوحيد لجميع تلك المبادرات هو الإخفاق الذريع.

ثالثاً: دور الولايات المتحدة الأمريكية في المشكلة الصومالية:

‏‏قامت الولايات المتحدة الأمريكية بدور مزدوج حيال الأزمة الصومالية منذ شرارتها الأولى، ففي بدايات انهيار الحكومة المركزية في البلد كانت عناصر مخابراتها تنسّق مع المعارضة الصومالية المسلحة والدول المعادية المجاورة للصومال للتخلص من نظام «محمد سياد بري» بغية القضاء على جميع الأنظمة التي ارتبطت بعلاقات استراتيجية مع الاتحاد السوفييتي السابق في القرن الإفريقي.

وبعد انهيار الحكومة المركزية الصومالية في بداية عام 1991‏م حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تلتفت إلى القضية الصومالية بغية تأجيجها، لا احتوائها، مثل: أفغانستان، والعراق، وتحقيقاً لهذا الغرض الاستراتيجي لجأت (واشنطن، والأمم المتحدة) إلى إصدار قرار دولي يسمح لها أن تقود حملة عسكرية دولية تحت شعار «إعادة الأمل» في الصومال عام 1993‏م، ولكن في حقيقة الأمر أن واشنطن أعدّت خطة سياسية وأمنية، ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، وذلك عندما قصفت طائراتها الحربية الأحياء الشعبية في مقديشو وبصورة عشوائية، أسفرت عن موت الآلاف من المدنيين الأبرياء الذين راحوا ضحية الحرية والديمقراطية الأمريكية، والتي بشّرت بها أمريكا الشعب الصومالي بإعادة الحكومة الصومالية والتخلص من الفوضى العارمة التي أكلت الأخضر واليابس، بيد أن الصورة صارت واضحة ومعكوسة عندما وقف الجنرال محمد فارح عيديد ضد الهيمنة والغطرسة الأمريكية، ونفّذت قواته الخاصة عمليات نوعية استهدفت صفوف القوات الأمريكية، كما أبلت القوى الإسلامية الوطنية بلاءً حسناً أيضاً.

‏وفي الوقت الذي كانت (قيادة البنتاجون) متحمّسة فيه إلى تنفيذ تلك المجازر البشعة، وبصورة محكمة في مقديشو، فإن الخط الساخن كان مفتوحاً بين الجنرال عيديد وبين المخابرات الإيطالية لإخفاق خطط الولايات المتحدة الأمريكية الموجّهة إلى الصومال.

ويتضح من كلّ ذلك التناقض الدولي، وتضارب المصالح بين أمريكا وبين الاتحاد الأوروبي حيال الأزمة الصومالية، ومع ذلك فإن هناك قواسم مشتركة بينهم، وهي إهانة الشعب الصومالي وإذلاله.

وفي الوقت الحالي؛ فإن أمريكا تصبّ جلّ اهتمامها تجاه تعاملها مع المشكلة الصومالية في الجانب الأمني فقط، وذلك لحفظ مصالحها الاستراتيجية، ولتحقيق هذا الهدف الحيوي فإن سفنها الحربية تجوب في المحيط الهندي والبحر الأحمر الصومالي لمراقبة السفن التجارية المتجهة إلى الصومال ذهاباً وإياباً، كما تحوم طائراتها الحربية من طراز أباتشي فوق سماء الصومال في أي وقت تشاء، وفي أي مكان لاكتشاف ما يسمّونه معسكرات تنظيم القاعدة المتسللين إلى القرن ‏الإفريقي لتنفيذ عمليات إرهابية ربما في إفريقيا، وبخاصة ضد المصالح الأمريكية.

‏ومن جهة أخرى؛ فإن المخابرات الأمريكية مصمّمة أيضاً على أن تكشف معسكرات التدريب والمعاقل التابعة إلى «الاتحاد الإسلامي» ومن يتعاطف معه من الصوماليين، وذلك حسب المزاعم الأمريكية المضللة للرأي العام الدولي، والكل يعرف أن «الاتحاد الإسلامي» لا يوجد في الصومال على الإطلاق، ولكن يوجد في إقليم أوجادين المعروف، والذي يخضع للسيطرة الإثيوبية، لذا فإن الدجل السياسي الأمريكي الموجّه إلى الصومال يجب أن يتوقف، لأن الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن ينكرها أنه ليس هناك شيء يختفي في الصومال لا في سمائه، ولا في أرضه، ولا حتى في البحر، لأنه بلد مفتوح على مصراعيه أولاً، ومن جهة أخرى فإنه يخضع إلى رقابة محلية من قِبل القبائل والبطون المسيطرة على الأوضاع هناك، لهذا أو ذاك فلن تكون هناك صعوبة لمعرفة ما يجري في الساحة الصومالية، لأنها مكشوفة ظاهراً وباطناً - ناهيك عن القوى الكبيرة الأمريكية - حسبما تدعي -، والتي بإمكانها اكتشاف الأماكن الحصينة المشتبه فيها إن وجدت.

‏ومهما حاولت جهات صومالية معادية للاتجاهات الإسلامية أن تغرّر بالمخابرات الأمريكية، فتبيع لها معلومات مضطربة وغير صحيحة تتعلق بـ «الجماعات الإسلامية» في الصومال، فإن الحقيقة وحدها هي التي تبقى، وينتظرهم درس قاس بفقدهم المصداقية أمام الشعب الصومالي، ومثلهم كمثل الدكتور/ أحمد جلبي العراقي الذي باع وطنه وشعبه بثمن بخس، ويبدو أن الولايات المتحدة تريد أن تقول للعالم أجمع: إن قوتها التكنولوجية التي تتمتع بها بإمكانها أن تحول السراب ماءً لمساعدة الأهالي الصوماليين المتضررين جراء التصحّر والجفاف الذي ضرب بلدهم.

‏فبدلاً من أن تساهم أمريكا على الأقلّ في إنجاح المفاوضات - الجارية الآن في كينيا - بين الفرقاء الصوماليين، لوضع حدٍّ لمعاناة الشعب الصومالي الذي يعاني عدة مشكلات أساسية في جميع مجالات الحياة اليومية، فإنها تزرع الرعب والهلع في أوساط الأهالي البائسين، حيث تصطاد الشباب الصومالي العزل الذين لا ذنب لهم، وأيضاً بعض الرموز الإسلامية، مستخدمة في تحقيق ذلك قادة الميليشيات المسلحة الذين همّهم الأول قتل مواطنيهم وتشريدهم.

‏ومهما يكن من أمر؛ فإن واشنطن بدأت تهتم بـ «الملف الصومالي» الساخن بعد الحادي عشر من سبتمبر لتصدير أزمتها الداخلية الأمنية، ولتخلق طوقاً أمنياً في إفريقيا عبر المنطقة الاستراتيجية التي يحتلها الصومال، وغيرها من المناطق الحساسة ذات الأهمية القصوى للولايات المتحدة الأمريكية، وانطلاقاً من ذلك فإن أمريكا تتعاطى مع المسألة الصومالية ليس من حيث أنها تملك العصا السحرية لاحتوائها بإقامة حكومة عميلة لها، ولكنها تريد أن تستعرض عضلاتها العسكرية والأمنية فوق أشلاء المدنيين العزل الذين تضرروا أصلاً من الإرهاب اليومي الذي تمارسه الفصائل المتناحرة في مقديشو، فزادت القوات الأمريكية الموجودة الآن في الصومال الوضع سوءاً.

‏إن ما يطلبه الشعب الصومالي فقط من أمريكا هو أن توقف هجمتها الشرسة التي تشنّها عليها منذ الحادي عشر من سبتمبر، وبخاصة في المجال الاقتصادي، وتوقف تعاونها مع رؤساء الفصائل الذين يعيثون في البلد الفساد باستخدامهم الأسلوب الراديكالي لتحقيق مآربهم الشخصية.

‏إن السيطرة الأمريكية في المجال الأمني على القرن الإفريقي، وبخاصة الصومال، تهدف إلى إيصال الرسالة الآتية إلى الشعب الصومالي: (ها نحن قد رجعنا مرة أخرى إليكم لننتقم منكم، لأنكم أزهقتم وقتلتم أرواح الجنود الأمريكيين في عام 1983‏م البالغ عددهم 18‏)، وكان ذلك عندما أرسلت الأمم المتحدة ما يُسَمّى «قوات حفظ السلام الدولية تحت شعار إعادة الأمل» في الصومال، ولكن الأهداف الأخرى الخفية للولايات المتحدة هي التي أجهضت جهود الأمم المتحدة الرامية وقتذاك إلى إعادة الأمن والاستقرار في البلد.

وأعتقد أن النقطة الأساسية التي أرادت واشنطن تحقيقها هي القضاء على الاتجاهات الإسلامية المباركة، والتي أصبحت آنذاك حديث الساعة شكلاً ومضموناً وتطبيقاً، حيث تحول الشارع الصومالي إلى شارع إسلامي دون مزايدات، كما اختفت الأفكار الماركسية المستوردة من أوروبا الشرقية، والتي ماتت تحت أنقاض «جدار بارلين»، وقد تحول الآن إلى جزء من التاريخ السحيق، وانتهت أيضاً الشعارات البراقة من الوطنية والديمقراطية التي سيطرت على المجتمع الصومالي ردحاً من الزمن، وفي خلال سنتين من تاريخ انهيار الحكومة الوطنية الصومالية حدث انقلاب حقيقي - وبصورة دراماتيكية - نحو العودة الحميدة إلى الإسلام، هذا الحدث الكبير أزعج الإدارة الأمريكية وبعض الدول المجاورة للصومال المعروفة بعدائها للإسلام والمسلمين، فكان قرار الأمم المتحدة تحت شعار «إعادة الأمل» في الصومال، بيد أن هذا الشعار ظاهره الرحمة وباطنه العذاب - كما أسلفنا سابقاً -.

‏ولذلك؛ فإن الوجود الأمريكي الكثيف في الصومال - في الوقت الراهن - يهدف وبلا شك إلى تأجيج الصراع السياسي والقبلي في البلد من جديد، للقضاء على آمال الشعب الصومالي الذي يتلمّس الطريق في هذه الظروف بالغة التعقيد للخروج من أزمته السياسية العويصة، تمهيداً لاحتلاله وبناء قواعد عسكرية فيه، هذا هو السيناريو الأمريكي المكشوف والموجّه إلى الصومال، والذي يرمي إلى أفغنة القضية الصومالية، وهي الخطة الأمريكية نفسها الموجّهة للشعب العراقي.

‏وهذا التحليل السياسي ينطلق من المعطيات الموجودة في القرن الإفريقي وليس رجماً بالغيب، ولذلك فإن عرقلة الولايات المتحدة الأمريكية لمؤتمرات المصالحة الصومالية والذي بلغ أكثر من خمسة عشر مؤتمراً منذ انهيار الحكومة المركزية الصومالية عام 1991‏م وإلى الآن - عام 2004م - يمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي، والآن تريد (قيادة البنتاجون) أن تحصل من رؤساء الفصائل، وغيرهم من المشاركين في المداولات الجارية في مؤتمر المصالحة الصومالي في كينيا، على ضمانات كافية، أهمها القضاء على «الجماعات الإسلامية» في الصومال، وبما أن هذه الشريحة تمثّل رقماً صعباً لا يمكن تجاهله؛ فإن أي حكومة جديدة، سواء كانت أمريكية التوجّه والميول أو غيرها، ليس بمقدورها أن تطيع أمريكا أو غيرها، لتنفّذ مثّل هذه الوعود الشيطانية ضد المدنيين الأبرياء في الصومال، وأي محاولة كهذه ستلقى مقاومة شرسة، قد تقضي على الحكومة الجديدة من قِبل جميع الشرائح الصومالية، لأن الطبيعة التركيبية القبلية للمجتمع الصومالي تؤيد ذلك.

والإصرار الأمريكي الواضح الرامي إلى تفكيك الجسد الصومالي من جديد، وفرض هيمنته عليه ليس غريباً على الإطلاق سياسياً وعقدياً، إذ إن ‏الشعب الصومالي كلّه مسلم، ويرفض الصلف الأمريكي وهيمنته عليه، فإذا كان تدخّل واشنطن في الشأن الصومالي عام 1993‏م للقضاء على الاتجاهات الإسلامية، وبخاصة الاتجاه السلفي فقط، وليس مساعدة الشعب الصومالي لإقامة حكومته المركزية، فإن تدخّلها اليوم في القضية هو السيناريو نفسه.

وهناك دلائل تؤكد صدق ذلك، نذكر بعضاً منها:

1 ‏- طرد المنظمات والهيئات الإسلامية الخيرية، مثل: مؤسسة الحرمين الخيرية، والتي تقدّم خدمات إنسانية للأرامل واليتامى الذين فقدوا آباءهم نتيجة الحرب الأهلية في البلد، وقد تحقّق للولايات المتحدة الأمريكية هذا المطلب، حيث تم قفل مكاتب مؤسّسة الحرمين الخيرية في الصومال، وبدأت هيئات تنصيرية تقدّم طلبها لمساعدة هؤلاء اليتامى المحتاجين.

2 - فتح مكاتب أمنية في طول البلد وعرضه لإلقاء القبض على العناصر التي قد تهدّد أمنها في القرن الإفريقي، ويتم ذلك عبر التنسيق المحكم مع القوى السياسية المسيطرة على الأوضاع في البلد.

‏وقد نفذت أمريكا عبر مكاتبها الأمنية المنتشرة في البلد - وباستخدام العملاء الصوماليين كآلة تنفيذ - عدة عمليات إرهابية ضد الشعب الصومالي الأعزل، وتتمثل تلك العمليات في تنفيذ عمليات اغتيال في مقديشو، وكانت آخر عملية وقعت في شهر 7‏/2004م، كما يتعرض شباب الصحوة الإسلامية في البلد إلى مضايقات متكررة، وفي بعض الأحيان يقتادون إلى السجون الخاصة لها دون أي برهان يعتمدون عليه لتنفيذ مخططهم هذا.

‏وبما أن زعماء القبائل لهم كلمتهم وقوتهم السياسية في أوساط المجتمع المدني الصومالي؛ فقد تدخلوا في عدة حالات أسفرت عن الإفراج عن بعض الشباب الصوماليين الذين احتجزتهم تلك المكاتب المتناثرة والتي تبث الرعب والهلع في نفوس المواطنين.

3 ‏- التنسيق الأمني والمخابراتي بين الولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا وزعماء المقاطعات الصومالية لمحاربة ما سمّوه «الإرهاب الدولي» (الإسلام).

‏هذه العلاقة بين تلك المجموعات الثلاثة المذكورة ليست علاقة عادية، وإنما هي علاقة عضوية متينة تضاهي علاقة واشنطن بالمنظومة الأمنية المتمثلة: في إسرائيل، وتركيا، والآن في العراق، لتطويق الأمة الإسلامية وتركيعها، فإذا كانت الطائرات الحربية الأمريكية من طراز أباتشي تضرب وبصورة يومية الشعب الفلسطيني والعراقي؛ فإنها أيضاً ضربت وبصورة عشوائية الشعب الصومالي عام 1993‏م إبّان تدخّل الأمم المتحدة في الشأن الصومالي.

كما ساعدت تلك الطائرات القوات الإثيوبية عام 1994‏م ضد الشعب الصومالي في «إقليم أوجادين» المحتل، وذلك أثناء الحملة العسكرية ضد المقاومة الإسلامية المسلحة فيه، واستمرت تلك الحملة أربعين يوماً، فإذا كانت أمريكا قد أدّت هذه المهمة في بدايات العقد الماضي والوقت الراهن أيضاً؛ فإن قوتها الخاصة لمحاربة ما يُسَمّى «الإرهاب» تجوب شوارع مدينة «جكجكا» عاصمة «إقليم أوجادين» والمناطق الأخرى التابعة له، وخصوصاً حول بئر الغاز الطبيعي الواقع قرب مدينة «شيلاب»، لنهب الثروة البترولية الكبيرة الكامنة في الأراضي الصومالية المفقودة، ويبدو أن الأمر لا يختلف عمّا يجري في العراق، ولا ينسى أيضاً الضربات الأمريكية الخاطفة لمصنع الشفا في السودان.

واليوم فإن غطرسة أمريكا تتجه نحو الخرطوم من جديد بسبب الأحداث الجارية في دارفور، التي تعتبر هذا شأناً داخلياً لم تصل إلى مرحلة التدخّل الدولي، ويبدو أن الإرهاب الأمريكي الأمني (العسكري والاقتصادي) يمشي جنباَ إلى جنب لإذلال الشعوب الإسلامية.

4 - من أهداف مكتب المخابرات الأمريكية في الصومال إطالة أمد الصراع السياسي والقبلي في البلد، حيث تتدخل أمريكا وبصورة مكشوفة في المحادثات الجارية بين الفرقاء الصوماليين، وفي مؤتمرهم الخامس عشر الذي تجري مداولاته في كينيا منذ 15‏ أكتوبر 2002‏م بغية عرقلة سيره، وهي لا يهمها وقف الفوضى السياسية الجارية في الصومال؛ لأنها هي التي ساهمت في إسقاط النظام السابق، كما أجهضت أيضاً حكومة عبده قاسم صلاد حسن.

‏ولذلك؛ فإنها تريد على ما أعتقد أن يبقى الصوماليون على ما هم عليه حتى تتفرغ قيادة البيت الأبيض (من الجمهوريين الراديكاليين) لغزو الصومال واحتلاله، وأعتقد أن (قيادة البنتاجون) مشغولة في اختيار الزمن المناسب لتنفيذ هذا الفيلم الذي أعدّته مسبقاً، ولكن، ومهما مكروا مكراً، وفكّر بوش وقدّر في جنح الظلام أو على عدسة الكاميرا، فإن مخطّطهم هذا لن يُكتب له النجاح - بإذن الله -، لأن الشعب الصومالي بطبيعته يكره أمريكا، ويلقنها الدروس القاسية، ويصعب أيضاً أن نفرّق بين من ينتمي إلى الاتجاهات الإسلامية تنظيمياً وبين الآخرين، لأن ‏الجميع يشتركون في شيء واحد وهو الإسلام، بالإضافة إلى الشبكة الاجتماعية المعقدة، وهي القبيلة ‏التي تحمي أفرادها، والحالة كهذه يجب على الكتل الشيطانية المعادية للصومال أن تعيد حساباتها من ‏جديد، وتتخلى عن عنجهيتها وصلفها.

* باحث وصحافي صومالي – مقديشيو.