الشباب الإفريقي.. والعبودية من جديد!

  • 2 -1 - 2018
  • تحرير المجلة


مشهدٌ مؤلم.. ذلك الذي عرضته فضائية ((CNN الأمريكية، لمزاد علني يُباع فيه «الإنسان» بسوق «نخاسة»، عن طريق النخّاسين الجُدد تجّار البشر.. نعم! في القرن الحادي والعشرين يعود بنا هؤلاء إلى القرون الماضية، يعودون بنا إلى هوّةٍ سحيقة، تُنتهك فيها كرامة الإنسان المعاصر، بل تُنتهك الإنسانية كلها، بأفظع مهانة، وهي التجارة بالبشر.

وكان تقرير شبكة CNN، الذي فضح جريمة بيع المهاجرين في ليبيا، قد نشر «مشهد فيديو» قصير، التُقِطَ بكاميرا هاتف جوال، يظهر فيه شابان يُعرضَان للبيع في «مزاد علني»، لاقتيادهم للعمل في مزرعة، أحدهما من نيجيريا يبلغ من العمر عشرين عاماً، وقد أوضح معدُّ التقرير أنّ الشابَيْن بِيعَا بمبلغ (1200) دينار ليبي، أي ما يعادل (400) دولار لكلٍّ منهما.

على إثر ذلك؛ قرّرت شبكة CNN إرسالَ فريقٍ خاصٍّ إلى ليبيا للتأكّد من صحّة الفيديو، ولإجراء مزيدٍ من التحقيقات، وكانت الطامّة الكبرى، ليس فقط في تأكّد الشبكة من صحّة الفيديو، لكن في انتشار مزادات بيع الأفراد، من أجل العمل في مهنٍ مختلفة، حيث يتجمّع التجار لاختيار الشخص الذي يرغبون في اقتنائه، مقابل مبلغ من المال يختلف من شابٍ لآخر؛ حسب بنيانه ومؤهّله وقدرته على العمل ومهنته.. وقد حصلت الشبكة على أدلةٍ وشهادات تؤكّد أنّ «مزادات النخاسة» هذه تتم في ثماني مدن ليبية- على الأقل-.

ولم تكن شبكة CNN أول وسيلة إعلامية تتطرق إلى ما حدث للمهاجرين في ليبيا، ففي أبريل 2017م؛ أوردت صحيفة الجارديان خبر بيع مهاجرين أفارقة في «أسواق الرقيق» في ليبيا، استناداً إلى معلومات من المنظّمة الدولية للهجرة، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، كذلك أشارت رويترز في شهر مايو المنصرم إلى أنّ ليبيا صارت مسرحاً لـ«تجارة الرقيق».

ليبيا.. البلد المنكوب، الذي مزّقته الصراعات، سيطرت عليه الميليشيات، وغاب عنه القانون، بل غابت عنه الدولة نفسها!

تلك الفيديوهات والتقارير، التي وثّقت بيع شباب إفريقي في ليبيا، وبثتها ونشرتها كثيرٌ من الفضائيات نقلاً عن ((CNN الأمريكية مؤخّراً.. أعادت علينا حكايات عبودية القهر القديمة، والمظالم التي كانت تُمارس في حقّ النّاس، وسرقة البشر للعمل عبيداً في مزارع أوروبا وأمريكا.

وبالرغم من شعارات العصر الحديث، وحصول الاستقلال، لم تتخلص إفريقيا المسكينة الفتية من ظلم الماضي، فما تزال تتعرّض لأنواعٍ شتّى من الجرائم والانتهاكات للإنسان، والطبيعة والموارد، والحقوق والكرامة.

تعرّضت القارة على مدار تاريخها إلى الاستغلال بأبشع صُوره، لكنه هذه المرّة تخطّى حواجز الثروات والجمادات، ليصيبَ الإنسان نفسه، ونحن في بدايات «الألفية الثالثة»، حيث تُعاد علينا مشاهد عبودية القهر المقيتة، المتمثلة في خطف الإنسان وبيعه.. «وأيُّ إنسان؟!».. إنهم الشباب، روح الأوطان، ووقودها، وطاقاتها، وثروتها الحقيقية!

شبابٌ هجَرَ وطنه وأهله وأسرته، وباعَ ما يملكه، واستدان هو وأسرته، من أجل المجهول الذي لا يعرف كنهه!.. هجرة إلى أوروبا لا يعلم مصيره فيها، فإنّ هو نجا من الموت غرقاً فقد يقع في يد عصابات لا ترحم، هجرة يقصدها معتقداً أنّ «جهنم أوروبا» أفضل من «جنّة إفريقيا».. لكنّ النخاسين الجُدد قطعوا عليه حتى حُلْمه قبل أن يبدأ، فاختطفوه، ثم باعوه..!

تعرّضت القارة على مدار تاريخها إلى الاستغلال بأبشع صُوره، لكنه هذه المرّة تخطّى حواجز الثروات والجمادات ليصيبَ الإنسان نفسه،... حيث تُعاد علينا مشاهد «العبودية المقيتة»

«الهجرة غير الشرعية» تعدّ في حدّ ذاتها جريمة، لكننا عندما نتحدّث عنها ننسى السبب الرئيس لها، وهو الغرب وسياساته، الغرب الذي ما يزال ينظر للقارة بأرضها وشعوبها على أساس أنها مِلْكٌ وَرِثَه عن أجداده، وأنهم يقدّمون خدمةً لأبنائها بتعليمهم أُسس الحضارة والمدنية؛ مقابل الالتزام التامّ بالاستغلال والانتهاكات!

كذلك لا يغيب عنّا: فشل الأنظمة السياسية الإفريقية في توفير حياة كريمة للشعوب، حيث طال الفسادُ كلَّ شيء.. حتى التربة والهواء، وأصبح يشكّل منظومات متكاملة؛ لها دولٌ تحميها وتدافع عنها.

عندما تُنهب ثروات البلاد، ويذهب خيرها إلى دول الغرب المحتل، والذي ما تزال سطوته تطال كلّ مستعمراته السابقة، عندها.. لا يجد الشبابُ أمامَهم فرصاً للحياة الكريمة، أو العمل، أو حتى توفير قوت يومه وقوت أسرته، هنا يتّخذ أصعبَ قرار، وهو الهجرة إلى المجهول، الهجرة إلى ما لا يعلمه ولا يدرك عواقبه، وهو يعلم يقيناً أنّ فرص نجاته تقترب من الصفر، هذا فضلاً عن الإذلال، أو الاغتصاب، أو التجويع، أو المهانة التي يتعرّض لها، وأخيراً.. الخطف على يد عصابات التجارة بالبشر؛ ليباع عبداً مهيناً.

يخرج الشباب وَهُم لا يجدون أمامَهم مستقبلاً يشعرون فيه بالأمان والحرية، ولا يملكون حتى القدرة على الأحلام، فضلاً عن تحقيقها، عندها يتّخذ قرار الهجرة، ولا يعلم مصيره، حتى إنه إن نجا من الغرق، ومن تجّار البشر، فلا يعلم مصيره في بلدان أوروبا، أو بلاد العمّ سام، التي تنظر لدولنا وشبابنا بوصفهم سلعاً تُباع وتُشترى وتُستغل..

خيارات صعبة وخطيرة:

بحسب التقارير الأخيرة، التي أعلنتها الأمم المتحدة، هناك الكثير من الانتهاكات التي تحدث لهؤلاء المهاجرين في مراكز الاحتجاز، منها: العمل القسري، والاعتداء الجنسي، والتعذيب الذي قالت الأمم المتحدة إنه منتشرٌ على نطاقٍ واسعٍ في هذه المراكز.

وذكرت المنظّمة الدولية للهجرة: أنّ هناك ما بين (700 ألف - إلى مليون) مهاجر في ليبيا، لقي أكثر من (200) ألف منهم مصرعهم غرقاً في البحر المتوسط.

إنّ جريمة «الهجرة غير الشرعية» هي مسؤولية أنظمة محلية وعالمية، جعلت الدول والشعوب والشباب كلأً مستباحاً.

وحقيقة الأمر: أنّ القضية لا تحوي تلك المشاهد الصادمة فقط، فالصورة أكبر من ذلك، فإن كانت هذه نخاسةً ظاهرة، فهناك النخاسة المستترة؛ حيث تُباع الأوطان والشعوب بأكملها، بأبخس الأثمان حيناً، وبلا ثمن أحياناً كثيرة.

فهناك الاستغلال الجشع لإفريقيا، دولاً وشعوباً، لخيراتها.. لثرواتها.. لشبابها، من قِبَل الدول الغربية ووكلائهم في تلك الدول، فإفريقيا من أغنى القارات بالرغم من الفقر البادي للعيان، فهي تملك أعظم الثروات الزراعية، والموارد المادية، والثروات المعدنية والنفطية، والمعادن النفيسة، والعناصر النادرة، وفوق ذلك موارد بشرية فوق الحصر.

لكن الغرب لا ينظر إلى إفريقيا إلا بوصفها منجماً أو مغارة، ينهبها ليُشبعَ نهمَه وطمعَه، وظلّ على ذلك طوال فترات احتلاله لدول القارة، وعندما حمل عصاه ورحَلَ لم يترك الأمر لأصحاب الحق، بل وكَّلَ عنه مَن يحمل إليه خيرات بلاده، فما تزال خيرات إفريقيا تصل إلى خزائن دول الاحتلال الغربي، وما بقي يُوزع على المحتلين الجُدد الذين أتوا إلى القارة تحت مظلة «التّعاون» و«المساعدة» و«الاستثمار»؛ حتى يُجهزوا على البقية الباقية.

وما بقي من فتات؛ فهو يصل إلى جيوب الوكيل المحلّي الجشع، الذي قدّم مصالحه ومصالح عُصبته الخاصّة والضيّقة على مصالح أمّته وشعبه، فصارت المحصلة أنّ ثروات إفريقيا بقيت لقمةً سائغةً- كما كانت- للمحتل السابق.

وما ذكرناه هنا عرَضاً؛ سيجد القارئ تفصيلاً لصورٍ منه في هذا العدد، من خلال مقالَيْن، هما: «النُّفايات الخطرة في إفريقيا: المخاطر وتحدّيات الحماية البيئية»، ومقال: «إفريقيا: بين إشكالية استنزاف الموارد وتحدي التنمية».

ردود أفعال.. ولكن:

لا يفوتنا أن ننوّه إلى ردود الأفعال العالمية والإقليمية الغاضبة من هذه الظاهرة المقيتة، حيث خرج النّاسُ للتظاهر في دولٍ عدّة، كفرنسا وغيرها.

وقد تداعت المنظمات الدولية والإقليمية- كالعادة- للتنديد بعد وقوع الجرائم، مثل منظمة الهجرة الدولية، وعبّرت الأمم المتحدة عن «صدمتها».

كما أصدر رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي «موسى محمد» بياناً؛ ندّد فيه بعملية طرح المهاجرين في مزادات علنية، ووصف الأمر بـ«الحقير»، كما طالب الرئيس الغيني ورئيس الاتحاد الإفريقي «ألفا كوندي» بـ«ملاحقات قضائية».

وتمّت مناقشة الموضوع على جدول أعمال القمّة الإفريقية الأوروبية، التي انعقدت في كوت ديفوار يومي 29 و30 من نوفمبر، بناءً على طلب النيجر.

كما عبّر الكثيرون من مشاهير الأدب والفنّ والرياضة الأفارقة عن «استيائهم».

وعلى صعيدٍ آخر؛ صرّحت حكومة الوفاق الليبية بإجراء «تحقيق» في انتشار هذه التجارة..

لكن هذا يبقى صوتٌ بلا فعل، ومُسكّن للألم، وليس علاجاً يداوي ويمنع تفاقم الظاهرة.

أمام هذه الجرائم التي لا تنتهي، يُقضى على أمل الشباب بإفريقيا في بناء مستقبلٍ مشرق، إذ لا يجد أمامه غير المجازفة بالتفكير في الهجرة غير الشرعية، حتى إن كانت ستنتهي بهم إلى الضياع.. يتمّ استغلاله، أو يُباع ويُشترى، أو يموت غرقاً أو جوعاً، فالمهم عنده فقط الهروب من الظلم أو الحرمان المحيط به في وطنه!

فلماذا تفرّط إفريقيا في رأس مالها (الشباب)؟!

ومن المسؤول عن وضع الشباب الإفريقي أمام هذه الخيارات الصعبة؟!