المرأة الأفريقية والدور المنوط بها السودان نموذجاً

  • 6 -10 - 2009
  • أحمد محمد إسماعيل

أحمد إسماعيل.

تتعرض المرأة في العالم الثالث، وفي إفريقيا على وجه الخصوص إلى الاستغلال الدعائي من قبل حركات ومنظمات نسوية ذات توجهات علمانية ،  وتجد سنداً قوياً من المنظمات الدولية، وتحاول تلك الحركات أن تفرض أطروحاتها وأفكارها العلمانية على العالم، ولا تجد بيئة أفضل من مجتمعات العالم الثالث- بمشكلاته المركبة- لتطبق عليها مشروعاتها المصادمة للفطرة الإنسانية.

فالتقارير عن أوضاع المرأة، سواء كانت صادرة عن الأمم المتحدة أم عن المنظمات الناشطة في مجال الحركة النسوية، كلها تستمد من إفريقيا مادتها وأرقامها عن  العنف، والاغتصاب، وبتر الأعضاء، والانتهاكات ضد المرأة، وتهميشها؛ وتجعل من ذلك كله مدخلاً للحديث عن "الجندر" ،و"الأدوار الجديدة للمرأة"، و"مكافحة التمييز ضدها".

تعد أفريقيا قارة شديدة الخصوبة لتلك الدعاية؛ حيث الحروب والتوترات والنزاعات العرقية، و إهمال الدولة، وغياب الرعاية الصحية، وانتشار التقاليد الفاسدة والخرافة، وتفشي الجهل والأمية، وشدة الفقر،  وغير ذلك من الأوضاع  السيئة التي تسببت فيها الدول الغربية ، وهي الدول نفسها التي انطلقت منها تلك الأطروحات،  سواء  كان ذلك  في فترة احتلالها لبلدان القارة، أم بعد ما منحته لها من استقلال شكلي يضمن استمرار نفوذها وتأثيرها في سياسات تلك الدول ، وأمنها واستقرارها.

لقد فشلت السياسات التي خلفها المحتل في تحقيق الاستقرار السياسي والأمني في معظم المجتمعات الإفريقية، وهو ما أدى إلى ضعف النمو الاقتصادي، والمدني، وغياب سيادة القانون، وانتهاك الحقوق المدنية ، وضعف الخدمات العامة:  التعليمية، والصحية ، وغيرها،  وقد أثر ذلك سلبا ًعلى المرأة بصورة خاصة ؛ إذ لم تتمكن تلك المجتمعات من تنمية أوضاع المرأة  الخاصة بما يتوافق مع دينها وتقاليدها، فاتجهت إلى الأخذ بنظم أجنبية غريبة عنها، ومفروضة عليها، قادتها إلى ما هو أسوأ .

إفريقيا. صورة مقربة:

يبلغ عدد سكان إفريقيا حالياً  أربعة وعشرين وتسعمائة مليون نسمة، موزعين على ثلاث وخمسين دولة، وتتوقع بعض التقارير الدولية أن يتضاعف هذا العدد في سنة 2050م؛  بسبب ارتفاع نسبة خصوبة المرأة الإفريقية، والتي تمثل نصف هذا التعداد السكاني للقارة.

 أشار تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للسكان إلى أن متوسط عمر الأفارقة سيرتفع من (19 إلى 28 سنة) ، وهي حالة متفردة بالنظر إلى الجارة الشمالية ( أوروبا ) ؛ إذ أفاد نفس التقرير أن عدد سكان أوروبا سينخفض من خمسة وعشرين وسبعمائة مليون نسمة حالياً، إلى ثلاثين وستمائة مليون نسمة بحلول سنة 2050 م، وفي المقابل سيزيد معدل الحياة في أوروبا؛ حيث سيرتفع متوسط عمر سكانها من تسع وثلاثين سنة في عام 2005م إلى أربع وثمانين سنة في عام 2050م.

هذه المؤشرات تفيد بأن القارة الإفريقية ستتمتع في المستقبل القريب بأكثرية شابة غالبة بين سكانها، مقابل مجتمع تغلب عليه الشيخوخة في كل من أوروبا ، والولايات المتحدة الأمريكية، والصين.

وتبلغ نسبة المسلمين في إفريقيا 63% ؛ حيث يمثل الإسلام دين الأغلبية في معظم دول إفريقيا شمال الصحراء وجنوبها، على الرغم من سيطرة غير المسلمين على مقاليد السلطة والحكم في كثير من تلك البلدان، وتلك هي إحدى نتائج وآثار سياسات المحتل الأوروبي.

أفريقيا : المشكلات والنزاعات :

النزاعات المسلحة والانقلابات العسكرية :

من نتائج تقسيم الاستعمار للقارة  وسياساته، الصراعات والحروب والانقلابات التي تفجرت في أنحائها المختلفة بمجرد خروجه منها، والتي تكلفها سنوياً أكثر من ثمانية عشر مليار دولار،  وقد بلغ عدد اللاجئين والمشردين بسببها وفقاً لإحصائيات مفوضية اللاجئين قرابة سبعة  ملايين لاجئ، وخمسة عشر مليون مشرَّد من إجمالي واحد وعشرين مليون لاجئ على مستوى العالم.

الفقر :

برغم ما تنعم به القارة من ثروات ضخمة فإن 59% من سكانها  يعيشون تحت خط الفقر، وتصنّف إحدى وعشرين دولة إفريقية تحت بند الدول التي تفتقر إلى الأمن الغذائي من بين سبع وثلاثين دولة في العالم تصنّف تحت هذا البند

الأميـة:

أظهرت دراسة مقارنة استندت عليها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في العام 2005م أن نسبة الأمية في أفريقيا انخفضت من 40% كانت عليها في العام 2000م إلى 32%، ويعد الجهل من الأسباب القوية لتفشي العديد من التقاليد والممارسات الخاطئة بين النساء، مثل: السحر، والشعوذة، والختان الفرعوني، وتشويه الأعضاء.

لقد ساعدت هذه العوامل :( النزاعات المسلحة والانقلابات العسكرية، والفقر، والأمية )، وغيرها، على تفشي ظواهر وأمراض اجتماعية كثيرة، مثل : التشرد والنزوح واللجوء ،  والتفكك الأسري، والانحلال الخلقي، وانتشار الأوبئة والأمراض الناجمة عن الممارسات الخاطئة،  كالإيدز، والأمراض المنقولة جنسياً. 

المرأة: الإفريقية:

المرأة الإفريقية هي وليدة تلك البيئة بكل معطياتها: الإيجابية، و السلبية. فإذا كان الإسلام تبلغ نسبته 63% من مجمل سكان إفريقيا، فهو دين غالبية النساء في القارة؛ حيث تمثل المرأة نصف سكان إفريقيا ، وإذا كان 59% من سكان القارة يعيشون تحت خط الفقر، فإن أكثر من نصف نساء القارة هنَّ فقيرات.

والمرأة الإفريقية ـ بسبب الأوضاع الاجتماعية والمادية وشدة الفقر ـ تضطر للعمل لتساعد في إعالة الأسرة، وخاصة عند فقدان الزوج، أو الأب، أو الابن بسبب الحروب والنزاعات المسلحة ، وأحيانا تتعرض للنزوح والتشرد، فتتغير حياتها. وهي غالباً ما تكون عرضة للموت عند الإنجاب، أو الإصابة بالمرض نتيجة لغياب الرعاية الصحية.

استغلت بعض الهيئات والمؤسسات، ووسائل الإعلام، وخاصة الغربية هذه الأوضاع المزرية لتدفع بالمرأة الأفريقية إلى الوقوع في الرذيلة، والانحلال الخلقي ، كما قادها الجهل والأمية إلى ممارسات فاسدة من معتقدات خرافية، وتقاليد سيئة، وهي غير قادرة على معرفة حقوقها الشرعية، والمطالبة بها أو الدفاع عنها.

برغم هذا الواقع، يظل القاسم المشترك في المرأة الإفريقية- مسلمة كانت أم غير مسلمة- هو إدراكها لأهمية الأسرة في الحياة وضرورة الحفاظ عليها، ومعرفتها أن الرجل هو القيِّم على الأسرة والمسؤول، عنها وأن الأمومة هي وظيفتها الأولى التي لا تقابلها مهمة.

هذا الفهم راسخ في كل التقاليد الإفريقية، ومتردد في التراث الشعبي والأحاجي ...[1]

المرأة في السودان:

السودان بلد مسلم بغالبية سكانه، تمثل ثقافة الإسلام وأعرافه الأساس الذي يقوم عليه المجتمع، وهو منطلق النظرة إلى المرأة . هذا في الجملة، غير أن ذلك الإجمال لا ينفي وجود مجتمعات غير مسلمة لها أعرافها وتقاليدها ومعتقداتها الخاصة، كما لا ينفي أن كمّاً من الأعراف والتقاليد الفاسدة - المتسللة من التراث التاريخي السابق للإسلام في هذا البلد، ومن الاحتكاك بالمجتمعات الأخرى- قد وجد له مكاناً في ممارسات السودانيين، حتى المسلمين منهم[2].

يبلغ تعداد سكان السودان قرابة أربعين مليون نسمة،  41.1%  منهم لا تتجاوز أعمارهم أربعة عشر عاماً، ويبلغ عدد الإناث منهم * 8.093.609 ، في مقابل 8.093.609 من الذكور،  وتبلع نسبة السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 15- 64 سنة قرابة 56.4% ، الإناث منهم 11.275.685، في مقابل 11.407.233 من الذكور، بينما يمثل من هم فوق الـ 65 عاما 2.5% من السودانيين.  الأسرة الشرعية هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع في السودان، وهي المأوى الوحيد للمرأة ، فليس في السودان امرأة تعيش في منزل بمعزل عن أسرة، بل تتولى النساء إعالة قرابة 27% من  إجمالي الأسر السودانية.

تعاني المرأة السودانية من أزمات مجتمعها؛ فقد تأثرت إلى درجة كبيرة بالحرب الأهلية في جنوب السودان التي دامت لمدة ثلاثة وعشرين عاماً، وتعاني بشكل كبير مآسي الحرب الأهلية في دارفور التي اندلعت في العام 2003م، ومازالت مستعرة حتى الآن، أدت  هذه الحرب إلى نزوح ولجوء قرابة مليوني نسمة، ومقتل أكثر من 10 آلاف شخص . كما تعاني المرأة  السودانية الفقر، وانتشار الأمية، وكثرة حالات الوفاة عند الإنجاب، إلى غير ذلك من الإشكالات.

استغلال أوضاع المرأة في السودان:

لم تكن للمرأة في السودان قضية منفصلة عن قضية الإنسان في بلدها؛ فالأوضاع السيئة والمظالم التي تتعرض لها المرأة هي جزء مما يعانيه المجتمع بصورة عامة، و ضعف التعليم وضعف الثقافة الإسلامية كانا من أسباب ضياع حقوق المرأة والرجل على السواء.

ولكن الحركة النسوية التحررية وليدة الحركات العلمانية واليسارية في السودان، جعلت من تلك الأوضاع قضية خاصة بالمرأة، واستغلتها لهدم أركان المجتمع المسلم، متخذة من قضية تعليم المرأة مدخلاً ونقطة انطلاق ؛ حيث كانت نسبة الأمية  في مجموع نساء السودان قبل استقلاله تبلغ 90% ، وهو واقع كانت له مسبباته،  فالمجتمع عموماً – رجاله و نساؤه- كان يعاني الأميَّة، ولم يكن الأمر قاصراً على المرأة  دون الرجل، فالمجتمع السوداني كان مجتمعاً شفاهيا رعوياً ، والقلة من الرجال الذين نالوا حظهم من التعليم، تلقوه في "الخلاوي"- المؤسسة التعليمية التي كانت متوفرة آنذاك- حيث كان الفتى يسافر مغترباً عن أهله، لينقطع للتعلم في الخلوة، الأمر الذي لم يكن ليتيسر للمرأة، والمحاولات الأولى للمحتل الإنجليزي لتعليم المرأة ارتبطت بمحاربة التعليم الديني الإسلامي، وكانت المدارس النظامية في تلك الفترة تحت إدارة الإرساليات التنصيرية؛ لذلك قاطعها معظم السودانيين.

بعد أن انتهت قضية تعليم الفتيات، أخذت الحركة النسوية العلمانية تبحث عن قضايا أخرى تثيرها، للترويج لأفكارها من خلالها،  فصارت تنتقل من قضية إلى أخرى: من التعليم إلى حقوق العمل والمطالبة بمساواة المرأة فيها بالرجل،  والحقوق السياسية وحق الترشيح إلى المناصب العليا ورئاسة الجمهورية، إلى المطالبة بتعديل قوانين الأحوال الشخصية، ومساواة المرأة بالرجل في الميراث، وفي القوامة داخل الأسرة، والطلاق ، إلى دعوة "الجندر" ، والاتفاقات الدولية، مثل: اتفاقية "إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة" المعروفة اختصاراً بـ "سيداو"، وغيرها من الكوارث والشرور التي تتبناها الحركات النسوية العالمية.

وفي هذا الإطار استخدمت كل الكوارث الإنسانية والأوضاع المزرية وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية وقانونية تضر أول ما تضر بالمرأة نفسها؛ فالانتهاكات التي تحدث في مناطق الحروب والنزاعات المسلحة – حقاً كانت أم باطلاً- ،  والجرائم التي تقع في المجتمع وتكون المرأة ضحية فيها، مثلها مثل الرجل، كجرائم الاعتداء والإيذاء ، ومشكلات الأسر ووقائع الطلاق، وغيرها، كلها جمعت تحت شعار: "العنف ضد المرأة"،  واستخدمت مطية للمطالبة بما أطلق عليه "تمكين المرأة"!! ، وهو شعار رفعته التنظيمات النسوية في السودان، ويتضمن العديد من المطالب، مثل: "تخصيص نسبة كبيرة للنساء في البرلمان"، رغم أن القانون السائد يكفل لهن الحق الكامل في جميع أضرب المشاركة السياسية أسوة بالرجل، من الاقتراع وحتى الترشُّح لرئاسة الجمهورية!، ومثل: تعديل قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين. هذا فضلاً عن الدعوة إلى المساواة "الجندرية"، وهي دعوة لا تعترف بالتقسيم البيولوجي والتخصص النوعي والوظيفي للإنسان "ذكر وأنثى"،  وإنما تؤمن بحق الإنسان في اختيار ما  يرغبه من أدوار اجتماعية ، سواءً كانت تصب في عرف الناس في خانة الذكر أم في خانة الأنثى.

الدور المنوط بالمرأة السودانية

هناك أدوار كبيرة ملقاة على عاتق المرأة في مختلف جوانب الحياة : اجتماعياً، وتربوياً، وسياسياً، واقتصادياً، وثقافياً. وتتميّز المرأة المسلمة بالالتزام بالصبغة التي يضفيها دينها على هذه الأدوار، وفي هذا المقام سنركز على أكثر هذه الأدوار أهمية:

أولاً: الدور الاجتماعي للمرأة السودانية:

في غضون العقود الثلاثة الأخيرة: ( ثمانيات، وتسعينات القرن الماضي، وبداية الألفية الثالثة ) تعرّض المجتمع السوداني إلى تحولات اجتماعية كبيرة طالت جميع مكوناته:  (الفرد، الأسرة النووية، الأسرة الممتدة، القبيلة، المجتمع )، وأثرت عليها في عدة نواحٍ، منها: الأخلاقية والقيمية، ومنها المتصل بالترابط والاتصال بين تلك المكونات.

فمن جهة كان المجتمع السوداني، كغيره من المجتمعات العشائرية البسيطة، يتميّز بالترابط الوثيق، الذي يصل أحياناً إلى درجة الغلو، فالتزاوج يتم داخل القبيلة، إلا نادراً، والمجتمع تسوده الأسرة الممتدة التي تظل متحدة حتى في السكنى؛ حيث يعيش أبناء الأب الواحد بأسرهم المتعددة في بيت كبير واحد يُسمَّى "الحوش"، وتظل الصلة وثيقة ببقية أفراد العائلة الكبيرة، هذا فضلاً عن الصلة القوية بالجيران والمعارف، التي تقترب  من صلة  ذوي القربى. لا تقتصر تلك الصلة القوية على العاطفة فحسب، بل تكون لها تبعاتها الاجتماعية والقيمية؛ فكل شخص كبير في السن– مهما كانت درجة قرابته- له الحق في ملاحظة سلوك الصغار وتقويمهم، ولا يعترض عليه أحد، كما كانت تحقق نوعاً من التكافل الاجتماعي الوثيق؛ فالمرأة المتوفَّى عنها زوجها لا تتجشم عناء البحث عن عمل لتعول أبناءها؛ فجميع الرجال في الحوش يقومون مقام الأب،  هذا فضلاً عما كان يوفره البيت الكبير من بيئة طيبة تسهم في حل الخلافات الزوجية، والمحافظة على كيان الأسرة واستقرارها.

التحولات الاجتماعية - خاصة في المدن الكبيرة- قلّصت تلك الصورة إلى حدٍ كبير، الأمر الذي أدى إلى ظهور تصدعات داخل الأسرة الصغيرة نفسها، فارتفعت حالات الطلاق في السودان في السنوات الأخيرة بصورة مزعجة، ففي خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة فقط من العام الماضي سجلت دائرة الأحوال الشخصية في مدينة شندي وحدها – وهي من المدن المتوسطة- اثنتي عشرة وثلاثمائة حالة طلاق مقابل اثنين وثمانين حالة زواج!.

دور المرأة في الحفاظ على كيان الأسرة:

بالنسبة للمرأة، فإنه كلّما تراجعت "الأسرة الممتدة"، زادت الأعباء التربوية على المرأة، أما إذا فُقد العائل بالوفاة أو العجز عن العمل وقع على المرأة العبء  الاقتصادي في تحمل تكاليف المعيشة، والسعي لتوفيرها عن طريق العمل ، ففي السودان تعول النساء 27% من الأسر السودانية.

ومن هنا يتضح أن الحفاظ على كيان الأسرة ـ ممتدة كانت أم نووية  ـ هو دور رئيس وحاجة أساسية للمرأة السودانية بمختلف صفاتها الوظيفية: ( أماً، أو زوجة،) من خلال قيامها بحق الزوج والأبناء، استناداً إلى مفهوم المسؤولية في الإسلام: "...والمرأة راعية في بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم"[3]

مكافحة الانحلال الخلقي والقيم الدخيلة على المجتمع:

 وفدت قيم دخيلة كثيرة على المجتمع السوداني عبر وسائل عديدة، منها وسائل الإعلام في عصر الفضائيات، وقد زاد من خطرها وقوة تأثيرها غياب الرباط الاجتماعي بصورته التي ذكرنا، كما ساهم احتكاك اليافعين من الجنسين بعضهم ببعض في الجامعات والمعاهد المختلطة في انتشارها بكثرة، هذا بالإضافة إلى التيارات العلمانية التي تحرص على نشر ذلك النوع من السلوك المضاد لقيم المجتمع بوصفه أفضل طريقة لمحاصرة المد الإسلامي.

يلحظ الإنسان بوضوح انتشار الأزياء الفاضحة والتبرج الشنيع، والجري خلف التقاليع الجديدة والموضة، بالإضافة إلى العلاقات المحرمة بين الفتيان اليافعين والفتيات اليافعات: كالصداقة والحب التي كثيراً ما ينتهي أمرها بفواحش جنسية، مثل:  الزنا،  وما يسمى "بالزواج العرفي"[4]!!، وأبسط ما يكون من ممارسات تلك التي يصنفها القانون السوداني تحت بند الأفعال الفاضحة.

إن دور المرأة في مكافحة تلك الظواهر أساسي؛ فصون الفضيلة لا يقتصر على الرجل وحده؛ فالمرأة عليها في تحقيق ذلك أن تلتزم بشرائع الإسلام في اللباس، وفي العلاقة بالجنس الآخر، وفي خروجها ومشيها في الطرقات، هذا بالإضافة إلى قيامها بواجب الدعوة بالحسنى إلى أخلاق الإسلام وفضائله.

وثمة تفاصيل أخرى تندرج ضمن الدور الاجتماعي للمرأة، وخاصة في ظل الأوضاع المترتبة على الحرب والنزوح، مثل: كفالة الأيتام، والأطفال فاقدي الأبوين وفقاً للضوابط الشرعية، والعمل على دعم روح التكافل الاجتماعي، ودعم الأسر الفقيرة. وهي أدوار يمكن أن تتم من خلال تنظيمات اجتماعية، مثل : المنظمات الطوعية، أو التجمعات البسيطة في الأحياء، وفي السودان يوجد عدد من المنظمات النسوية  التي تغطي تقوم بذلك، من أشهرها:  منظمة سند الخيرية، ومنظمة أم الفقراء، وجمعية العافية، وجمعية الأيادي، وجمعية أنسام، بالإضافة إلى الاتحاد العام للمرأة السودانية التابع للدولة.

الدور التربوي والتعليمي للمرأة السودانية:

في إطار الأسرة تعتبر التربية أمراً طبيعياً فطرياً للأبوين، ولكن العبء الأكبر فيها يقع على الأم، ويساهم المجتمع والأسرة الممتدة بشكل أو بآخر في التربية من خلال منظومة القيم التي يحافظ عليها ويحرسها.

إلا أن التحولات الاجتماعية والثقافية في المجتمع أدت إلى تقليص دور المجتمع التربوي؛ إذ أصبح السعي وراء الرزق يستحوذ على النصيب الأكبر من وقت رب الأسرة، فما بالك إذا أضيف إليه خروج المرأة إلى العمل؟!، انعكس كل ذلك سلباً على حظ الأبناء من الرعاية والتربية والتنشئة القيمية ودور الأسرة في ذلك،  في مقابل هيمنة القنوات الفضائية، ووسائل الاتصال، ومجموعات الأصدقاء، وهو أمر كان له مردود خطير في زلزلة الثوابت من المعتقدات والأعراف والقيم، وأدى إلى انحرافات سلوكية لدى الشباب وإلى ظاهرتي الفشل والتسرّب الدراسي.

إذن الأجيال الجديدة في حاجة ماسة إلى المرأة بوصفها المرتكز الأول في عملية التربية، ويتوجب عليها أن ترتب أولوياتها، لتكون تربية الأبناء هي الأصل الذي تتراجع دونه كل الوظائف الأخرى.

رفع الجهل ومحو الأمية: 

*مازالت نسبة الأمية مرتفعة في السودان، و في النساء بصفة خاصة، ففي العام 2008م كانت نسبة الأمية في مجموع الإناث في الريف السوداني 62%، مقابل 44% للذكور، وفي المناطق الحضرية بلغت النسبة 34% للإناث، وللذكور 21% [5].

إن القضاء على الجهل والأمية يلقي على عاتق المرأة المتعلمة مسؤولية كبيرة تجاه بنات جنسها، وذلك بالعمل في حملات محو الأمية، أو من خلال عملها في مهنة التدريس، وهوما يسهم بدرجة كبيرة في الارتقاء بأوضاع المرأة؛ حيث يظل الجانب العملي الجاد، أكثر فائدة من الصراخ،  والمناداة بما لايليق بكرامة المرأة من مطالب، وتعليق الإخفاقات على شماعة الرجل والمجتمع الذكوري.

الدور الثقافي والتوعوي للمرأة السودانية:

تفشي الجهل والأمية في شريحة النساء نجمت عنه إشكالات كبيرة في أوساطهن، وتبدى في مظاهر كثيرة مثل:

انتشار المعتقدات الفاسدة والخرافة والشعوذة والدجل: حيث مازال كثير من النساء في السودان يعتقدن في تصرف الأموات بالأحياء، ويلجأن إلى السحرة والمشعوذين للحفاظ على أزواجهن، أو لجلب الولد وغيره ، ويُقِمن الحفلات الشيطانية التي تسمى: "الزار".

انتشار  العادات الضارة، مثل:  "الخفاض الفرعوني"،  و"الشلوخ"، وغيرها.

الجهل النساء بالواجبات والحقوق في حياتهن الزوجية، أو العامة، وهو أمر يستغله كثيرون في غمطها حقها، كما تستغله المنظمات النسوية العلمانية لدفعها إلى التمرد على الدين والأسرة والمجتمع.

الجهل بالعبادات والواجبات الشرعية، وغياب الفهم الصحيح للإسلام.

إنه باب كبير من أبواب الجهاد للمرأة السودانية المسلمة، أن تعمل على نشر الوعي بين النساء، أولاً بحقوق الله تعالى، ودينه، ثم بحقوقهن التي جاءت بها الشريعة السمحة، وبالواجبات المنوطة بالمرأة تجاه بيتها ومجتمعها، حتى تأخذ المرأة حقها وتؤدي واجبها، ولا تكون فريسة للفكر العلماني المتمرد على الله وعلى دينه، وعلى الفطرة الإنسانية السوية، الذي يؤدي إلى شقاء المرأة أكثر من نفعها؛ لأنه يصادم فيما يدعو إليه نظام فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها وهو أعلم بما يصلحهم، وما يفسدهم.

وفي هذا المجال قامت في السودان منظمات لنساء مسلمات وعين أدوارهن، وفهمن دينهن، ووقفن ينافحن عنه ويرددن عنه غارات العلمانيين . فظهرت في السابق "الجبهة النسائية"، وفي الحاضر توجد "منظمة أم عطية الأنصارية"، و "مركز دراسات المرأة"، وغير ذلك من المنظمات والهيئات.

الأدوار الأخرى للمرأة السودانية:

هناك أدوار أخرى للمرأة السودانية مهمة، لكنها ليست في مستوى أهمية الأدوار التي  تقدمت. من تلك الأدوار:

الدور السياسي: وهو دور تدركه جميع القوى السياسية والأحزاب الوطنية ؛ حيث يتم استغلال المرأة بوصفها مورداً مهماً من موارد الأصوات الانتخابية، ويؤدي الجهل المتفشي بين النساء لاستغلالهن استغلال مقيتاً. فهي تحتاج إلى تنمية وعيها السياسي حتى لا تستغل في تكريس أوضاع سياسية يتضرر منها الوطن، وهي أوضاع  معظمها مستورد ، دخيل على بيئتنا الإسلامية .

الدور الاقتصادي: فقد كفل الإسلام للمرأة حق تملك المال وتنميته، وقد مارست المرأة النشاط الاقتصادي في السودان منذ القدم، وفي مختلف أشكال الإنتاج، من زراعة، وصناعة يدوية، إلى تجارة، وغيرها. لقد دفعت الأوضاع الاجتماعية، والفقر، وغياب العائل، وأحياناً الطموح كثيراً من النساء إلى العمل، فحققن فيه نجاحات، وصارت بعضهن سيدات أعمال يشار إليهن بالبنان، وقد أسهت بعض النساء في دعم الأعمال الخيرية في المجتمع.

وأخيراً فإن على المرأة المسلمة أن تدرك أن دورها الحقيقي مركوز في الفطرة، وقد أكد عليه الإسلام، ولأجله رفع الله قدرها، وجعل الجنة تحت قدميها، وهي تدرك حقيقة الدعاوى العلمانية التي تحاول استغلال اسمها وقضاياها للمطالبة بما لا يقره الشرع ، ولا تستقيم به الحياة ، مما فيه مصادمة  لفطرتها ، وامتهان لكرامتها .

[1] - في جمهوريات بنين ونيجيريا وتوغو هناك نوع من التراث الخاص يعود إلى قرن من الزمن يحتفى فيه ب"الأم الأصل" "ليانلا"، وهو دور تأديه النساء،

-[2]  من ذلك عادة "الخفاض الفرعوني" و "الزار" وبعض العادات المتعلقة بالزواج، والميلاد، والوفاة، مثل: "تعليق عظام الميتة" ،و"الذهاب إلى النيل للعروس والنفساء"، و"نصب المرأة المتوفى زوجها قبالة الحائط عند الغروب". إلخ.

[3] - جزء من حديث: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته"، أخرجه  البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.

[4]- يسمى زوراً بالزواج العرفي وهو في حقيقته "زنا"؛ حيث لا تتوفر فيه شروط الزواج، فليس فيه ولي للمرأة.

[5] - تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للإنماء، شارك في إعداده خبراء سودانيون، ونشرته جريدة الصحافة اليومية السودانية في عددها رقم: 5297 الصادر بتاريخ 18/3/2008م