اللغة العربية والوجدان الإفريقي.. حقائق وتحديات

  • 1 -10 - 2013
  • تحرير المجلة


إفريقيا قارة فتيّة، يبشّر ما تزخر به من الطاقات والقدرات الكامنة بمستقبل يتّسم بالعطاء المتجدّد والحيوية المتدفّقة، حتى إنها في مجال الدراسات تُعَدّ مصدر إلهام وتحفيز للباحثين والكتّاب.

فهي غنية في شتّى المجالات، وثراؤها ليس في مواردها وثرواتها المادية فقط، فأعظم مواردها الموارد غير المادية، من القيم الإنسانية وتراث الفكر والثقافة التي نتج عنها خبرات وتجارب عديدة؛ فهي ثرّة إنساناً وتاريخاً وحضارة، زاخرة بالكثير من الجوانب المشرقة والكنوز المخفية التي طُويت مع صفحات التاريخ، وغُيّبت عمداً فيما كُتب عنها بأقلام جائرة.

عندما نبحث في الشأن الإفريقي نجد أنفسنا أمام رصيد عظيم من التراكمات المهملة في شتّى المجالات، والتي تشكّل مفردات لا حصر لها في مناحي الثقافة والحضارة واللغة والأدب والآثار والتاريخ والحكم والسياسة والاجتماع والاقتصاد، تحتاج كلّ مفردة منها إلى قراءات ودراسات متخصّصة.

ونعترف في مجلة «قراءات إفريقية»، حينما نجد أنفسنا أمام ذلك الرصيد العظيم، بأن ما قدّمناه من قراءات متنوعة عن قارة إفريقيا، وحتى صدور هذا العدد الثامن عشر، إنما هو غيض من فيض، وهو ما يزيد من عزمنا وإصرارنا على استنهاض الهمم وتحريك النفوس وشحذ الأقلام، بتجديد الدعوة للنّخب من الباحثين والكتّاب لبذل المزيد من الجهود العلمية والفكرية للكشف عن كنوز إفريقيا الحضارية، مما يكسب المتابعين للشأن الإفريقي قراءات أكثر تنوعاً وشمولاً، ويحقّق استيفاء جوانبها واستكمال فصولها.

وتجد مجلة «قراءات إفريقية» نفسها من جانب آخر - وهي معنية بالشأن الإفريقي - أمام مسؤولية تجاه ما ندبت إليه نفسها وجعلته هدفاً لها، بأن تولي اهتمامها لقضايا إفريقيا ومشكلاتها، وبخاصة ما له أولوية في بنيوية الحضارة والتنمية ومكوّن الشخصية والهوية، وهو ما يدفعها إلى تخيّر ما تقدّمه لقرائها وانتقائه، ويأتي على رأس ذلك ما يتصل بطبيعة المجلة التخصّصية الثقافية، وما له أعظم الأثر في شخصية القارة الإفريقية، وتشكيل ثقافتها وحضارتها، وتطوير طاقات الإنسان وقدراته فيها، ولا شك أن اللغة من الأهمية في ذلك بمكان.

ولذلك فإن المجلة، وهي تيمّم صوب المشكلات ذات البعد الاستراتيجي، والقضايا الجوهرية ذات البعد الحضاري والثقافي بالنسبة للقارة الإفريقية، والتي ترتبط بسياسات المجلة، وتجسّد أهدافها، تجد نفسها مدفوعة لتقديم ملف خاص باللغة العربية في إفريقيا ضمن محتويات هذا العدد (الثامن عشر).

ولئن كانت الثقافة والحضارة ترتبطان بعلاقة العموم والخصوص؛ فإن علاقة اللغة بكليهما لا تقتصر على كونها مجرد وعاء أو أداة لذلك كما يظن البعض، فإنها من الصميم في ذلك، فاللغة ليست مجرد رمز وحرف، وإنما هي رمز ومعنى، شكل ومضمون في الوقت نفسه، وهما أمران متلازمان؛ إذ لا يقوم مضمون دون شكل حتى لو كان في صورته الذهنية المجردة، كما لا تكون لرمز قيمة دون معنى.

فالفكرة لغة، والثقافة بكلّ محتوياتها لغة، في نشوئها وتشكّلها وانطلاقاتها في شتّى المجالات النفسية والاجتماعية وغيرها، وبلورتها في إطار معرفي عام أو علم مختص، حيث نجد خصوصية اللغة في مفرداتها وتراكيبها وأسلوبها هي مكوّن العلم في مصطلحاته ومفاهيمه وأفكاره ومضامينه.

جاء اختيار «ملف اللغة العربية» انطلاقاً من اعتبارات عديدة؛ من أهمها أن اللغة العربية أسهمت في صناعة الشخصية الإفريقية الحضارية، فهي من اللغات الأصيلة في القارة الإفريقية، وحينما تجدّد عهدها بالقارة الإفريقية مع دخول الإسلام إليها كانت محلّ حفاوة وقبول، تسارع إليها الجميع عن طواعية واختيار، وتعمّقت في وجدانهم قداسة لارتباطها بدين الإسلام الذي وجدوا فيه من القيم ما افتقدوه في غيره مما كانوا يدينون به، يتلى بها القرآن، ويتردّد بها صدى الآذان آناء الليل وأطراف النهار في أنحاء القارة جميعها.

حقائق غائبة:

وسوف يرى قراؤنا الأفاضل بأنفسهم، من خلال ملف اللغة العربية في هذا العدد، ما ينهض دليلاً على جملة مسائل في غاية الأهمية، وحقائق عن قارة إفريقيا لم تكن تخطر على بال بعضهم، لأنها غُيّبت أو كادت تُطمس لفترة من الزمان بفعل الكيد الاستعماري والتغريبي.

ومن هذه الحقائق:

- قِدَم علاقة الشعوب العربية بالشعوب الإفريقية وعمقها: تلك العلاقة التي ابتدرها التواصل اللغوي قديماً، ثم عزّزها دخول الإسلام على مستويات شتّى بالقارة الافريقية، شمالها وجنوبها وشرقها وغربها.

- عمق جذور اللغة العربية ورسوخها في إفريقيا حتى صارت من أهم مكوّنات الهوية الإفريقية: يتأكد مدى عمق العربية ورسوخها في الحياة الإفريقية، ليس لقدمها وأصالتها فحسب، فكم من لغة إفريقية أصيلة انقرضت ولم يبق لها من أثر، ولكن لسبب جوهري، هو ارتباطها بالإسلام، وكونها لغة مصدريه الأساسيين: القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

- العربية هي لغة التواصل الأولى في معظم إفريقيا لعدة قرون دون منازع: يشهد لها تعدّد أدوارها الوظيفية في الحياة العامة والخاصة على المستويين الرسمي والشعبي في كثير من أنحاء القارة، وازدهار معاهدها، وثراء مكتباتها، وجهود علمائها، وما أنتجه أبناء إفريقيا من تراث مخطوط ضخم في كلّ علم وفن.

- اللغة العربية هي النبع الفياض والضمان التاريخي للغات إفريقيا المحلية: فقد أخذت كثير من اللُّغات الإفريقية عناصر كثيرة من العربيَّة، كما أمدت العربيَّة بعض اللُّغات الإفريقية بنظامها الكتابي الأوَّل قبل الحضور الأوروبي إلى القارة، وقد تبنّت اللغات الإفريقية الكبرى الحرف العربي، وأنتجت به في مختلف المعارف إنتاجاً رفيع المستوى.

- اتساع رقعة انتشار اللغة العربية في إفريقيا: فاللغة العربية هي اللغة الرسمية لتسع دول إفريقية، هي مصر وليبيا والسودان وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وتشاد وجيبوتي، ويتم التحدث بها بصورة واسعة في وسط إفريقيا وشرقها، مثل الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجمهورية إفريقيا الوسطى وتنزانيا (زنجبار)، وتمثّل اللغة العربية لغة شعائر دينية لأكثر من 430 مليون مسلم في قارة إفريقيا، وتُستخدم اللغة العربية الفصحي في الإعلام والأغراض الرسمـية والعالمية والأعمال والسياسة، كما أن معظم الأدب يُكتب بها[1].

- إفريقيا عربية على وجه من العموم والتغليب: انطلاقاً من الوجدان والشعور، والعقل والفكر، وارتباطاً بكلّ جوانب العلم والمعرفة، والثقافة والحضارة، فالطابع العربي في القارة ماثل في كثير من مناحي الحياة ومظاهرها، في عروبة لسان أكثر أهلها، وتمازج لغات كثير من شعوبها المحلية باللغة العربية، وطابع المدن، وفنون المعمار، وطرق العيش، وملامح المجتمعات البشرية.

تحديات خطيرة:

وعلى الرُّغم من المقوِّمات الذَّاتية التي تتمتَّع بها اللُّغة العربيَّة، بوصفها لغةً أصيلة في القارة الإفريقية، فإنّها تعاني تحدِّياتٍ كبيرة في ظلِّ العوْلمة وعصر المعلوماتيَّة، وغيرها من مستجدَّات العصر.

ومن هذه التحديات:

- مزاعم المتغربين من أبناء الفكر الفرنكوفونيِّ: بأنَّ العربية مجرد لهجة أو لغة ميتة نادرة ومهجورة، وضعها يشبه وضع اللاتينية اليونانية القديمة، فهي غير مقروءة وصعبة، ولا تؤدي وظيفة التواصل، ولا تلائم الحضارة المعاصرة، ولا يخفى أنَّ تحديات هذه النخبة «المفَرْنَسَة» من أكبر التحديات التي تواجه اللغة العربية ودارسيها في غرب إفريقيا، لأن مقاليد الأمور، سواء كانت سياسية أو تعليمية أو ثقافية بأيديهم، يتحكمون في وضع السِّياسات التَّعليميَّة، والبرامج الثَّقافية والتربويَّة كما يحلو لهم.

- المؤسَّسات الكنسيَّة المسيحيَّة: كذلك، يظهر التَّحدي أمام اللُّغة العربيَّة من قِبَل المؤسَّسات الكنسيَّة المسيحيَّة الخادمة لأهداف الفرنكفونيَّة، في توفيرها سُبل العلم بالمنح السَّخيَّة في جميع المجالات العلميَّة، وتوفير فُرص العمل لخريجي المؤسَّسات التَّعليميَّة الفرنسيَّة.

- عزوف الجيل الجديد عن تعلُّم اللُّغة العربيَّة:  وهي ظاهرةٌ مسجَّلة في دراساتٍ عدَّة، وله أسبابٌ كثيرة، لعل أبرزها: ضيق فرص التَّوظيف أمام خريجي تخصُّص العربيَّة، والنَّظرة الدُّونية الشَّعبيَّة إلى مدرِّسيها، وشكوى الدَّارسين من صعوبتها، يستوي في ذلك العرب وغيرهم.

- ضعف المدارس العربية النظامية: سواء في السياسة التعليمية، أو مستوى المعلمين، أو المناهج، أو الأهداف، حيث تتركز أهداف المناهج التعليمية - مثلاً - في مهارتي القراءة والكتابة دون مهارتي الاستماع والتحدّث، الأمر الذي جعل هذه المدارس تخبط خبط عشواء، ولا تحقّق الأهداف المرجوة منها.

وبين هذه الحقائق والتحديات سوف يطّلع القارئ على حقائق وتحديات أخرى كشفت عنها ورقات الملف.

هذا، ونرجو أن يسهم العدد بهذا الملف في إعادة قراءة الثقافة العربية بأكثر من زاوية في إفريقيا، وإعادة الاعتبار للغة العربية وثقافتها وتاريخها ومكانتها في إفريقيا، في مقابل ما لحقها من تشويه وتزوير وتهميش على يد الأعداء، شاركهم في هضمها كثير من الباحثين والمؤرّخين للعربية وآدابها وفنونها من العرب، بقصد لتأثّر بالفكر والمناهج الغربية، أو دون قصد لانقطاع التواصل العربي الإفريقي بسبب الاستعمار وعدم المراجع الكافية، أو غير ذلك، وليس أدلّ على هذا من موسوعات د. شوقي ضيف، وقد أرّخ للعربية وفنونها وآدابها، حيث لم ترد فيها عن الأدب العربي في إفريقيا شاردة ولا واردة.

هدفنا من هذا الملف أن نقدّم للقارئ زاداً معرفياً لا بد منه عن اللغة العربية في إفريقيا، لاستئناف التواصل العربي الإفريقي في مسيرة الحضارة  والبناء والتنمية فيها، وإحياء ما كاد ينطمس من معالم شخصيتها العربية، وتطوير علاقاتها بالأمة العربية والإسلامية، ولا بد من الاستناد في كلّ ذلك، ليس على مجرد العوامل المادية والمصالح العارضة، وإنما على الثوابت القائمة أصلاً، والروابط الممتدة والقائمة على اللغة والدين والحضارة.

والعدد من بعد ذلك لم يغفل تقديم جملة من القراءات المهمّة، الإسلامية والتاريخية والسياسية والتنموية وغيرها، مما يثري ويفيد، ويرضي طموحاً، ويحقّق متعة، فيما يتلمسه القارئ ويلتمسه بحسب تخصّصه أو اهتمامه.

[1] انظر:   http//en.wiKipedia.org/wiki /Arabic language