الدول المؤثرة في إفريقيا جنوب الصحراء- جنوب إفريقيا نموذجاً

  • 6 -1 - 2019
  • بدر حسن شافعي


د. بدر شافعي

خبير الشؤون الإفريقية- مصر

يُعدّ موضوع الدول المؤثرة في إفريقيا من أبرز الموضوعات التي نالت اهتمام الباحثين الأجانب تحديداً، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات الدولية، ومدى تأثير دولةٍ في دولةٍ أخرى، أو في إقليمٍ معيّن، أو حتى على المستوى العالمي.

وقد أفرز هذا الموضوع العديد من الإشكاليات، سواء على نطاق التعريفات، ومدى التداخل بين مفهوم التأثير influence، ومفاهيم: القوة power، والقيادة leadership، والهيمنة hegemony، أو حتى على نطاق تحديد مقومات هذه القوة أو التأثير (القدرات) capability، فبرزت العديد من المؤشرات، بعضها تقليدي؛ يتضمّن القدرات الاقتصادية والعسكرية والسكانية كمقومات أساسية للدول الراغبة في التأثير أو القيادة. في حين ظهرت مؤشراتٌ أخرى أضافت عليها مقوماتٍ أخرى، مثل: مؤشر HHMI The Hillebrand-Herman-Moyer Index الذي يضيف مقوم العلاقات الدبلوماسية بأدواتها المختلفة: (حجم البعثات الدبلوماسية، العضوية في المنظمات الدولية بمستوياتها المختلفة، حجم ونوعية الاتفاقيات التي وقعت وصادقت عليها الدولة)، فيما يضيف باحثون آخرون إلى هذا المؤشر مقوم (الأمن الداخلي، ومدى وجود استقرارٍ داخلي في البلد الذي يرغب في ممارسة التأثير)، لأنّ غياب مثل هذا الاستقرار قد يسحب الدولة للانشغال بقضاياها الداخلية على حساب القضايا الخارجية[1].

وهناك مؤشرٌ آخر، هو مؤشر القوة العالمي The Global Power Index (GPI)، الذي ورد في تقارير الاتجاهات العالمية الأخيرة، الصادر عن المخابرات الأمريكية، والذي يركّز على المقومات المؤسّسية: الاقتصادية، المادية، العسكرية، والتكنولوجية[2].

في حين يركّز مؤشرٌ آخر، هو مؤشرات الحكم terms of governance، على ثلاثة مقومات أساسية، ربما تتشابه مع المقومات التقليدية، وإن كان الخلاف في التفاصيل، هذه المقومات هي:

- الأمن: ويتضمّن القدرة على الحدّ من انتشار العنف والصراع.

- والثاني القدرات: بما في ذلك القدرة على التحكم في الفساد وإدارة الموارد بكفاءة وتوزيعها بصورةٍ عادلة، والكفاءة في الإدارة العامة وغيرها.

أصبحت جنوب إفريقيا الدولة الوحيدة في مجموعة الدول المؤثرة في إفريقيا (مصر، الجزائر، نيجيريا، إثيوبيا) التي تعيش في سلام مع منطقتها

 - والثالث الشمول والتضامن inclusion: أو الاندماج الواسع والعميق بين السكان، وبخاصة الأقليات، والتوازن بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكذلك تعني الاندماج بين المجتمع والدولة؛ بما يشمل: حرية تدفق المعلومات، التجمّع، المشاركة في صنع القرار، بما يؤدي الى تحقيق الديمقراطية[3].

وتكمن أهمية هذا المؤشر في أنه يفرّق بين المقومات، وعملية التأثير والنفوذ ذاتها، والتي يرجعها إلى طبيعة نظام الحكم «ديمقراطي/ استبدادي».

ونظراً لاعتبارات المساحة؛ فسوف يرّكز الباحث في المعايير التقليدية الثلاثة للتأثير، وإن كان امتلاكها لا يعني بالضرورة ممارسة التأثير والنفوذ، إذ يتوقف الأمر على متغيرات وسيطة، لعل أبرزها: رؤية القيادة السياسية لطبيعة هذه المقومات وعملية توظيفها في إطار العلاقات الدولية، هذه الرؤية تُعدّ إحدى الركائز الأساسية لنظرية الدَّور في العلاقات الدولية[4].

كما سيركز على دراسة حالةٍ واحدةٍ فقط، هي حالة جنوب إفريقيا، وإن كانت الدول المؤثرة في إفريقيا جنوب الصحراء تتضمّن دولاً أخرى: منها: إثيوبيا في الشرق، ونيجيريا في الغرب، فضلاً عن مصر والجزائر في الشمال الإفريقي.

وفي هذا الإطار؛ سوف يركّز الباحث– بإيجاز- في أربع نقاط أساسية، هي: الإطار المفاهيمي (تعريف الدولة المؤثرة)، مقومات التأثير المختلفة، مجالات ممارسة التأثير، تحديات ممارسة التأثير.

أولاً: الإطار المفاهيمي:

شأنه كشأن أيّ مفهومٍ في العلوم الاجتماعية، ومنها العلوم السياسية، هناك تباينٌ في تعريف مفهوم التأثير أو النفوذ CONCEPTUALIZING INFLUENCE، وفي الفرق بينه وبين مفهوم القوة.

ودون الدخول في تفاصيل هذه التعريفات والتباينات بينها؛ يمكن القول- من وجهة نظر الباحث- بأنّ مفهوم النفوذ يعني: قدرة الدولة على إقناع أو حتى إجبار دولة/دول أخرى، سواء في نطاقها الجغرافي أو حتى العالمي، على اتباع سياسيةٍ معيّنة، عبر الإقناع أو حتى الإكراه، من خلال امتلاك هذه الدولة المؤثِّرة للعديد من المحفزات والعقوبات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وفي هذا الإطار؛ برزت عدة مدارس فكرية، أبرزها مدرستان، الأولى: ترى وجود ترابطٍ بين مفهومَي القوة والتأثير، وأنهما مترادفان، ومن أبرز منظريها «ماكس ويبر» و «ستيفن لوكيس» و «ديفيد أ. بالدوين»، حيث يرون أنّ مفهومَي «النفوذ والسلطة» يشيران ببساطة إلى قدرة الطرف «أ» على دفع الطرف «ب» للقيام بشيء لا يرغب «ب» في فعله.

في حين تتفق المدرسة الثانية مع الأولى في أنّ التأثير يعني التغيير الذي يمارسه «أ» لدفع الفاعل «ب» لسلوك معيّن، أما «القوة» فلا تعني التأثير، وإنما قدرة «أ» على التأثير في «ب»، ووفق هذا المنظور؛ فإنّ القوة شيءٌ يمكن أن تمتلكه الدولة، بينما التأثير هو شيءٌ يمكن ممارسته، وهؤلاء هم منظرو المدرسة الواقعية، وأبرزهم «هانز مورجنثاو»[5].

أيّ أنّ المدرسة الثانية تميّز بين امتلاك «القدرات» و «التأثير الفعلي»، والذي يتوقف على أمور وسيطةٍ أبرزها: نظام الحكم، وتصور متخذي القرار لدَور بلادهم في العلاقات الخارجية.

ومن ثَمَّ قد تمتلك دولةٌ مقوماتٍ كبيرة؛ لكنها تفضّل عدم التأثير الخارجي لاعتبارات؛ منها: التركيز على القضايا الداخلية.. وغيرها. كحالة نيجيريا بعد وصول أوباسانجو للحكم عام 1998م، والتركيز على القضايا الداخلية، بعدما تدخلّت أوائل التسعينيات في تسوية الصراعات في كلٍّ من ليبيريا وسيراليون، مما كلفها أعباءً ماليةً ضخمة، فضلاً عن تعرّضها للعديد من الانتقادات الخارجية التي كادت تمزّق عرى الجماعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (الإيكواس).

ثانياً: مقومات التأثير لجنوب إفريقيا:

تتمتع جنوب إفريقيا بمجموعةٍ من المقومات التي تمكّنها من القيام بدَورٍ فاعلٍ في سياستها الخارجية على مختلف الأصعدة (الإقليمية، الفرعية، الثنائية)، على النحو الآتي: 

1- المقومات الجيواستراتيجية:

تتمتع جنوب إفريقيا بموقعٍ جيواستراتيجي مهمٍّ جنوب القارة، في ظلّ مساحةٍ كبيرةٍ نسبية تزيد عن 1.2 مليون كم2، جعلتها تتمتع بسواحل مهمّة على كل من المحيطَيْن الهندي والأطلنطي، وهي ميزة تكاد تكون قاصرةً عليها فقط، ومن ثمّ فهي محطة مهمّة في طرق التجارة بين هذَيْن المحيطَيْن، فضلاً عن تمتعها بميزةٍ أخرى، وهي إحاطتها بدولة ليسوتو، وكذلك سوازيلاند إلى حدٍّ كبير، ومعنى هذا توفّر مقومات الهيمنة على هاتَيْن الدولتَيْن الحبيستَيْن من ناحية، فضلاً عن وجود ميزة إضافية لسواحلها فيما يتعلق بعملية التجارة الخارجية الخاصّة بها، أو بالتجارة الإقليمية من ناحيةٍ أخرى، خاصّةً تلك المرتبطة بهاتَيْن الدولتَيْن الحبيستَيْن، ولعل هذا ما دفع هذه الدول إلى الانضمام إلى الاتحاد الجمركي للجنوب الإفريقي المعروف باسم «الساكو»، والذي يُعدّ أقدم اتحادٍ جمركي عرفه العالم، ويضمّ خمس دول، هي: (جنوب إفريقيا، سوازيلاند، بتسوانا، ناميبيا، ليسوتو)، ومقرّه في جنوب إفريقيا[6]، وتُعدّ جنوب إفريقيا الدولة المهيمنة عليه.

2- المقومات العسكرية:

تحتل جنوب إفريقيا المرتبة الأولى في إفريقيا من حيث القدرات العسكرية، فضلاً عن كونها أيضاً أكبر دولة إفريقية في مجال إنتاج وتصدير صناعات الدفاع والسلاح المتطور، ورقم 21 عالميّاً، ووفقاً لتقديرات (2013-2017م) فإنّ جنوب إفريقيا تحتل المرتبة الأولى بين دول السادك SADC (منظمة تنمية الجنوب الإفريقي) في الإنفاق العسكري (1.8 مليار دولار)، وكذلك حجم القوات المسلحة (55.7 ألف فرد)، وهي الثانية في إفريقيا بعد مصر من حيث ميزانية الدفاع (2.5 مليار دولار)، ويليها في الإقليم تنزانيا وزيمبابوي، وإن كان بفارقٍ كبير[7]. ولقد ساعدها ذلك على أداء دَورٍ إقليميٍّ مهمٍّ ونشطٍ في مجال تسوية الصراعات، وكذلك في مجال حفظ السلام، وفرضه عند اللزوم كما حدث في أزمة ليسوتو عام 1998م.

3- المقومات السياسية:

وهي تلك المحددات المرتبطة بالقيادة السياسية من ناحيةٍ، وبالنظام السياسي من ناحيةٍ ثانية، فالنظام في جنوب إفريقيا- منذ عام 1994م- يُعدّ واحداً من أكثر النُّظُم السياسية الديمقراطية في إفريقيا، خاصّةً في ظلّ دستورٍ يحظى بشبه إجماعٍ وطني من كلّ القوى السياسية، ويحفظ لها الحقوق والواجبات، وقد ترسخت هذه القيم الديمقراطية مع إجراء انتخابات حرّةٍ ونزيهةٍ عام 1999م؛ بعدما تنازل المناضل الكبير الراحل نيلسون مانديلا عن الحكم طواعية. ومن ثمّ فإنّ جنوب إفريقيا تحاول تقديم نفسها بوصفها نموذجاً يُحتذى به فيما يتعلق بعملية الاندماج الوطني، والتداول السلمي للسلطة، وهي المشكلة التي تعاني منها معظم الدول الإفريقية جنوب الصحراء.

أما فيما يتعلق بالقيادة السياسية:

تحتل جنوب إفريقيا المرتبة الأولى بإفريقيا من حيث القدرات العسكرية، فضلاً عن كونها أكبر دولة إفريقية في مجال إنتاج وتصدير صناعات الدفاع والسلاح المتطور، ورقم 21 عالميّاً

 فمنذ وصول الرئيس مبيكي للحكم عام 1999م؛ كان على قناعةٍ بأهمية دعم التكامل الإقليمي من ناحيةٍ، وإصلاح منظمة الوحدة الإفريقية- في حينها- من ناحيةٍ ثانية، على اعتبار أنّ هذا هو السبيل لتحقيق أهدافٍ سياسة بلاده الخارجية، حيث قدّم مبيكي فكرة النهضة الإفريقية African Renaissance لكي تشكّل الإطار الفكري لهذا الطرح الجديد، وهي الفكرة التي تقوم على أهمية تعزيز السلام والديمقراطية والتنمية المستدامة والحكم الجيد في القارة، وهو ما يتطلب ضرورة إصلاح منظمة الوحدة الإفريقية ليصبحَ هدف تحقيق النهضة في قلب الأهداف التي تسعى المنظمة لتحقيقها[8]. ولعلّ هذا يفسر أسباب تأييد جنوب إفريقيا للجهود الليبية فيما يتعلق بتأسيس الاتحاد الإفريقي، فضلاً عن دعمها لمبادرة الشراكة من أجل التنمية في إفريقيا «نيباد»، حيث كانت واحدةً من الدول الخمس المؤسّسة لها.

4- المقومات الاقتصادية:

تمتلك جنوب إفريقيا مجموعةً من المقومات الاقتصادية، تجعلها قادرةً على القيام بدَورٍ إقليميٍّ قويٍّ كقوةٍ إقليميةٍ قائدة، هذه المقومات يمكن الحديث عنها باختصارٍ من خلال مجموعةٍ من المؤشرات، لعلّ أبرزها ما يأتي:

1- تُعدّ جنوب إفريقيا أقوى قوةٍ اقتصادية، ليس على مستوى منظمة السادك، أو الجنوب الإفريقي فحسب، وإنما على مستوى القارة ككل، فهي تملك أقوى اقتصادٍ في القارة، حيث تنتج 44% من الناتج الإجمالي لإفريقيا جنوب الصحراء، وتسهم بنحو 42% من صادرات دول إفريقيا جنوب الصحراء[9].

2- أنّ الدخل القومي لها أقوى من نظيره في الدول المنافسة لها، وبخاصّةٍ مصر، ففي عام 2015م، وحسب مؤشر التنمية العالمية للبنك الدولي، بلغ حجم هذا الدخل 332 مليار دولار، وهو ما انعكس على نصيب الفرد الذي يُعدّ الأعلى في إفريقيا، حيث سجّل أكثر من ستة آلاف دولار، في حين بلغ الدخل القومي في مصر 305 مليار دولار، أما نصيب الفرد منه فكان 3340 دولاراً، في حين بلغ في نيجيريا 2820 دولاراً[10].

3- امتلاكها ثروات طبيعية ضخمة، فهي المنتج الأول لـ(البلاتونيوم، والذهب، والكروم) على مستوى العالم، بالإضافة إلى (الحديد، والنحاس)، وهي لا تعتمد فقط على تصدير هذه المواد في صورةٍ خام، وإنما يتمّ استخدامها في الصناعات التحويلية، وهو ما يجعلها قوةً صناعيةً كبرى في القارة كلها، حيث تساهم الصناعة بنسبة 27% من الناتج المحلي، في حين تشكّل الخدمات المساهمة الأكبر (70.9%)، أما الزراعة فلا تسهم إلا بـ2.2% فقط على عكس الحال الموجود في معظم الدول الإفريقية، ومن أبرز الصناعات بها: (الصناعات التعدينية، تجميع السيارات، الآلات الصناعية، المنسوجات)، وهي صناعاتٌ تفتقر إليها معظم دول الجوار[11].

4- وجود احتياطيٍّ ضخمٍ من العملات الأجنبية، حيث تحتل المرتبة الـ17عالميّاً في هذا الشأن.

ومعنى هذا أنّ هذه الوفرة الإنتاجية، وهذه النهضة الصناعية، تتطلب البحث عن مزيدٍ من الأسواق من ناحيةٍ، فضلاً عن إمكانية دعم الدول المحيطة من ناحيةٍ ثانية، وتسخير هذه الإمكانيات لأداء دَورٍ فعّالٍ من ناحيةٍ ثالثة، خاصّةً من خلال التجمعات الإقليمية.

مؤشرات الاقتصاد الكلي لجنوب إفريقيا 2015/2016م بالراند*

معدل النمو في الناتج المحلي

1.3%

ملاحظات

حجم الاقتصاد «القيمة الاسمية» للناتج المحلي الإجمالي

4 تريليونات راند= أكثر من 300 مليار دولار

 

معدل نمو الاستثمار

5.7% (44.6 بليون) القيمة الاسمية

 

الإنفاق على البنية التحتية

269 بليون راند= 3.38 بليون دولار

 

القيمة المضافة للتصنيع

475.5 بليون راند= 36 مليار دولار

 

زيادة 11.5 بليون عن عام 2014م؛ أي 850 مليون دولار

 

القيمة المضافة للزراعة

85.1 بليون راند= 6.5 مليارات دولار

زيادة بمقدار 2.1 بليون راند عن 2014م؛ أي 155 مليون دولار

وقد انعكست هذه المحددات على سياسة جنوب إفريقيا على الصعيدَيْن الإقليمي والقاري، حيث كان التركيز الأساسي لها على مستوى دول الجنوب، خاصّةً في إطار السادك والساكو. والأمر نفسه تقريباً بالنسبة للعلاقات الثنائية، كما سعت كذلك لاستغلال هذه المكانة في علاقاتها صوب الشرق الأوسط، وفي القلب منه الدول العربية، فضلاً عن إسرائيل وإيران.

ثالثاً: مجالات التأثير لجنوب إفريقيا:

تعدّ جنوب إفريقيا أقوى قوة اقتصادية ليس على مستوى منظمة السادك، أو الجنوب الإفريقي فحسب، وإنما على مستوى القارة كلها، فهي تملك أقوى اقتصاد في القارة

يمكن القول بأنّ انتهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا نهائيّاً عام 1994م، ووصول أول رئيس من أصولٍ إفريقية لسُدّة الحكم، وهو المناضل نيلسون مانديلا، ساهم في أن تقوم البلاد بدورٍ فعّالٍ ونافذٍ على مختلف الأصعدة الثنائية والإقليمية والقارية، بل أيضاً العالمية، مستخدمةً نمط القيادة الخيّرة التي تغلّب ممارسة الإقناع، وفكرة العوائد والتكلفة المشتركة، بدلاً من نمط الاستغلال الذي يقوم على القهر والإكراه لممارسة النفوذ على الآخرين، وخصوصاً أنّ حقبة الأبارتهيد وممارسات النظام العنصري السلبية ألقت مزيداً من الشكوك والقيود على مانديلا في ممارسة الدَّور والنفوذ الخارجي.

ومنذ عام 1994م أصبحت جنوب إفريقيا الدولة الوحيدة في مجموعة الدول المؤثرة في إفريقيا (مصر، الجزائر، نيجيريا، إثيوبيا) التي تعيش في سلامٍ مع منطقتها، وهو ما انعكس في الانخفاض الكبير في الإنفاق على ميزانية الدفاع. وفي المقابل حرصت على إعادة دمجها على الصعيدَيْن الإفريقي والعالمي عبر الجهود الدبلوماسية، وعضوية المنظمات الإقليمية.

فعلى صعيد القضايا والصراعات الإفريقية:

مارست دَوراً مهمّاً في إنهاء الحرب الأهلية في بوروندي، كما شاركت في الجهود المعقدة التي أدت إلى نجاح الاستفتاء على دستورٍ جديد في جمهورية الكونغو الديمقراطية[12]. يضاف إلى ذلك قيامها بعملية الوساطة في الكثير من الأزمات، كما حدث في أزمتَي كينيا وزيمبابوي (2007م، 2008م)، ومن قبلهما الأزمة السودانية.

وفي المقابل؛ تبنّت جنوب إفريقيا منتصف التسعينيات موقفاً أكثر حزماً ضدّ انتهاكات حقوق الإنسان واستبداد الأنظمة العسكرية في نيجيريا، ففي عام 1995م دعت إلى فرض عقوباتٍ صارمة على أبوجا بعد قيام نظام الجنرال ساني أباتشا بإعدام تسعة من النشطاء الأوغوني، كما دعا مانديلا لتعليق عضوية نيجيريا في الكومنولث البريطاني[13].

وعلى الصعيد الإقليمي:

وفي إطار إقليم الجنوب الإفريقي؛ دفع بحث نظام جنوب إفريقيا عن الشرعية الخارجية لدعمها لإنشاء محكمة الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي، ولكن المطالب المتنافسة من مختلف مؤيديها وأتباعها دفعها إلى التخلّي عن هذا الدعم. كما أظهرت جنوب إفريقيا دعمها وقياداتها لمنطقة التجارة الحرة للجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي «سادك»[14].

أما على المستوى القاري:

فقد حرصت- كما سبق القول- على فكرة ضرورة النهوض الإفريقي، من خلال الاعتماد على الذات، سواء على الصعيد الاقتصادي، أو على صعيد تسوية القضايا والصراعات الإفريقية، فعملت على تبنّي فكرة ضرورة تسوية المشكلات الإفريقية في إطارٍ إفريقي، حيث رفعت شعار African Solutions to African

ومع تولّي مبيكي الحكم عام 1998م رفع شعار «النهضة الإفريقية»، وهو مفهومٌ فكري ينادي بالإمكانات الاقتصادية والسياسية والثقافية لإفريقيا عبر خطة طموحة للتنمية الاقتصادية للقارة، والتي أصبحت رسميّاً جزءاً من أجندة الاتحاد الإفريقي في عام 2001م، حيث كانت جنوب إفريقيا إحدى الدول الداعمة لتأسيسه خلَفاً لمنظمة الوحدة الإفريقية، كما كانت إحدى الدول المؤسّسة للشراكة الجديدة لتنمية إفريقيا (نيباد) في أوائل هذا القرن.

هذه الدبلوماسية، أو النفوذ الناعم ساهم أيضاً في استضافتها كأس العالم 2010م، لتصبح أول بلدٍ إفريقيٍّ يحظى بهذا الشرف، في الوقت الذي لم تحصد فيه مصر أيّ صوتٍ من أصوات الفيفا. وكذلك استضافت جنوب إفريقيا مقرّ برلمان عموم إفريقيا الذي كانت ترغب القاهرة في استضافته أيضاً. كما خاضت معركةً دبلوماسيةً مهمّة على صعيد القارة لتولّي نوكوسازانا دلاميني- زوما (طليقة الرئيس السابق جاكوب زوما) منصب رئاسة مفوضية الاتحاد الإفريقي عام 2012م في مواجهة المرشح النيجيري، لتصبح أول امرأةٍ إفريقية تتبوأ هذا المنصب الرفيع.

هذه المكانة، وهذا النمط من التأثير، جعلها تكتسب مكانةً مهمّة أيضاً على الصعيد العالمي، فهي الدولة الإفريقية الوحيدة العضو في مجموعة الـ20 والبريكس التي تضمّ معها: (البرازيل، روسيا، الهند والصين). كما أنها من أكبر الشركاء العشرة للاتحاد الأوروبي على مستوى العالم.

رابعاً: التحديات:

بالرغم من التأثير «الناعم» الذي تقوم به جنوب إفريقيا على مختلف الأصعدة الخارجية، فإنّ هناك مجموعةً من التحديات قد تعرقل هذا النفوذ أو تحدّ منه، لعل أبرزها ما يأتي:

1- داخليّاً: استمرار وجود بعض تحديات التنمية الاقتصادية، بالرغم من الطفرة الاقتصادية والاجتماعية التي حققتها البلاد طيلة عقدَيْن من الزمان، ولعل أبرز هذه التحديات: عدم التوزيع العادل للموارد، وعدم تكافؤ الفرص في الحصول على الخدمات الأساسية، وقد ساهم ذلك في زيادة الاحتجاجات الشعبية التي تكون أحياناً عنيفة، وعلى الرغم من أنّ معدلات الاحتجاج السلمي تشهد على وجود ديمقراطيةٍ متماسكة إلى حدٍّ ما في البلاد، فإنّ السلام والتنمية يواجهان المشكلات بسبب ارتفاع معدلات العنف الجنائي وليس السياسي[15].

2- افتقاد القيادة الكاريزمية الطموحة للقيام بأدوارٍ خارجية فاعلة، ومحاولة التأثير الناعم.. هذه القيادة شهدت تراجعاً بعد مانديلا ومبيكي، إذ تراجعت هذه الكاريزما في عهد زوما، والرئيس الحالي، وإن كان هذا لا يعني بالضرورة تراجع التأثير بالكلية.

3- خارجيّاً: استمرار الصورة الذهنية السلبية عنها لدى الأفارقة.. فلا يزال يُنظر إلى طموحاتها القيادية بشكوكٍ في العواصم الإفريقية، وغالباً ما يُنظر إلى «بريتوريا» على أنها فاعلٌ عدواني ومهتم بمصالحها الذاتية على حساب القضايا الإقليمية المشتركة، أو حتى القضايا القارية[16].

4- وجود منافسين إقليميّين واعدين في الجنوب الإفريقي، أبرزهم أنجولا التي ينمو اقتصادها بصورةٍ كبيرةٍ في الآونة الأخيرة. وكذلك على المستوى القاري، فهناك صعودٌ ملاحظ- مرةً أخرى- لنيجيريا بعد استقرار التجربة الديمقراطية إلى حدٍّ كبير بفوز محمد بخاري برئاسة البلاد. والأمر نفسه بالنسبة لإثيوبيا في ظلّ رئيس وزرائها الواعد أبي أحمد، حيث يمكن أن يمارس كلا البلدَين تأثيراً ناعماً بالنظر إلى طبيعة نظمهم الديمقراطية التي تعمل على الإقناع والاستمالة، بدلاً من استخدام لغة الإكراه في العلاقات الدولية.

 

[1] Jakkie Cilliers, Julia Schünemann and Jonathan D Moyer, Power and influence in Africa:  Algeria, Egypt, Ethiopia, Nigeria and South Africa (Pretoria:  Institute of Security Study, African futures Paper, 14, March, 2015), p. 1.

[2] Jonathan D. Moyer, Tim Sweijs, Mathew J. Burrows, Hugo Van Manen, Power and

Influence in A Globalized World, (Washington, DC:  The Atlantic Council of the United States, , January 2018), p. p1-3.

[3] Barry B. Hughes, Devin K. Joshi, Jonathan D. Moyer, Timothy D. Sisk, José R. Sol?rzano, Pattern of Potential Human Progress, Strengthen Governance Globally :  Forecasting The Next 50 Years, (India :  Oxford University Press vol. 5,2014), pp. 5-7.

[4] نظرية الدور ومقولاتها الأساسية، التي عبّر عنها المفكر كال هولستي  Kal  Holsti بأنّ الدور هو: «ما يتصوره صانع القرار في الدولة للسلوك الخارجي لدولته في الإطار الدولي»، وهو ما يتطابق تقريباً مع تعريف ستيفن والكر Steven Walker أيضاً، تقوم هذه النظرية على ثلاث ركائز أساسية- من وجهة نظر صانع القرار بها-، وهي: تحديد مركز الدولة في العلاقات الدولية، أي مكانتها الدولية (عظمى أو صغرى)، وبالتالي تحديد نطاق اهتمامها (إقليمي أو دولي)، وثانيها: تحديد الدوافع المختلفة لسياستها الخارجية، وثالثها: توقعها لحجم التغيير الذي يمكن أن تحدثه نتيجة أدائها لهذا الدور؛ حتى تستطيع تقييم هذا الأداء فيما بعد.

- لمزيدٍ من التفاصيل انظر: نظرية الدور في العلاقات الدولية، موقع الموسوعة السياسية على النت:

http://political-encyclopedia. org/2017/06/03/%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9

[5] حول هذه المدارس انظر: Jonathan D. Moyer,Tim Sweijs, op. cit, p.6.

[6] د. محمد عاشور، د. أحمد علي سالم (محرران)، دليل المنظمات الإفريقية الدولية (القاهرة: معهد البحوث والدراسات الإفريقية، 2006م)، ص85.

[7] أيمن شبانة، "الدولة القائد ودورها في التكامل الإقليمي في ضوء تجربتي السادك والإيجاد"، في: د. محمد عاشور، أحمد علي سالم (محرران)، التكامل الإقليمي في إفريقيا.. رؤى وآفاق (القاهرة: معهد البحوث والدراسات الإفريقية ومشروع دعم التكامل الإفريقي، أبريل 2005م)، ص87.

وانظر:  Trends in international arms transfers, 2017، على الرابط:

  https: //www. sipri. org/sites/default/files/2018-03/fssipri_at2017_0. pdf

[8] رانيا حسين، "المتغيرات الدولية والإقليمية وآثارها على مساعي التكامل الإقليمي"، في: د. محمد عاشور، أحمد علي سالم (محرران)، التكامل الإقليمي، م. س. ذ، ص (64-65).

[9] أيمن شبانة، مرجع سابق، ص87.

[10] World Bank,2015 development indicator, South Africa ,Egypt ,Nigeria http: //databank. albankaldawli. org/data/reports. aspx?source=2&country=ZAF#

http: //databank. albankaldawli. org/data/reports. aspx?source=2&country=ZAF#

http: //databank. albankaldawli. org/data/reports. aspx?source=2&country=ZAF#            

[11] C I A –the world fact book-south Africa 2008.

[12] lusola Ogunnubi, South Africa and the Question of Hegemony in Africa, Journal of Developing Societies,(London:  SAGE Publications Ltd · November 2017.

[13] Ibid, p. 12.

[14] Merran Hulse, Regional Powers and Leadership in Regional Institutions: Nigeria in ECOWAS and South Africa in SADC (Berlin:  Freie Universit?t. KFG Working Paper No. 76, November 2016), p. 1.

[15] Jakkie Cilliers, ,op. cit. pp. 7-10.

[16] Merran. op. cit, p. 17.