الرواية الشفوية وصنعة التاريخ.. ملاحظات أوليّة

  • 4 -4 - 2018
  • أحمد الشكري

أ.د. أحمد الشكري 

(إذا لم تكن راضياً عن السيرة التاريخية التي كتبها الآخرون عنك ولك؛ فاكتب تاريخك الخاص).

         الروائي النيجيري شينوا أشيبي/ Chinua Achebe, 1958

تمهيد:

خلال العقود الثلاثة الماضية أُتيحت لنا فرصة الانغماس في تاريخ إفريقيا الغربية، أو ما كان يُعرف باسم «بلاد السودان»[1] لدى أصحاب المصادر العربية القروسطوية، ولمّا كانت «الرواية الشفوية» أحد المصادر الأساسية في كتابة تاريخ المنطقة؛ فقد وجدنا أنفسنا متوثّبين للاستفادة من العناصر الإخبارية التي توفّرها، ومتوجّسين في كيفية استغلالها والتفاعل معها وفق مقتضيات صنعة التاريخ؛ كما الشأن بالنسبة لباقي المصادر، محلية أو أجنبية، ونتيجة لهذه التجربة الفريدة تهيأت لنا مجموعة من الملاحظات، نود استعراضها بغرض إخصابها.

تُطلعنا مجموعة من الدراسات على أنّ بعض القبائل المنتمية لإفريقيا جنوبي الصحراء قد عرفت الكتابة منذ بداية التاريخ الميلادي، وإذ نسجل هذه الحالة الاستثنائية؛ فإنّ الظاهرة العامّة والمهيمنة لدى شعوب المنطقة إلى غاية دخول الاستعمار الأوروبي، عند ملتقى القرنَيْن 19 و20م، تشي بأنّ منظومة الثقافة الشفاهية ظلّت متحكّمة في جلّ مناحي الإنتاج المعرفي: تاريخ، شعر وأدب، طب، هندسة.. إلخ.

صحيحٌ أنّ الثقافة العربية الإسلامية كانت لها مساهمةٌ فعّالة في بلورة صنعة التأليف لدى فئة من الفقهاء المنتمين لبلاد السودان أو «إفريقيا الغربية» بحسب الاصطلاح المعاصر، وذلك منذ نهاية القرن 15م، على أنّ هذه المبادرة لم تتمكن من تقعيد تقاليد التأليف بالمنطقة وترسيخها، ولربما جاءت لتثبيت تقاليد الرواية الشفوية في انتظار تقعيد صنعة التأليف والتدوين!

ما طبيعة «الرواية الشفوية»؟ وكيف تبلورت قصة الصراع ما بين منظومة «الرواية الشفوية» مع منظومة تقاليد التأليف، التي انتهت بتقدير «الرواية الشفوية»، مما جعلها تتبوأ مكانةً أساسية ضمن لائحة مصادر تاريخ إفريقيا منذ مطلع القرن العشرين؟

بعض الخلاصات العامّة:

 إنّ مجموع المواد المصدرية المتعلّقة بتاريخ بلاد السودان- إلى نهاية ق19م- تعاني من فقرٍ مدقع، ذلك أنّ مُحصّلتها لا تطرح من المعلومات ما يساعدنا على إزاحة الظلال الكثيفة المحيطة بتاريخ المنطقة، مما يعيق بشكلٍ جديٍّ كلّ محاولة تستهدف القبض على اللحظة التاريخية السودانية في أبسط مقوّماتها، فأحرى أثناء غليانها في ظلّ الفسيفساء الإثنيّ والسياسيّ لبلاد السودان؛ خصوصاً قبل ق10م، ثم بعد نهاية ق16م.

وإذا اقتصرنا على الفترة المتراوحة ما بين القرنَيْن 8 و18 للميلاد؛ فيمكننا تصنيف المواد المصدرية إلى قسمَيْن أساسيَّيْن:

- «المصادر المحلية»: تشمل- بجانب الرواية الشفوية والآثار المادية- كلّ ما أنتجه ودوّنه السودان بغاية التصنيف التاريخي، جزئيّاً أو كليّاً، عفواً أو قصداً.

-  «المصادر الأجنبية»: كلّ ما خلّفه العرب والأوروبيون من كتاباتٍ ذات الصلة بتاريخ إفريقيا.

وحين النظر إلى الوعاء المصدري، في سياق التصنيف المنوّه به، يمكننا القول- دون أن نخشى خطأً فادحاً في التقدير-: إنّ المواد المصدرية الأجنبية تتفوق من حيث القيمة الكمية والاعتبارية على المصادر المحلية، على الأقل في صيغتها المدوّنة، ولعلّ في هذه الحالة النادرة والمربكة ما يفسّر- إلى حدٍّ بعيد- ذلك الجموح الجارف للدارسين والمختصين في عملية البحث والتقصّي عن المصادر المتعلقة بمجال دراستنا (بلاد السودان)، سواء كانت محلية؛ أو تلك التي كُتبت في مناطق مختلفة من العالم، وتضمّنت إشارات تاريخية حول الأرض والإنسان السودانيَّيْن.

وجرت العادة في الدراسات الأكاديمية المتعلقة بتاريخ بلاد السودان بوضع ترتيبٍ لمختلف المواد المصدرية على النحو الآتي:

1) المصادر العربية.

2) المصادر الأوروبية.

3) المصادر السودانية المدوّنة.

4) الرواية الشفوية.

5) الأعمال الأركيولوجية.

هذا الترتيب يسترشد في أساسه بالمعيار الزمني ليس إلا؛ ذلك أنه منذ (ق2ه إلى نهاية ق9ه/ق8-15م) احتكرت المصادر العربية جلّ معلوماتنا وأهمّها عن المنطقة، وقفزت المصادر الأوروبية للصدارة على امتداد (ق10ه/ق16م)، وزادت قوة احتكارها لها مع توالي العقود والقرون، وأخذت المصادر السودانية المدوّنة تفرض نفسها تدريجيّاً حتى اشتد عودها خلال (ق11هـ/ق17م).

وأما شأن الرواية الشفوية السودانية، ونتائج الأعمال الأركيولوجية[2]، فلم يكسبا موقعيهما- كشواهد دالة- في خريطة المواد المصدرية إلا في نهاية القرن 19م والفترات التالية، علماً أنّ قصدنا من استعمال «الرواية الشفوية» يشير إلى اعتمادها بشكلٍ مقصودٍ وواعٍ في الدراسات الأكاديمية، وإلا فإنّ الكثير من معلوماتنا عن بلاد السودان، سواء بالنسبة للمصادر العربية أو الأوروبية قبل متم القرن 18م، إنما مصدرها رواية شفوية، تمّ إخضاعها لأحكام التقاليد الجارية في ثقافة التدوين.

في تقديم الرواية الشفوية الإفريقية:

لم يعد أحدٌ يجادل في أهمية «الرواية الشفوية» بوصفها مادةً أساسية ضمن لائحة مصادر تاريخ إفريقيا جنوبي الصحراء، وغنيٌّ عن البيان كذلك أنّ الداعي لاعتماد كلّ أثرٍ إنسانيّ (سواء كان شفاهيّاً أو مدوّناً أو رسماً أو نحتاً أو عمارةً أو أيّ مادة صامتة أخرى) شاهداً على قضيةٍ تاريخيةٍ ما؛ إنما يستوجب قبل اعتماده إجراء دراسة نقدية لتأمين سُبُل اعتباره؛ بغرض بيان مصداقيّته أو استبعاده.

وعلى الرغم مما راكمته التجربة العربية عموماً في حقل الدراسات الإفريقية؛ فإنّ الدرس العربي ما يزال غير قادرٍ على استغلال الرواية الشفوية[3]، وليس في هذا الاعتراف ما يُحرجنا[4]؛ بقدر ما يحفّزنا على تلمّس الإمكانيات المعرفية والمادية المتوفرة للمشتغلين في حقل الدراسات الإفريقية؛ بالمغرب أو في غيره من الأقطار العربية.

المادة المصدرية المعتبرة، شفاهية أو مدوّنة أو صامتة، تـُعَدُّ بمثابة إكسير السعادة لدى المؤرخ، من ثمّ؛ فإنّ مختلف الشهادات المصدرية- كيفما كان نوعها وطبيعتها- هي مكمّلةٌ بعضها لبعض

الواقع؛ أنّ الدرس العربي المتعلق بإفريقيا ما يزال عالةً على الدراسات الأعجمية فيما يخصّ استغلال الرواية الشفوية، مما يكبح نموّه الطبيعي. ونأمل أن يبدأ التفكير جديّاً في المسألة إن أردنا تجاوز الوساطة المعرفية في علاقاتنا بامتدادنا الجغرافي جنوباً، ولن يتأتّى لنا ذلك إلا بتعلّم اللهجات واللغات الإفريقية، «[فـ] المؤرخ الذي يدّعي كتابة تاريخ الجماعة بغير امتلاك لغتها؛ مقصّـر حتماً في كتابته»[5].

والمقصود بـ«الرواية الشفوية»: تلك الأخبار المتواترة عن أحداثٍ تاريخيةٍ ماضية غير مدوّنة، يتناقلها الأحفاد عن الأجداد، وتتداولها فئةٌ خاصّة من المجتمع الإفريقي، يُطلق عليها بصفةٍ عامّةٍ اسم الرُّواة (Les Griots)؛ ونجد لدى كلّ شعبٍ من الشعوب الإفريقية قبيل أو فئة خاصّة تحتكر هذه المهنة، وغالباً ما تتحلق حول الأمير الحاكم.

وحسب عددٍ من المختصّين؛ فإنّ هذه الفئات، المتخصّصة في الرواية الشفوية منذ عهودٍ قديمة، لها نظامٌ خاصٌّ وقواعد مضبوطةٌ تحكم مهنتها، الشيء الذي يُضفي نوعاً من المصداقية على رواياتها، ويترتب على ذلك ضرورة التمييز بينها وبين الرواية الشفوية (العادية أو الشعبية) المتداولة بين أفراد المجتمع، والحبلى بالخرافات والأساطير الخيالية.

لقد أُفرغ الكثير من الجهد في التعريف بالرواية الشفوية وقواعدها، وغير ذلك مما له علاقة بنظام أهل الاختصاص فيها (القوّالون أو العرّافون والكهّان) وما شابه.

وهؤلاء الرّواة أو القوّالون: يسمّيهم عبد الرحمن السعدي: «أصحاب الكلام»، بينما أطلق عليهم أحدُ الباحثين المتأخرين: «أرشيف الرواية الشفوية».

ويُطلق على الرواة في اللغات المحلية: (Gewel) بالولوفية، و(Gaol) بالفلانية، و(Dyali) بلغة الماندي أو الماندينغ (Manding). ويظهر أنّ ابن بطوطة قد سمع الاسم الأخير أثناء إقامته بمالي ثم استقصى عنه، فاستعمل لفظاً قريباً مما يتداوله الماندينغ (مؤسّسو دولة مالي منتصف ق13م)، حيث سمّاهم: «الجُلا» (جمع جالي)؛ وأما المصادر البرتغالية فقد استعملت اسم (Gaul)، فيما أطلقت عليهم الكتابات الفرنسية اسم (Griots)[6].

وعلى الرغم مما بُذل من مجهوداتٍ محمودة، على امتداد العقود الأربعة الأخيرة، فإنّ الأطروحات التي يتقدّم بها المنافحون عن الرواية الشفوية ما تزال محاطةً بظلالٍ كثيفةٍ من الغموض، ودون الخوض في التفاصيل الدقيقة؛ يمكننا القول: إنّ هناك ثلاث خصائص أساسية تميّز الرواية الشفوية الإفريقية:

1- افتقار النظر التاريخي السوداني للبعد الزمكاني، وقلّما استعانت الرواية الشفوية بهذين الحدَّيْن (الزمان والمكان) في سرد الوقائع التاريخية وتأطيرها.

2- انتماء المصدر الأصل للرواية (أي المُنتِج لها) للذاكرة الجَمعية للمجتمع، أو لفئةٍ مخصوصة، وليس لمؤلفٍ بعيّنه، ومن ثمَّ يكاد يستحيل العثور على المُنتِج للرواية أو زمن إنتاجها.

3- باعتبار أنّ الرواية ملكية جماعية؛ فإنّ الرّاوية (القـوّال أو صاحب الكلام) لا يزعم لنفسه شيئاً، وقلّما أَظْهَرَ نفسه ولو بوصفه حاكياً، بل نجده يتعمّد لعبة التخفي واتخاذ القناع في تبليغ المعنى للمستمع/القارئ؛ ولئن عادلنا في درجة الاستهلاك ما بين السامع والقارئ؛ فلِأنّ عملية تدوين الرواية الشفوية تجعلها قابلة للاستهلاك من جانبهما معاً[7].

وهناك عناصر أخرى ثانوية تميّز الرواية الشفوية الإفريقية، بيد أنّ ما يستدعي التوقف تلك التخندقات التي ميّزت تفاعل الباحثين المختصّين في معالجتهم لها، مما حمَلَ كلّ فئةٍ بحسب توجهاتها المنهجية على اتخاذ موقفٍ منها.

وتبعاً لذلك؛ برزت ثلاثة اتجاهات أساسية في أعمال المختصين:

الأول: إفريقي خالص: يدفع في اتجاه اعتماد الرواية الشفوية بوصفها مادةً مصدرية أصيلة؛ لا تقلّ مصداقيةً عن المواد المصدرية الأخرى، مما يوجب اعتمادها دون النظر إلى الفترة الزمنية التي تعنيها: العصر القديم أو الوسيط أو الحديث أو المعاصر[8].

والاتجاه الثاني: غربي الأصل: يتزعمه باحثون أوروبيون، مثل جان فانسينا (Jean Vansina)، أو أمريكيون، مثل دافيد روبنسن (Robinson David)، ناهيك عن مؤيدين قد نجدهم من إفريقيا نفسها؛ مثل بُبَكر باري (Boubacar Barry). ويذهب هذا الاتجاه إلى الاعتراف بأهمية الرواية الشفوية في كتابة التاريخ الإفريقي، غير أنه يريد استخدامها في استنطاق التاريخ المحليّ المتعلق بالقرون الثلاثة الأخيرة- على أكبر تقدير- لا غير، أي أنهم يحبذون الاستناد عليها فيما يتعلق بفترة ما بعد منتصف القرن 18م.

وإذا كانت الفئة الأخيرة تجتهد في ترجمة رؤاها وتصوراتها من خلال ما تنتجه من أعمال ودراسات؛ فإننا نجدها في الغالب الأعمّ لا تفصح عن مرادها مخافة المسّ بمصداقية الرواية الشفوية، وتجنباً لكلّ ما من شأنه أن يعرّضها لسهام الفئة الأولى وانتقاداتها.

والحصيلة العَملية والعِلمية لأصحاب هذا التوجّه تؤدي بنا في نهاية المطاف إلى منتصف القرن 18م على أكبر تقدير، فهل التوقف عند هذه «العتبة الزمنية» يعني الشكّ في مصداقية «الرواية الشفوية» المتعلقة بالفترات السابقة؟ أو هو اقتناع من هؤلاء بأنّ الذاكرة الإفريقية عاجزة عن استنطاق التاريخ البعيد عن زمن الرّاوي بأكثر من قرنَيْن من الزمن؟

قد يكون في هذه الأسئلة ما يُغري تطلعاتنا لخلخلة بعض جوانب القضية؛ بغاية تعميق فهمنا لها لا غير، على أنّ اللافت للانتباه بهذا الصدد: أنّ «العتبة الزمنية» التي توقفوا عندها (منتصف القرن 18م) كانت توافق مرحلة تكاثر الشهادات المصدرية المدوّنة، وبخاصّةً منها الأوروبية، مما منحهم رصيداً مُعتبراً من الكتابات الأوروبية حول إفريقيا، ومثل هذا الأمر وفـّر لهذه الفئة شهادات موازية للرواية الشفوية، تصلح أولاً كحدٍّ للمقارنة، وتُؤخذ ثانياً كمقياسٍ لمقاربة ومعالجة مصداقية الرواية الشفوية[9].

أما الاتجاه الثالث: فإنه يعمل على ترسيخ منهجٍ يهدف إلى تغييب الرواية الشفوية؛ مع محاولة الاستئناس بها في قضايا غير ذات أهمية بالغة، أو حينما تنعدم النصوص المدوّنة، ونصبح أمام فراغٍ      وثائقيٍّ فظيع!

ونستشف من هذا النهج موقفاً صارماً من الرواية الشفوية الإفريقية، بيد أنه- مرةً أخرى- لا أحد يصرّح علانيةً بموقفه؛ غير أنّ القارئ المتمرّس لن يجد صعوبةً في الوقوف على هذه الحساسية السّلبية المفرطة تجاه الرواية الشفوية؛ حساسية تتجنّب اعتمادها كلما أمكنهم ذلك؛ دون الخوض في تبرير موقفهم[10].

ويتهيأ لنا- في بعض الأحيان- أنّ استدعاءهم لها للاستئناس؛ إنما هو محاولةٌ ملتويةٌ تتغيّا إقناع المنافحين عن الرواية الشفوية بأنّ استبعادهم لها ليس عن جهلٍ بها وبقواعدها، وإنما عن معرفةٍ دقيقةٍ بكلّ مقتضياتها[11]، ومن أبرز المختصين المتشبّعين بهذا النهج: «جان هانويك» و«جوزيف كيوك» «وديرك لانجي»، وأهمّ ما يَجمع ويميّز هؤلاء الأعلام الثلاثة كونهم من المستعربين الغربيّين؛ ممن يتمتعون بدرايةٍ عميقةٍ باللغة والثقافة العربيتَيْن.

الرواية الشفوية ومقتضيات الفهم:

لا نقصد بهذه المقاربة المسّ بالرواية الشفوية وأهميتها في كتابة تاريخ إفريقيا أو غيرها، لكننا- في المقابل- بحاجةٍ ماسّةٍ لمنظومةٍ فكريةٍ وقواعد موضوعية مقبولة، تنأى بنا عن المبالغة في تقييمها، وتجعلنا في غير حاجةٍ لتبريراتٍ واهية. ويبدو أنّ هذا المطلب لم يُؤثّر بعدُ في نزعات أصحاب الاتجاه الأول، الذي غالباً ما يجنح لتوظيف عبارات بليغة ذات مسحة شعرية، ترمي إلى دغدغة الأحاسيس، دون تقديم أيّ مضمونٍ مفيدٍ في بعض الأحيان.

ونعتقد أنّ «همباتي بَا» قد بالغ في تقييم الرواية الشفوية، وذهب في ذلك مذهباً قصيّاً، خاصّة حينما اعتبر وقدّر أنّ المشكلات التي تعانيها الرواية الشفوية هي نفسها التي عانت منها عملية توثيق الحديث النبويّ وتأصيله! وعلى النحو نفسه؛ نجد «كي- زيربو» يتزعم لائحة الأعلام الذين وظّفوا جميع الوسائل، بما فيها البلاغة الأدبية، للتأثير في القارئ وإقناعه بأهمية الرواية الشفوية.

لا نقصد بهذه المقاربة المسّ بالرواية الشفوية وأهميتها في كتابة تاريخ إفريقيا أو غيرها، لكننا- في المقابل- بحاجةٍ ماسّةٍ لمنظومةٍ فكريةٍ وقواعد موضوعية مقبولة، تنأى بنا عن المبالغة في تقييمها

 وما يأسرنا في هذه المسألة أنها تجد صدًى واسعاً لدى العديد من الباحثين، مما يوسّع دائرة التأثير والتخدير البياني أو السحر البلاغي، وقد جرت العادة في هذا الباب باستغلال المقولة المشهورة لكي- زيربو، ومنطوقها: «إنّ تاريخ إفريقيا جنوب الصحراء يتميّز بقلّةٍ نسبيةٍ من حيث المصادر المدوّنة، ويمكن أن يتحوّل النقص إلى عنصرٍ إيجابي، وذلك بالتخلّص من الأثر السلبي للنصّ المكتوب»[12]! والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: متى كان هذا النقص- الذي نراه فادحاً- عنصراً إيجابيّاً، بل كيف يُعقل مثل هذا الكلام في ظلّ المعاناة التي يكابدها الدارسون يوميّاً بغاية البحث عن مصادر جديدة لتاريخ بلاد السودان، والعمل على تحقيقها ونشرها؟! وما دمنا تحت مظلة السحر البياني؛ فإنّ المستمتعين به سيسعدون لا محالة بما استجد من المصطلحات الدالة على الرواية الشفوية أو المأثور الشفاهي الإفريقي في الدراسات الأدبية والفلسفية: ORATURE ou ORALITURE.

وفي هذا الباب؛ تستوقفنا بعض الخلفيات التي حفّزت جيل الرواد- من الباحثين الأفارقة- على اعتماد الرواية الشفوية، وتأكيد أهميتها في خريطة مصادر تاريخ إفريقيا، فقد كانت من الخلفيات الأساسية مسألة كتابة التاريخ المحليّ المهووسة بالردّ على الخطاب الاستعماري، أو البحث عن الزعيم التاريخي المحلّي، أو العمل على تأصيل جذور الدولة الوطنية... إلخ.

بموازاةٍ مع ما تقدم؛ نسجّل أنّ ميل الفئة الأولى، الرامي إلى تصيّد وفضح الثغرات الحافة بالنصّ المدوّن، لا يمكنه أن يزيد في قيمة الرواية الشفوية، أو أن يرتقي بها إلى مستويات تحصّنها من عملية النقد التاريخي المعتمد، إذ إنّ اتباع مثل هذا النهج التبريري لن يفيد الباحث بشيءٍ جدّي، ولذلك لن نجد واحداً من المختصّين في النصوص المدوّنة يستحضر الثغرات التي تحفّ بالذاكرة البيضانية (= الشنقيطية) أو السودانية، ليستشهد بها على مدى ضعف وهشاشة الرواية الشفوية مقابل قوة وأصالة النصوص المدوّنة، علماً أنّ سيطرة الثقافة الشفاهية ورسوخ تقاليدها، بين البيضان والسودان، كانت لها آثارٌ سلبيةٌ فادحةٌ على الذاكرة المحلية، ومن ذلك ما احتفظت به الذاكرة البيضانية من أنّ أصل الأمير أبي بكر بن عمر الصنهاجي (ت480هـ/1087م) من المغرب الأقصى، وأنه جاء منه إلى الصحراء[13]، على أنّ تسجيل هذه الملاحظة لا يفيدنا بأنّ النصّ المدوّن منزّهٌ عن الخطأ أو التزوير والتحوير؛ وللتدليل على ذلك؛ عادةً ما أستعين بالنموذج الآتي: تعدّ النقود الورقية من الوثائق المدوّنة المحصّنة، وبالرغم من ذلك فإنها تتعرض للتزوير.

وغنيٌّ عن البيان أنّ المادة المصدرية المعتبرة، شفاهية أو مدوّنة أو صامتة، تـُعَدُّ بمثابة إكسير السعادة لدى المؤرخ، من ثمّ؛ فإنّ مختلف الشهادات المصدرية- كيفما كان نوعها وطبيعتها- هي مكمّلةٌ بعضها لبعض، وليس لنا سوى أن نسْعد بأيّ شهادة تضيف لمعارفنا ولو النزر القليل، خصوصاً أننا نعاني من نقصٍ فادحٍ في العناصر الإخبارية المتعلقة بتاريخ بلاد السودان قبل متم القرن 18م.

إنّ مبالغة أنصار الرواية الشفوية في تقييمهم لها، وتجاهلهم للمسألة الأساس في القضية (المصداقية)، ثمّ عملهم على الانتقاص من قيمة النصّ المدوّن بغاية إبراز أهمية الرواية الشفوية، كلّ هذه العوامل كان لها تأثيرٌ سلبيٌّ في التعاطي مع الرواية الشفوية، مما ساعد على خلق توجّهٍ- ربما غير مقصود- يتمثل في التـّبرم من المنهج التوثيقي أو من أيّ دراسة تنهل منه.

توضيحات حول طبيعة علاقة المتن الشفاهي بالمتن المدوّن:

ما من شكٍّ بأنّ التجربة الميدانية تُعْوِز الكثير من المختصّين، بيد أنّ الأطروحات المتعلقة بالرواية الشفوية المقترحة على الدارسين تعجّ بالكثير من المشكلات، ونعتقد أنها جاءت نتيجةً للنهج الذي اتبعوه أثناء المرافعة عن تصوراتهم، مما عمّق مشكلاتنا في فَهْم أبعادها ومقتضياتها أكثر مما ساعدنا على تفهّمها. والواقع: أنه ليس هنالك أيّ صراعٍ أو عداوةٍ ما بين المتن الشفاهي والمتن المدوّن، كما أنه ليس لنا أو لغيرنا اعتراض على أيّ نوعٍ من المصادر، وفي هذا السياق؛ نلفت الانتباه إلى أنّ أحد الأسباب العميقة في التنافر الحاصل ما بين المدرسة الأنتروبولوجية والمدرسة التاريخية، في حقل الدراسات الإفريقية، إنما ينهل من هذا المُشكل الواهي والمفتعل.

بَدْءاً؛ نودّ التأكيد مرةً أخرى على أنّ عملية النقد التاريخي، بوصفها آليةً معتمدةً في البحث التاريخي، لا تستثني أيّ نوعٍ من المصادر كيفما كانت طبيعته وشكله، بل إنّ صنعة التاريخ في عمقها وجوهرها ليست سوى عملية «نقدية بالدرجة الأولى»[14]، على أنّ مثل هذه العلاقة، أو المطابقة ما بين المتن الشفاهيّ والمتن المدوّن، باعتبار أنّ الأول أصلٌ للثاني، لا يمكنها أن تحجب عنا جوانب الاختلاف بينهما[15].

في هذا الجانب؛ يمكننا استحضار الكثير من الأمثلة الشاهدة على أوجه التـّباين والاختلاف فيما بينهما، مما يمكنّنا ويساعدنا على فَهْم جوهر القضية، ذلك أنه من المشهور المعلوم أنّ الكثير من المعلومات التاريخية الواردة في المصادر العربية والأوروبية، قبل نهاية القرن 18م، كانت في أصلها شفاهية[16]؛ بيد أنّ طريقة طرحها وتداولها في المتون العربية والأوروبية كانت تخضع لمقتضيات التقاليد الجارية في صنعة التأليف.

ولنا في نصوص العمري وابن خلدون- وغيرهما- حجّةٌ واضحةٌ بهذا الشأن، إذ إنّ كليهما استقى الكثير من معلوماته عن بلاد السودان- على عهد مالي- من أفواه رجال، بعضهم من السودان (أي رواية شفوية)؛ غير أنه لا أحد من الباحثين تجرّأ على ترتيب نصوصهما بموازاةٍ مع النصوص السودانية أو الرواية الشفوية السودانية، إن على المستوى اللغوي، أو على مستوى بناء النصّ، أو على مستوى المنهج التاريخي المعتمد لديهما.

وههنا نستدعي حالة ابن خلدون؛ لنتساءل: حينما حاول صاحب (العِبَر) الاستقصاء عن أحوال بلاد السودان من خلال فقيه أهل غانة الشيخ عثمان، الذي لقيه بالقاهرة نهاية القرن 14م، هل سجّل لنا رواية مختلقة أو مستبعدة أو لا تساير ما نعرفه عن تاريخ المنطقة؟! إنّ أصل الرواية- كما هو معلوم- شفاهي، لكن عبدالرحمن بن خلدون أخضعها للأعراف الجارية في التدوين ولتقاليد التأليف التاريخي (الإعلان عن مصدر الخبر وتسمية صاحبه، تحديد المجال الجغرافي للرواية، تأطير الوقائع زمانيّاً... إلخ)، مما سمح لنا بدورنا بإمكانية تأكيد مصداقية الخبر أو الشكّ فيه واستبعاده.

ويمكننا أن نعتمد المقاييس نفسها في مقاربة روايات العمري عن بلاد السودان على عهد مالي خلال القرن 14م، باعتبار أنّ مصدر جلّ شهاداته روايةٌ شفاهية، أخذها عن مغاربةٍ زاروا أو أقاموا مدةً طويلة ببلاد السودان، مثل الشيخ أبي عثمان سعيد الدكالي، أو أخذها عن سودانيين ومصريين تحلّقوا حول السلطان منسى موسى في أثناء إقامته بالقاهرة أو رافقوه أثناء حجّته المشهورة عام 1324م[17].

في المقابل؛ فإنه حينما ننتقل إلى محاولة تركيب صياغة تاريخية انطلاقاً من الروايات التي استعرضها القوّالون خلال القرن 19م أو الذي يليه؛ فإننا نحتاج إلى شبكة عنكبوتية من الأسئلة (تهمّ الجانب اللغوي، وصاحب الرواية، والسياق التاريخي... إلخ)، في سبيل تمحيص هذه الروايات الشفاهية، وفي خاتمة المطاف؛ فإننا- في مرات عديدة- لن نحصل على ما يفيد في قراءتها فقط، فالأحرى تشريحها أو تأويلها[18].

أبعدُ من هذا؛ أنّ الكثير من المناصرين للرواية الشفوية، والمولعين بتصيّد أخطاء المتون المدوّنة وثغراتها، ذاهلون عن أنّ نصوص ابن بطوطة عن مملكة مالي وغيرها إنما هي في جملتها رواية شفوية، دوّنها ابن جُزَيّ بعد بضع سنوات من عودة رحّالتنا إلى المغرب مطلع عام 1355م؛ فلماذا لم يعملوا على ترتيبها ضمن مواد الرواية الشفوية؟ أو على الأقل: لماذا لا يجنحون لوضعها بموازاتها؟

ونزعم أنّ جبريل تمسير نيان (D. T. Niane)، في كتاباته المتعددة عن مالي انطلاقاً من الرواية الشفوية (ولا شيء آخر غيرها!)، كان يحفظ عن ظهر قلب جلّ روايات ابن بطوطة عن بلاد السودان، وعلى الرغم من ذلك لم يدر بخلده أن يوظفها أو يستعين بها. وغنيٌّ عن البيان أنّ ج. نيان (شأن: همباتي بَا، وكي- زيربو)، يُعَدُّ من الرّواد في مجال الرواية الشفوية بإفريقيا، وقد كانت له تجربةٌ تاريخية خصبة وثرّة في التعبير عن عهد دولة مالي وزعيمها «ماري جاطة»، المشهور أيضاً باسم «سندياتا». وحريٌّ بنا هنا أنّ نستحضر الوقفة الذكية لأحمد التوفيق؛ حيث بدَا وكأنه يعالج جانباً من جوانب الإشكال المطروح علينا في هذه الدراسة: ما طبيعة علاقة المتن الشفاهي بالمتن المدوّن[19]؟

وإذا انتقلنا للنظر في أمر الأصول المصدرية للمصنفات الأوروبية حول إفريقيا قبل القرن 19م؛ يمكننا أن نقف على الملاحظة نفسها، ذلك أنه- كما أوضحنا سلفاً- قد كان مصدر الكثير من المعلومات التي تضمّنتها التقارير والمذكرات الأوروبية رواية شفوية؛ غير أنّ تداول تلك المعلومات في كتاباتهم جاء في سياق المقتضيات الجارية في صنعة التأليف والتدوين لدى الأوروبيين[20].

مرةً أخرى؛ نود تأكيد أنه من الصعب علينا- تبعاً لتقاليد النقد التاريخي في ثقافة التدوين- أن نقيس بنفس الميزان القيمة الأدبية والتاريخية للنصوص الأوروبية مقارنةً بالنصوص السودانية، فأحرى الرواية الشفوية، ويكفينا بهذا الشأن أن نقارن ما بين رواية الشيخ محمد اليدالي ورواية لويس مورو دي شامبونو (L. M. De Chambonneau) عن حرب شرببه وزعيمها ناصر الدين، لتأكيد ما نذهب إليه من الاختلاف الواضح بين النموذجَيْن[21]؛ فرواية الأول- بحكم تأثّرها ببنيات ومعالم الثقافة الشفاهية- جاءت ملبّيةً لرغبات السامع أكثر مما توجهت للقارئ. من ثمّ؛ لم تسعفنا كثيراً على الرغم من انتماء اليدالي (1684-1753م) للمجال المعنيّ بالكلام، وقـُربه الزمني من الواقعة التاريخية (حرب شرببه: 1671-1677م).

على العكس من ذلك؛ فإنه- بالنظر للتقاليد الجارية في التأليف لدى الأوروبيين- قد جاءت رواية دي شامبونو (حوالي عام 1674م) عن الحدث نفسه بما يشفي الغليل منها في حدود المتاح الممكن، مما أسعفنا كثيراً في «تحديد تواريخ أهمّ معارك تلك الحرب [شرببه]، ومقتل أئمتها، وضبط الفترة الزمنية التي استغرقتها بصفة دقيقة، وحلّت بالتالي مشكلاً ظلّ مستعصياً لأمد طويل».

وما من شك؛ أنّ خصوبة نصّ دي شامبونو مقارنةً بنصّ اليدالي، خصوصاً على مستوى التأطير الزمكاني، هي التي حفّزت «ولد السعد» للتراجع عن رأيه السابق بخصوص تقييم النصوص المصدرية الأوروبية، ودفعته للوقوف على خصوصياتها المميزة مقارنةً بالنصوص الشنقيطية المحلية، وعلى وَقْعِ خطواته وآثارها سار بلديه محمدو بن محمذن[22].

في السياق نفسه؛ يشدّد محمود عبد الغني على: أنّ عملية «التذكر تؤسّس فقط شرط إعادة بناء الحياة [للمتن] كسرد»[23]، من ثمّ؛ فمهما بلغت قدرة العرّاف أو الرّاوي (المُخبر، القوّال، صاحب الكلام) على استحضار الماضي، وبخاصّةٍ الماضي البعيد، فإنه لن يقدّم لنا سوى قصة أو رواية أدبية، تعتمد على التّخييل والبناء اللغوي الشائق، وليس عملاً تاريخيّاً. وهي الخلاصة نفسها- تقريباً- التي كنا قد انتهينا إليها حين اشتغالنا على تاريخ مملكة مالي، حيث قلنا: «عندما يتمّ اعتبار الرواية الشفوية مصدراً موثوقاً، يملك مصداقيته من ذاته، ثم نعمل للارتقاء بها إلى درجةٍ يمكن معها نسخ مضمون المصادر العربية، فإنّ ذلك ينتهي بنا إلى صياغة عمل ينتمي للأدب الروائي أو علم الأنتروبولوجيا، في حين نبقى بعيدين عن الدراسة التاريخية التي تتوخى توثيق الخبر قبل كلّ شيء»[24].

ويُغذي هذا التقييم ما جاء عند محمد القاضي، بقوله: «إذا كان الإعلام أكبر غايات التاريخ؛ فإنّ التأثير أكبر غايات الأدب»، على أن لا يُفهمنّ من هذا القول أنّ الرواية التاريخية المدوّنة لا توظّف التـّخييل والبلاغة الأدبية، فهي إلى جانب ما يمكن أن تقدّمه من معلومات ومعطيات بنَفَسٍ تاريخي؛ فقد تستعين ببعض مقوّمات العمل الأدبي، كما قد تظهر بين الفينة والأخرى أريحية أدبية لدى المؤرخ[25].

مؤدّى القول: ما لم تتقعّد وتتأصل التقاليد الجارية في التأليف لدى المجتمعات الشفاهية، فإنه يصعب على النخبة العالمة- خلال المراحل الأولى من تشكّل الثقافة العالمة- فكّ إسار مقتضيات الثقافة الشفاهية، وهذا ما تشهد عليه جلّ النصوص «السودانية» إلى مطلع القرن العشرين، كما تشهد عليه كذلك جلّ النصوص «الشنقيطية» قبل نهاية القرن 18م، ذلك أنه على الرغم من مجهودات المُنتج للتـّقيّد بالتقاليد الجارية في الكتابة والتأليف؛ فإنه يجد نفسه- عن وعيٍ منه أو عن غير وعي- عاجزاً عن إيفائها حقها.

ومجموع ما تقدّم من ملاحظات وتوضيحات: يبيّن لنا الفروق الأساسية ما بين الرواية أو التقاليد السودانية الشفوية؛ وبين الرواية المدوّنة ذات البعد التاريخي في ثقافة التدوين والتأليف، ويقف بنا عند أوجه الاختلاف بينهما؛ علماً أننا نوظّف مفهوم التاريخ كما هو متداول في الثقافة العربية الإسلامية والثقافة المسيحية الأوروبية، ولا يفيد هذا التوضيح أيّ انتقاصٍ من القيمة الأدبية والتاريخية للمأثور الشفاهي السوداني؛ وإنّ جهلنا بالكثير من مقوّماته، بالنظر لضعف ما تحت أيدينا، هو ما يقتضي مثل هذه التوضيحات الجانبية.

أخيراً وليس آخراً: فإنّ المختصّين في التحقيب التاريخي وتطوّر الفكر البشري عموماً،ً حينما عيّنوا مرحلة اكتشاف الكتابة خلال الألف الرابعة قبل الميلاد، واتفقوا على اعتبار ذلك مؤشّراً فاصلاً بين مرحلتَيْن حاسمتَيْن في سلّم تاريخ البشرية ورقيّها الفكري، لم يكن ليغيب عنهم أنّ الشفوي أصلٌ لكلّ مادة مدوّنة، وأنّ المُدوّن يمثّل امتداداً أو مرحلةً متطورة مقارنةً بالمرحلة السابقة. ترتيباً على ذلك؛ فإنّ الحدّ بينهما ليس أمراً عبثيّاً، وإنما هناك عناصر بنيوية وهيكلية، تشهد على الفوارق الفاصلة ما بين مادة «الرواية الشفوية» ومادة «الرواية المدوّنة»، وإلا لما اتخذوها علامةً للتمييز ما بين مرحلة ما قبل التاريخ والمرحلة التاريخية.

في منطق التقاليد الشفاهية: الكلمة هبة من الله:

إنّ السؤال الذي يؤرّق الدارس المهتم بتاريخ إفريقيا، والباحث المتطلع للاستعانة بالرواية الشفوية، لا يرتبط بطبيعة ونوعية المصدر المؤهّل لخدمة قضيته (هل هو مدوّن أو شفاهي أو لوحة مرسومة أو شاهد قبر، أو غير ذلك)، بل يتعلّق بالبحث في مدى مصداقية رواية المصدر، وبعبارة أكثر دقة: كيف يمكن للنقد التاريخي أن يُظهر مدى مصداقية الرواية الشفوية؟

ويبدو أنّ الكثير من أعلام الاتجاه المنافح عن الرواية الشفوية تجنّبوا الخوض في هذه الإشكالية الحقيقية بشكلٍ عميقٍ ومفصّل، وقلّما اجتهدوا في مساعدتنا على إبراز مدى مصداقية الرواية أو التقاليد الشفوية، اعتقاداً منهم بأنّ النصّ المدوّن لا يمكن أن يكون مندرجاً ضمن أشكال التعبير الشفاهي، أو بالأحرى أنه غير مؤهل لاستلهام مقوّمات الثقافة الشفاهية. في المقابل؛ نجدهم قد أفرطوا في الوقوف على العيوب والثغرات المحتملة في النصوص المدوّنة، إلى درجةٍ كاد معها أن يصبح الهاجس الأساس الذي يشغلهم في القضية يستلهم المقاربة التالية: كلما عَمِلنا على الانتقاص من مصداقية النصّ المدوّن؛ ازداد حظنا في إقناع جمهور الباحثين بأهمية الرواية الشفوية!

ونرى أنّ الخلفية المتحكّمة في ابتعاد المختصين في الرواية الشفوية عن مزاولة عملية النقد تجاه المأثور الشفاهي؛ إنما تكمن فيما تعتبره الثقافة الشفاهية الإفريقية وتتصوره من أنّ «الكلمة هبةٌ من الله» وأنّ «الكذب جذامٌ أخلاقي».

تبعاً لذلك؛ فإنّ التصريح بأيّ رغبةٍ في تمحيص ونقد القول الشفاهي، على منوال ما هو متداول في صناعة التاريخ، ينأى بنا زاويةً مقدارها 180 درجة بعيداً عن مضمون المأثور الشفاهي؛ بل إنّ أيّ مبادرة من هذا النّوع تلغي أصلاً (علميّاً وأخلاقيّاً) حاجة الاعتماد على الكلمة في المأثور الشفاهي الإفريقي.

بموازاةٍ مع ما تقدم؛ نلاحظ أنّ المجهودات المتواصلة بغاية التعريف بأهل الاختصاص في مجال الرواية الشفوية من أصحاب الكلام؛ باتت غايةً في التعقيد، مما يربك القارئ بشكلٍ جدّي، ويجعلنا عاجزين عن التمييز بين الشروط الخاصّة بهذه الفئة. وقد ارتقى هذا المشكل إلى درجةٍ أصبح معها من الصعب اختيار الأسماء الدالة على هذه الفئة من الرّواة-القوّالين أو أصحاب الكلام؛ بحسب تعبير عبد الرحمن السعدي: هل هم المنشطون العموميون، أو الحدّادون، أو القوّالون، أو المغنّون والموسيقيون، أو النّساجون، أو القصّاصون، أو الكهنة، ومنهم الفئة المتحلقة حول الزعيم (الملك أو الحاكم)، والمُؤتمنة على أسرار الأسرة الحاكمة؟

وتكاد هذه المسألة تشكّل إحدى نقاط الاختلاف العميقة والجوهرية لدى جموع أنصار الرواية الشفوية الإفريقية، ونرى أنها تمثّل الحدّ الحاسم والفاصل بين مَنْ صنفناهم ضمن الفئة الأولى وبين المنتمين للفئة الثانية. في هذا الإطار؛ فإنّ ترتيب ولد السعد وابن محمذن لإنتاج فئة المغنّين والموسيقيّين داخل المجتمع الشنقيطي (البيضاني) ضمن عوالم الثقافة الشعبية، واستبعادهما لهذه الفئة من حقل الثقافة العالمة له أكثر من دلالة فيما نحن بصدده. وإذ نسجل هذه الملاحظة؛ فنحن غير غافلين عن تمايز بنية النشاط الثقافي الشفاهي لدى كلٍّ من الشناقطة والسودان، وفي الوقت نفسه؛ فإنّ في هذه الإشارة تلميحاً لمن يريد أن يكتب تاريخ مدينة مراكش قبل القرن 18 للميلاد انطلاقاً من حكايات رجال ساحة جامع الفنا، وإن كنتُ أتوقع من مثل هذه التجربة متعةً فنية وأدبية يعزّ نظيرهما[26].

فضلاً عمّا تقدّم؛ فإنّ المعنيّين بالدفاع عن الرواية الشفوية أغفلوا توضيح عددٍ من الحيثيات المرتبطة بالوضع الاعتباري للقوّال/الراوي، ذلك أنه إذا كانت الفئات المختصّة في الرواية الشفوية- إلى نهاية العصر الوسيط- تتنزّل مكانةً مرموقة لدى المجتمع السوداني قمّةً وقاعدة، فكيف لنا أن نفسّر التطورات التي عرفتها نظرة المجتمع السودانيّ والنخبة الأهلية إزاء فئة القوّالين والحدّادين من أصحاب الكلام، إذ انتقلت تلك النظرة في خلال القرون الثلاثة الأخيرة؛ من الاعتبار والتقدير إلى الاستصغار بل والاحتقار؟

ولعلّ في هذا التحول ما حمل «جان فانسينا» على التوقف مليّاً عند الصعوبات الجمّة التي يعانيها الباحث أثناء التمييز (برسم الاعتماد) ما بين الفئات المختلفة للقوّالين، وفي هذا السياق؛ تساءل حول الفئة التي يمكن اعتبار أقوالها وحكاياتها دون غيرها؟ وقد يبدو السؤال بريئاً، لكنه في جوهره وعمقه يستبطن نقداً مؤلماً وقاسياً تجاه الفئة الأولى[27].

وليس لنا في هذا الجانب إلا أن نتساءل بدورنا عن أسباب هذا الانقلاب في نظرة المجتمع السوداني إزاء القوّالين: هل للمسألة علاقة بظهور الأوروبيين على السواحل الأطلنتية وبداية مقايضتهم المكثفة لقطع أو قضبان الحديد بالسلع السودانية، مما أفقد صناعة الحديد المحلية قدسيتها أو هالتها المعهودة لدى السودان إلى غاية نهاية العصر الوسيط؟

إنّ لائحة الأسئلة تتناسل كلما حاولنا مقاربة القضايا المرتبطة بالرواية الشفوية في علاقتها بالنص المدوّن. وفضلاً عن حاجتنا للتكوين والتأهيل الضروريّين في هذا المجال؛ نأمل أن تتوجه العناية لتفسير مثل هذه الظواهر؛ حتى يمكن للدرس العربي أو غيره أن يستفيد ويستعين بالرواية الشفوية في كتابة تاريخ إفريقيا دونما حرجٍ أو مواربة، ولربما في هذا الحرج غير المعلن ما حمل فئة عريضة من الجيل الجديد من الباحثين العرب والأعاجم على تجنّب استثمار الرواية الشفوية والنفور منها، مما جعلهم ينأون بأنفسهم عن الخوض في جدالٍ عقيم حولها، بيد أنّ هذا الموقف العلمي الصامت والمعبّر في الوقت نفسه لا ينبغي أن يخرجنا عن دائرة الحوار والنقد العلمي البنّاء[28]، ويجمل بنا استحضار مقولة الحكيم العلامة «همباتي با» التي تختزل أهمّ الشروط، أو بالأحرى المؤهلات الواجب توفّرها لدى الباحث المقبل على اعتماد الرواية الشفوية، إذ يجب عليه: «أن يمتلك قلب يمامة، وجلد تمساح، ومعدة نعامة»[29].

وختاماً نقول:

إنّ أملنا كبيرٌ في أن ينتقل أهل الاختصاص في الرواية الشفوية الإفريقية من موقع تأصيل الذات من خلال التراث المحلي، إلى موقع النظر الأكاديمي برسم تأصيل الرواية الشفوية، وفي انتظار هذه النقلة؛ نعود للتأكيد على أنّ العوائق والصعوبات مما يحفّ سبيل استغلال «الرواية الشفوية» واستثمارها في حقل الدراسات الإفريقية، يُحوِجنا إلى صبر السالكين والمريدين، ودون أيّ رغبة في استصعاب الأمر أو نزوع لاستهجانه، ماذا يضيرنا لو استنجدنا بأقطاب التصوف، علّ ذوقهم يمكّننا من النفوذ إلى كنه الرواية الشفوية، ويسعفنا في تذوّق الكلمة- الإنسان أو الإنسان- الكلمة!

* أستاذ باحث بمعهد الدراسات الإفريقية- جامعة محمد الخامس- الرباط - المملكة المغربية.

[1] استعملت المصادر العربية اصطلاح «السودان» تمييزاً لهم عن «البيضان» المنتشرين في الفضاء الصحراوي؛ وإذا كانت دولة غانا الحالية لا تمُتّ بصلةٍ إلى مملكة غانة القديمة، إن على المستوى التاريخي أو الجغرافي، فإنّ الأمر يكاد يكون مشابهاً لدولة السودان الحالية، حيث كانت المصادر تميّز قبائل سودان وادي النيل بـ«الحُبُش» و«النوبة» و«البجة»، وقلّما أدرجتهم تحت اسم «السودان» إلا على وجه التعميم.

 ويمتد مجال بلاد السودان من المحيط الأطلنتي (في جزئه السنغامبي) غرباً، إلى حواشي بحيرة التشاد شرقاً، فيما تنتصب الحدود العمودية بين الضفة الجنوبية للصحراء الكبرى ومقدمة نطاق الغابات الاستوائية؛ وحسب الإحداثيات المعاصرة؛ تنحصر بلاد السودان فيما بين خطي عرض 11 و17 شمالاً. وبجانب هذا الاصطلاح الأصيل، الذي تواضع على تداوله أصحاب مصادر العصر الوسيط والحديث، يروج في الدراسات الأكاديمية عددٌ آخر من الاصطلاحات الحديثة، التي تؤدي- تقريباً- نفس المعنى والدلالة، وهي: السودان الغربي، وإفريقيا الغربية، والسودان النيجيري، والفضاء السنغامبي.

[2]  الأركيولوجيا (علم الآثار والفنون القديمة)؛ الذي يركز على المجتمعات والثقافات البشرية القديمة، وتدرس المصنوعات الحرفية مثل: الأدوات ، الأبنية ، الأوعية ...

[3] في هذا الجانب؛ نلاحظ أنّ الكثير من الأفارقة، المختصّين في الرواية الشفوية، رتبوا لنا- بشأن اعتمادها- مقاييس صارمة ذات صبغة تعجيزية. والجدير بالانتباه: أنّ كلاً من: «جوزيف كي-زيربو»، و«بوبو هاما»، و«أحمدو همباتي با»، و«جبريل تمسير نيان»، يُعَدّون من أكبر المختصّين الأفارقة في الرواية الشفوية، وقد اختزلوا عصارة تجربتهم في الكثير من الفصول الواردة في العمل المشترك: (تاريخ إفريقيا العام)، جون أفريك-اليونيسكو، باريس 1983م. انظر: المجلد الأول، المقدمة العامة، والفصلين الثاني والثامن. وفي الفصلَيْن السادس والسابع؛ حاول كلٌّ من «إيفان هربك» و«جان فانسينا» مقاربة وتقييم الرواية الشفوية بأسلوبٍ وتصوّراتٍ تختلف عن التوجّه الأول في الكثير من الجوانب، حتى إنه يمكن القول: إنّ الرواية الشفوية التي يتحدث عنها هذان الأخيران ليست هي نفسها المقصودة لدى الأوائل.

[4] من أهمّ المآخذ التي يسجلها الباحثون الأفارقة على زملائهم بالعالم العربي: ابتعاد الباحث العربي وعدم اهتمامه الجدّي بالدراسات الميدانية، التي تفسح المجال لإمكانية استغلال الرواية الشفوية من أفواه شيوخ القرى النائية عن الحواضر المركزية الإفريقية المشهورة، وإذا كنت أجد في هذا العتاب الكثير من الحقّ والصواب؛ فإنّ واقع الحال لم يعد يسمح لنا بالاستمرار على هذه العادة المشينة. علاوةً على ذلك؛ يُلاحَظ أنّ نمط التعليم في العالم العربي يحيط المُدوّنَ بهالةٍ تكاد تبلغ قدسية الدّين لديه، مما يحول مبدئيّاً دون تأهيل الباحث العربي نفسيّاً وفكريّاً في التعامل مع الرواية الشفوية بالاعتبار اللازم، ولعلّ في مَيْل جلّ الباحثين العرب إلى ترتيب الرواية الشفوية ضمن عوالم الثقافة غير العالمة ما يفسّر واقع الأمر عندنا.

[5] إبراهيم بوطالب، 2003م: «الذاكرة والتاريخ»، مجلة الجمعية المغربية للبحث التاريخي، ع1، ص23.

[6] عبد الرحمن السعدي، 1981م: تاريخ السودان، باريس، ميزونوف؛ وهي النشرة الثانية عن الطبعة الأصل الصادرة عام 1898-1900م، ص231. أحمد الشكري، 1999م: «رحلة ابن بطوطة إلى بلاد السودان»، مجلة المناهل، عدد خاص بابن بطوطة (القسم الأول)، ص156. وفضلاً عمّا تقدّمت الإشارة إليه من دراسات حول الرواية الشفوية؛ تراجع ملاحظاتنا بشأنها في: أحمد الشكري، 2015م: الإسلام والمجتمع السوداني: إمبراطورية مالي 1230-1430م، طبعة ثانية مزيدة ومنقحة، الرباط: منشورات مركز الدراسات الصحراوية، ص (43-49)، وينظر:

- Person (Y.), 1960, «Tradition orale et chronologie», Cahier d’Etudes Africaines, n° 2, p. 462-476. Zerbo (J. KI), 1968, «Une source de l’histoire de l’Afrique: La tradition Orale», DIOGENE, n° 62, p. 129- 142. A. H. Bâ et J. Daget, 1962, L’empire Peul du Macina 1818-1853, Paris Mouton & CO La Haye. Zerbo (J. KI),1978, Histoire de l’Afrique noire, Paris, Hatier, p. 1-32. Henige (D.), 1971, «Oral tradition and chronology», Journal of African History, XII, p. 371-389. Barry (B.), octobre 1997, «Ecrire l’histoire dans l’Afrique postindépendance: Le cas de l’Ecole de Dakar», Papier présenté au Séminaire organisé au Centre for African Studies, University of Cap Town, 22-24. 22 pages. Gaybor (Th.), 2010, Sources orales histoire africaine: Approches méthodologiques, Paris: Le Harmattan, p 49-53.

[7] لتقريب النظر من أمر الرواية الشفوية الإفريقية؛ يمكننا القول إنها تشبه- أو هي قريبة- في مضمونها وبنائها من بعض القصص المتداولة في التراث العربي الإسلامي، مثلما الحال مع قصة: «أبا يزيد البغدادي»  و«سيف بن ذي يزن» اللذين انتسب إليهما الكثير من ملوك وقبائل كانم-برنو وحَوْسَ، ومثلما الحال أيضاً مع قصة «عنترة بن شداد»، أو «السيرة الهلالية»: تغريبة بني هلال التي تحكي سيرة هجرة قبيلة بني هلال وزحفها إلى بلاد المغرب. انظر: آدم عبد الله الألوري، 1965م: موجز تاريخ نيجيريا، بيروت، مكتبة الحياة، ص (72-73).

- Palmer (H.R.), 1967, Sudanese Memoirs, London, Vol. 3, p. 95. Dierk (L.), Le Diwane des sultans du [Kanem-] Bornu: Chronologie et histoire d'un royaume africain (de la fin du Xe siècle jusqu’à 1808), Franz Steiner Verlag GMBH. Wiesbaden, p. 95, 101 et 110-111.

ويراجع الموقع التالي في الشبكة المعلوماتية:              http://qyemen.com/showthread.phpt

[8] نقصد الأسماء التي أشرنا إليها سابقاً: «جوزيف كي- زيربو»، «بوبو هاما»، «أ. همباتي با»، «ج. تمسير نيان».

- Barry (B.), 2001, Sénégambie: plaidoyer pour une histoire régionale, Sephis – Centro de Estudos Afro-Asiaticos, p. 5-34.

[9] الخلاصة نفسها انتهينا إليها حين معالجتنا للرواية الشفوية مقارنةً مع المصادر العربية المتعلقة ببلاد السودان خلال العصر الوسيط. ولا يفوتنا بهذا الشأن أن نسجل انزعاج وتأسف «جان بوليك» كلما وقع على رواية شفوية لا تسندها مادة مصدرية مدوّنة، وفي الوقت نفسه نجده يعبّر عن سعادةٍ لا تُضاهى- شأن ديرك لانجي وغيره- حينما يجد تطابقاً ما بين الرواية الشفوية والمواد المصدرية المدوّنة، انظر: أحمد الشكري، الإسلام والمجتمع السوداني، ص47.

 - Boulègue (J.), 1987, Le Grand Jolof (XIII –XVIe siècle), Paris, éd. Façades, diffusion Karthala. p. 11, 159 et163. Dierk (L.), Le Diwane des sultans du [Kanem-] Bornu, p. 84.      

[10] يبدو أنّ «كي- زيربو» قد استشعر بدوره حقيقة هذه التخندقات والتمايزات الفئوية غير المعلنة لعددٍ غير قليل من المختصين في تعاطيهم مع الرواية الشفوية، فوجّه للذين صنفناهم ضمن الفئة الثانية والثالثة عتاباً ولوماً مبطناً، جاء في صيغة انتقاد علمي: «إنّ الخبر الشفاهي ليس مجرد مصدرٍ يُلجأ إليه في آخر المرحلة حين يضرّنا اليأس من غيره، بل هو مصدرٌ له حظٌّ كامل ومنهاجية تمّ الآن إرساؤها، ثم هو يوفّر لتاريخ القارة الإفريقية أصالة قوية»، انظر: مقدمة المجلد الأول من (تاريخ إفريقيا العام) الذي أصدرته اليونيسكو، م. س، ص29، ويستحسن مراجعة هذه المقولة في صيغتها الفرنسية.

[11] ربما يكون في ذلك الاستئناس محاولةٌ منهم لردّ كلّ اتهامٍ بالتقصير في أمر الرواية الشفوية، مما قد يثير حفيظة الباحثين الأفارقة وغيرهم من المنافحين عنها، بيد أنّ منهج التقية هذا، المعتمد من جانب عناصر الفئة الثالثة، لم يشفع لها أمام المؤمنين بالرواية الشفوية، فتعرضوا لنوعٍ من الجفاء والتجاهل المقصود، حتى وإن قدّموا أعمالاً رائدة. ونكاد نزعم أنّ «جوزيف كيوك» لو لم يقدّم ضمن دراساته المتعددة أطروحته المتعلقة بمدوّنة المصادر العربية، سواء في طبعتها الأولى أو الثانية (1975, 1985 Recueil:)، ما كان لأحدٍ منهم أن يلتفت إليه ويعتمد عليه؛ ويظهر هذا النزوع بشكلٍ جليٍّ في المقدمة الجافة والمقتضبة التي كتبها ريموند موني، وصدّر بها كيوك مدوّنته، انظر:

- Cuoq (J.), 1985, Recueil des sources arabes concernant l’Afrique occidentale du 8è au 16e siècle (Biladal-Sudan), Paris, CNRS, 2e éd. p. XI-XIII.

[12] ج. كي- زيربو: مقدمة المجلد الأول من (تاريخ إفريقيا العام)، ص (19-40)، خاصة: ص25. أ. همباتي با: المأثور الحي، م. س، ص (177-212).

[13] معلوم أنّ أصله من صحراء صنهاجة، وبخاصة مجال لمتونة. انظر: عبد الله بن الحاج إبراهيم، (رسالة الروض في أنساب أهل الحوض)، مخطوط بالمعهد الموريتاني للبحث العلمي، رقم 2755، نواكشوط، ص. 12-16. والظاهرة نفسها تنسحب على إفريقيا الغربية، انظر:

Gaybor (Th.), 2010, Sources orales histoire africaine: Approches méthodologiques, p 36-40.

[14] إبراهيم بوطالب: «الذاكرة والتاريخ»، م. س، ص18. ويبدو أنّ المؤلف اعتصر جملة تجاربه الطويلة مع التاريخ في هذا المقال المتميز.

[15] تابع تحليل إبراهيم بوطالب (في نفس المرجع والصفحة)؛ لدرجة الاختلاف بينهما بالنسبة للعالم العربي الإسلامي، ومما اختزله لنا لخدمة هذا الغرض، قوله: «وأحسن ما يُثبت الفرق بين الذاكرة والتاريخ؛ تعارض مفهومي الرواية والدراية».

[16] Boulègue (J.), 1987, Le Grand Jolof (XIII –XVIe siècle), p 24.

[17] العمري، أحمد بن يحيى بن فضل الله، 1988م: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، (الأبواب 8-14)، الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، الباب العاشر، ص69.

[18] نستثني النصوص العربية السودانية والشنقيطية المدوّنة قبل القرن 18م.

[19] أحمد التوفيق، 2000م: «ابن جزي كاتب رحلة ابن بطوطة»، مجلة المناهل: 60، عدد خاص بابن بطوطة (القسم الثاني)، ص (179-189).

[20] Delaunay (K.), Voyages à la Côte de l’Or (1500-1750). Etude historiographique des relations de voyage sur le littoral ivoirien et ghanéen, Ed. AFERA, Karthala 1994. p. 25 et 70-80.

[21] انظر وقارن: الشيخ محمد اليدالي، 1990م، نصوص من التاريخ الموريتاني: شيم الزوايا، أمر الولي ناصر الدين، تونس، بيت الحكمة، تحقيق: محمذن ولد باباه، ص (115- 196).

[22] في دراسة تتعلق بحرب شُرْبُـبه تعود لعام 1982م؛ كان محمد ولد السعد قد آخذ نص دي شامبونو بلهجة حادة، غير أنه عاد بعد عقدَيْن من الزمن (في أطروحته الأخيرة حول الترارزة) ليقرّ ويعترف بأهمية النصوص الأوروبية مقارنة مع النصوص المحلية الشنقيطية، انظر وقارن: ولد السعد، 1994م: حرب شُرْبُـبه أو أزمة القرن 17 في الجنوب الغربي الموريتاني، نواكشوط، المعهد الموريتاني للبحث العلمي، ص25، و ص113. محمدو بن محمذن، 2000م: المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر (قراءة في الرحلات الاستكشافية الفرنسية)، الرباط، منشورات معهد الدراسات الإفريقية، ص24.

[23] يراجع: تقديم محمود عبد الغني: نصية السيرة الذاتية.. ابن خلدون نموذجاً، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الآداب، جامعة محمد الخامس- أكدال، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، السنة الجامعية 2003-2004م (مرقونة).

[24] أحمد الشكري: الإسلام والمجتمع السوداني، ص (43-49)، خاصة: ص47.

[25] في هذا الباب؛ نستحضر كذلك قولة إبراهيم بوطالب التي مرّت بنا قبل قليل: «وما التاريخ إلا عملية نقدية بالدرجة الأولى».

[26] محمدو بن محمذن: المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر، م. س، ص (305-308).

[27] جان فانسينا: «المأثور المنقول ومنهجيته»، ضمن (تاريخ إفريقيا العام)، (ج1- الفصل 7/ ص 156-165).

- Dierk (L.), Le Diwane des sultans du [Kanem-] Bornu, p. 151-152.

[28] تبدو جدية المشكل الذي نطرحه واضحةً حتى لدى الباحثين المنتمين لوسط اجتماعي شفاهي أصلاً، مثل المجتمع الشنقيطي، وحسبنا هنا استحضار الأطروحة المتميزة لمحمد المختار ولد السعد لنتبين مدى عمق المشكل، فالإحالات المتعلقة بالرواية الشفوية، التي استعان بها في دراسته، تقل نسبتها عن 5% من مجموع إحالاته البالغ عددها (1705)، علماً أنّ الفضاء الزماني للدراسة يتعلق فقط بالقرنين 18 و19م، فيما يغطي الفضاء المكاني للدراسة مجال إمارة الترارزة (الواقعة في منطقة القبلة)، التي كانت وما زالت على اتصالٍ مباشر بالسودان، انظر: محمد المختار ولد السعد: إمارة الترارزة وعلاقتها التجارية والسياسية مع الفرنسيين من 1703 إلى 1860، مرجع سابق. وينظر كذلك: الانتقاد اللاذع الذي وجهه أحد الباحثين من ذوي الأصول الفلانية، للقوّالين المحتكرين للرواية الشفوية: عمر محمد صالح، 1993م: الثقافة العربية الإسلامية في الغرب الإسلامي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ص (33-34).

[29] Gaybor (Th.), 2010, Sources orales histoire africaine: Approches méthodologiques, p. 83.