الشباب.. الطاقة المتجددة في المجتمعات

  • 2 -1 - 2017
  • التحرير


تتنوّع المجتمعات بين مجتمعٍ متطوّرٍ ومتخلّف، ومجتمعٍ ناهضٍ وصاعد، ومجتمعٍ يعيش أتون الصراعات، ومجتمعٍ يعيش مراحل تحوّلٍ فكريٍّ أو اقتصادي، سياسيٍّ أو قِيمَي، وأيّاً كان واقع المجتمع واتجاهه؛ يبقى الإنسان هو العنصر الفاعل المؤثر.

فلا نهوض ولا ارتقاء بأيّ مجتمعٍ دون جهد الإنسان، إنها سنّة الله- عز وجل- في خلقه: ?إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ? [الرعد : 11].

ومع أهمية الدَوْر الذي يؤدّيه أفراد المجتمع كافّة، بطبقاتهم وأجناسهم، يبقى الشباب هُم المحور وأصحاب الدَوْر الفاعل.

فالشبابُ هم النسبة الأكبر في تعداد السكان في الدول المعاصرة، والشباب هُم الأكثر حيويةً وفاعلية، وهُم أكثر فئات المجتمع استجابةً للتغيير، وأسرعها تقبلاً للتحولات، أيّاً كان اتجاه التغيير والتحوّل؛ لذا كان دعاة التغيير في المجتمعات- بكلّ اتجاهاتهم ومدارسهم- يستهدفون الشباب؛ فهُم أسرع تقبّلاً، وهُم أداة انتقال الجديد من متغيرات الثقافة وخصوصياتها إلى عمومياتها.

إنّ الاستثمار في الشباب هو الاستثمار الحقيقيّ في المجتمعات، فهُم القوة الفاعلة والمؤثّرة، وهُم رجال المستقبل؛ فمرحلة الشباب قنطرةٌ وبوابةٌ يمرّ بها الجميع، ومَن يتحكم بهذه القنطرة يتحكّم في مستقبل المجتمع فيما بعد.

ومحورية دَوْر الشباب وأهميته ليست خاصّة بالمجتمعات المعاصرة؛ فعلى مدى التاريخ كان للشباب الدُوْر الفاعل والمؤثّر، فأهل الكهف الذين تناقل الناس خبرهم وشأنهم، قبل نزول القرآن الكريم وبعده، كانوا فتيةً كما ذكر الله- عز وجل-: ?نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَاْ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً? [الكهف: 13 – 14]، واستعلى أولئك الفتية على المجتمع الوثنيّ بإيمانهم وتوحيدهم لله عز وجل، وفضّلوا العيش في الكهف الضيّق على حياة الرخاء والدعة؛ حفاظاً على إيمانهم.. ?هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً? [الكهف : 15].

وفي قصة أصحاب الأخدود، من حديث صهيب- رضي الله عنه- في صحيح مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان مَلِكٌ فيمَن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلمّا كَبِر قال للملك: إنّي قد كبِرتُ فابعث إليّ غلاماً أعلّمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلّمه....»[1]، وذكر من شأن ذلك الغلام وثباته على الحق، ودَعْوته، وإيمان الناس على يديه، وهو لا يزال غلاماً صغيراً، فالساحر حين أراد أن يبقى علمُه من بعده؛ طلب من الملك أن يختار غلاماً يافعاً يعلّمه.

وأتباع الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم- كانوا من الشباب، قال- تبارك وتعالى- عن دعوة موسى- عليه السلام-: ?فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ? [يونس : 83]، قال ابن كثير- رحمه الله- في تفسير هذه الآية: «يخبر- تعالى- أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام، مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات، إلا قليلٌ من قوم فرعون من الذرية، وهُم الشباب، على وَجَلٍ وخوفٍ منه ومن ملئه أن يردّوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر، لأنّ فرعون [لعنه الله] كان جباراً عنيداً مسرفاً في التمرد والعتو، وكانت له سطوة ومهابة، تخاف رعيته منه خوفاً شديداً»[2].

وكذلك كان معظم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم من الشباب؛ فنصف العشرة المبشرين بالجنّة- رضوان الله عليهم- أسلموا وهُم دون العشرين، ومعظم الذين شهدوا بيعة العقبة الثانية من الأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا شباباً، ففي حديث جابر- رضي الله عنه- في روايته لقصة بيعة العقبة: «... ثمّ بَعَثنا اللهُ عز وجل، فأْتمَرْنا، واجتمعنا سبعون رجلاً منّا، فقلنا: حتى متى نَذَرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُطرد في جبال مكة، ويخاف، فرحلنا حتى قَدِمنا عليه في المَوْسم، فواعدناه شِعْب العقبة، فقال عمّه العباس: يا ابن أخي، إني لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك؟ إنّي ذو معرفةٍ بأهل يثرب! فاجتمعنا عنده من رجلٍ ورجلَيْن، فلمّا نظر العباس في وجوهنا، قال: هؤلاء قومٌ لا أعرفهم، هؤلاء أحْدَاث»[3].

وقال ابن كثير متحدثاً عن قصة أهل الكهف :«فذكر- تعالى- أنهم فتية، وهُم الشباب، وهُم أقبل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ، الذين قد عتوا وغشوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم شباباً، وأما المشايخ من قريش؛ فعامّتهم بقوا على دينهم، ولم يُسْلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر- تعالى- عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شباباً»[4].

فجديرٌ بقادة الرأي والمصلحين في المجتمع أن يُعنَوا بالشباب: بإعدادهم، وحمايتهم من موجات التغريب والعولمة ودعوات الضلالة، وأن يفتحوا صدورهم للشباب، فيستمعوا إليهم، ويجيبوا عن إشكالاتهم وما يعرض لهم، وأن يبذلوا الجهد في المشروعات التي تُعنى بالشباب تأهيلاً وتربية، واستثماراً لأوقات الفراغ.

والاستثمار في الشباب؛ لا يؤتي أكله ويحقّق ثمرته ما لم يُضف له الاعتناء بالفتيات والشابات؛ فهنّ الساعد الأيمن، والظهير والمعين.

نفع الله بالجهود، وبارك في الخُطَى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

[1] أخرجه مسلم مرفوعاً، ح (3005)، في الزهد: باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام، وإسناده صحيح على شرط مسلم، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (8/698): (صرّح برفع القصة بطولها حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، ومن طريقه أخرجه مسلم والنسائي وأحمد. ووقفها معمر، عن ثابت، ومن طريقه أخرجه الترمذي)، فسياق حديث معمر ليس فيه صراحةً أنّ هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما قال الحافظ ابن كثير في تفسيره، وقال: (قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المِزِّي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى)، تفسير ابن كثير، (8/368).

[2] تفسير ابن كثير، (4/ 287)، تحقيق سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2 1420هـ / 1999م.

[3] أخرجه أحمد في المسند، ح (14653)، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة – 1421هـ / 2001م.

[4] تفسير ابن كثير، (5/140).