اللغة العربية في إفريقيا

  • 1 -10 - 2013
  • تحرير المجلة

الافتتاحية

تُعَدّ اللغة من «أرقى ما لدى الإنسان من مصادر القوة والتفرّد»[1]، لدلالتها المباشرة على وعيه بذاته، وارتباطها بعمليات التفكير والقدرة على التعبير واكتساب العلم والمعرفة، وهي أساس الحضارة والرقي، ومن أبرز مقوّمات الشخصية وعوامل بنائها وتكوينها النفسي والعقلي، وأهم أدوات تواصلها وحضورها الفاعل في نشاطات الحياة المختلفة، ومن أهم مكوّنات هُويّة الأمة، ووسائل حفظ ذاكرتها التاريخية.

ولئن تميّزت إفريقيا بوجود أكثر من 2000 لغة فإن اللغة العربية تتصدرها بحضور فاعل، تاريخاً، وحضارةً، وانتشاراً، وقوةً، وتأثيراً، وهو ما دفع مجلة «قراءات إفريقية» لتخصيصها بهذا الملف، والذي تسعى من خلال محاوره ومفردات محتوياته أن تفيها اليسير من حقها، بإبراز الأبعاد التاريخية، والإسهامات الحضارية والثقافية، والعلمية والمعرفية، لهذه اللغة الفريدة المتميزة، وبيان مكانتها وواقعها، وتوقّعات مستقبلها في إفريقيا.

إن عهد إفريقيا باللغة العربية قديم وممتد؛ إذ لم تكن هجرة الأوائل من الصحابة رضوان الله عليهم  ودخول الإسلام إفريقيا هو أول عهدها باللغة العربية، فقد كان لها سبق وقِدم في الوجود بإفريقيا، ترجعه بعض الدراسات إلى عدة قرون خلت قبل الميلاد، ولها موضع قدم وأصالة راسخة، بل إن بعض الباحثين اللغويين يعد القارة الإفريقية الموطن الأصلي للغة العربية، وديارها التي انطلقت منها لتعمّ الجزيرة العربية، ومنها إلى غيرها، حيث كانت الرقعة واحدة، ولم يكن ثمة صدع إفريقي وأخدود ليحول دون حراكها وانتقالها مع بقية أفراد أسرتها اللغوية من اللغات السامية (الآرامية والعبرية وغيرها).

تعمّقت العربية في وجدان القارة الإفريقية قداسة، فأُشربت القلوب والنفوس حبّها لكونها لغة القرآن الكريم؛ واختارتها شعوب إفريقيا طواعية، وسعوا إليها، وبخاصة طلاب العلم والعلماء منهم، جاهدة ألسنتهم لأن تلهج بها، وكانوا أول من قاموا بتعريب ألسنتهم، وانصهروا في بوتقة الثقافة العربية الإسلامية تماماً حتى أتقنوها وبرعوا فيها كتابةً وتخاطباً، فصاحةً وبلاغةً، أدباً وعلماً، حتى فاق بعضهم أهل المشرق في ذلك، وأصبح للعربية وآدابها في إفريقيا بعض الخصائص والسمات المميزة لها عن بقية أوطان العربية ومناطق انتشارها.

تميّز حضور اللغة العربية في القارة الإفريقية من بعد انتشار الإسلام فيها بثقل حضاري، تعمّقت جذوره في كيانها، واتسع باتساع رقعة الإسلام فيها، وقوي تأثيرها بتأثير الإسلام وهيمنته في مجالات الحياة المختلفة العامة والخاصة، وأكثرها قوة وحيوية، وتمدّدت عبر ساحات القارة بحضور فاعل وقوي؛ زماناً في مراحل تاريخها المختلفة، ومكاناً في شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، وموضوعاً ما اتسعت مجالات العلم والمعرفة، فخلّف لنا علماؤها من أبناء القارة «ثروة علمية هائلة، عُدّت من عيون التراث العربي الإسلامي، ممثلة في آلاف المخطوطات المكتوبة باللغة العربية في مختلف الفنون والعلوم، ومتفرقة في أنحاء المناطق والأمصار»[2].

وتبوأت أعلى المنازل؛ إذ أصبحت اللغة الرسمية لمعظم الممالك الإسلامية التي ظهرت في إفريقيا، حيث كتبت بها جميع مراسلاتها ومحارمها (مراسيمها وتصاريحها) وخطاباتها، كما دوّنت بها تاريخها، ونمط إدارتها وحضارتها.

وفي مجال العلم والتعليم في إفريقيا أحدثت اللغة العربية ثورة علمية تجديدية، واكبت كبرى حركات الدعوة الإسلامية في إفريقيا، مثل: حركة الشيخ عثمان بن فودي في منطقة شمال نيجيريا، وحركة الشيخ أحمد حم لب في مالي، وحركة الشيخ عمر بن سعيد الفوتي في فولتا جالو (السنغال)، وحركة الشيخ محمد الأمير الكانمي في برنو (شرق شمال نيجيريا) وغيرهم، وكانت اللغة الرسمية لهذه الحركات والتنظيمات هي العربية، وهي لغة المراسلات والقضاء وجميع العقود.

كما أثرت العربية العديد من اللغات الإفريقية المحلية في مفرداتها وتراكيبها، بل في كثير من خصائصها وسماتها الأسلوبية والبلاغية في فنون الشعر والأدب، وظلّت بعض اللغات المحلية، مثل: الفلانية والهوساوية والبمبرا واليوربا والكانورية، لفترة من الزمان تُكتب بالحرف العربي، وما زالت آلاف الوثائق والمخطوطات بهذه اللغات مكتوبة بالحرف العربي.

وقد استطاعت اللغة العربية، بما لها من قدم راسخة في إفريقيا وانتماء أصيل لكيانها وتغلغل في وجدانها، أن تقف في وجه التحديات التي واجهتها ومحاولات القضاء عليها؛ بما انتهجه المحتل الأوروبي من سياسات لإقصائها عن المجالات الحيوية من الحكم والقوانين والتعليم، وفرض لغاته مكانها، وإحلال الحرف اللاتيني بدلاً عن الحرف العربي.

إن هذا الصمود للغة العربية في وجه التحديات يُعَدّ من أهم المؤشرات - بجانب مؤشرات أخرى - التي تبشّر بما ينتظر اللغة العربية من مستقبل يشي بازدهارها وتطورها.

تلك هي المحاور التي حرصت المجلة على أن يتضمنها ملف هذا العدد عن اللغة العربية في إفريقيا، وإثرائها بقراءات متعمّقة لنخبة من المتخصّصين الباحثين والكتّاب، وتأكيدها بعرض نماذج لواقعها في بعض أنحاء القارة، وتنتظم هذه المحاور التي تمثل أبعاداً متعددة لتؤلف وحدة متكاملة في ملف تضيفه المجلة إلى ما قدّمته من ملفات متنوعة في الشأن الإفريقي وفاءً لهذه القارة، وإبرازاً لمعالم شخصيتها وحضارتها الإسلامية العربية، وتوعيةً لأبنائها من المسلمين وغيرهم باللغة العربية ودورها البنائي الحضاري والتنموي، وواقعها اليوم، وارتباط مستقبل القارة بها، وهو ما يقتضي الاهتمام بها ومعالجة ما تواجهه من مشكلات عرض لها بعض الباحثين، وقدّموا لها ما يرونه من الحلول.

ويسعدنا بعد هذ العرض الموجز لطبيعة هذا الملف وأهدافه، وأبرز ما تضمّنه، أن ندع قرّاء المجلة مع ما تمّ بسطه على أيدي الباحثين والكتّاب حول هذه المحاور.

[1] سيكولوجية اللغة والمرض العقلي، جمعة سيد يوسف، عالم المعرفة 145، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت - يناير 1990م، ص 11.

[2] التراث الإفريقي العربي بين الاندثار ومحاولات الإنقاذ، الخضر عبد الباقي، انظر: موقع الإسلام اليوم: http://www.islamtoday.net