المجاعة الصومالية.. وصراع الداخل والخارج!

  • 10 -10 - 2011
  • بسام المسلماني


بسّام المسلماني

مقدمة:

الصومال الذي كان في الماضي نموذجاً للمجتمع المتجانس, عقيدة وثقافة وهوية ولغة, أضحى اليوم على عكس ذلك تماماً، حيث يُقدّم كنموذج مأساوي لما تكون عليه الدولة الممزقة، حتى أصبحت لفظة «الصوملة» في الأدبيات السياسية تعبيراً عن الدولة المنهارة.

وفور أن يسمع المرء عن حدوث مجاعة في منطقة ما في العالم تبرز الصومال في الذاكرة، وكأنها الدولة الوحيدة التي ارتبط اسمها بالمجاعات والجفاف والحروب الأهلية, على الرغم من تهديد الجفاف والمجاعات لكثير من الدول, إلا أن مخاطر هذا التهديد لا تمتد لفترات طويلة مثلما هو الحال في الدولة الصومالية.

لقد تكرر الجفاف في الصومال في القرن الماضي أكثر من عشر مرات على مدى عشرة عقود تقريباً، ومن أشهر أعوام الجفاف التي لا ينساها الصوماليون في تاريخهم الحديث ذلك الذي حدث عام 1964م، والذي أطلقوا عليه «عام جفاف المكرونة»، نسبة إلى المكرونة التي كانت توزّع على المتضررين في ربوع الصومال.

بعد عشر سنوات ضربت موجة جفاف جديدة البلاد عام 1974م، وعُرفت محلياً أيضاً باسم «الجفاف طويل الأمد»، ولكن تم آنذاك التغلب على آثاره بفضل وجود الحكومة المركزية، والتي أنقذت كثيراً من المواطنين ونقلتهم من الأقاليم الوسطى إلى الأقاليم الجنوبية حول ضفاف نهري جوبا وشبيلي.

في عام 1992م وقعت أسوأ موجة جفاف في القرن العشرين في الصومال، ويُقدَّر عدد من قضوا نحبهم بسببها بأكثر من 300 ألف نسمة، وقد خيّم الجوع آنذاك على أجزاء واسعة من البلاد، وهي الموجة التي جاءت على إثرها قوات

(*) باحث مصري

أمريكية وأممية في ديسمبر من العام نفسه بموجب قرار دولي من أجل حماية الإغاثة وتأمين وصولها للمتضررين.

توالت بعد ذلك على الصومال سنوات أخرى من الجفاف اتخذت طابع الاستمرار، فبعد أن كانت تلك الموجات متباعدة (كل عشر سنوات تقريباً - كما سبق -) صارت في الأعوام الأخيرة شبه متواصلة.

وقد حذّرت وكالات الإغاثة الدولية التابعة للأمم المتحدة من أن الجفاف والمجاعة في الصومال قد يؤديان إلى مأساة إنسانية ذات أبعاد وخيمة؛ إذ سيحتاج شخص واحد من بين كل ثلاثة أشخاص إلى مساعدات إنسانية عاجلة, وهو ما أكّده تفصيلاً تقرير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) الصادر في شهر أبريل / نيسان 2011م.

وسنحاول من خلال هذه المقالة إلقاء الضوء على أهم الأسباب وراء تفاقم الأوضاع إلى هذا الحد, وأدوار الفاعلين المحليين والدوليين في الأزمة.

الجفاف في الصومال:

العامل الجغرافي:

تقع الصومال في البروز الشرقي من إفريقيا المعروف بالقرن الإفريقي, وبذلك يطلّ الصومال على جبهتين بحريتين، على المحيط الهندي من رأس كامبوني بعد خط الاستواء جنوباً, وحتى رأس عسير «غواردفوي» شمالاً بمسافة طولها 2100 كم تقريباً، والثانية على خليج عدن من رأس عسير شرقاً إلى ما بعد زيلع غرباً بمسافة 1200 كم، ولها حدود برية مع كل من جيبوتي وإثيوبيا وكينيا, ومن جهة أخرى فالصومال السياسي يقع ما بين درجتي عرض 12 شمالاً و 3 جنوباً.

ويتسم سطح الصومال بأن معظمه هضابي متموج، حيث يسود طابع الهضاب معظم مساحة البلاد (ثلثي مساحة البلاد) في الشمال، بينما السهول تسود معظم المنطقة الجنوبية.

 وهناك مجموعات من السلاسل الجبلية كمجموعة حافة جولس ومجموعة جبال سراة, ويتراوح ارتفاعها ما بين 500 - 6000 قدم.

  أما السهول؛ فالساحلية منها تُستخدم كمراع طبيعية, بينما السهول الداخلية أكثر غنى من الساحلية وتُستخدم للزراعة, وللصومال ساحل طوله قرابة 3300 كم, وبذلك يمتلك الصومال أطول شاطئ من بين الدول العربية, وثانيها من بين الدول الإفريقية بعد جنوب إفريقيا.   

أما المناخ؛ فيمكن وصفه أنه مناخ صحراوي بالأساس، فالحرارة مرتفعة في جميع الفصول, وتتراوح ما بين 15 – 30 درجة مئوية في معظم المناطق, ولا سيما الساحلية، بينما تصل إلى 40 درجة في بعض المدن, كزيلع وبربرا وبندر قاسم (بوصاصو)؛ مما يدفع سكان تلك المدن للهجرة إلى النواحي المرتفعة في الداخل.   

  أما الأمطار؛ فيتميز القرن الإفريقي عموماً بأمطاره القليلة وغير المضمونة, إضافة إلى أنها زوبعية (تأتي لفترات قصيرة, وفي مساحات محدودة).

ولا شك أن الموقع الجغرافي للصومال له دور كبير في هذه الكارثة الطبيعية، وتفسير ذلك أن التيارات البحرية تعرّض المناطق الساحلية للجفاف، وذلك حينما تهب من تلك البحار رياح تتميز بقدرتها على امتصاص بخار الماء، ونادراً ما تُسقط أمطاراً؛ إذ أن شدة الحرارة تعمل على تبخّر الماء ولا تكون هناك فرصة لتكثفه.

العامل البشري:

يمكن تعليل حدوث الجفاف بتعدي الإنسان على الطبيعة، وذلك نتيجة لإزالته الغابات والنباتات الطبيعية (التصحّر)، مما يؤدي إلى قلة النتح، ومن ثم قلة الرطوبة في الجو، وينجم عن ذلك ازدياد تبخّر مياه المطر، إضافة إلى أن الغطاء النباتي الذي يحمي التربة من الانجراف يؤدي الرعي الجائر إلى إزالته وتعرية التربة.

وفي ظل عدم وجود حكومة مركزية، والحرب الأهلية المستعرة، دخلت البلاد في دوامة من الفوضى تجاوزت عشرين عاماً، فانتهز بعض التجار هذه الحالة وقاموا بقطع الأشجار وإزالة الغابات بآلات متطورة وسريعة، وانتعشت على إثر ذلك تجارة الفحم وتصديرها إلى الخارج، لا سيما دولة الإمارات العربية المتحدة, وذلك بقطع النباتات وإزالة الغابات بالكامل بآلات متطورة وسريعة، وهذه الأمور كلها أدت إلى تحوّل الصومال إلى صحراء قاحلة. 

ويشير مهدي حاشي إلى أن العوامل الطبيعية التي أدت إلى وقوع المجاعة في الصومال قد عمّت منطقة القرن الإفريقي بأكملها، لكن حالة الفوضى التي يعيشها الصومال وفقدان المؤسسات التي من شأنها مواجهة مثل هذه المآسي ضاعفت من وطأة المأساة, وحوّلتها من مجرد جفاف يمكن مواجهته ببعض الإجراءات لتقليل آثاره على حياة المواطنين إلى كارثة تهدّد حياة الملايين.

المجاعة وأدوار الفاعلين داخلياً وخارجياً:

المنظمات الدولية وصناعة الأزمة:

إن تعاطي المنظمات الدولية، ومن ورائها الدول النافذة, مع أزمة الصومال يثير العديد من الشكوك, ويتسم بالكثير من الغموض؛ بسبب تضارب المصالح وضبابية المواقف.

ويمكننا إرجاع هذه الشكوك إلى عدد من النقاط:

1 - عدم تناسب ما تم الإعلان عن تقديمه للصومال مع حقيقة ما وصل للصوماليين:

 فقد أعلنت هذه المنظمات والدول المانحة تقديم ملايين الدولارات، بل المليارات, لمساعدة المتضررين، لكن ما وصل إلى البلاد أقل كثيراً مما هو معلن, والذي يصل يُبدَّد معظمه على موظفي هذه المنظمات والفنادق الفاخرة.

وتشير عدد من التقارير إلى أن الفساد ضارب بجذوره في هذه المنظمات والهيئات, فقد سبق أن بيعت المواد الغذائية التي تحمل شـعار «الأمم المتحدة» في الأسـواق العامة في الصومال, ولهذا أجرت المنظمة تحقيقاً لم تُعرف نتائجه بعد، حتى أصبحت سـمعة منظمات الإغاثة الغربية لدى كثير من الصوماليين سيئة, ومقترنة بالهيمنة والفساد وتوزيع المواد منتهية الصلاحية.

ما أريد الخلوص إليه هو أن تعامل العالم مع المعضلة الصومالية يشوبه كثير من الضبابية، وأن المنظمات الدولية المؤثرة في الشأن الصومالي غير معنية بمعالجة المشكلة من جذورها، بل إنها متربّحة من استمرارها واستفحالها لتكون مصدراً للرزق لهم ولجيوش المستفيدين المحليين.

تؤكّد الصحافية الهولندية ليندا بولمان، التي أصدرت كتاباً يحمل اسم «قافلة الأزمة»، أن المساعدات الإنسانية تحوّلت إلى صناعة رائجة، فالعديد من منظمات الإغاثة, مثل «كير» و «أطباء بلا حدود» و «أكسفام» و «صندوق إنقاذ الأطفال», أضحت تتنافس فيما بينها للسيطرة على مناطق الكوارث بغية الحصول على نصيب الأسد من أموال الإغاثة.

وعليه؛ فإن الكارثة الصومالية تجتذب أكثر من ألف منظمة إغاثة وطنية ودولية، هذا غير العديد من الجمعيات الخيرية الصغيرة التي تتولى جمع الأموال عبر دور العبادة والنوادي وغيرها من مصادر التمويل الخيرية.

ويُلاحَظ أن قسطاً كبيراً من أموال المساعدات تُنفق لتغطية التكاليف الإدارية واللوجستية لوكالات الإغاثة، بما في ذلك مرتبات العاملين بها الذين يتنقلون في سيارات فارهة، ويعيشون في نُزل توفّر لهم مظاهر الرفاهية والأبّهة التي اعتادوها.

وطبقاً لوصف الطبيب الفرنسي جان روفين صاحب كتاب «المأزق الإنساني»؛ فإن الصعوبات الواقعية في الصومال لم تنشأ من نقص في الغذاء أو المعونات المالية، وإنما من عدم الكفاءة في توزيع تلك المساعدات، بالإضافة إلى عدم الاستقرار المزمن في البلاد.

وتشير بعض التقديرات الدولية إلى أن كل 13 دولاراً يتم جمعها في الخارج لا يصل منها سوى دولار واحد فقط إلى إفريقيا، وذلك يعني ببساطة شديدة تبديد معظم أموال المساعدات قبل وصولها إلى مستحقيها!

وتؤكّد راسنا فارا، وهي محللة تقيم في نيروبي، الأمر قائلة: «إن غالبية الأموال التي يتمّ جمعها تُنفق إدارياً ولوجستياً, على شكل رواتب مثلاً، ناهيك عن الأموال التي قد يسرقها اللصوص أو المتعاقدين لتجد طريقها إلى المحلات لتُباع للجياع بأسعار جنونية», وهكذا، تصير المجاعة والمساعدات، مراراً وتكراراً، هي النمط السائد, ويصبح الصومال برأي فارا «منجماً يؤمّن العمل للآلاف».

2 - اتسمت المساعدات أيضاً بأنها بطيئة:

هذا البطء الشديد في الأداء لا يتوافق مع التقارير التي سبق أن أكدت أن 77% من حالات الوفاة خلال المجاعات في إفريقيا كانت تحدث خلال مرحلة إعداد برامج الإغاثة الإنسانية.

التباطؤ الغربي في مواجهة أزمة المجاعة إنما يعكس وجود أهداف أخرى تتجاوز الوجه الإنساني للعمل الإغاثي الذي يحاول الغرب دوماً أن يتجمّل به في حركته الخارجية تجاه الشعوب الفقيرة والنامية, وربما يعزز ذلك من الانتقادات الموجّهة للحملة الغربية لإنقاذ الصومال, واتهامها بأنها تنطوي في حقيقة أمرها على وجه «غير إنساني».. لقد تصوّر بعض الناس أن المجاعة في الصومال قد ظهرت فجأة،  واقترن بظهورها إعلان الأمم المتحدة جنوب الصومال منطقة مجاعة, والتحذير من أن مخاطر الموت جوعاً تهدّد حياة نحو 12 مليون شخص في القرن الإفريقي!

وطبقاً لبعض التقارير الدولية؛ فإن عشرات الآلاف من أطفال الصومال قد لقوا حتفهم جوعاً منذ أوائل تموز (يوليو) 2011م, يُضاف لذلك وجود نحو 640 ألف طفل آخرين يعانون سوء التغذية, وقد طالب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بضرورة توفير نحو 1.5 مليار دولار لمواجهة مخاطر المجاعة في القرن الإفريقي.

وتشير التقديرات كذلك إلى أن ما يُطلق عليه «فجوة الجوع Hunger gab» في الصومال ستستمر حتى تشرين الأول (أكتوبر), وإذا لم تتوافر الموارد اللازمة لمواجهة هذه الكارثة الكبرى فإن الأمور ستستمر في التدهور، وهو ما يعني مأساة إنسانية غير مسبوقة.

 وبالرغم من ذلك كله؛ فإن أحداً لا يستطيع القول بأن إرهاصات المجاعة في الصومال لم تكن معلومة أو يصعب التنبوء بها, فثمة آليات يتم العمل بها دولياً للإنذار المبكر, ولعل أول إنذار لأزمة المجاعة الحالية في الصومال قد حدث في آب (أغسطس) 2010م، حينما تم رصد موجة الجفاف من قبل «شبكة نُظُم الإنذار المبكر للمجاعة», وبمجرد التحقق من صحة تلك التقديرات قامت هذه الشبكة الدولية بإصدار التحذيرات اللازمة, ومع ذلك فإن الاستجابة الدولية لم تكن أبداً على قدر المستوى الذي تُنذر به الكارثة الإنسانية في الصومال.

والمثير في الأمر أن استجابة القوى الدولية المانحة لم تصل حتى اليوم إلى مستوى حجم الكارثة الإنسانية في الصومال ومنطقة القرن الإفريقي, ويبدو أن التفسير الأوّلي لهذا التباطؤ الدولي يُعزى إلى تردد المانحين في تقديم العون والإغاثة, إلى أن قامت المنظمات الأهلية الدولية ووسائل الإعلام المختلفة بالترويج لصور الكارثة والمطالبة بضرورة التدخّل الإنساني العاجل, وأحسب أن ذلك التفسير - إن صدق - لا يُسهم في حل أزمة المجاعة على الإطلاق.

ويرى بعض الباحثين أن هذا التباطؤ الغربي في مواجهة أزمة المجاعة إنما يعكس وجود أهداف أخرى تتجاوز الوجه الإنساني للعمل الإغاثي الذي يحاول الغرب دوماً أن يتجمّل به في حركته الخارجية تجاه الشعوب الفقيرة والنامية, وربما يعزز ذلك من الانتقادات الموجّهة للحملة الغربية لإنقاذ الصومال واتهامها بأنها تنطوي في حقيقة أمرها على وجه «غير إنساني».

3 - عدم ملائمة المساعدات للحاجات الحقيقية للصوماليين:

فالمساعدات التي تقدّمها المنظمات والدول الغربية لم تلائم احتياجات الصوماليين، خصوصاً في بدء الأزمة، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ الرعاة الصوماليون، الذين يتفوقون في إنتاجهم من الماشية على نظرائهم في مناطق عديدة من العالم، لم يكونوا ينتظرون كالمزارعين هطول الأمطار، بل ينتقلون إلى مراع هطلت فيها الأمطار، ويوفّرون بذلك العلف والموارد المائية لماشيتهم، ومع أن الرعاة كانوا يضطرون في مواسم القحط إلى بيع ماشيتهم مقابل الحبوب؛ فإنهم كانوا يحتفظون دائماً بجزء منها لإعادة توليد القطيع، عندما تتحسن الظروف.

وقبيل تصاعد الأزمة الغذائية الراهنة، لم يكن الرعاة بحاجة إلى معونات غذائية قدر حاجتهم إلى مضخات، وحفّارات آبار مائية، وأمصال لتلقيح المواشي، ودعم جهودهم في بناء وسائل نقل، ومستودعات لتخزين الأعلاف، خصوصاً أن موجات الجفاف التي كانت تقع مرة كلّ سبع سنوات في سبعينيات القرن الماضي صارت تحدث مرة كلّ خمس سنوات في الثمانينيات، وأصبحت مزمنة منذ عام 2000م.

يُضاف إلى هذا أن الدول الغربية أسهمت في إحكام الخناق على الصوماليين، وذلك من خلال شروط التجارة غير المنصفة، والقيود المفروضة على تحويلات الصوماليين العاملين في الخارج، والتي كانت شريان حياة للصوماليين، بعد انهيار مؤسسات الدولة، بما فيها المصارف في تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت هذه التحويلات تبلغ نحو40 مليون دولار سنويّاً، قبل أن تقلّ جداً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2011م، بزعم ضلوع المؤسسات التي تقوم بالتحويل في العمليات الإرهابية، الأمر الذي ترك تأثيراً بالغ الخطورة في حياة الصوماليين، خصوصاً أن هذه التحويلات كانت تقدّم ما يعادل عدة أضعاف الفرص التي تقدّمها وكالات العون الدولية لإعادة بناء الصومال.

لذلك فإن محاولة المنظمات الدولية اختزال مشكلة الصومال في المساعدات الطارئة - على أهميتها - يشكّل خطأ فادحاً بحدّ ذاته ساهم في زيادة الأزمة وتعقيدها، إذ البلد ليس بحاجة إلى رمي أكياس من المواد الغذائية للمتضوّرين من الجوع فحسب، بل يحتاج إلى مقاربة شاملة للأزمة الصومالية بكلّ أشكالها السياسية والاقتصادية، لمعالجة جذورها ووضع حدٍّ لحالة الفوضى.

وهناك عدد من التقارير تؤكّد تعمّد منظمات الإغاثة الغربية إفساد مواسم الحصاد بتقديم المساعدات الإنسانية في صورة حبوب ومزروعات مجانية في الموسم نفسه الذي يحصد فيه الفلاحون محصولاتهم الزراعية، وهو ما يتسبّب في نقص الإقبال على الإنتاج المحلي وانخفاض الأسعار، ومن ثم إفلاس كثير من المزارعين, وعدم تمكّنهم من زراعة أراضيهم في المواسم التالية.

لقد أدت سياسات المساعدات الغذائية إلى القضاء على الإنتاج المحلي من الغذاء، كما أسهمت في تمويل الحروب الأهلية, وخلق حالة من الأزمة الغذائية الدائمة.

ونظراً لغياب الحكومة والسلطة المركزية الفعّالة منذ عام 1991م؛ أضحت وكالات الإغاثة الدولية تتصرف كأنها الحاكم الفعلي في البلاد، دون وجود رقيب أو حسيب عليها.

وربما دفع ذلك إلى القول بأن الصومال تديره وكالات الغوث الدولية، أما الحكومة الانتقالية فهي ظاهرة افتراضية لا غير.

4 - مساعدة المخيمات في الدول المجاورة دون الداخل:

هناك قضية أخرى شائكة تثير العديد من علامات الاستفهام حول أهداف هذه المساعدات؛ إذ أن منظمات الإغاثة تفضّل دائماً مساعدة المخيمات في الدول المجاورة وتتجاهل مساعدة المشردين في الداخل، وهم أقل كلفة, مما جعل مسؤولين صوماليين يتهمون تلك المنظمات بتشجيع الهجرة الجماعية من البلد, حتى تحوّل «مخيم داداب» في كينيا إلى أكبر مخيم في العالم من حيث عدد السكان.

ونتيجة لهذه السياسة؛ فإن الآلاف من الصوماليين يواصلون, بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا ووسط آسيا (أوتشا), النزوح عبر الحدود إلى إثيوبيا وكينيا، بعض التقديرات تُشير إلى أن عدد الصوماليين الذين نزحوا إلى إثيوبيا وكينيا وصل 166 ألف صومالي, حيث يصل يومياً في المتوسط 1700 شخص إلى إثيوبيا, و 1300 آخرين في المتوسط إلى كينيا.

هذه النقاط مجتمعة دفعت بعض المحللين إلى القول بأن المجاعة في الصومال هي صناعة غربية مكتملة الأركان، بهدف السيطرة على مناطق التمرد القبلي والإسلامي, وليس هناك من بدٍّ هذه المرة من أن يكون التدخّل غربياً نظراً لعزوف كلٍّ من العرب والأفارقة عن القيام بهذه المهمة.

فالمجاعة والمساعدات الغذائية تشكّلان النمط المسيطر اليوم على المشهد الصومالي، لذلك فإن المانحين ومنظمات الإغاثة الدولية يتدافعون للتحكّم في هذا المشهد وإدارة البلاد من خلال المساعدات، خصوصاً في ظل الغياب الحكومي التام.

وتربط راسنا فارا، وهي محللة تقيم في نيروبي، بين عدد المنظمات الإنسانية في بلد ما وبين مستوى الفقر فيه، فكلما زاد عدد تلك المؤسسات تراجعت قدرة هذا البلد على الخروج من الفقر، وتصبح المساعدات خير وسيلة تفرض بواسطتها الدول المانحة رقابتها على الدول المنكوبة، فهل هو شكل جديد من الاستعمار الإنساني؟

المنظمات والدول العربية والإسلامية:

مع الأسف الشديد؛ لم يكن هناك دور يُذكر للدول العربية في مواجهة الأزمة الصومالية, حتى التحركات العربية القليلة جاءت متأخرة جداً، بعد أن مات آلاف الصوماليين نتيجة للجوع وسوء التغذية، كما أنها لم تكن على مستوى الكارثة وحجمها.

وقد يجادل بعض الناس بأن الدول العربية مشغولة بربيع الثورات الذي هبّ على المنطقة، لكن الواقع يشهد أن العالم العربي لم يكن له حضور فعلي في عمر أزمة الصومال التي أكملت عشرين عاماً، لا في المشهد السياسي ولا الثقافي.

كما أن معظم المساعدات من جانب الدول العربية والإسلامية كانت تعتمد في أغلب الأحيان على الجهود المحدودة للمنظمات غير الحكومية، مثل جمعيات الهلال الأحمر واتحاد الأطباء العرب, وبدا المشهد وكأن الدول العربية تركت الصومال للدول الإقليمية والمنظمات الدولية تفترسها وتتحكم في مقدّراتها كما تريد.

القوى الدولية والإقليمية:

وجدت القوى الدولية والإقليمية في الأزمة الصومالية فرصة في بسط مزيد من النفوذ والتمدد في الداخل الإفريقي, وإن تباينت المنطلقات والأهداف لكلٍّ منها حسب سياستها الخارجية واستراتيجيتها في المنطقة.

الدور الأمريكي:

 التدخّل الأمريكي المباشر في الصومال بدأ مبكراً منذ عام 1993م، لكن الاستراتيجية الأمريكية القديمة, في خلال هذه السنوات العشرين, أخفقت في إيجاد موضع قدم استراتيجي لها في إفريقيا, خصوصاً في منطقة الشرق الإفريقي، حيث القرن الإفريقي والسودان, وحيث النفط والموارد المعدنية الوفيرة.

فعلى الرغم من تعاقب عدد من الإدارات الأمريكية المختلفة على الحكم في الولايات المتحدة خلال هذه المدة؛ فإنها جميعاً اتفقت على الإخفاق في الصومال، حتى إن الأمور كانت دائماً تسير إلى الأسوأ بمرور الوقت، خصوصاً في ظل تصاعد نفوذ القوى الإسلامية في الصومال, وسيطرة جماعات قريبة من تنظيم القاعدة على أجزاء واسعة من البلاد، حتى أصبحت القضية الصومالية صداعاً مزمناً في رأس الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

ويبدو من القراءة الواعية  للمشهد الصومالي الراهن أن الولايات المتحدة والدول الغربية التي استنفدت جميع الوسائل والمبادرات في الصومال, بما في ذلك التدخّل العسكري المباشر من خلال إثيوبيا, قد وجدت في أزمة المجاعة وإدارة المساعدات الإنسانية مخرجاً حاسماً وعلاجاً ناجعاً لما أُطلق عليه اسم «المرض الصومالي».

لذلك فقد عمد الإعلام الغربي والمنظمات الدولية إلى الربط بين تفاقم الأوضاع الإنسانية في الصومال وسيطرة حركة شباب المجاهدين على مناطق واسعة من البلاد، فقد اتهمت سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية بالأمم المتحدة سوزان رايس جماعة الشباب بالتسبب في تفاقم المشكلة؛ زاعمة أنها منعت إيصال المساعدات بشكل كاف للمناطق المتضررة، وفي حال سماحها بذلك فإنها تفرض رسوماً على ذلك, وتقوم بالاعتداء وقتل العاملين في هذا المجال - على حدّ قولها -.

وارتبطت المساعدات الدولية الأمريكية في بعض الأحيان بشروط سياسية، ومن ذلك اشتراط هيئة المعونة الأمريكية عدم تقديم الدعم إلى مناطق تسيطر عليها جماعة الشباب المجاهدين؛ بالرغم من اعتراف الهيئة نفسها بسيطرة الحركة على ما يقرب من ثلثي مساحة الصومال.

والهدف من هذا السلوك هو تشويه صورة جماعة الشباب, والعمل على فقدها لشعبيتها في الأوساط الصومالية, وتحميلها الكارثة التي تتعرض لها البلاد, على الرغم من نفي الحركة منعها عمل منظمات الإغاثة الدولية والإسلامية، ويكشف الصحافي المقيم في أسمرة توماس ماونتن هذا المخطط الأمريكي قائلاً: «إن برنامج الغذاء العالمي واليونيسف جبهتان تابعتان للاستخبارات الأمريكية، التي تريد السيطرة على المناطق التي تسيطر عليها حركة الشباب»؛ معرباً عن استغرابه لتقاعس الصحافيين في التدقيق في صحة التقارير التي تتحدث «كذباً» عن منع حركة الشباب المعونات عن اللاجئين, وقال: «اسألوا الصليب الأحمر الذي لم يتوقف يوماً عن العمل في الصومال؛ بما في ذلك في الجنوب».

الدور الإيراني:

الأمر لم يقتصر على محاولة توظيف الولايات المتحدة للأزمة بما يخدم أغراضها، فقد وجد النظام الإيراني في الأزمة الصومالية فرصة مواتية لاختراق مجتمع كل أفراده من المسلمين السنّة؛ مستغلاً حالة الفقر والجوع والإهمال التي يعانيها هذا المجتمع.

فطهران تسعى لتوسيع نفوذها في القارة الإفريقية من خلال الوجود السياسي والاقتصادي, ويُعتقد أن الهدف من تعميق هذا الوجود هو الترويج للمذهب الشيعي في البلدان الإفريقية، فالرئيس الإيراني أحمدي نجاد يؤكّد في مناسبات عديدة جَمَعَته بقادة أفارقة «رغبة بلاده في تعزيز علاقاتها بالدول الإفريقية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، مؤكّداً ضرورة ألا تقتصر تلك العلاقات على الجانب السياسي فقط»، وقد دعا نائب وزير الخارجية الإيراني لشؤون إفريقيا محمد رضا باقري القطاع الخاص في إيران إلى توثيق التعاون مع إفريقيا، مؤكّداً أن إفريقيا تشكّل مرتعاً واسعاً لنشاطات الشركات الإيرانية: «إن لإيران خطة شاملة في إفريقيا، تتضمن المجال السياسي والاقتصادي والثقافي».

وتُشير بعضُ التقارير إلى أنَّ الحركة الدبلوماسية الإيرانية الموجَّهة لإفريقيا قد تصاعدت بشكلٍ واضح في ظلِّ حكم الرئيس أحمدي نجاد، ففي عام 2009م وحْدَه قام كبار المسؤولين الإيرانيِّين بنحو عشرين زيارة لإفريقيا، وتحاول الدبلوماسية الإيرانية كسرَ الحصار الغربي المفروض عليها من خلال اكتساب مناطق نفوذ جديدة في إفريقيا.

وفي هذا الإطار نشطت الدبلوماسية الإيرانية في تعاطيها مع الأزمة الصومالية، فقام وزير الخارجية الإيراني بزيارة العاصمة الصومالية مقديشو للوقوف على حجم الكارثة الصومالية, يُلاحَظ أنه لم يقم مسؤول عربي أو إسلامي رفيع بزيارة الصومال, باستثناء الزيارة التاريخية لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وهذا الأمر يوضّح حالة الغفلة والتجاهل التي تعيشها الدول العربية والإسلامية!

كما أعلن الهلال الأحمر الإيراني تقديم مساعدات تُقدّر بنحو 25 مليون دولار لمنكوبي المجاعة في الصومال، وأشار الدكتور منتظر شبر, المدير التنفيذي لجمعية الهلال الأحمر الإيرانية في طهران، إلى أن الجمعية ستستعين بالبحرية الإيرانية لتأمين سفن المساعدات المتجهة للصومال خوفاً عليها من القراصنة.

وأصدر مكتب قائد الثورة الإسلامية علي خامنئي بياناً دعا فيه الشعب الإيراني كافة إلى الإسراع في مساعدة المتضررين بالمجاعة في الصومال، وجاء في البيان أن منطقة القرن الإفريقي, وبخاصة الصومال, تشهد هذه الأيام أحد أكبر الأزمات الإنسانية، حيث تتعرض فيها أرواح الملايين من المسلمين الصوماليين, ولا سيما النساء والأطفال, للتهديد والخطر الحقيقي النابع عن ظاهرتي الجدب والجفاف والمجاعة, وذلك أمام مسمع ومرأى المؤسسات الدولية وصمتها.

وأكّد البيان الصادر عن مكتب خامنئي أنه لهذا الصدد, ونظراً للاهتمام الخاص الذي أبداه قائد الثورة الإسلامية لموضوع تقديم مساعدات إنسانية للمنكوبين بالمجاعة في الصومال، ندعو أبناء الشعب الإيراني المسلم والمحب للإنسانية للإسراع في مساعدة الشعب الصومالي المسلم في شهر الرحمة والبركة, وإيصال مساعداتهم النقدية وغير النقدية إلى هذا الشعب عبر الأجهزة المختصة في البلاد.

كما أعلن الرئيس محمود أحمدي نجاد استعداد الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمساعدة في تحسين الأوضاع بالصومال.

وغني عن البيان أن الصومال لا يحتمل مزيداً من المشكلات والصراعات الطائفية التي قد تنجم عن التدخّل الإيراني ونشر المذهب الشيعي في هذا البلد الذي أنهكته الحروب والمجاعات، لذلك يجب أن يتنبه أهل الصومال جيداً لمخاطر هذا الأمر, ويحرصوا على عدم تجاوز المساعدات لأهدافها الإنسانية المعلنة.

 الدور التركي:

يختلف الدور التركي في الصومال عن غيره، فالتدخّل التركي رحبت به غالبية الأطياف الصومالية, وهو ما ظهر جلياً في الاستقبال الحافل لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لدى زيارته للعاصمة مقديشو.

ويرجع الترحيب الشعبي والرسمي بالدور التركي إلى سياسة الاعتدال التي تنتهجها تركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية, ولما تمثّله أنقرة من ثقل دولي ووزن سياسي واقتصادي، لذلك فقد رأى الصوماليون في زيارة أردوغان فرصة نادرة لرد الاعتبار للشعب الصومالي، لإثارة انتباه المجتمع الدولي إلى الوضع الصومالي برمّته, وقد نجحت الزيارة في تحقيق ذلك، فأثارت اهتمام المجتمع الدولي ولا سيما الإسلامي.

يقول الكاتب الصومالي يوسف محمد: ينظر الصوماليون لزيارة أردوغان على أنها امتداد لمواقف هذا الرجل تجاه القضايا الإسلامية وقضايا المنطقة، والدور التركي المتنامي في المنطقة, وذلك بعد تسلّم حزب العدالة والتنمية لزمام الأمور في تركيا، وما غضبة رجب طيب أردوغان عنا ببعيد في حرب إسرائيل على غزة.

الصوماليون سعداء بهذا التوجّه من دولة في قامة تركيا وثقلها السياسي والروابط القوية والمتينة التي تربط بين البلدين، وينظرون لهذا الضيف المرحّب به بعين الرضا والقبول، ولهذا القبول ما يفسره من كون تركيا دولة مسلمة سنّية.

هذا الرجل ضرب أروع مثل في نصرة أخيه المسلم في بلد لم يعرف الاستقرار لعقدين من الزمن, ونزل في مدينة تُعَدّ من أخطر مدن العالم إن لم تكن أخطرها، وما أظن أحداً سوف ينسى أو يتناسى هذه الزيارة, ولسوف تُكتب بماء الذهب وتُحكى للأطفال بعد حين على غرار ألف ليلة وليلة، لذا يأمل الصوماليون أن يكون لتركيا دور فعّال في إعادة الاستقرار والإعمار بعد إخفاق دول الجوار في هذه المهمة, بل كانت هذه الدول سبباً في تردي الأوضاع في البلاد.

 وتهدف السياسية الخارجية التركية إلى تعميق الشراكة مع الدول الإفريقية؛ مما يعطي دفعاً لوريثة الإمبراطورية العثمانية لاستعادة نفوذها السابق في محيطها الإقليمي وفي العالم.

وفي هذا الإطار أعلن وزير الدفاع الصومالي حسين عرب عيسى، فى مؤتمر صحافي بالعاصمة الصومالية مقديشو، عن اتفاقية عسكرية تم التوقيع عليها ما بين حكومتي مقديشو وأنقرة، وصرّح وزير الدفاع الذي يتولى حالياً مهام رئيس الوزراء بالنيابة؛ أن الاتفاق سيغطي نواحي متعددة، منها التدريب, والإمدادات العسكرية, وتكنولوجيا الأسلحة الحديثة، والارتقاء بثقافة الجندي الصومالي، وأكّد الوزير أن الاتفاق صدّق عليه البرلمان التركي, وسيتم عرضه على البرلمان الصومالي خلال الأسابيع القليلة القادمة.

كما أعلنت وزارة التربية والتعليم بإدارة بونتلاند الإقليمية (شمال شرق الصومال) عن منحة دراسية مقدمة من وزارة التعليم والمعارف التركية لطلبة المدارس المتوسطة والثانوية في بونتلاند، وصرّح وزير التعليم البونتلاندي عبدي فارح جحا أن المنحة المقدّمة إلى الراغبين في الالتحاق بالمراحل الثانوية والجامعية.

كما تضمّنت زيارة أردوغان لافتات إنسانية بجانب أهدافها السياسية، فقد اصطحب رئيس الوزراء التركي في زيارته لمقديشو أفراداً من أسرته، وشوهد أردوغان وزوجته أمينة ووزير خارجيته أحمد داود أوغلو وهم يجلسون على التراب ويقومون بإطعام أطفال صوماليين جائعين ويعانون سوء التغذية.

وأعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان؛ أن حصيلة التبرعات الشعبية داخل تركيا لصالح المتضررين من المجاعة في الصومال فاقت حتى الآن 250 مليون دولار.

وأضاف أنه إلى جانب التبرعات المالية أرسلت تركيا مساعدات إنسانية عاجلة إلى الصومال والقرن الإفريقي, شملت مواد غذائية, وخياماً, ومستلزمات طبية, لإغاثة المهددين بكارثة المجاعة التي حصدت أرواح عشرات الألوف.

وأوضح أن الحكومة التركية أنشأت هيئة برئاسة نائب رئيس الوزراء؛ لتنسيق عمليات الإغاثة والتبرعات المقدمة من تركيا للمهدَّدين بالمجاعة في الصومال وتقويم الاحتياجات الإنسانية.. معرباً عن أمله بأن تساهم هذه الجهود في تخفيف حجم المأساة.

كما أكّد رئيس الوزراء التركي عزم بلاده إقامة مشاريع وبنى تحتية في ذلك البلد المنكوب، من بينها مشروع بناء مستشفى بسعة تبلغ 200 سرير.. متعهداً بمواصلة تقديم الدعم للصوماليين, وتسليط الضوء على معاناتهم خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

دور القوى الفاعلة داخل الصومال:

الحكومة الصومالية

على الرغم من أن الحكومة الصومالية الحالية, والتي تدير البلاد بقيادة شريف شيخ أحمد, قد وُلدت من رحم قوات المحاكم الصومالية التي كانت تلقى دعماً وتأييداً من الشارع الصومالي؛ فإنها لم تختلف عن غيرها من الحكومات السابقة، لقد علّق الشعب الصومالي آمالاً عريضة على حكومة الرئيس شريف شيخ أحمد للخروج من الأزمة التي طال أمدها, لكنها أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنها ليست أكثر من نسخة مكررة وممجوجة من الحكومات الخائبة التي عرفها الصومال في عمر محنته التي قاربت عشرين عاماً.

فسلوك الحكومة الانتقالية وإخفاقها الذريع في تحقيق أي إنجاز يُذكر، وانشغال مسؤوليها بهمومهم ومصالحهم الشخصية على حساب العباد والبلاد, قد بدّد كلّ الآمال التي علّقها عليهم الصوماليون.

لقد أخفقت الحكومة في إثبات قدرتها على الأرض، واستنكف معظم مؤيدي شريف من المحاكم عن الدفاع عن حكومته بسبب تصرفات المحيطين به والممسكين بزمام الأمور, والنتيجة هي حكومة مشلولة غير قادرة على الدفاع عن نفسها, ومسكونة بهواجسها الأمنية, ولا تملك قرارها، وتنتظر رواتبها من مكاتب الأمم المتحدة.

لم يستطع برلمان الحكومة من عقد جلساته بانتظام لعدة شهور، وفرّ كثير من أعضائه إلى الخارج بعدما عجزت الحكومة عن حمايتهم, حيث قُتل بعضهم في العاصمة المضطربة.

لقد تحوّلت الحكومة التي قدّمت كثيراً من الوعود إلى نسخة مطابقة لحكومة الرئيس السابق عبد الله يوسف, والتي حمل الرئيس الحالي شريف شيخ أحمد السلاح لإسقاطها بذريعة التعاون مع الأجنبي, وبعد أن ضاقت الأرض بما رحبت طالبت الحكومة التي يقودها رئيس المحاكم الإسلامية السابق الدول الإقليمية (بما فيها إثيوبيا) بالتدخّل لإنقاذها من الانهيار أمام ضربات المعارضين!

وهذا ما يفسّر عزوف الشعب عن تأييد حكومة لا وجود لها إلا في القصر الرئاسي والثكنات المحيطة به وبحراسة القوات الإفريقية.

وفي الحقيقة؛ الحديث عن «حكومة» هو أمر مجازي، والموجود هو عبارة عن عدد من الشخصيات المحورية المتنفذة, وعشرات المجاميع التي يعمل كلّ واحد لحسابه الخاص, والقاسم المشترك بينهم هو فقط اسم «الحكومة»، لذا تحدث الاشتباكات بين فينة وأخرى لأن عناصرها لا يتبعون عملياً «الحكومة».

لذلك لم يكن متوقعاً أن يكون لحكومة بهذا التوصيف أن يكون لها دور يُذكر خلال المحنة التي يتعرض لها الشعب الصومالي إلا بعض المناشدات التي أطلقتها هنا وهناك, وحتى عندما حاولت التحرك على الأرض نتيجة للضغوط الشعبية وحفظاً لماء الوجه فقد أخفقت في تحركها.

فقد عيّن رئيس الوزراء الصومالي محمد عبد الله فرماجو، في 1 فبراير 2011م، لجنة وطنية للجفاف, مكوّنة من 21 عضواً برئاسة النائب الصومالي إبراهيم عمر حبيب, لكن هذه اللجنة أخفقت في القيام بأي من المهام الموكولة إليها, وواجهت انتقادات حادة من قبل البرلمان الصومالي, أدت في نهاية المطاف إلى استقالة رئيسها في 13 أبريل 2011م, أي لم تستمر سوى شهرين!

حركة شباب المجاهدين:

يرى عدد من المراقبين أن المحنة الحالية التي يعانيها الصومال وجّهت صفعة قوية لحركة شباب المجاهدين؛ نظراً لأن معظم المناطق المنكوبة تسيطر عليها الحركة؛ مما يحمّلها مسؤولية إغاثة أهلها, وهو ما لم يحدث، خصوصاً بعدما تردد عن منعها لهيئات الإغاثة الدولية.

موقف حركة الشباب من المجاعة ساهم في تفاقم الأزمة وتدهور الأوضاع، فعلى الرغم من جميع الدلائل والشواهد التي تؤكّد معاناة الشعب الصومالي, وموت الآلاف نتيجة للجفاف والجوع الذي تعانيه البلاد, خرجت الحركة لتؤكّد عدم وجود مجاعة في جنوب البلاد، كما سخرت من التقارير التي تحدثت عن وفاة 29 ألف طفل خلال ثلاثة أشهر بسبب الجوع، مشيرة إلى أن عدد الضحايا في الأقاليم التي تسيطر عليها الحركة لا يتجاوز الخمسين!

وأنكر الناطق الرسمي باسم الحركة علي محمود راجي وقوع مجاعة في جنوب الصومال, كما ذكرت بعض التقارير الدولية التي وصفها بالمسيّسة وغير الصحيحة، مشيراً إلى أن ما تنشره الهيئات الغربية عن الجفاف في جنوب الصومال «لا أساس له من الصحة», لكن راجي أقرّ في المقابل بوجود الجفاف الذي يؤثر في الرعاة والمزارعين لكونهما يعتمدان على المواشي والزراعة، إلا أنه مغاير تماماً لما تروّجه وسائل الإعلام الغربية.

وشدّد على أن حجم الجفاف لم يصل بعدُ إلى مرحلة الإعلان عن مجاعة, وخصوصاً في المناطق التابعة لحركة الشباب، وأن حدود الجفاف محصور، والجهود جارية لاحتوائه.

ووصف إعلان الأمم المتحدة وجود مجاعة في جنوب الصومال بأنها تقارير سياسية، متهماً المنظمة الدولية بإقحام المجال الإنساني في السياسة لتحقيق أجندات خاصة.

هذا النفي من الحركة للمجاعة الصومالية هو وجه آخر من تسييس الأزمة بعيداً عن مجالها الإنساني، نعم هناك نوع من التهويل الغربي لوضع حركة الشباب في مأزق, لكن هذا لا ينفي وجود أزمة طاحنة تهدد البلاد, وبين التهويل الغربي وتهوين حركة الشباب ومحاولة كل الأطراف استغلال الحدث لصالحه؛ يرزح الشعب الصومالي المنكوب, الأمر الذي ضاعف من حجم المعاناة.

هناك جفاف يعصف بالصومال حقاً، وتهديدات بحدوث مجاعة وأزمة إنسانية بحسب شهادات نازحين من الصومال ومنظمات إغاثة إسلامية, لكن قد تقوم الحركة بالتقليل من الأزمة لأهداف سياسية لها ومحاولة السيطرة على البلاد، وقد يقوم الإعلام الغربي في الوقت نفسه بقدر من التهويل لحالة الجفاف لاستغلاله أيضاً لأغراض سياسية, أو ليكون ورقة ضغط على الشعب الصومالي لاحتلاله تحت ذريعة وجود المجاعة.

وفي النهاية لا يمكن للحكومة الصومالية غير المسؤولة, أو حركة شباب المجاهدين المسلحة, أو الأمم المتحدة, والمنظمات الغربية للإغاثة, أو العالم الإسلامي, بتباطؤهم أن يتجنبوا اللوّم على هذه المأساة التي تضرب الصوماليين, فالكل مسؤول، ولو قام كلّ طرف بدوره المنوط به دون الالتفاف للوصول لأغراضه السياسية، لما كانت هناك مجاعة في الصومال, ولما استغلها الغرب لتحقيق أطماعه وأجنداته الخاصة.

خاتمة:

بعد هذا الاستعراض لطبيعة المحنة التي يعانيها الشعب الصومالي, وتداخل الأطراف الخارجية والداخلية في تعقيدها، لا بد من تأكيد أن الصوماليين لا يعانون شبح المجاعة فحسب، بل يعانون إلى جانب المجاعة الفوضى والاقتتال الذي يعم البلاد منذ عشرين عاماً، وغياب الحكومة المستقرة التي يمكنها مواجهة الأزمات، ومحاولة القوى الغربية فرض هيمنتها على البلاد, كل هذا ساعد في تأزيم الموقف.

فالجفاف ظاهرة طبيعية تحدث كل فترة في الصومال بسبب الموقع الجغرافي، لكنه كظاهرة طبيعية يمكن مواجهته والتقليل من آثاره, لكن في ظل دولة مستقرة تنعم بالأمن والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 ويمكن لبعض القوى العربية الفاعلة, مثل مصر والسعودية وقطر, أن تساعد في عقد مؤتمر للمصالحة الوطنية في عموم الصومال دون تدخلات خارجية, على غرار ما حدث في إقليم أرض الصومال عام 1991م.

وتتمثل القضايا الأساسية للخروج من الأزمة الصومالية الراهنة في مسائل الأمن والحكم الصالح وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية, إذ إن تحسن الأمن في الصومال يعني زيادة الثقة بين الصوماليين بجميع شرائحهم ومن يمثلهم في الحكم, وربما يُعزى غياب الأمن إلى انتشار الفساد على نطاق واسع, والاستراتيجيات الخاطئة لتوزيع المعونات الخارجية, وعدم احترام ثقافة المجتمع الصومالي وتقاليده, وعليه فإن الدول العربية المعنية تستطيع أن تساهم في تدريب قوات أمنية صومالية والإشراف عليها وتخضع للمساءلة والمحاسبة.

أما في مجال الحكم الصالح؛ فإنه ينبغي تطبيق قواعد الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان، بما يعني القضاء على سياسة الإفلات من العقاب, أو تعيين زعماء الحرب السابقين في الوظائف الحكومية.

وعلى صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ فإن نموذج التنمية المقترح ينبغي أن يكون موجهاً للصوماليين, وبقيادة صومالية خالصة, سواء من قبل قيادات المجتمع المدني أو مؤسسات الحكم المختلفة, ونظراً لأن غالبية الشعب الصومالي تعتمد على قطاع الزراعة والثروة الحيوانية؛ فإنه من الأحرى توجيه الدعم والمساعدة لتنمية هذا القطاع الحيوي.

وعلى العرب, بعد أن استعادوا الوعي بذاتهم الحضارية, التحرك للدفاع عن أركان نظامهم الإقليمي في مواجهة التحديات الكبيرة التي يطرحها عليهم عصر العولمة الأمريكية, وأحسب أن إعادة الاعتبار للمسألة الصومالية, لكونها شأناً عربياً وإسلامياً خالصاً, يمثّل خطوة مهمة على طريق النهوض العربي والإسلامي.

المصادر والمراجع:

- المجاعات في العالم.. شبح ما زال يهدد ملايين، عامر الملا.

- الجفاف في الصومال.. مأساة شعب تنتظر حلاً, فاطمة عيسى، من إصدارات مركز الشاهد للبحوث والدراسات.

- استعمالات الأراضي والمياه في مصر من منظور التغيرات المناخية والتصحّر، دكتور صلاح أحمد طاحون، جامعة الزقازيق.

- الجفاف في الصومال.. ما هو أسوأ لم يأت بعد، محمد نور جعل، الجزيرة نت.

- حول أزمة المجاعة في الصومال, مهدي حاشي، الجزيرة نت.

- العرب وحملة إنقاذ الصومال, د. حمدي عبد الرحمن، الجزيرة نت.

- المخفي والمعلن في أزمة المجاعة الصومالية, دكتور حمدي عبد الرحمن، صحيفة الاقتصادية الإلكترونية.

- صناعة المجاعة في الصومال.. والاستعمار الإنساني, جنان جمعاوي، صحيفة السفير اللبنانية.

- الإنذار المبكر للمجاعات.. لماذا فشلت الجهود الإنسانية الدولية في الصومال, د. أيمن شبانة، موقع مجلة السياسة الدولية.

- التشيّع في إفريقيا، تقرير ميداني، مركز نماء للبحوث والدراسات.

- هل آن الأوان لاستئصال الأسباب الكامنة وراء المجاعات, محمد شريف محمود، شبكة الشاهد الإخبارية.

- قراءة في زيارة الأتراك والإيرانيين للصومال، يوسف محمد، شبكة الشاهد الإخبارية.

- الصومال.. إفلاس سياسي ونتائج كارثية، مهدي حاشي، الجزيرة نت.

- نحو خريطة طريق عربية لإنقاذ الصومال، د. حمدي عبد الرحمن، صحيفة الاقتصادية.