القمّة الإفريقية الاستثنائية.. خطوة على طريق الإصلاح

  • 2 -1 - 2019
  • تحرير المجلة


تعود فكرة توحيد دول إفريقيا إلى عام 1957م، عندما نادى بها الزعيم الغاني كوامي نكروما، حتى قبل أن تستقلّ الكثير منها، وبالرغم من الحماس الثوري الذي كان يشتعل في جنبات القارة السمراء ضدّ الاستعمار، وبساطة الهدف المشترك في ذلك الوقت، وهو التحرّر من الاحتلال والقضاء على العنصرية، استغرق تحويل الفكرة إلى واقع ملموس- ولكن في أدنى صُوَرِهِ للوحدة وهو منظمة الوحدة الإفريقية- حوالي سِتّ سنوات، عندما أُعلن عن قيامها عام 1963م، ومنذ أول مؤتمر لها في القاهرة عام 1964م.

كان الهدف الأساسي للمنظمة الوليدة هو تحقيق التضامن والتعاون المشترك بين دول القارة، للقضاء على ما تبقّى من الاستعمار وإسقاط النظام العنصري في جنوب إفريقيا. وقد نجحت في ذلك إلى حدٍّ كبير، وتحرّرت كلّ الدول الإفريقية تباعاً، وسقط النظام العنصري البغيض نهائيّاً في جنوب إفريقيا عام 1994م.

وهنا بدأ التفكير في مرحلةٍ جديدةٍ للتعاون بين دول القارة، للنهوض بشعوبها اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، ومواجهة تيار العولمة الذي يجتاح العالم، والتصدي لمحاولة تهميش القارة اقتصاديّاً وسياسيّاً.

مما أدى في النهاية إلى اتفاقٍ على قيام اتحادٍ إفريقي على غرار الاتحاد الأوروبي، له من الأجهزة والمؤسّسات ما يُمكّنه من تنفيذ الأهداف الموكلة إليه.

كانت الأهداف التي سعى إليها الاتحاد- منذ نشأته-: إنعاش وتنمية القارة للقضاء على الفقر والجهل والمرض والفساد، وتنشيط الاستثمارات، ورفع معدلات النمو الاقتصادي والتعليم والصحّة، والنهوض بقطاع المعلومات والاتصال والطاقة، والإسراع بخفض الديون، وتحقيق دولة العدل والحرية والرفاهية، وتعزيز آليات منْع النزاعات وحلّها.

تعثرت خطوات الاتحاد الإفريقي... وعلى الرغم من ذلك؛ استمر الاتحاد الإفريقي هو الكيان الجامع لإفريقيا، وظلّ حُلْمُ إفريقيا المتحدة، إفريقيا القوية، حاضراً لدى الشعوب والقادة

 ولكن تعثّرت خطوات الاتحاد الإفريقي، ولم يتمكن من تحقيق الكثير من الأهداف، فخلال العقدَيْن الماضِيَيْن عانت القارة من الفقر والمرض وضعف الخدمات الصحية، وأنواعٍ من الحروب والإرهاب والصراعات العِرْقية، والطائفية والفساد السياسي والإداري، وهيمنت عددٌ من الأنظمة القمعية على المشهد السياسي في القارة.

وعلى الرغم من ذلك؛ استمر الاتحاد الإفريقي هو الكيان الجامع لإفريقيا، وظلّ حُلْمُ إفريقيا المتحدة، إفريقيا القوية، حاضراً لدى الشعوب والقادة، وخلال ذلك كان إحياء دَور الاتحاد وتفعيله يتقدّم مرّةً ويتأخر أخرى، إلا أنه خلال الأعوام الأخيرة بدأت خطوات التقدّم تزداد نتيجةً لعددٍ من المتغيرات الإفريقية والعالمية، فكان موضوع إصلاح الاتحاد الإفريقي وتفعيل مؤسّساته وآلياته واحتواء الأزمات هو محور النقاش في قمّة الاتحاد في عامَي 2017م و2018م، حيث قرّر قادة ورؤساء الدول الشروع في عملية إصلاحٍ قوية للمنظمة القارية، بناءً على التجارب السابقة.

قمّةٌ استثنائية:

وفي هذا الإطار؛ عُقدت القمّة الاستثنائية الـ11 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي، في السابع عشر من شهر نوفمبر 2018م، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والتي خُصّصت للإصلاح المؤسّساتي للاتحاد الإفريقي، للنظر في اعتماد مقاربةٍ جديدةٍ لعمل الاتحاد وأجهزته، سعياً نحو تفعيله للقيام بدَوره المنوط به.

وقد تمّ اتخاذ العديد من القرارات، منها: إجراء عملية إصلاحاتٍ هيكليةٍ حاسمةٍ للكيان القاري الذي يمثّل الشعوب الإفريقية، من خلال إعادة هيكلة مفوضيات الاتحاد من «عشر لجان» إلى «ثماني لجان»، إلى جانب زيادة مشاركة الشباب في أنشطة المفوضية بنسبة 35%، والمرأة 50%، والتوصّل إلى توافق.

وهو الهدف الذي عبّر عنه رئيس الاتحاد الإفريقي، رئيس رواندا «بول كاغامي»، بقوله: «إنّ الأحداث في القارة والعالم ما زالت تؤكد الحاجة إلى الإصلاح»، مضيفاً: «على الاتحاد الإفريقي أن يقوم بإصلاحاتٍ مؤسّسيةٍ لضمان مستقبلٍ أفضل لشعوب القارة، إنّ الهدف من هذه الإصلاحات بسيط، هو أن نجعل إفريقيا أقوى، ونعطي شعوبنا المستقبل الذي تستحقه».

قضية التمويل:

ومن أهمّ ما ناقشته هذه القمّة: قضية تمويل الاتحاد الإفريقي، إذ إنّ ما يقارب 30 دولةً (من بين أكثر من 54 دولةً عضواً) تتخلّف بشكلٍ جزئيٍّ أو كليٍّ عن الالتزامات المالية المفروضة عليها تجاه الاتحاد، مما يخلق فجوةً تمويليةً كبيرةً بين الميزانية المخطط لها والتمويل الفعلي.

وفي خطابه الأول للقمّة؛ قال رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد: «في عام 2012م؛ غطّت الدول الأعضاء 3% فقط من ميزانية الاتحاد الإفريقي، لكنّ ذلك ارتفع إلى 14% في عام 2017م».

وانطلقت مبادرة الإصلاحات المعنية من قمّة كيغالي (رواندا) في يوليو 2016م، وأُسنِدت مسؤولية الإشراف على العملية إلى الرئيس الرواندي بول كاغامي، وكان من الطبيعي البحث عن السُّبل الكفيلة لإيجاد الاستقلالية المالية للمنظمة، والتي تُقدّر بحوالي 800 مليون دولار لميزانية 2018م، وتعتمد أكثر من 80% منها على المساعدات الخارجية، من جهاتٍ على غرار الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، ومن الصين.

ويسعى اقتراح التمويل الأوليّ للاتحاد الإفريقي، الذي يعود إلى قمّة كيغالي، إلى إنشاء «مصادر تمويل تقلل الاعتماد على أموال المساعدات الخارجية، وتغطي الميزانية التشغيلية للاتحاد الإفريقي كاملة، و75% من ميزانية برنامجه، و25% من تمويل عمليات السلام».

واتخذت القمّة الاستثنائية قرارات، بشأن نظام فَرْضِ عقوبات، ضدّ الدول الأعضاء التي لا تسدّد مساهماتها المالية القانونية إلى الاتحاد.

وقال رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقي محمد: «إنّ العقوبات تهدف إلى إنهاء التأخير المزمن في دفع المساهمات المالية القانونية، ومساعدة الاتحاد على تمويل برامج التنمية والتكامل... يمكننا أن نُحرز تقدُّماً بشأن العقوبات ضدّ البلدان التي لا تسدّد اشتراكاتها المالية القانونية، الهدف هو وضع حدٍّ نهائيٍّ للتأخير المزمن في الدفع».

وفي ضوء هذه الإجراءات؛ فمن المتوقع أن تصل مساهمة الدول الأعضاء في ميزانية عام 2019م إلى 66%، باستثناء عمليات دعم السلام، بينما يُتوقّع أن يتمّ تأمين 34% من المساعدات الخارجية.

الاتحاد الإفريقي على طريق الإصلاح:

على الرّغم من المخاض الصعب لإصلاح الاتحاد الإفريقي؛ فإنّ هناك العديد من التغيرات والخطوات التي يؤمّل أن تساهم في إصلاح منظومة الاتحاد وتفعيل دَوره، من أهمها:

القمّة الاستثنائية تُعطي أملاً بأنّ الاتحاد الإفريقي يمضي على طريق الإصلاح... ولكن لا يزال هناك طريقٌ طويل، وتحدٍّ كبيرٌ... فهل يكون الأفارقة وقادتهم على قَدْرِ هذا التحدّي؟!

- بروز عددٍ من القادة الأفارقة القادرين، ممن لديهم الرؤية والتصميم والمهارات اللازمة لتنفيذ إصلاحات، من أمثال: بول كاغامي في رواندا، أوهورو كينياتا في كينيا، سيريل رامافوزا في جنوب إفريقيا، نانا أكوفو-أدو في غانا، وبالقطع أبي أحمد في إثيوبيا، هذه الوجوه الإفريقية الجديدة تعكس واقعاً إفريقيّاً جديداً، وتسعى لتحقيق التكامل بين دول القارة.

- ازدياد وعي الشعوب- وبخاصّة الشباب- بحقوقهم، والمطالبة بالحريات والتداول السلمي للسلطة منذ العام 2011م، وتصاعُد الدعوات لإصلاح أنظمة الحكم، وتغيير المفسدين والديكتاتوريّين.

- قيام انتخاباتٍ حرّةٍ ونزيهة ٍفي أكثر من بلدٍ إفريقي، حتى أصبح مبدأ تداول السلطة جزءاً من ثقافة هذه البلدان. ودخول دماءٍ جديدةٍ في أجهزة الدولة التنفيذية والقضائية، من أمثال ما يجري في نيجيريا والسنغال وغانا، وبوتسوانا وجنوب إفريقيا، وأخيراً جامبيا وليبيريا وكينيا، وهكذا نجد في عددٍ كبيرٍ من الدول الإفريقية مظاهر للتحوّل نحو الإصلاح، حتى الدول التي لم يحدث فيها تحوّلٌ يمكن أن يُلاحَظ- بصورةٍ سهلة- أنّ هنالك حواراً يجري فيها، وهنالك صراعاً يجري، وتطوّراً يحدث خلال الصراع وخلال الحوار، ونتمنّى أن يُكلَّل ذلك بقيام أنظمةٍ تقوم على احترام حقوق الإنسان والعدل والحرية والكرامة في كلّ القارة.

- توجّه العديد من الدول إلى إلغاء تأشيرات الدخول إلى أراضيها لجميع حاملي جوازات السفر الإفريقية، مثل: رواندا وبنين وسيشل وموريشيوس وإثيوبيا، كما بدأ عددٌ من الدول الإفريقية، العام الماضي، في تنفيذ سياسة الحصول على تأشيرات دخولٍ بمجرد الوصول على مدى 30 يوماً التي أوصى بها الاتحاد الإفريقي، ومن بين هذه الدول: كينيا وغانا وزيمبابوي، وغنيٌّ عن البيان أنّ فتح نظام التأشيرات بين بعض البلدان الإفريقية يعزّز من فُرص التكامل الإفريقي والاندماج.

وأخيراً:

هذه القمّة الاستثنائية، وما اتُّخِذ فيها من قرارات، بالإضافة للتغيّرات التي سبق ذكرها، تُعطي أملاً بأنّ الاتحاد الإفريقي يمضي في طريق الإصلاح، وأنّ القارة الإفريقية تسير في طريق التكامل والاندماج.. ولكن لا يزال هناك طريقٌ طويل، وتحدٍّ كبيرٌ حتى يتحقق هذا الأمل، فهل يكون الأفارقة وقادتهم على قَدْرِ هذا التحدّي؟!

.