العلاقات (العربية الإفريقية) في كتابات الأستاذ علي مزروعي

  • 15 -4 - 2015
  • محمد عاشور مهدي

د. محمد عاشور

يصعب القول بتخصّص العلامة الموسوعي (علي مزروعي) في العلاقات العربية الإفريقية، في ضوء محدودية كتاباته في هذا المجال مقارنة بكتاباته في الشؤون الإفريقية والقضايا الإسلامية والحضارية والدولية الأخرى، ومع ذلك؛ فإنّ رؤيته للعلاقات (العربية الإفريقية) التي تضمّنتها ثنايا بعض كتاباته، وأشهرها مقال بعنوان: (أفرَابيا: العلاقات الإفريقية العربية في ظلّ النظام العالمي الجديد)[1]، اتسمت بقدرٍ كبيرٍ من التشخيص الدقيق لركائز العلاقات العربية الإفريقية، وأسباب ضعفها برغم ضرورات تفعيل تلك العلاقات لصالح الطرفين (العربي والإفريقي).

ففي نظرته للعلاقات (العربية الإفريقية)؛ ذهب علي مزروعي إلى أنّ هناك العديد من الركائز لهذه العلاقات، دينية ولغوية، اقتصادية واجتماعية، سياسية وتاريخية... إلخ، لكنها برغم وجاهتها وقوتها لم تسفر عن تعاونٍ فعّال بين الجانبين بفعل مجموعة من القيود الجغرافية والتاريخية المفروضة على الجانبين من الخارج؛ على نحوٍ حَالَ دون التفعيل الإيجابي للركائز.

أولاً: رؤية علي مزروعي لأسس العلاقات (العربية الإفريقية) وركائزها[2]:

يرى علي مزروعي أنّ الروابط المشتركة بين العرب والأفارقة تمثّل أساساً متيناً للعلاقات؛ إذا أُحسن توظيف تلك الركائز.

 وتأتي الروابط العقدية الدينية في مقدمة تلك الروابط، فالإسلام في إفريقيا قديمٌ قِدَم وجوده في الجزيرة العربية؛ استناداً إلى حقيقة هجرة المسلمين الأولى من مكة إلى الحبشة فراراً بدينهم وطلباً للملجأ والملاذ[3]، كما أنّ الحفريات الأثرية في شرق إفريقيا تشير إلى وجود آثار لمساجد في تلك الأنحاء، يعود تاريخها إلى العقود الأولى للإسلام.

علاوة على هذا وذاك؛ فإنّ نسبة كبيرة من المسلمين تقطن قارة إفريقيا، حتى إنّ عدد المسلمين في نيجيريا يفوق عدد المسلمين في أي بلد عربي بما في ذلك مصر[4]، كما أنّ إفريقيا القارة الوحيدة في العالم التي يشكّل المسلمون فيها الغالبية المطلقة من السكان، وينتشر فيها الإسلام بمعدلات كبيرة، بما يجعل من الإسلام عنصرَ توحيدٍ بين إفريقيا والعالم العربي[5].

ولا تقلّ الروابط اللغوية في العلاقات العربية الإفريقية أهميةً عن الروابط الدينية، بل يرى مزروعي أنّ الروابط اللغوية أقدم زمنياً من الروابط العقدية الدينية، فاسم القارة (إفريقيا)، الذي توجد أصوله في لغة البربر، استُخدم للإشارة إلى ما يُعرف الآن بدولة (تونس)، فكأنّ القارة قد أخذت مُسمّاها من الشمال الإفريقي أو ما يُطلق عليه حالياً (إفريقيا العربية)[6].

كما أنّ اللغة العربية واللغة الأمهرية، على سبيل المثال، كلتيهما من اللغات الساميّة، حتى إنّ المؤرخين منقسمون حول ما إذا كانت اللغات الساميّة ظهرت أولاً في إفريقيا ثم انتقلت إلى الجزيرة العربية، أو نشأت في الأخيرة واتخذت سبيلها إلى إفريقيا عبر البحر الأحمر في مرحلة لاحقة، وأيّاً ما كان الأمر فإنّ الواقع يشير إلى أنّ اللغة العربية ما زالت هي اللغة التي يتحدث بها أكبر عدد من سكان القارة الإفريقية، علاوة على تأثيرها الجلي في العديد من اللغات المحلية في إفريقيا، وفي مقدمتها اللغة السواحلية في شرق إفريقيا، ولغة الهوسا في غربها[7].

وعلى الصعيد الديموجرافي (السكاني)؛ أكّد مزروعي في كتاباته أنّ المنطقة شهدت العديد من الهجرات والتحركات السكانية المتبادلة بين إفريقيا وشبه الجزيرة العربية خلال القرون الماضية، ويستشهد في ذلك بما كشفته البعثات العلمية من وجود شواهد على قيام مستوطنات عربية على الساحل الإفريقي الشرقي؛ قبل ظهور الإسلام وبعده - على نحو ما سلفت الإشارة -.

ويرى مزروعي أنّ وجود شخصٍ مثل سيدنا (بلال الحبشي) - رضي الله عنه - في مكة المكرمة قبل بعثة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ هو نفسه دليل آخر على الوجود الإفريقي في مكة والمدينة قبل ظهور الإسلام[8].

وقد أسفر التواصل (العربي الإفريقي) عبر تلك الهجرات - وما صاحبها من تفاعل وتصاهر - عن وجود مجتمعات إثنية وعرقية جديدة، كالجماعات (الكوشية)، ومثالها الشعب الصومالي، كما أنّ الإمارات التي قامت باليمن وعُمان أدّت دوراً جوهريّاً على صعيد تلك التفاعلات وما ترتب عليها من آثار، وفي هذا الشأن يرى مزروعي أنّ سلطنة عُمان بلد ذو أهمية مركزية في التاريخ الحديث؛ فيما يتصل بصنع التراث السواحلي وفهمه[9].

ثانياً: قيود العلاقات (العربية الإفريقية) من وجهة نظر علي مزروعي:

يقصد بقيود العلاقات: مجموعة العوامل والاعتبارات التي يرى علي مزروعي أنها تحدّ وتعرقل إمكانيات التعاون (العربي الإفريقي)، وهي في مجملها - من وجهة نظره - تتعلق باعتبارات خارجية جيولوجية، وعوامل مشتركة تاريخية، وأخرى داخلية متعلقة بكلّ طرف من أطراف العلاقة، ألقت بظلالها سلباً على علاقات الطرفين.

(التعريف الجغرافي) لقارة إفريقيا يمثّل أول قيود العلاقة بين العرب وإفريقيا وأقدمها - من وجهة نظر مزروعي -، فالقول بأنّ إفريقيا هي تلك الكتلة الأرضية الممتدة من المحيط الأطلنطي غرباً حتى البحر الأحمر شرقاً، ومن المحيط الأطلنطي جنوباً حتى البحر المتوسط شمالاً، إضافة إلى الجزر الواقعة في المياه المحيطة بالقارة شرقاً وغرباً، يتضمن من ناحية فصلاً تعسفياً لشبه الجزيرة العربية عن قارة إفريقيا، ويقود إلى مفارقةٍ مؤداها أنه في حين يحدث ذلك الفصل التعسفي بين إفريقيا وشبه الجزيرة العربية؛ فإنه - أي التعريف - في المقابل يضمّ إلى إفريقيا جزراً تبعد عنها بنحو ألف ميل (جزيرة موريشيوس)، وخمسمائة ميل (جزيرة مدغشقر/ المالاجاش)، في حين أنّ اليمن لا يفصلها عن بعض سواحل شرق إفريقيا سوى مرمى حجر، ومع ذلك لا تُعتبر جزءاً من إفريقيا[10]!

ويلفت مزروعي النظر إلى ظاهرة قلّما يلتفت إليها أحدٌ من الباحثين، وهي زيف حدود القارات، وفي مقدمتها حدود القارتين الإفريقية والآسيوية، فعلى كثرة ما كُتب عن زيف حدود الدول الإفريقية المعاصرة؛ فإنّ أحداً لم يول اهتماماً بمدى زيف حدود القارة نفسها، ويعجب مزروعي من قبول الجميع ذلك القيد الجيولوجي المُمثل في (البحر الأحمر) كحدٍّ طبيعي مناسب لنهاية الحدود الشمالية الشرقية للقارة الإفريقية؛ على الرغم من تضافر العديد من الأدلة البيئية والثقافية والاجتماعية الاقتصادية لإثبات العكس[11].

ولبيان خطورة القيد الجيولوجي سالف الذكر؛ كشف مزروعي ببراعة كيف أثّر ذلك القيد في مدركات البشر الثقافية على جانبي حدود القارة، وبروز مزاعم تجسّد الانفصال بين الجانبين؛ خصوصاً مع اكتمال ذلك الانفصال الجغرافي بعد حفر قناة السويس؛ حيث ذهب البعض إلى أنّ شمال إفريقيا ليس جزءاً من القارة؛ بدعوى أنه أقرب لشبه الجزيرة العربية وأكثر شبهاً بها[12].

ويمثّل التاريخ، لا سيما (التاريخ كما سطّرته القوى الاستعمارية)، قيداً إضافياً، وعائقاً أمام جهود تطوير العلاقات (العربية الإفريقية)، بفعل المبالغة في الدور العربي في تجارة الرقيق في القارة، وعمليات التمييز بين إفريقيا شمال الصحراء وجنوبها على أسس لونية وعرقية ودينية؛ ومحاولة انتزاع المناطق الشمالية من القارة (المطلّة على البحر المتوسط) من هويتها الإفريقية وضمّها إلى أوروبا؛ على نحو ما تشير التجربة الفرنسية في الجزائر[13].

وعلى الصعيد الثقافي؛ فإنّ أحد القيود الرئيسة التي تحول دون تفعيل التعاون (العربي الإفريقي) - من وجهة نظر علي مزروعي - هي مدى تقبّل العرب بصفة عامّة، وعرب شبه الجزيرة بصفة خاصّة، الانتماء إلى إفريقيا والتعاون معها في ظلّ واقع إفريقيا والصور الذهنية عنها[14].

ومن الناحية السياسية؛ فإنّ الخلافات (العربية العربية)، والانقسامات الإقليمية المترتبة على تلك الاختلافات، تمثّل بدورها قيداً آخر على إمكانيات التعاون (العربي الإفريقي)، لتباين الموقف العربي وانقسامه بشأن الأولويات، وتزداد خطورة ذلك القيد وتعقيداته بفعل التوترات الداخلية الدينية والسياسية... في العديد من الدول الإفريقية والعربية؛ من جرّاء الممارسات التعسفية لأنظمة الحكم، والنزاعات الانفصالية لبعض الجماعات بها، والتي أدّت في مجملها إلى التركيز في القضايا المحلية في كلّ بلد على حدة؛ أكثر من التركيز في القضايا المشتركة التي تصبّ في صالح الطرفين[15].

وقيام تعاون (عربي إفريقي) جادٍّ يحتاج إلى تكافؤ اقتصادي بين الطرفين، فتدهور الوضع الاقتصادي لإفريقيا خلال حقبة التسعينيات من القرن العشرين مثّل - من وجهة نظر مزروعي - قيداً إضافيّاً على صعيد إمكانيات التعاون بين القارة الإفريقية والعرب؛ لما رسّخه من صورة نمطية لعلاقات الجانبين، بوصفها علاقة بين مانحين (العرب) ومتلقي المنح (إفريقيا)، وهو ما يؤدي بدوره إلى مزيد من الحساسية في العلاقة بين الجانبين[16].

ثالثاً: ضرورات التعاون (العربي الإفريقي):

مع إدراكه صعوبة تفعيل التعاون (العربي الإفريقي) في ظلّ القيود سالفة البيان؛ آمن علي مزروعي بضرورة التعاون بين الجانبين في ظلّ ما أسماه: (الأبارتهايد العالمي)؛ حيث عايش مزروعي مرحلة تشكّل النظام العالمي الجديد، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وما تلاه من تداعيات، جرّاء ما أسماه علي مزروعي: التناسخ الإمبراطوري Imperial Reincarnation، والذي فيه تنتقل روح الإمبراطورية من مركز إلى آخر، وهو الأمر الذي رآه ينطبق على واقع السعي الأمريكي لبلورة (إمبراطورية أمريكية) لا تغيب عنها الشمس؛ تستبطن داخلها روح (الإمبراطورية البريطانية) في القرن الثامن عشر، في وقت قبلت فيه بريطانيا القيام بدور المعاون في تلك الإمبراطورية غير الرسمية للولايات المتحدة الأمريكية[17].

فعولمة الإمبراطورية التي حاول البريطانيون في - العصر الفيكتوري - تحقيقها بصورة رسمية؛ سعى الأمريكان في القرن الحادي والعشرين إلى تحقيقها بصورة غير رسمية، وهي تسعى، - ليس فقط للسيطرة على أراضي الدول والشعوب الأخرى وثرواتها، بل تسعى إلى السيطرة – أيضاً - على أفكارهم وثقافاتهم ونُظمهم؛ وذلك بفرض عقوبات على الخارجين عليها والمخالفين لها؛ الأمر الذي يشير من جانب خفي إلى استبدال ثنائية (التابعين – المخالفين) بثنائية (الغرب - الشرق) التي سقطت مع سقوط سور برلين وتفكّك الاتحاد السوفييتي، وقد عبّر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عن ذلك صراحة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001م؛ حينما دعا دول العالم إلى مساندة الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد ما أسمته (الإرهاب)، مؤكداً أنّ مَن لن يقف مع الولايات المتحدة يكون ضدها؛ هكذا حدث استنساخ للروح الإمبراطورية الاستعمارية[18].

وإذا كانت كثيرٌ من دول العالم الثالث تشارك كلّاً من المنطقتين (العربية والإفريقية) المعاناة، من جرّاء ذلك النمط الجديد من الهيمنة الإمبراطورية العالمية، فإنّ الشواهد تشير إلى أنّ المنطقتين عانتا بقدر أكبر من تلك الظاهرة، وقد تمثّلت الممارسات التمييزية ضد العرب في[19]:

• السماح للكيان (الإسرائيلي) بامتلاك أسلحة نووية، والحيلولة دون ذلك - وما هو أقلّ منه - بالنسبة للدول العربية بكلّ السبل؛ بما في ذلك الاحتلال العسكري.

• تقديم الدعم المالي والفني لدعم قدرات (إسرائيل) العسكرية، والرقابة الصارمة على كلّ الأنشطة العسكرية للدول العربية، وعلى مساعيها للتعاون مع دول العالم المختلفة في هذا المجال.

• قرار رونالد ريجان بضرب طرابلس، في الثمانينيات من القرن الماضي، ردّاً على مزاعم ضلوع ليبيا في تفجير ملهى ليلي في ألمانيا؛ أسفر عن مقتل جنود أمريكان.

• قرار كلينتون بقصف مصنع للأدوية في السودان؛ بزعم أنه مصنع أسلحة كيماوية.

• قرار بوش الأب بتوفير الوقت - لا الأرواح العربية - في حرب الخليج الثانية (1990م - 1991م)؛ مفضلاً الإسراع بالحرب على منح مساعي الحلول السلمية مزيداً من الجهد والوقت.

• الممارسات الأمريكية الانتقامية في الصومال، وتسخير المنظمة الدولية لتسويغ تلك الممارسات، وما ترتّب عليها من إزهاق آلاف أرواح المسلمين والعرب الأفارقة.

• قرار بوش الابن باحتلال العراق وتدمير قدراته العسكرية، وما صاحب ذلك من أعمال سلب ونهب طالت الأرواح البشرية والتراث الإنساني، ثم حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية - على نحو ما سلفت الإشارة إليه -، وهي الممارسات التي تصاعدت في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001م بدعوى (محاربة الإرهاب)، فامتدت إلى التضييق على العرب والمسلمين المقيمين في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، ومزيد من التجاوزات والممارسات الإسرائيلية ضد مقاومة الشعب الفلسطيني، وهي الممارسات التي بلغت في تمييزها وعنصريتها أنها لم توفر لضحاياها ما توفره لعتاة المجرمين الدوليين من ضمانات شخصية وقانونية[20]!

أما الممارسات غير المشروعة في مواجهة السود بصفة عامّة، والأفارقة بصفة خاصّة، فإنه علاوة على ما سلف بيانه بالنسبة للصومال؛ يمكن الإشارة إلى ما يأتي[21]:

• دعم الأنظمة الإفريقية القائمة برغم عدم كفاءتها؛ على الرغم من كلّ الشعارات المعلنة عن الديمقراطية والحكم الجيد، وهذا ما يعني إعلاء الغرب للمصالح السياسية على منظومة القيم المعلنة.

• مثالب التكيف الهيكلي تحت إشراف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

• عدم عدالة أسعار السوق العالمية التي يشرف عليها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ فيما يتصل بمنتجات الدول الإفريقية من المواد الأولية.

• عدم الجدية في معاونة الدول الإفريقية في مواجهة انتشار الفقر والأمراض، وفي مقدمتها الإيدز الذي غلّبت فيه الولايات المتحدة مصالح شركاتها الدوائية وأرباحها على قدرات الأفارقة وأرواحهم؛ حينما أصرت على تطبيق قواعد الملكية الفكرية بشأن الأدوية، وساندت مطالب شركاتها للحفاظ على الأسعار المرتفعة للدواء؛ بما يعني عدم قدرة دول العالم الثالث، وفي مقدمتها إفريقيا، على توفيره (قارن ذلك بالوضع الراهن فيما يتصل بموقف العالم من انتشار مرض الإيبولا في بعض دول غرب إفريقيا)[22].

• انتشار العنصرية في الدول الأوروبية تجاه السود، مع تزايد حدة التيارات اليمينية في الغرب بصفة عامّة، والولايات المتحدة الأمريكية خاصّة، وتصاعد الحديث عن إبعاد المهاجرين وذوي الأصول غير الغربية إلى بلدانهم[23].

 وبطبيعة الحال؛ يمكن إضافة: تجاهل الحروب الأهلية الدامية التي شهدتها العديد من الدول الإفريقية، وكان أخطرها أثراً الحرب الأهلية في رواندا، والتي أدى التراخي الدولي في التعامل معها إلى إزهاق أرواح مئات الألاف من أبناء الدولة.

حاصل ما تقدّم - من وجهة نظر علي مزروعي-: أنّ ثمة حاجة للتضامن (العربي الإفريقي) لمواجهة محاولات الهيمنة والتهميش من جانب العالم الغربي، والولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصّة، مؤكداً أنّ خبرات مجتمعات ودول أخرى، تشير إلى إمكانية ذلك التقارب بين الجانبين برغم المعوقات سالفة البيان؛ حيث يستشهد بالعلاقات (البريطانية الأمريكية) و (الأمريكية اليابانية) كنماذج لمصالحات تاريخية بين أطراف شهدت صراعات ومواجهات أكثر شراسة وضراوة بكثير مما عرفته العلاقات (العربية الإفريقية)، وأمكنها برغم ذلك تجاوز ذلك الميراث الصراعي إلى تعاون مشترك لصالح الطرفين[24]، وهو ما يراه مزروعي نافذة أمل لمصالحة تاريخية في العلاقات (العربية الإفريقية)، مدخلها - من وجهة نظره - العمل على تغيير مدركات الجانبين (العربي والإفريقي) فيما يتصل بتاريخ العلاقات ومضامينها[25].

رابعاً: سبل تفعيل العلاقات (العربية الإفريقية):

اتساقاً مع رؤيته الخاصة لأثر العامل الثقافي، وأولويته على الكثير من العوامل والمتغيرات، ذهب علي مزروعي إلى أنّ أولى خطوات تفعيل العلاقات (العربية الإفريقية) هي رأب الصدع الذي أحدثه التعسف الأوروبي عند رسم حدود القارة بجعلها تنتهي عند البحر الأحمر؛ الأمر الذي أدى إلى انتزاع شبه الجزيرة العربية واستبعادها من قارة إفريقيا، وحال دون التحام شعوب شبه الجزيرة العربية بأقرانهم على الجانب الأخر من البحر الأحمر، وجعلهم جزءاً من غرب آسيا، على الرغم من أن ما يربط العرب بإفريقيا أكبر بكثير مما يربطهم بآسيا من ناحية.

وبرغم أنّ تلك التوصيفات الجغرافية التي قادت إلى ذلك كله هي نتاج توصيفات جغرافية تعسفية، ناجمة عن نزعة أوروبية متمركزة حول الذات، مثلها في ذلك - من وجهة نظر علي مزروعي - مثل اعتبار أوروبا تقع فوق إفريقيا على الخريطة وليس تحتها، وكذلك الحال في مسميات (الشرق الأوسط) و (الشرق الأقصى) التي بدورها تقوم في جوهرها على اعتبار أوروبا هي مركز الكون ومحوره، وما عداها يقاس عليها[26].

وللتحرر من القيود سالفة البيان؛ يؤكد الدكتور علي مزروعي ضرورة التخلص من التعريفات والمسميات التي خلفتها السياسات الأوروبية بأبعادها ومستوياتها المختلفة، والبحث عن تعريف جديد لقارة إفريقيا، يجعل من شبه الجزيرة العربية جزءاً من القارة؛ الأمر الذي سوف يساعد بدرجة كبيرة على تجاوز مشكلة الهوية في دول الشمال الإفريقي، والتي تتعلق بسؤال الانتماء: إلى إفريقيا أم إلى عرب آسيا؟ فمثل هذا التساؤل لن يكون له محلٌ في حالة انضمام شبه الجزيرة العربية إلى إفريقيا، علاوة على ما سيمثّله ذلك الانضمام المكاني والسكاني من ثقل ودعم لقدرات الجانبين في ظلّ عالم يتأثر فيه الأفراد وإدراكهم لأنفسهم بطبيعة القارة والإقليم الذي ينتمون إليه ويرتبطون به، ومن هنا جاءت دعوة علي مزروعي إلى قيام وحدة جغرافية بين المنطقتين تحت ما يُعرف باسم (أفرابيا)[27]، والتي تتطلب - من وجهة نظره - إعادة تعريف القارة وحدودها؛ لعلاج ذلك التشوّه الحضاري الذي أحدثه التعريف الأوروبي لها[28].

وللدلالة على أثر التصور الثقافي في الانتماء والتوجّه المكاني، وتأكيداً لمقترحه بشأن تجاوز الفجوة المكانية بين العرب والأفارقة بجسر ثقافي، يستشهد مزروعي بمثالين دالين في هذا الصدد:

أولهما: إثيوبيا هيلاسيلاسي: التي ظلت طويلاً - حتى الخمسينيات من القرن العشرين - تطرح نفسها دولة شرق أوسطية أكثر منها دولة إفريقية، إلا أنه مع تبنّي الإمبراطور الإثيوبي نفسه سياسة إعادة أفرقة إثيوبيا؛ فإنه سرعان ما تصاعد الإدراك الذاتي للشعب الإثيوبي بالانتماء لإفريقيا، وصارت مقرّاً لمنظمة الوحدة الإفريقية (ومن بعدها الاتحاد الإفريقي)، وفاعلاً إقليميّاً رئيساً في قضايا القارة.

والمثال الثاني: هو المثال المصري: حينما جعلت مصر الدائرة الإفريقية واحدة من الدوائر الرئيسة لحركة السياسة الخارجية، وأعادت اكتشاف ذاتها الإفريقية في الخمسينيات أيضاً من القرن العشرين.

فإذا كانت إثيوبيا ومصر قد استطاعتا - بدرجة أو بأخرى من النجاح - إعادة اكتشاف ذاتيهما الإفريقية، فإنه تبقى الآمال قائمةً بشأن إعادة النظر في هوية شبه الجزيرة العربية؛ خصوصاً أنّ جوانب التشابه الثقافي بين إثيوبيا وبقية القارة الإفريقية ليست أكثر - بحال من الأحوال - من التشابه الثقافي بين شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية[29].

وتجدر الإشارة إلى أنّ علي مزروعي قد علّق آمالاً كبيرة على استكمال تحرّر جمهورية جنوب إفريقيا؛ باعتبار أنه سيدعم إمكانيات التفاعل بين الجانبين (العربي والإفريقي)، وسيُحدث قدراً من التوازن في العلاقة بين الجانبين (العربي والإفريقي)؛ وتغير الصورة النمطية للعلاقة ما بين مانحٍ ومتلقٍ، في ظلّ الإمكانيات الاقتصادية والتكنولوجية لجمهورية جنوب إفريقيا[30].

خاتمة:

لا شك أنّ مزروعي كان سبّاقاً في العديد من الرؤى والخلاصات التي توصّل إليها في علاقات (الشمال والجنوب) وعلاقات (الجنوب والجنوب)، والتي تندرج في إطارها العلاقات (العربية الإفريقية).

وكان محقاً في البحث عن مدخل ثقافي يتجاوز به الفالق الجيولوجي الفاصل بين إقليم القارة الإفريقية وامتداده الطبيعي في شبه الجزيرة العربية، إلا أنّ مجريات الأحداث على الساحة الإفريقية خلال العقدين الماضيين، وعلى الساحة العربية خلال السنوات الماضية، تشير بدورها إلى حقيقة مقابلة، وهي أنّ ما يُعدّ في نظر البعض من الركائز والفرص وضرورات للعلاقات؛ قد يوظفه آخرون في الاتجاه المضاد؛ بالتوقف عند الجوانب المظلمة في تلك الركائز وتضخيمها، ولا أدلّ على ذلك من العبث بالفوارق الدينية والاقتصادية والعرقية والحضارية... داخل المنطقتين وبينهما لإثارة النزاعات الداخلية والبينية.

وعليه؛ فإنه لا يكفي توفر تلك الركائز والضرورات لقيام علاقات إيجابية فاعلة بين الجانبين؛ بل يتعين العمل - قبل ذلك ومعه - على بلورة وعي مشترك بالجوانب الإيجابية  للتعاون، وما لم يتم ذلك؛ فسيظلّ كلّ طرف ينظر للطرف الآخر بما توفر له من عدسات خارجية (غربية بالأساس) أو تاريخية (جامدة غالباً)؛ لن تتفق بالضرورة ومصالح الطرفين.. وهنا نتساءل مع العلامة علي مزروعي: هل يَرْتقُ الوعيُ الثقافيُّ ما مزّقته الجيولوجيا والأهواء الضيقة؟!

* هذا المقال: هو جزء منقّح ومزيد من مقال د. محمد عاشور: (العلاقات العربية الإفريقية في كتابات الرواد: دراسة تحليلية لبعض كتابات الأستاذين عبد الملك عودة وعلي مزروعي)، نُشر في العدد 29 من مجلة البحوث والدراسات العربية، يوليو 1998م.

[1] Ali A. Mazrui, Afrabia: Africa and the Arabs in the new world order, Fahamu, vol. xx., no. 111, 1992, pp 51:61.

وقد تمّت ترجمة هذا المقال في كتاب حمل عنوان: (إفريقيا والإسلام والغرب)، القاهرة: مركز دراسات المستقبل الإفريقي، 1999م.

[2] تم الاعتماد بصفة أساسية على المصادر الآتية:

Ali A. Mazrui, Afrabia: Africa and the Arabs in the new world order”, Fahamu, vol. xx., no. 111, 1992, pp 51:61.

Ali Mazrui, Afro-Arab crossfire: between the flames of terrorism and the force of Pax-Amricana,Occasional Paper no.6, Development Policy Mangement Forum (DPMF): Addis Ababa, 2002.

[3] Ibid, p. 16.

[4] علي مزروعي - ترجمة صبحي قنصوه -: الأفروعربية: إفريقيا والإسلام والغرب، في: علي مزروعي - ترجمة صبحي قنصوه وآخرين -: قضايا فكرية: إفريقيا والإسلام والغرب، القاهرة: مركز دراسات المستقبل الإفريقي، 1999م، ص (143 – 145).

 [5]لمزيد حول تلك الفكرة، انظر:

Ahmed Ali Salem, The Islamic Heritage of  Mazruiana, (in) Parviz Morewedge (ed.), The Thought and Experience: A Bibliographical Festschrift in Honor of Ali Mazrui (Binghmton, NY: Institute of Global cultural Studies, 2001), pp 63:101.

[6] ناقش علي مزروعي في كتابه (الأفارقة: الميراث الثلاثي) أصل كلمة (إفريقيا) متتبعاً الآراء الخاصة بأصولها في اللغات المختلفة، لا سيما اللغة البربرية واليونانية واللاتينية القديمة، ويخلص إلى أنّ الراجح - من وجهة نظره - أنّ أصل الكلمة قد يكون لاتينياً من اللفظة Aprica  بمعنى (مشمس)، وربما كان يونانياً من لفظة Aprike  بمعنى (لا برد)، ويعتقد مزروعي أنّ العرب قد قاموا بتعريب اللفظ بعد ذلك إلى (إفريقيا) بدلاً من (أفريكا)، وأنّ - أيّاً كان مصدر الاسم - الأصلين ارتبطا بالشمال الإفريقي، وأسهما في تعيين هوية القارة ككل. انظر:

Ali A. Mazrui, The Africans:a triple heritage , London: BBC publications, 1986, p 25.

[7] Ibid., p23 Mazrui, Afrabia…, op.cit, p. 54.

[8] علي مزروعي، مرجع سابق، ص (144 – 145).

[9] السابق، ص 144.

[10] المرجع السابق، ص (147 - 148)، وأيضاً انظر: Mazrui, op.cit, pp 28:32

[11] Idem.

[12] Ibid, p 32.

[13] مزروعي، ص 153.

[14] Mazrui, Afrabia…, op.cit, p.61.

[15]جدير بالبيان: أنّ مزروعي قد تناول هذا القيد خلال فترة التسعينيات من القرن الماضي متأثراً في ذلك بالصدع العربي الذي نجم عن الغزو العراقي للكويت وما ترتب عليه من تداعيات داخلية وإقليمية ودولية، وبرغم مرور أكثر من عشرين عاماً على ذلك الحدث؛ فإنّ التحليل ما زال له بريقه وصداه الواقعي في ضوء ما يشير واقع العالم العربي الراهن (2014م).

[16] المرجع السابق، ص 145.

 [17]انظر: محمد عاشور: التناسخ الإمبراطوري وضرورات التعاون العربي الإفريقي، بحث مقدم لندوة العلاقات العربية الإفريقية، سبها: جامعة سبها، 2005م.

[18] نفسه.

[19]راجع: Ali A. Mazrui, Afrabia….,op.cit, pp 61-62

Ali Mazrui, Afro-Arab crossfire…. op.cit, pp 4:5.

[20] Mazrui, Afro-Arab crossfire…, op.cit, pp 5:6.

[21] راجع: علي مزروعي، مرجع سابق، ص 153.

[22] من المفارقات أنه من بين 1500 دواء تمّ التوصل إليه ما بين عامي (1974م حتى 2004م) لم يزد عدد الأدوية الخاصة بأمراض المناطق الاستوائية عن عشرة أدوية، انظر:

James Surowiecki, Ebolanomics,New York magazine, 25/8/2014 at:

http://www.newyorker.com/magazine/2014/08/25/ebolanomics

 ولمزيد حول الموضوع وما يكتنفه من صفقات وحسابات راجع مختصر الكتاب الآتي:

Leonard G.Horowitz, Emerging Viruses: Aids & Ebola Nature, Accident or Intentional? At:

http://www.ethosworld.com/library/Leonard-G.-Horowitz-Emerging-Viruses-AIDS-&-Ebola-Nature,-Accident-or-Intentional-(1996).pdf

وانظر كذلك: Don’t be scared, be angry: the politics andethics of Ebola. At:

file:///D:/Users/z8567/Downloads/hoo01191%20(1).pdf.

[23] Mazrui, Afro-Arab…., op.cit, pp 4-6.

[24] مزروعي، مرجع سابق، ص 153.

[25] نفسه.

[26] عالج مزروعي تلك الفكرة باستفاضة في كتابه (إفريقيا الميراث الثلاثي)، فتحت عنوان: (أين إفريقيا؟ العالم من منظور أوروبي) ناقش علي مزروعي دور أوروبا الفاعل في تحديد تعريف القارة الإفريقية بحدودها وعناصرها وأجناسها، وأثر التحيز الأوروبي في هذا المجال. للمزيد انظر: Mazrui, The Africans…. op.cit, pp23:28.

[27] ترجمها البعض إلى (الأفروعربية)، إلا أنّ تلك الترجمة لا تعبّر عن مراد علي مزروعي؛ لأنها – أي الأفروعربية - تشير إلى كيانين منفصلين، في حين أنّ غاية (أفرَابيا) عند مزروعي هي انصهار النطاقين معاً؛ ليشكلا معاً نطاقاً جديداً متميزاً. راجع: صبحي قنصوه: قضية الهوية وأثرها على الإدراك الإفريقي للعالم العربي، بحث مقدّم إلى ندوة العلاقات العربية الإفريقية، القاهرة: المركز العربي الإفريقي للدراسات والبحوث، 1998م، ص 31.

[28] Mazrui, Afrabia…, op.cit, p 61, Mazrui, The Africans…, op.cit, p 29.

[29] Ibid, p 38.

[30] علي مزروعي، مرجع سابق، ص (154 ، 156).