الفيروس القاتل.. الإيبولا يهدّد أمن القارة السمراء

  • 14 -1 - 2015
  • التحرير


ترجمة: قراءات إفريقية

ضرب (فيروس إيبولا القاتل) القارة السمراء، وبخاصة الأجزاء الغربية منها، مما هدّد الحياة في تلك البلدان بالشلل، فأوقف القطاعات السياحية والتنموية، وألغى التجمعات البشرية، حتى الأعراس، والفاعليات الرياضية في الدول الأخرى؛ حيث اعتذرت المملكة المغربية عن استضافة (كأس أمم إفريقيا لكرة القدم) خوفاً من وصول الفيروس الوبائي إلى أراضيها.

فقد نشرت مجلة الإيكونوميست البريطانية تقريراً[1] سلّط الضوء على خطورة الفيروس، وأماكن انتشاره، وأماكن تمركزه في دول غرب القارة الثلاث: (ليبيريا، وسيراليون، وغينيا)، والمسافة بينه وبين أهم الحواضر في القارة السمراء وأوروبا، وهو ما توضحه الخريطة الآتية:

وذكر التقرير أنه يبدو أنّ الوقت لم يحن بعد للاستمتاع بالسفاري، فلا تزال الخيام مطوية، وحمامات السباحة بالفنادق فارغة، بينما يُضيّع المرشدون السياحيون أوقاتهم بين الأسود والفيلة، وبذلك يضع منظمو الرحلات السياحية - في أنحاء إفريقيا كافة - في الذاكرة الحية أكبر نسبة انخفاض في المجال السياحي، وهذا ما أشارت إليه إحدى وكالات السفر المتخصّصة SafariBookings.com في مسحٍ أجرته في سبتمبر 2014م، تبيّن فيه أنّ (500) من منظمي الرحلات قد عانوا انخفاضاً في الحجز بنسبة تترواح بين 20% و 70%، ومنذ ذلك الحين بدأت نسبة الانخفاض في التزايد، خصوصاً في: (بتسوانا، وكينيا، وجنوب إفريقيا، وتنزانيا)، كما توقف العديد من الوكلاء الأمريكيين والأوروبيين عن عرض رحلات إلى إفريقيا في الوقت الحالي.

والسبب في ذلك هو انتشار (فيروس إيبولا) في غرب إفريقيا، والذي أودى بحياة ما يزيد عن (5.000) نسمة، حيث استوطن الفيروس في مكان بعيد عن أماكن السفاري المخصوصة في شرق إفريقيا وجنوبها، وهو مكان أبعد ما يكون أيضاً عن بيوت السياح الأوروبيين (انظر: الخريطة)، بينما يوجد المزيد من الخطوط الجوية الرابطة بين غرب إفريقيا وأوروبا بنسبةٍ تفوق الخطوط الرابطة بين غرب إفريقيا وباقي القارة، إلا أنه قد تم تأجيل العديد من رحلات الطيران بدرجةٍ كبيرةٍ.

ومع أنّ (إيبولا) لا يعدّ المرض القاتل الأول في إفريقيا (يسبقه مرضا: الإيدز، والملاريا)، لكن يرسخ داخل ذهن العديد من الزوار أنّ كلّ قارة إفريقيا عبارة عن دولة واحدة؛ فيما أطلق عليه أحد المرشدين السياحيين: «وباء الجهل».                                                                                                                                                                         

ومع ذلك؛ فإنّ قطاع السياحة يمثّل بطريقةٍ مباشرةٍ وغير مباشرةٍ نحو 10% تقريباً من إجمالي الناتج المحلي لدول إفريقيا في جنوب الصحراء الكبرى، ويتمّ من خلالها دفع رواتب الملايين من الناس، فهي صناعة إذاً تساهم بنحو 170 مليار دولار سنوياً، ففي عام 2013م زار إفريقيا حوالي 36 مليون نسمة، وقد تزايد هذا المعدل بنسبة 6% سنوياً، ولكن العديد من مكاتب السفاري الآن قد أوشكت على الانقراض بصورةٍ أكبر من انقراض الحيوانات المحيطة بهم، وقد يتحول العمّال العاطلون في نهاية المطاف إلى صائدين برّيين خارجين عن القانون.

 

كما أنّ المخاوف من شيوع وباء الإيبولا قد انتشرت حتى بين الأفارقة أنفسهم، ومن ثم قالت المغرب إنها لن تستضيف (كأس الأمم الإفريقية)، والذي يُعدّ الحدث الأبرز لكرة القدم في القارة، والمقرر أن يبدأ في 17 يناير، وإن كانت المغرب قد سعت لتأجيل الحدث لمدة عام بسبب انتشار الوباء بصورةٍ مزعجةٍ بين التجمعات، إلا أنّ الاتحاد الإفريقي لكرة القدم قد منع المغرب من تنظيم البطولة، وهي الدولة التي لم تسجّل حالة إصابة واحدة حتى الآن، وتأتي (ليبيريا، وسيراليون، وغينيا) في مقدمة الدول الأكثر تضرّراً أو غير المؤهلة لمواجهة المرض حتى الآن، وهنا سعى المنظّمون للكأس لإيجاد دولة أخرى مُضيفة حتى لا تكون كرة القدم الإفريقية هي الضحية القادمة للإيبولا.

كما نشرت الواشنطن بوست تقريراً عن المرض وانتشاره[2]، قالت فيه إنّ (الإيبولا) يُعدّ أحد الأوبئة المخيفة، والتي لا يمكن التنبؤ بها، حيث راح ضحيته حوالي (5.000) نسمة من سكان غرب إفريقيا بسبب انتشاره الحالي، بالإضافة إلى ما يزيد عن (13.000) مصاب، ولكن الأمر لا يزال مقصوراً حتى الآن على (ليبيريا، وسيراليون، وغينيا)، فيما سجلت دولتا (نيجيريا، والسنغال) بعض حالات الإصابة، إلا أنهما أصبحتا نظيفتين الآن من المرض، كما شهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية نموّ سلالة مختلفة من (إيبولا)، ولكن يبدو أنه قد تمّ احتواؤها، فيما توفي المُصاب الوحيد بالإيبولا في مالي، ولم تُسجّل أي حالات إصابة أخرى حتى وقت كتابة هذا المقال، وقد تتغير هذه النتائج أيضاً.

وعلى الرغم من الانتشار الجغرافي المحدود لوباء الإيبولا؛ فإنّ بعض الأمريكيين يبدون مذعورين، فكيف تفسّر إذاً منع طفلين انتقلوا من رواندا إلى نيو جيرسي من الذهاب إلى المدارس؛ على الرغم من عدم وجود أي إصابة بالإيبولا في دول شرق إفريقيا (وما أبعد المسافة بين غرب إفريقيا ونيو جيرسي وتكساس)؟ بل بِمَ تفسّر إقالة مُدرّسة في ولاية كنتاكي كردّ فعل عنيف على سفرها إلى كينيا؟ وكذلك إلغاء الرحلات السياحية إلى كينيا وزيمبابوي وجنوب إفريقيا؟ إنّ هذه الدول تُعد قريبة نسبياً من دول غرب إفريقيا المُصابة بالإيبولا.

وهذا ما جعل أنطوني إنجلاند يشعر بخيبة أمل، وهو الكميائي البريطاني الحاصل على شهادة الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وقضى وقتاً طويلاً في دول غرب إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وقرّر تصميم خريطة يبيّن فيها الدول المصابة حاليّاً بالإيبولا والدول غير المصابة، وهو يتمتع بخلفية تاريخية وحضورٍ علمي في دول غرب إفريقيا حسبما ذكره في رسالة إلكترونية: «اعتدت أن أحضر مؤتمرات علمية في دول غرب إفريقيا لتأهيل باحثين علميين رائدين، وإعداد حلول للمشكلات بشكلٍ عامٍّ، حيث يُعدّ المجتمع الغربي على دراية أكبر بالمخاوف المُلحّة التي تُصيب العالم النامي»، وإن كانت شركته (مانغوستين) قد مضت قُدماً في الدراسة لمدة عشر سنوات؛ فإنه يعتبر انتشار الإيبولا الآن دليلاً واضحاً على ضرورة اهتمام الغرب بصورةٍ أكبر بما يحدث في إفريقيا.

ومما كتبه أنطوني: «إنّ حالة انتشار الإيبولا - والذي يُعدّ مشكلة - لم يوجد لها حلٌّ علميّ حتى الآن؛ بسبب وجودها في قرية من قرى العالم النامي، من الممكن أن تزور مدينة نيويورك أو المجتمع الغربي، وسيدرك المجتمع الغربي الغني في النهاية أنه لا فائدة من ترك جزء فقير من العالم ذو بنية تحتية منهكة يواجه الفقر بمفرده، فانتشار الإيبولا إذاً يعلّم الغرب كلّ ذلك».

وكانت خيبة الأمل في النهاية هي الدافع لإنجلاند وراء تصميم خريطة ونشرها على حسابه على تويتر، كما اعتاد نشر معلومات عن الإيبولا على حسابه، ثم انتشرت الخريطة بعد ذلك بشكلٍ كبيرٍ من خلال شبكة الإنترنت، وتم نشرها مئات المرات من خلال تويتر.

وأضاف إنجلاند في كتاباته أنّ: «الجهل والفقر المعلوماتي حول الإيبولا يُعد مشكلة كبيرة، ولذا فإنّ إقالة مُدرّسة في كنتاكي بسبب قضائها بعض الوقت في كينيا هو أمرٌ يوصف بالحماقة، كما يؤدي هذا الغباء إلى مخاوف تجعل أشخاصاً أمثال كريس كريستي يطبّقون قيوداً لا معنى لها كحجر صحي، ومن ثمّ أصبحت  مخاوف الولايات المتحدة من الإيبولا مجرد مهزلة».

كما أنّ هناك بعض التحذيرات على الخريطة من بعض الدول، ولكن إنجلاند قرّر عدم ضمّ (مالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية) كدول مصابة على الرغم من عدم صدور إعلانات بخلوهما تماماً من وباء الإيبولا، وهذا سبّب توجيه بعض الانتقادات للخريطة، وكتب إنجلاند أنه يتفهّم الانتقادات جيداً، ولكن تحذيراته لا تزال قائمة: «هناك ثلاث دول مصابة فقط، وعلى العالم أن يعرف ذلك».

وفي تقرير آخر للإيكونوميست البريطانية بعنوان (مأساة الإيبولا)[3]، ورد فيه أنه قد تمّ الإعلان عن ظهور أول حالة للإيبولا في غرب إفريقيا في ديسمبر 2013م في (غوكيدو)، وهي منطقة غابات في غينيا قرب الحدود مع (ليبيريا، وسيراليون)، ويبدو أنّ المسافرين قد نقلوا الفيروس عبر الحدود، ففي أواخر مارس ذكرت ليبيريا الاشتباه في (8) حالات، بينما اشتبهت سيراليون في (6)، وبحلول نهاية يونيو أصيب حوالي 759 شخصاً، ولقي 467 حتفهم بسبب المرض، مما يجعل هذا الانتشار هو الأسوأ لمرض الإيبولا في المنطقة؛ لأنّ الأرقام تواصل الصعود.

وفي 11 نوفمبر كان قد تم الإبلاغ عن (14.413) حالة إصابة، و (5.177) حالة وفاة في مختلف أنحاء العالم، معظمهم من هذه الدول الثلاث السابق ذكرها، فيما يشكّك البعض في دقّة هذه الأعداد.

وقد وُضعت خريطة تفاعلية لوصول الفيروس إلى دول العالم.

وفي النقطة التي يسجّل عندها إصابات متلاحقة يسميها علماء الأوبئة: (R0) معدل التكاثر والانتشار الأساسي للفيروس، وفي المناطق عالية الإصابة يكون المعدل (R0) مرتفعاً، معدل الحصبة هو 18، لكن معدل الإيبولا صعب التقدير، ويختلف من منطقة لأخرى، ويتراوح المعدل من 1.5 إلى 2.2، وعلى الرغم من وجود إشارات عن السيطرة التدريجية على الإيبولا في (غينينا، وليبيريا)؛ فإنّ تسجيل المعدل (R0) فوق 1 هي نتيجة سيئة، فيما سجّل أعلى مؤشر للإيبولا إصابة تُقدر بـ 70% في هذا الانتشار؛ مما يعني أنّ الإيبولا يمكنه حصد المزيد من الأرواح بسرعة أكبر من غيره، فهو قاتل راسخ القدمين!

كما يُعد التقصير في نُظُم الرعاية الصحية في (الدول الثلاث الأكثر تضرّراً) أحد التفسيرات لتفشّي المرض بصورةٍ كبيرةٍ، كما أنّ إسبانيا قد استمرت لمدة 21 يوماً دون تسجيل أي إصابة جديدة بعد أول إصابة وقعت في أكتوبر، وهي تنفق أكثر من (3.000) دولار سنوياً للفرد مصاريف رعاية صحية؛ مقارنةً بـ (سيراليون) التي تنفق أقلّ من ذلك بكثير: حوالي (300) دولار سنوياً للفرد.

كما أنّ الولايات المتحدة، التي سجّلت أولى حالات الوفيات بسبب الإيبولا في 8 أكتوبر، لديها (245) طبيباً لكلّ (100.000) مريض؛ بينما تمتلك (غينيا) عشرة أطباء للنسبة نفسها، ومن ثمّ فإنّ ضَعْف نسبة العاملين في مجال الرعاية الصحية ضد إيبولا هو أمر مأساوي، حيث تمّت إصابة (570) حالة من بين العاملين في مجال الصحة في 11 نوفمبر، ولقي (324) حتفهم في (الدول الثلاث الأكثر تضرّراً) في غرب إفريقيا.