القرن الإفريقي ومحاولات الإغاثة

  • 20 -7 - 2013
  • هويدا عبدالعظيم


د. هويدا عبد العظيم عبد الهادي 

تُعد منطقة القرن الإفريقي من أهم المناطق الجيواستراتيجية في العالم، نظراً لموقعها المهم الذي يكاد يتحكّم في التجارة العالمية، حيث تمرّ بها سفن شركات البترول العالمية، كما أنها تتجاور مع مناطق إنتاج البترول العربي.

وانطلاقاً من هذه الأهمية؛ تحاول هذه الورقة رصد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في هذه المنطقة، وبيان الأسباب التي أدّت إلى تدهورها، مع الإشارة إلى مظاهر الضعف والهشاشة في الجانب الاقتصادي، ثم تعرض في النهاية سبل العلاج، ومحاولات التصدّي، وكيف تتم مواجهة هذه المشكلات، سواء من قبل المؤسسات الإسلامية كمنظمة الإغاثة الإسلامية، أو الجهات الدولية كمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، أو الاتحاد الأوروبي، أو CARES، أو عن طريق تهجير المتضرّرين إلى الخارج بحثاً عن سبل أفضل للمعيشة، وتحقيق فائدة مزدوجة لكلٍّ من الطرفين؛ المهاجرين والدولة المضيفة.

أولاً: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في القرن الإفريقي:

يضمّ القرن الإفريقي ثماني دول، وفقاً لتقسيم الفاو (منظمة الأغذية والزراعة)، وهي: إريتريا وإثيوبيا والصومال وجيبوتي والسودان وجنوب السودان وكينيا وأوغندا، وقُدّر عدد سكان هذا الإقليم بـ 160 مليون نسمة عام 2006م، حيث تضاعف هذا العدد عما كان عليه في 1974م، ووصل إلى 218 مليون نسمة تقريباً عام 2010م، بمتوسط معدّل نمو 2,6%.

ويعاني حوالي 70 مليون نسمة منهم نقصاً حادّاً في الغذاء، كما بلغت أعداد المتوفين في كلٍّ من السودان وإثيوبيا حوالي مليون نسمة منذ 1984م - 1985م حتى 2011م[1].

ترتفع نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع في كلٍّ من إثيوبيا (72%)، والصومال (66%)، كما يُلاحظ تدنّي متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لكلّ دول المنطقة، فهناك ما يقرب من نصف دول القرن لا يتعدّى هذا المؤشر فيها 369 دولاراً، حتى معدّلات الخصوبة الكليّة لم تقلّ عن 3,8 طفل / امرأة عام 2010م، وذلك كما يتضح من الجدول (1).

جدول (1) بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في دول القرن الإفريقي 2009م / 2010م[2]

الدولة

متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي

2009م - 2010م / $

حجم السكان 2010م

(مليون نسمة)

معدّل نموّ السكان 2000م -2010م (%)

نسبة السكان تحت خط الفقر المدقع (%)

معدّلات الخصوبة الكلية 2010م (طفل / امرأة)

إثيوبيا

344

84976

2,4

72,3

5

إريتريا

369

5224

3,7

..

5

جيبوتي

1194

0,879

2,0

12,5

3,8

كينيا

739

40863

2,6

19,8

4,9

الصومال

220

9359

2,3

65,6

6,4

السودان

156

43192

2,5

..

5,8

أوغندا

514

33769

3,3

39,7

6,3

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي الفترة ما بين 1970م - 2000م شهدت هذه المنطقة مجاعة في كلّ عقد تقريباً، وذلك بسبب التغيّرات المناخيّة ونمو السكان، الأمر الذي ترتّب عليه عدم قدرتها على مواجهة الجفاف والأزمات الغذائيّة، لذلك كان لا بد من تعزيز قدرتها على التكيّف، ومعالجة الأسباب الجذريّة التي تصيب المنطقة بالضعف والهشاشة.

شكل (1) منطقة القرن الإفريقي - المصدر: الفاو، 2010م

ففي الصومال وحدها يعاني 4 ملايين نسمة نقصاً حادّاً في الغذاء، وصل لحدّ المجاعة في سبتمبر 2011م، وهناك عشرات الآلاف يموتون، نصفهم من الأطفال، وفي إثيوبيا هناك ما يقرب من 4,5 ملايين نسمة في حاجة شديدة إلى المساعدات، وذلك بسبب نقص الأمطار والارتفاع الحادّ في أسعار الغذاء، ولم يختلف الوضع كثيراً في كينيا، مما أدّى إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي في المنطقة[3].

ومن ثم كانت سنة 2012م إحدى سنوات الجفاف والمجاعات التي أثّرت بدورها في 12 مليون نسمة في القرن الإفريقي، لذلك كانت هناك دعوات لكلٍّ من الحكومات والهيئات غير الحكومية وقادة المجتمعات إلى وقف تكرّر هذه الدائرة من أزمات الغذاء في المنطقة، حيث أصبح مستوى الأمن الغذائي في كلٍّ من الصومال وإثيوبيا وكينيا متأزّماً[4]. 

شكل (2) حالة الأمن الغذائي في منطقة القرن الإفريقي أغسطس 2012م

ثانياً: الأسباب التي أدّت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانعدام الأمن الغذائي:

يمكن إجمال الأسباب (ثم الحديث عنها بشيء من التفصيل) التي تؤدي إلى انعدام الأمن الغذائي في القرن الإفريقي في التغيّرات المناخية، والصراعات، والنموّ السكاني، والركود في التنمية الزراعية، بالإضافة إلى تناقص المساحات الزراعية، وتناقص المياه، وارتفاع الحرارة مما أثّر بشكل سلبي على المزروعات والمحاصيل الغذائيّة، في الوقت الذي تزايدت فيه أعداد السكان، بل تضاعفت بالرغم من عدم توافر الظروف الملائمة لحياة كريمة.

1 - التغيرات المناخية:

زادت معدّلات الخسائر بسبب الجفاف في الصومال مرة أخرى وباقي أجزاء القرن الإفريقي (خلال الشهور الثلاثة؛ من مارس حتى يونيو عام 2012م)، ويُعزى ذلك إلى نقص الأمطار في كلٍّ من الصومال وجيبوتي وشمال كينيا وإثيوبيا (ولم يكن لديهم استعدادات كافية لتجنّب تكرار ظاهرة اللاجئين في معسكرات كينيا، وضرورة اتخاذ إجراءات سريعة للتحوّط أمام مثل هذه الكوارث) من جهة، ومن جهة أخرى عملت شدة الأعاصير على سحب الرطوبة بعيداً عن القرن الإفريقي في هذا الوقت من السنة (حيث ترتفع فيه درجات حرارة المياه فوق المحيط الهندي)، وفي الوقت نفسه تتكرر «ظاهرة النينا» (التي تحدث عندما يبرد سطح المحيط الباسيفيك عند الوسط والشرق، فيؤثّر في مناخ مناطق كثيرة في العالم)، لذلك كان للقرن الإفريقي النصيب الأكبر من موجة الجفاف عام 2010م - 2011م.

في كينيا سجّلت درجات الحرارة في عام 2012م أعلى معدّل لها منذ 13 سنة، مما اقتضى أن تتخذ الحكومة ما يلزم لتأمين المياه وتوفيرها لكلٍّ من الأفراد وحيوانات الرعي، وكانت إثيوبيا أقلّ تأثّراً، حيث كانت الأمطار في نهاية 2011م أفضل من العام الأسبق، وتواجه جيبوتي نقصاً في المياه لدرجة جعلت واحداً من 8 أفراد في حاجة إلى المعونة في 2011م.

لكن أمام هذا وذاك؛ لم تكن الاستجابة من قبل الحكومات والهيئات الدولية بالدرجة المناسبة لمثل هذه الكوارث، على الرغم من حفر هيئة الصليب الأحمر مجموعة من الآبار والعيون، لذا يمكن القول بأن تذبذب الأمطار أدّى لتكرار الجفاف، الأمر الذي عمل على تفاقم انعدام الأمن الغذائي في المنطقة، وما يثير القلق هو أن ارتفاع درجات الحرارة، وانخفاض كمية الأمطار يجعل من الزراعة المطرية أقلّ أماناً.

حتى الرعاة لم يسلموا من هذا الجفاف، فمع تدهور المحاصيل تدهورت أيضاً محاصيل الأعلاف وأراضي المراعي، مما أدّى إلى زيادة في حدّة انعدام الأمن الغذائي بسبب تزايد مساحة المناطق شديدة التأثّر، من حيث نقص المياه والحشائش، بعد مواسم عديدة من الجفاف، وزاد الأمر سوءاً تجزئة المراعي، ومحدودية الوصول إلى الموارد، مما اضطر الرعاة إلى بيع ماشيتهم بأسعار زهيدة، وكانت أكثر المناطق تأثّراً بذلك جنوب شرق إثيوبيا وشمال كينيا، حيث تُعَدّ الفترة ما بين يونيو 2010م - ويونيو 2011م أسوأ فترة جفاف مرّت بها البلاد منذ 60 سنة[5]. 

2 - الصراعات:

الصراع ما هو إلا درجة من التنافس أو التعارض القولي أو الفعلي بين طرفين أو أكثر، وتتعدّد مصادره حسب مادة ذلك الصراع، فهناك صراع مائي، وصراع حدودي، وصراع إثني، وصراع اقتصادي، وصراع سياسي.

وتتنوع الصراعات حسب الغرض محلّ النزاع، فقد يكون هناك صراع حول منطقة لها أهمية جيواستراتيجية، أو صراعات حدودية (الصراع بين دولتين) على إقليم معين، مثل الصومال وإثيوبيا، أو الصراعات الإثنية، مثل رواندا وبوروندي، بالإضافة إلى الصراعات والحروب الأهلية والانفصال، مثلما حدث في إثيوبيا بين إريتريا وإثيوبيا، حيث دارت الحرب بينهما 30 سنة، حتى استقلت إريتريا في بداية التسعينيات، وأخيراً الصراع الأخير يتمثل في محاولة الوصول إلى السلطة، والانقلابات التي اعتادت القارة عليها، مما جعلها سمة مميزة لها عن باقي القارات الأخرى، وليس هناك سوى عدد محدود من الدول لا يتعدّى أصابع اليد الواحدة في استقرارها السياسي وعدم حدوث انقلابات.

وبالنسبة للصراع الدولي القائم في القرن الإفريقي؛ فيرجع سببه إلى الأهمية الجيواستراتيجية للمنطقة، وذلك لتحكّمها في باب المندب والبحر الأحمر، وما يتبع ذلك من تحكّم في التجارة بين الشرق والغرب، ولهذا تتصارع عليها الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، وتحاول كلٍّ منها التدخّل في هذه المنطقة حتى يكون لها اليد الطولى، ويظهر ذلك واضحاً - على سبيل المثال - في القواعد العسكرية للولايات المتحدة في أسمرة، بالإضافة إلى تدخّل بعض دول شرق آسيا، خصوصاً الصين واليابان، واستباق كلٍّ منهما لتجد لها موطئ قدم في القرن الإفريقي.

وقد حرصت أمريكا على وجودها في البحر الأحمر منذ الخمسينيات، وذلك بحجة مفادها ضرورة الأمن والسلام في العالم، ووقّعت اتفاقاً مع إثيوبيا على إقامة قاعدة عسكرية في أسمرة، وهي من أهم القواعد العسكرية الأمريكية في الخارج، ومنذ ذلك الحين كثّفت كلٌّ من أمريكا وإسرائيل وجودهما في المنطقة باعتبار أن البحر الأحمر يلاصق القرن الإفريقي، فهو لا يجاور مصر والسودان فقط، ولكن يجاور جميع دول شبه الجزيرة العربية، حيث تقع أهم الممرات المائية إلى المحيط الهندي، وذلك لضمان سهولة العبور وتيسير نقل النفط، وحماية شركات البترول الأوروبية والأمريكية في منطقة الخليج، والدفاع عن إفريقيا خصوصاً ضد التسلل الشيوعي السوفييتي والصيني على حدٍّ سواء، ومن أجل المحافظة على أمن إسرائيل وسلامتها.

النتائج المترتّبة على الصراعات تتمثّل في تدمير البنية التحتية، وهروب رأس المال للخارج، وإحجام الاستثمارات الأجنبية،  توجيه حكومات المنطقة لمواردها نحو الإنفاق العسكري، وليس التنمية

وكانت تلك القاعدة أول موطئ قدم لأمريكا في منطقة القرن الإفريقي، حيث بدأت أمريكا محاولتها مع إثيوبيا لما لها من أهمية في البحر الأحمر، ولدورها المائي في قلب حوض النيل، ومن ثم تلقّت إثيوبيا مساعدات أمريكية بلغت 50% من إجمالي المساعدات المقدّمة لإفريقيا في الخمسينيات.

في الستينيات؛ أخذت إسرائيل دور الوكيل عن أمريكا في لعب الدور المهمّ في المنطقة، ومساعدة الولايات المتحدة لإثيوبيا ضد إريتريا.

أما في السبعينيات؛ فقد حدث تبادل للأدوار، حيث تخلّت إثيوبيا عن المعسكر الغربي، وأعلنت الماركسية أيدولوجية رسمية لها، وتحالفها مع المعسكر السوفييتي الاشتراكي، لذلك حرصت الولايات المتحدة على بقاء إريتريا تحت سيطرة إثيوبيا حماية للأمن القومي الإسرائيلي، وحفاظاً على المصالح الأمريكية في الوجود على مقربة من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والتحكّم في باب المندب.

في الثمانينيات؛ قامت أمريكا بمساعدة إسرائيل، وتقوية دورها في تمويل برنامج المساعدات الإسرائيلية للقارة، ومن ثم استغل اللوبي اليهودي الفرصة، وطالب بربط المساعدات لإثيوبيا بتسهيل هجرة الفلاشا إلى إسرائيل.

لكن بعد انتهاء الحرب الباردة انفرد الدور الأمريكي بالقرن الإفريقي، وترتّب على ذلك انهيار نظام منجستو في إثيوبيا، وسياد بري في الصومال، واستقلال إريتريا تحت حكم أفورقي، مع إعادة ترتيب ميزان القوتين في السودان وجيرانها بما يخدم المصالح الأمريكية.

وأينما توجد الثروات تكثر الصراعات، ويتضح ذلك في الصراع الدائر في منطقة أبيي بالسودان التي تقع بين كردفان ومنطقة بحر الغزال، ضمن حزام السافانا الغني بالنباتات والأراضي الخصبة والمياه الغزيرة، فالأمطار في منطقة أبيي تستمر ثمانية أشهر خلال العام، وتتخلل المنطقة العديد من الأودية الكبيرة ذات السهول الواسعة، والتي تتميز بالقابلية لإنتاج المحاصيل الزراعية بمختلف أنواعها، وهناك نباتات نادرة، من مثل الزنجبيل والحرجل والشيح وغيرها، تنبت بكثرة في أودية أبيي، وتمتاز أبيي بمناخ معتدل طوال العام.

أما في باطن الأرض؛ فقد ذكرت التقارير أن حوالي 70% من بترول السودان في منطقة أبيي وما حولها، هذا غير الثروات الأخرى التي لم تُكتشف بعد.

وعلى الرغم من التعايش منقطع النظير الذي شهدته المنطقة بين القبائل المختلفة؛ خصوصاً بين القبيلتين الكبيرتين في المنطقة (المسيرية ودينكا انقوك)، فقد اشتد الصراع حول هذه المنطقة مع تطور قضية أبيي في عهد حكومة الإنقاذ، وخصوصاً عندما شرعت أمريكا في تسوية قضية جنوب السودان بشكل جدّي عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م.

وأثارت قضية أبيي صراعاً حادّاً بين الحكومة السودانية وحركة التمرد، وأصبح ملفها يُرحّل من جولة إلى أخرى، إلى أن تدخّل القس جون دانفورث المبعوث الأمريكي آنذاك، وطرح رؤيةً للحلّ سُمّيت بالورقة الأمريكية، وذلك في مارس 2004م.

تضمّنت ورقة دانفورث (الورقة الأمريكية) أموراً خطيرة، منها عدم تحديد حدود منطقة أبيي التي يُجرى الاستفتاء حولها، وتُرك ذلك للجنة الخبراء التي كوّنت من (15) عضواً، (5) من الحكومة، و (5) من الحركة، ورئيس اللجنة سفير أمريكي سابق بالسودان اسمه «دونالد بيترسون»، ونائبه من جنوب إفريقيا، وثلاثة أعضاء من دول الإيجاد

 ومما جاء في (الورقة الأمريكية) أنها فشلت في ترسيم حدود أبيي وفق حدود 1956م، إلا أنها بالرغم من ذلك قامت بترسيم حدود جديدة تمتد شمال بحر العرب، وهو نهر محاذ لمنطقة أبيي من الناحية الجنوبية تمتد شماله حوالى 100كم.

رفضت الحكومة هذا التقرير، واعتبرته تغوّلاً على أراضي الشمال، بينما أيّدته الحركة الشعبية، وعلى إثر ذلك نشأت اشتباكات عنيفة بين المسيرية والدينكا في ديسمبر 2007م، واشتدت الاشتباكات في 13/5/2008م حيث قُتل العشرات، ونزح حوالي 50 ألف، حتى وُصفت أبيي من قبل الأمم المتحدة بأنها «مدينة أشباح»، وعلى إثر ذلك وفي 8/6/2008م اتفقت الحكومة السودانية وحكومة الجنوب على إحالة النزاع حول حدود أبيي إلى هيئة التحكيم الدولية بلاهاي.

أما في منطقة البحيرات العظمى؛ فقد حاولت أمريكا عزل الجبهة الإسلامية في السودان، فعزّزت روابطها العسكرية والاقتصادية مع أوغندا ورواندا تحت حكم الأقلية التوتسي، ومن ناحية أخرى عملت على إنهاء حكم الأغلبية الهوتو في رواندا، ودعم أوغندا ورواندا في الكونغو الديمقراطية[6].

أما عن الوضع في الصومال؛ فمن الممكن تتّبع الأحوال فيها منذ السبعينيات، حينما وقّعت الصومال معاهدة صداقة 1974م مع السوفييت لتكوين جيش صومالي، وبالفعل تكوّن أقوى جيش في القرن الإفريقي، مما دعا إلى استعادة إقليم الأوجادين، خصوصاً بعد رفض منجستو ردّها سلميّاً، ولاقى هذا ترحيباً من الاتحاد السوفييتي من أجل السيطرة على مدخل البحر الأحمر، لكن في الوقت نفسه قام انقلاب في إثيوبيا ضد هيلاسلاسي، وأعلن المتمردون الاشتراكية، مما دعا السوفييت إلى الترحيب بمساعدة إثيوبيا، ومن ثم استعادت إثيوبيا الأوجادين مرة أخرى، لذلك تحوّلت الصومال إلى الغرب.

ويلاحظ أنه مع تدخّل أمريكا في الصومال في 1992م بغرض استعراض القوة العسكرية والهيمنة؛ تراخت في الوقت نفسه جهودها في مجال الإغاثة، وذلك بغرض إضعاف القوات المتناحرة في الصومال، وتحديد دورها في المنطقة حتى لا تطالب بالأوجادين مرة أخرى.

ترتّب على المطالبات القومية الإقليمية للصومال في الدول المجاورة (إثيوبيا، وكينيا) إلى عزلها عربياً وإفريقيا، وذلك لخروجها عن مبدأ مؤتمر القمّة الإفريقية 1964م الذي يقضي باحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، فدخلت الصومال بسبب ذلك فيما يشبه العداء المستمر مع إثيوبيا وكينيا، وحرّضت إثيوبيا القوات المعارضة في الصومال حتى لا تطالب بالأوجادين، وللحيلولة دون قيام صومال قوي.

قامت أمريكا أيضاً بحروب وعمليات تغيير بالوكالة في المنطقة، ومثال ذلك سقوط سياد بري، ثم منجستو، واستقلال إريتريا بدعم من أمريكا، وحالت دون انهيار إثيوبيا، وساعدت في نهوضها بدور القوة الفاعلة في المنطقة، واستغلتها كوكيل عنها في الحرب.

لكن ما يهمنا هنا النتائج المترتّبة على تلك الصراعات، والتي تتمثّل في تدمير البنية التحتية، وهروب رأس المال للخارج، وإحجام الاستثمارات الأجنبية عن الدخول في تلك المنطقة، ومن ناحية أخرى صارت معظم حكومات دول المنطقة توجّه مواردها نحو الإنفاق العسكري، وليس نحو التنمية، أو الخدمات الاجتماعية التي تعاني دول القرن الإفريقي نقصاً حادّاً فيها (الصحة والتعليم)، أو معالجة مشكلات اللاجئين.

شكل (3) نسبة الإنفاق العسكري من GDP لدى بعض الحكومات الإفريقية

Source: human development report, 2005

يلاحظ في الشكل السابق ارتفاع نسبة الإنفاق العسكري بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، خصوصاً في إثيوبيا (حوالي أكثر من 90% عام 2000م).

أما اللاجئون؛ فالجدير بالذكر أن معظمهم يأتون من السودان والصومال وإريتريا وإثيوبيا، ويعبرون الحدود إلى دول الجوار، مثل تنزانيا وكينيا وأوغندا والسودان وإثيوبيا، ويظهر ذلك من الجدولين الآتيين:

أعداد اللاجئين حسب البلد الطارد والبلد المضيف عام 2006م في الجدولين (2) و (3)

Source: Africa development report 2009, p. 15

                     

واذا كانت هناك بعض التقارير الصادرة عن «معهد هايدبرك للصراعات» بأن عدد الصراعات في إفريقيا تزايد في السنوات الأخيرة، حيث وصل إلى 98 صراعاً في عام 2008م، فإن شدّة هذه الصراعات تضاءلت، لكن في الوقت نفسه انخفضت الصراعات العنيفة من 12 إلى 9 صراعات فقط عام 2009م (بعدما كانت 12 صراعاً في 2008م)، كذلك انخفضت حالات الحرب المفتوحة من 3 إلى 1 (الصومال)[7] .

وإذا نظرنا إلى الصراع الاقتصادي في الصومال، فيمكن القول بأن الصومال كانت مكتفية ذاتيّاً في مجال الغذاء حتى السبعينيات، لكن هناك بعض العوامل يمكن أن يُعزى إليها انهيار اقتصادها، وتدمير زراعة المحاصيل الغذائية، وكذلك المراعي، إما بسبب الجفاف والتصحّر، وإما بسبب الحرب الأهلية، وقد يكون أيضاً بسبب الصراعات الحدودية.

فالاقتصاد الصومالي كان يغلب عليه الطابع الرعوي، أي أنه يقوم على التبادل بين الرعاة وصغار المزارعين، حيث مثّلت الماشية 80% من عائدات التصدير حتى 1983م، وبالرغم من تكرّر الجفاف بقيت الصومال عمليّاً مكتفية ذاتياً غذائيّاً حتى السبعينيات، لكن أسهم تدخّل صندوق النقد الدولي في تفاقم أزمة الزراعة في الصومال، حيث فرضت الإصلاحات الاقتصادية علاقة التبادل الهشّة عبر اقتصاد الرحل واقتصاد الخضر، حيث فرض على الحكومة برنامج تقشّف شديد لتوفير الأموال اللازمة لخدمة ديون الصومال لنادي باريس.

أما كيفية تدمير الزراعة الغذائية في الصومال؛ فكان ذلك بسبب زيادة اعتماد الصومال على استيراد الحبوب الغذائية من المعونات الغذائية، خصوصاً القمح والأرز الرخيص، إلى الأسواق المحلية، مقترناً بزيادة الواردات التجارية، مما أدى إلى تشريد المنتجين المحليين، مع تحولات كبيرة في أنماط الاستهلاك الغذائي على حساب المحصولَيْن التقليديَّيْن (الذرة، والسرغم).

وخلال هذه الفترة كانت معظم الأراضي مملوكة للبيروقراطيين وضباط الجيش والتجّار ذوي الصلات بالحكومة، وبدلاً من أن يشجع المانحون الإنتاج الغذائي للسوق المحلية كانوا يشجّعون زراعة محاصيل الفواكه والخضر والحبوب الزيتية والقطن ذات القيمة المضافة العالية للتصدير في أفضل الأراضي المرويّة. 

في الوقت نفسه انهار اقتصاد الماشية نتيجة زيادة أسعار عقاقير الماشية المستوردة بسبب انخفاض سعر العملة، ومن ناحية أخرى كان عدد قليل من البيطريين الخاصين يختارون العمل في المناطق النائية، لذلك كان الاعتماد في رعاية الماشية على أشباه البيطريين الذين يتقاضون أجورهم من مبيعات الأدوية، واقترنت الخصخصة في قطاع الرعي بخصخصة الأغذية الحيوانية في فترات الجفاف، إلى جانب الاتّجار بالمياه وإهمال المحافظة على المياه والمراعي.

المجاعات لم تكن بسبب التغيّرات المناخية بل أصبحت من صنع الإنسان، فهي لم تكن بسبب نقص الأغذية، بل بسبب فائض العرض العالمي للغذاء الذي تسيطر عليه بشدة المنشآت الزراعية الدولية

 ترتّب على تلك النتائج المتوقّعة هلاك القطعان، بل يمكن القول بأن السبب المستتر وراء ذلك هو القضاء على الرعاة الرحّل المشاركين في اقتصاد التبادل التقليدي، وذلك لاعتبارهم أنهم السبب في التدهور البيئي.

على صعيد آخر؛ اتّسمت الإصلاحات الاقتصادية بتحلّل البرامج الصحية والتعليمية، حيث انخفض الإنفاق على الصحة بنسبة 78% عن مستواها في 1975م، كذلك على التعليم، حيث صار نصيب الطفل في المرحلة الابتدائية 4 دولارات سنوياً عام 1989م، بعد أن كان 82 دولاراً في 1982م، مما أدى إلى انخفاض عدد الملتحقين بالتعليم بنسبة 41% بين 1981م - 1989م، واختفت الكتب المدرسية، وتدهورت المدارس.

وعليه؛ يمكن القول بأن تخريب اقتصاد البلد كان بفعل المعونة الغذائية وسياسة الاقتصاد الكلي، خصوصاً أن الصومال لم تكن تعاني عجزاً غذائيا،ً بل كانت مكتفية ذاتيّاً، بل في بعض الأحيان كان لديها فائض غذائي من الحبوب، ومنذ الثمانينيات ألغيت القيود على أسواق الحبوب تحت إشراف البنك الدولي، وبدأ استخدام الفائض الأمريكي من الحبوب بانتظام لتدمير الفلاحين، وزعزعة الزراعة الغذائية الوطنية، ولم تكن المعونة أيضاً مخصّصة لبلدان ضربها الجفاف في الحزام الساحلي، بل وُجّهت كذلك لبلدان كانت حتى وقت قريب مكتفية ذاتيّاً (زيمبابوي).

كذلك؛ تمّ تدمير الاقتصاد الرعوي في الصومال على يد الصندوق والبنك الدوليين بالطريقة نفسها، حيث أدّت منتجات اللحوم والألبان المدعومة (دون رسوم) من الاتحاد الأوروبي إلى القضاء على اقتصاد إفريقيا الرعوي إلى جانب المصالح الكبرى، حيث كانت السعودية تعتمد على استيراد الثروة الحيوانية من الصومال في موسم الحجّ (في الوقت الذي كان هناك نوع من الترويج للثروة الحيوانية من أستراليا، لكن كانت المشكلة في بعد المسافة)، وبعد تدمير هذا القطاع  في الصومال أصبح الطريق ممهداً للحوم الأسترالية دون اعتبار للمسافة.

إذاً المجاعات في عصر العولمة لم تكن بسبب التغيّرات المناخية (كما كان يحدث سابقاً)، بل أصبحت من صنع الإنسان، فهي لم تكن بسبب نقص الأغذية، بل بسبب فائض العرض العالمي للغذاء الذي تسيطر عليه بشدة المنشآت الزراعية الدولية، الأمر الذي ترتّب عليه ركود كلٍّ من إنتاج المواد الغذائية الأساسية، واستهلاكها، وإفقار المزارعين في العالم كلّه.

أما الصراع السياسي الدولي؛ فيظهر في جيبوتي، والتي لم تسلم من وجود قوى أجنبية على أراضيها، خصوصاً القواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية، والحجّة المعلنة وراء وجود القواعد العسكرية الفرنسية فيها أنها موروثة عن النظام الفرنسي الاستعماري السابق وفقاً لاتفاقية الدفاع المشترك بينهما، أما القاعدة الأمريكية التي تستضيفها جيبوتي وفقاً لاتفاقية التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب (الذي تمثّل أمريكا العمود الفقري له)؛ فحجّتها أن تتمكن أمريكا من مراقبة المنطقة، وإحلال السلام، والحيلولة دون انتقال عناصر إرهابية مارّة إلى الصومال التي أنهكتها الحروب، وكانت هناك حجّة أخرى تتمثل في مراقبة القرصنة، وتقديم والدعم اللوجيستي لمواجهة القراصنة.

3 - ارتفاع معدّلات نموّ سكان القرن الإفريقي:

يلاحظ ارتفاع معدّلات النموّ السكاني وتضاعفها ثلاث مرات في الفترة من 1960م - 2010م في دارفور، والجدير بالذكر هو أن الغالبية العظمى من السكان في هذه المنطقة يعتمدون على الزراعة والرعي، ولم يقتصر الأمر على السودان فقط، بل يمتد إلى باقي أجزاء القرن الإفريقي خصوصاً في شرق إثيوبيا وغربها ووسط كينيا.

شكل (4) تقديرات معدّلات نموّ السكان في دول القرن الإفريقي

UNEP, united nation environment program,  (GEAS) NOVEMBER, 2011