الحماية الإفريقية للطفل في أثناء النزاعات المسلحة دراسةٌ في النصوص والآليات

  • 12 -7 - 2016
  • نصيرة نهاري

نصيرة نهاري 

منذ فجر التاريخ والحرب حدثٌ لازَمَ البشرية في جميع العصور، فقد حدثت حروبٌ طاحنةٌ قاست ويلاتها البشريةُ على مرّ الأعوام والقرون، وكانت هذه الحروب- ولا تزال- تجتاح البلدان، وتؤلم الشعوب، وتدّمر معالم الحضارات والثروات الوطنية، وتزداد قسوتها جيلاً بعد جيل؛ بالنظر إلى التطور العظيم في أسلحة الدمار ومعداته[1].

ما يزال وجود انتهاكات دولية لحقوق الطفل، والإصرار على تجنيده، وإشراكه في النزاعات المسلحة، متواصلاً

 كما أنه، نتيجةً لاستعمال الأسلحة نصف الأوتوماتيكية على نطاقٍ واسع؛ أصبح من السهل على الأطفال أن يحملوا السلاح، وهو ما يؤدي إلى تزايد عدد الأطفال الذين يتمّ تجنيدهم بشكلٍ غير قانوني[2]، إذ يشير تقريرٌ صادرٌ عن منظمة العفو الدولية إلى اشتراك صبيان وصبايا دون الثامنة عشرة من العمر في القتال، في أكثر من عشرين من الصراعات الكبرى في العالم منذ عام 2000م، قاتل بعض هؤلاء في صفوف الجماعات المسلحة، والبعض الآخر في صفوف القوات الحكومية، وكان الأطفال في طليعة المقاتلين في جبهات القتال في كلٍّ من: (بوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وميانمار (بورما) )، وفي بلدان أخرى مثل: (إسرائيل، وإندونيسيا، ونيبال)، كما عمدت حكوماتٌ إلى استخدام الأطفال بصورةٍ غير مباشرةٍ في أعمال: مخبرين أو جواسيس أو متعاونين[3].

انطلاقاً من ذلك؛ سعت معظم الدول- على المستوى الإفريقي- إلى الحدّ من انتشار ظاهرة استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة، ومحاولة القضاء عليها، ولعلّ هذا ما يدفعنا إلى التساؤل حول أبرز الجهود الإفريقية المبذولة من طرف الدول الإفريقية للحدّ من الانتهاكات الصارخة ضدّ الأطفال في النزاعات المسلحة؟ وأهمّ نصوص الاتفاقيات أو المواثيق، وأبرز الآليات المعتمدة في هذا المجال؟

المحور الأول: النصوص القانونية الإفريقية:

تعدّ إفريقيا المنطقة التي تضمّ أكبر عددٍ من الأطفال المجندين في العالم، إذ يُقدّر عددهم بنحو 120 ألف طفل، سواء في القوات المسلحة، أو في الجماعات المسلحة، وقد عزّز من هذه الظاهرة، وإرسال الأطفال في مهمّات خطيرة بشكلٍ خاص، الانتشار المتزايد للأسلحة التي يسهل دفع ثمنها وحملها واستعمالها، وصِغر حجم الأطفال وخفّة حركتهم، ويُذكر أنّ الأطفال في ليبيريا وسيراليون يُعطون- أحياناً- جرعات من المخدرات والكحول لتبليد إحساسهم؛ بهدف حملهم على الإقدام على العنف، أو لمنع الخوف من التسرب إلى نفوسهم[4].

وفي هذا السياق؛ سعت معظم الدول الإفريقية إلى إعداد مجموعةٍ من النصوص القانونية، يكون الهدف منها حمايةُ الطفل في أشدّ الأوقات صعوبة، وهي النزاعات المسلحة، ومن أهمّ هذه النصوص التي تمّ اعتمادها لتوفير حماية للطفل عامّة، وللطفل الإفريقيّ خاصّة:

أولاً: الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل 1990م:

 لقد تمّ تبنّي الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته بعد أقلّ من سنةٍ من تاريخ اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، وذلك في شهر جويلية / يوليو 1990م، أثناء المؤتمر الـ 26 لرؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية، في أديس أبابا بإثيوبيا، ودخل الميثاق حيّز النفاذ في 29 نوفمبر 1999م؛ بعد إيداع وثيقة التصديق الـ 15 الضرورية قانوناً لدخوله حيّز التطبيق.

وقد ارتبط اعتماد الميثاق بإعلان حقوق ورفاهية الطفل الإفريقي الذي تمّ تبنّيه في جمعية رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية المجتمعة في دورتها العادية الـ 16 بمنروفيا في ليبيريا، بين 17 و 29 جويلية / يوليو 1979م، والذي يعترف باتخاذ كلّ التدابير المناسبة من أجل ترقية رفاهية الطفل الإفريقي وحمايته، وفي 12 فيفري / فبراير 2003م بلغ عدد الدول التي صدّقت على الميثاق 28 دولة، من بين أعضاء عددهم 53 دولةً في منظمة الاتحاد الإفريقي حاليّاً[5]، وهذا الأمر يختلف عن التصديق على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل التي تمّ اعتمادها ودخولها حيّز النفاذ في أقلّ من سنةٍ واحدةٍ من تاريخ التوقيع عليها، وهي تضمّ كلّ الدول الإفريقية ما عدا الصومال.

ويعدّ هذا الميثاق من أُولى الوثائق الإقليمية الشاملة لحقوق الطفل، ويرجع السبب في تبنّيه إلى واقع المشاركة الضعيفة للدول الإفريقية في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل أثناء المفاوضات والمناقشات، كما أنّ بعض المسائل الخاصّة بالطفل الإفريقي بقيت معلّقة وخارج النقاش؛ نظراً لاختلاف وجهات النظر وتشعبّها، كما أنّ هذه المسائل مرتبطة بوضعية الطفل الإفريقيّ على وجه الخصوص، فلم يُمنح لها الاهتمام اللازم، ما أدى بالدول الإفريقية إلى إبرازها إقليميّاً[6].

وقد أكد الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل على أنه ينطلق من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، واتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، والإعلان الخاصّ بحقوق ورفاهية الطفل الإفريقي الصادر عام 1979م، كما ينطلق من الخلفية التاريخية وقيم الحضارة الإفريقية، ويسعى إلى المزاوجة بين المعايير العالمية في مجال حقوق الطفل وبين الخصوصية الإفريقية، وهي سمة ما فتئت تميّز السواد الأعظم من الصكوك الإفريقية لحقوق الإنسان[7].

مضمون الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل:

لقد ورد في الديباجة: أنّ الدول الإفريقية قلقة بشأن وضع معظم الأطفال الأفارقة الذي يبدو خطيراً بسبب العوامل الفريدة لظروفهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والظروف التقليدية والإنمائية، والكوارث الطبيعية، والنزاعات المسلحة، والاستغلال، والجوع، وبسبب عدم النضج البدني والعقلي للطفل؛ فانه يحتاج إلى ضمانات ورعايةٍ خاصّة.

ولعلّ أهم ما ورد في الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل تأكيده لمصالح الطفل المُثلى، من البقاء، والتنمية، والاسم، والجنسية، وحرية التعبير، وحرية الارتباط بالآخرين، وحرية الفكر والضمير والديانة، وحماية الخصوصية، ومنع تشغيل الأطفال، حيث يتمّ حماية كلّ طفلٍ من كلّ أشكال الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أيّ عملٍ يُحتمل أن ينطوي على خطورة، أو يتعارض مع النموّ البدنيّ أو العقليّ أو الروحيّ أو الأخلاقيّ أو الاجتماعيّ للطفل[8].

كما يحظر الميثاق تجنيد الأطفال الذين تقلّ أعمارهم عن 18 عاماً، واستخدامهم في النزاعات المسلحة، الدولية والمحلية على السواء.

ومن حيث المقارنة بين الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل والميثاق الإفريقي؛ تظهر بعض الملاحظات:

- هناك تقاربٌ من حيث الحقوق المنصوص عليها في الميثاق والاتفاقية معاً، كذلك هناك تقارب بين النصَّيْن في الأحكام المماثلة بالنسبة للمبادئ الأساسية والقاعدية، كالاعتراف بالحقوق الأساسية، مثل: الحقّ في عدم التمييز، واحترام مصلحة الطفل، ومشاركته في الحياة، والاهتمام بنموّه الجسماني والعقلي، كما يتفق النصّان على الاعتراف للطفل بالحقوق الشاملة والمضمونة والمعترف بها لكلّ إنسان، وهي الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المعترف بها في نصوص حقوق الإنسان الدولية والإقليمية العامّة.

- أنّ مجمل هذه الحقوق والحريات مضمونة؛ من حيث تأكيدها وحماية المستفيدين منها، سواء على المستوى العالمي أو الإفريقي، ومن ثمّ فإنّ الطفل الإفريقي[9] يستفيد ويتمتع بهذه الحقوق من خلال اعتماده على النصَّيْن بشكلٍ متساوٍ ومماثل، غير أنّ الميثاق الإفريقي أورد نصوصاً خاصّة بالطفل الإفريقي، وهي متقدمة من حيث النصّ عليها، ومن حيث الأهمية؛ بالمقارنة مع النصوص الأممية، بالنسبة للطفل الإفريقي، لتصبح الحماية الإقليمية في هذا المجال أكثر تقدّماً من الحماية العالمية.

إنّ جميع الدول والحكومات الإفريقية اليوم؛ مدعوّة للانضمام إلى الاتفاقيات الدولية والإفريقية المتعلقة بحماية الأطفال في النزاعات المسلحة

ويرجع سبب هذا التقدّم إلى وجود اختلافٍ وتعارضٍ أحياناً بين الثقافات والتقاليد بين دول العالم، وهو الأمر الذي يصعب معه إيجاد اتفاقٍ عامٍّ حول مضمون النصوص المعتمدة عالميّاً؛ بعكس ما نجده في الميثاق؛ كونه يضمّ اتجاهات متفقة بين الدول الإفريقية، من حيث القيم والتقاليد الاجتماعية والثقافية والدينية عموماً.

ويمكن إبراز بعض هذه النصوص في الميثاق، فمثلاً: تعريف الطفل جاء واضحاً ودقيقاً، بحيث يكون سنّه أقلّ من 18 سنة؛ دون الاعتماد أو الرجوع إلى سنّ الرشد أو البلوغ لدى الدول الأعضاء أو الأخذ بالاستثناءات عند التطبيق[10].

وهذا التعريف يترتّب عليه نتيجتان:

الأولى: في كون الدول 31 (من أصل 53) من الاتحاد الإفريقي التي صدّقت على الميثاق؛ قد أصبحت ملزمَة برفع سنّ الطفل في التشريعات الوطنية إلى سنّ 18 سنة.

أما النتيجة الثانية: فهي أنّ الميثاق أصبح أساساً لتطوير الأعراف المحلية والإقليمية التي تنصّ على أنّ الطفل: هو كلّ شخصٍ لم يتجاوز 18 سنة[11].

بينما نجد الاتفاقية الدولية تأخذ بالاستثناءات، خصوصاً بالنسبة لسنّ المشاركة في النزاعات المسلحة والتجنيد، والتي حُدّدت بسنّ 15 سنة، بينما بقي في الميثاق بسنّ 18 سنة، وهو الأمر الذي يؤكد طبيعة الطفل مهما كانت الأوضاع والظروف، بعكس الاتفاقية التي قدّرت ظروفاً خاصّة في حالة النزاعات المسلحة، وبالتالي وضعت حالات خاصّة لأطفال دون الـ 15 سنة من العمر، مع العلم أنّ الميثاق لا يتخذ كلّ الإجراءات لأجل عدم مشاركة الأطفال في النزاعات، وعدم تجنيدهم تحت علم دولتهم أو أية دولة طرف في الميثاق[12].

ويعدّ هذا الميثاق مكمّلاً مهمّاً للمعايير الدولية الأخرى التي تحظر استخدام الأطفال جنوداً، وهو يرسل رسالةً واضحةً مفادها أنّ مشاركة الأطفال في النزاعات أمرٌ غير مقبول، ولا يسمح به المجتمع الدولي، وأنه يتعين على جميع الدول الإفريقية التي لم تشارك بعدُ أن تصدّق على الميثاق، وأن تقوم جميع الدول بتنفذه بصرامة، وأن تضع حدّاً لتجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات المسلحة، كما يجب عليها أن تكفل التحقيق مع جميع الأشخاص المتهمين بارتكاب هذه الجريمة، وتقوم بملاحقتهم قضائياً في حالة توفّر أدلة كافية ضدّهم[13].

ثانياً: الإعلان الإفريقي حول مستقبل الطفل 2001م:

إنّ فكرة حظر اشتراك الأطفال في الأعمال العدائية ليست جديدة، ولا يرجع الفضل فيها لمفكري الغرب وحدهم، فلهذا المبدأ أساسٌ من التقاليد المستقرة في القانون الإنساني العرفي في إفريقيا، والعرف الإسلامي المعمول به في الحروب[14].

ولكن مع شيوع ظاهرة استخدام الأطفال في الحروب تضافرت الجهود الدولية في مجال تفعيل حقوق الطفل، ومنها سَنّ المواثيق الدولية، والاتفاقيات التي أُبرمت بين الدول، والتي أقرتها الدول الأطراف، وتعهدت بالوفاء بالتزاماتها، هذا ما أدّى بالدول الإفريقية إلى إصدار إعلان إفريقيٍّ عالميٍّ حول مستقبل الطفل سنة 2001م.

ظروف صدور الإعلان الإفريقي حول مستقبل الطفل:

صدر الإعلان الإفريقي حول مستقبل الطفل عام 2001م، عن المحفل الإفريقي حول مستقبل الأطفال الذي انعقد في القاهرة، بجمهورية مصر العربية، خلال الفترة من 28-31 مايو 2001م، في إطار المقرر رقم (lxxII) (542.DEC/M)، الصادر عن مجلس الوزراء، الذي أجازته الدورة العاديّة السادسة والثلاثون لمؤتمر رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية.

وقد أكد المشاركون، في المؤتمر الذي صدر عنه الإعلان، أنّ مسؤولية كفالة تمتّع أطفال إفريقيا بحقوقهم الكاملة هي مسؤولية الحكومات الإفريقية، والمواطنين الإفريقيين، والأسر، والمجتمع المدني، والمنظمات الإقليمية، والإقليمية الفرعية، في إفريقيا، والمجتمع الدولي، وكذلك جدّد المشاركون التزامهم الكامل بالتعهدات المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989م، والميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته لعام 1990م.

وذكر المشاركون أنّ التحدي الذي يواجههم يتمثّل في: تحويل تعهّدات الدول التي أخذتها على نفسها رسميّاً، من خلال القرار الجماعي بالانضمام إلى هذه الاتفاقيات، إلى تطبيقٍ عمليٍّ لحقوق الطفل في إفريقيا، بالإضافة إلى ذلك أكدوا احترام الميثاق الإفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته، واتفاقية حقوق الطفل، وتنفيذها.

مضمون الإعلان الإفريقي حول مستقبل الطفل:

لقد نصّ الإعلان الإفريقي حول مستقبل الطفل على عدة مبادئ مهّمة، تمثّلت في: تأكيده على أنّ مستقبل القارة الإفريقية يكمن في رفاهية أطفالها وشبابها، كما أكد في السياق نفسه ضرورة الاستجابة لاحتياجات هؤلاء الأطفال والشباب؛ كونه أمراً أساسيّاً لا سبيل لاجتنابه.

وفي ظلّ استمرار وقوع إفريقيا تحت لعنة الحروب والنزاعات المسلحة[15]، وتأثّرها بنتائجها السلبية الكبيرة وغير المحدودة على السكان المدنين، وبخاصّة النساء والأطفال، فإنّ التزام إفريقيا بالتعايش السلمي، وتسوية النزاعات عن طريق المفاوضات والحوار والمصالحة، بات شرطاً أساسيّاً لتوفير بيئةٍ مشجّعةٍ ومناسبة للأطفال لحماية بقائهم ونموّهم.

وبرغم تحقيق إفريقيا نوعاً من التقدّم في مجال حماية الأطفال في النزاعات المسلحة؛ فإن هذا التقدم لا يزال غير مُرضٍ، حيث ضاع العديد من أطفال إفريقيا في الحروب، لهذا حثّ الإعلان جميع رؤساء الدول والحكومات على تأكيد التزامهم السابق تجاه الأطفال، والتعهد الرسمي من طرفهم بالالتزام برؤيةٍ واضحةٍ بشأن مستقبل إفريقيا المتمثل في أطفالها وشبابها، وخصوصاً بالنسبة للأطفال المتأثرين بالنزاعات المسلحة، بما في ذلك تسريح جميع المقاتلين دون 18 سنة، وضرورة توفير الحماية الفورية لهم.

ولتحقيق جميع هذه المطالب نصّ الإعلان على ضرورة اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتسخير جميع الموارد المادية والبشرية اللازمة لتحقيق الأهداف المسطّرة في الإعلان؛ كون أطفال إفريقيا أطفالاً يستحقون العناية مثلهم مثل بقية جميع الأطفال في أنحاء العالم. 

المحور الثاني: الآليات الإفريقية لحماية الطفل أثناء النزاعات المسلحة:

باعتبار أنّ حقوق الطفل ما هي إلا جزءٌ لا يتجزأ من حقوق الإنسان، فقد قامت العديد من المنظمات الإقليمية بحماية هذه الفئة المستضعفة، خصوصاً بعد ازدياد العنف في العالم الذي أصبح يثير الشعور باليأس بعد مرور قرونٍ من القتال والهجمات البشعة التي استهدفت الضحايا الأبرياء، كالأطفال الذين ما زالوا لحدّ اليوم يعانون واقعاً قاسياً يكثر فيه سفك الدماء[16]، لهذا سعت معظم الدول الإفريقية إلى إنشاء آليات للحدّ من انتشار هذا الاستغلال البشع للأطفال في أثناء النزاعات المسلحة، ومن بين أهمّ هذه الآليات:

أولاً: منظمة الوحدة الإفريقية:

نظراً للأرقام المرعبة التي باتت تهدّد الأطفال في الحروب؛ قامت العديد من الآليات الرقابية- على المستوى الإفريقي- بمحاولة الحدّ من انتشار هذه الظاهرة، ولعلّ أهمّ هذه الآليات وأبرزها: منظمة الوحدة الإفريقية[17].

ظروف تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية:

نظراً للأرقام المرعبة التي باتت تهدّد الأطفال في الحروب؛ قامت العديد من الآليات الرقابية على المستوى الإفريقي بمحاولة الحدّ من انتشار هذه الظاهرة

 كان اجتماع رؤساء الدول الإفريقية في مؤتمر القمة في أديس أبابا (عاصمة إثيوبيا)، في 22 – 25 ماي / مايو 1963م، من أهم أحداث التاريخ السياسي المعاصر للقارة الإفريقية، وقد عقد الكثيرون الآمال الكبيرة على هذا المؤتمر، وانتظروا منه أن يصبح «هيئة أممية إفريقية»، تتمثل فيها جميع الميول والرغبات، وتحلّ جميع المعضلات والمنازعات، حيث اجتمع في أديس أبابا رؤساء ثلاثين دولة إفريقية، رغبةً منهم في الحدّ من الحروب الضارية والنزاعات المسلحة الدامية التي شهدتها القارة الإفريقية، خصوصاً في العقود الأخيرة، فأطلق الرؤساء الأفارقة على منظمتهم اسم: «منظمة الوحدة الإفريقية»[18]، ووقّعوا على ميثاقها المكوّن من: (ديباجة، و 33 مادة)، وجعلوا من العاصمة الإثيوبية مقرّاً لها[19].

وتتمثل أبرز أجهزة منظمة الوحدة الإفريقية- حسب المادة السابعة- في: مجلس رؤساء الدول والحكومات، مجلس الوزراء، ثم الأمانة العامة، وقد تمّ بعد ذلك تأسيس: (لجنة الوساطة والتوفيق والتحكيم).

دور منظمة الوحدة الإفريقية في حماية الطفل أثناء النزاعات المسلحة:

كانت المنظمة تتكون في العام 1963م من 32 دولة، فارتفع العدد بعد ذلك إلى 45 دولة، ليصل إلى 53 دولة سنة 1980م، والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: أنه بعد مرور 53 سنة على قيامها؛ هل نجحت في أعمالها، واستطاعت فرض وجودها على دول القارة؟

صحيحٌ أنها أُنشئت في فترةٍ عصبيةٍ كانت فيها القارة- وما زالت- تعاني معضلات وأزمات شديدة، بعضها قديمٌ ومزمن، إلا أنّ التأييد الذي لقيته من مختلف الدول والهيئات الإفريقية كان يؤهلها لمجابهة الصعاب، وتطهير القارة من الرواسب والآفات التي خلّفها الاستعمار.

حماية حقوق الطفل الإفريقي:

 اعترافاً من الدول الإفريقية بالوضع الخطير الذي يمرّ به الطفل الإفريقي، وإيماناً منها بوجوب أن ينمو الطفل في بيئةٍ أسرية، وتوفير الحماية اللازمة له، وتأمين احتياجات نموّه البدني والعقلي، أقرّت ميثاق حقوق ورفاهية الطفل عام 1990م، الذي بدأ العمل به في 29 نوفمبر 1999م، ويضمّ الميثاق 48 مادة، وعلى أساس مبدأ مصالح الطفل المُثلى عدّد الميثاق عدداً من الحقوق، منها: عدم التمييز، والحقّ في البقاء، والحصول على اسمٍ، وجنسية، والتعبير، والارتباط بالآخرين، والحقّ في الخصوصية، وكذا التعليم، وتنمية شخصية الطفل، بالإضافة إلى إقرار حقّه في الراحة والترفيه والرعاية الصحية، وتطبيق نظامٍ قضائيٍّ خاصٍّ بالأحداث.

كما أقرّ الميثاق حقّ الطفل في الحماية ضدّ: إساءة المعاملة، والاستغلال في العمل، والاستغلال الجنسي، وتعاطي المخدرات، كما تمّ النصّ على إنشاء (اللجنة الخاصّة بحقوق ورفاهية الطفل) التي تتكفل بجميع المعلومات بشأن المشكلات التي يعانيها الطفل الإفريقي[20].

ثانياً: اللجنة الإفريقية لحقوق ورفاهية الطفل:

نصّ الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل لعام 1990م على: «إنشاء لجنة خبراء؛ معنية بحقوق الطفل الإفريقي»، تضمّ 11 خبيراً، وذلك بغية تعزيز حقوق الطفل، وضمان رفاهيته واحترامها.

تشكيل اللجنة الإفريقية لحقوق ورفاهية الطفل:

تتكون اللجنة من أحد عشر عضواً، من ذوي المكانة الأخلاقية العالية والاستقامة والنزاهة والتخصّص والشخصية، يتمّ انتخابهم بالاقتراع السريّ من قِبل الجمعية العمومية لرؤساء الدول والحكومات، من بين قائمة الأشخاص الذين رشحتهم الدول الأطراف في هذا الميثاق، ويجوز لكلّ دولةٍ طرفٍ في هذا الميثاق أن ترشّح ما لا يزيد عن مرشحَيْن اثنَيْن، ويجب أن يكون لدى المرشحين إحدى جنسيات الدول الأطراف.

ويتمّ انتخاب أعضاء اللجنة لمدة خمس سنوات، ولا يجوز إعادة انتخابهم، ويدعو الأمين العام لمنظمة الوحدة الإفريقية إلى عقد الاجتماع الأول للجنة في مقرّ المنظمة خلال ستة أشهر من انتخاب أعضاء اللجنة، وتنعقد بعد ذلك اللجنة من قِبل رئيسها كلما كان ذلك ضروريّاً، وعلى الأقل مرّة واحدة كلّ سنة[21].

وظلّت اللجنة تستلهم عملها من القانون الدولي لحقوق الإنسان عموماً، ومن أحكام الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية حقوق الطفل، وغيرها من اتفاقيات الأمم المتحدة والدول الإفريقية ذات الصلة بحقوق الإنسان، ومن القيم والتقاليد الإفريقية بشكلٍ خاص[22].

دور اللجنة في حماية الطفل في أثناء النزاعات المسلحة:

تقوم اللجنة- وفقاً للمادة 42 من الميثاق- بتشجيع وحماية الحقوق الواردة في هذا الميثاق، وعلى وجه الخصوص جمع المعلومات وتدعيمها بالمستندات، ووضع تقويمٍ شاملٍ للأوضاع بشأن المشكلات الإفريقية في مجالات حقوق الطفل ورفاهيته، وتنظيم الاجتماعات، وتشجيع المؤسسات الوطنية والمحلية المعنية بحقوق الطفل ورفاهيته، ومتى كان ذلك ضروريّاً: إبداء وجهات نظرها، وإصدار التوصيات إلى الحكومات، وصياغة ووضع المبادئ والقواعد التي تهدف إلى حماية حقوق الطفل ورفاهيته في إفريقيا، والتعاون مع المؤسسات والمنظمات الإفريقية الدولية والإقليمية الأخرى المعنية بتشجيع وحماية حقوق الطفل ورفاهيته.

كما يجوز للجنة المعنية بحقوق الطفل الإفريقي، وفقاً للمادة 45 من الميثاق، أن تلجأ إلى أيّ طريقةٍ مناسبةٍ للتحقيق في أيّ مسألة تقع في نطاق هذا الميثاق، وأن تطلب من الدول الأطراف تنفيذ الميثاق، وتقدّم اللجنة لكلّ دورة انعقاد عادية للجمعية العمومية لرؤساء الدول والحكومات، في كلّ سنتين، تقريراً عن أنشطتها، ثم بعد ذلك تقوم اللجنة بنشر تقريرها؛ بعد نظره من قِبل الجمعية العمومية لرؤساء الدول والحكومات، وتجعل الدول الأطراف تقارير اللجنة متاحة على نطاقٍ واسعٍ للجمهور في أراضيها.

وبالنظر فيما سبق؛ يتبين أنّ دور اللجنة من الناحية العملية ضعيف، حيث يقتصر على إجراءات نظرية، لا تتعدى- غالباً- تلقي التقارير أو تقديمها، وهذا يعدّ قصوراً في عملها، خصوصاً في مواجهة ما يتعرض له الطفل الإفريقيّ من انتهاكاتٍ لحقوقه الأساسية، في ظلّ ما تشهده القارة الإفريقية من الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة، وهو ما يتطلب توسيع اختصاص اللجنة المعنية بحقوق الطفل الإفريقي؛ لتتواكب مع ما يتعرض له الطفل الإفريقي من أخطارٍ وأهوالٍ لا حصر لها[23].

الخاتمة:

برغم الدور الإيجابي الذي قامت به مختلف النصوص الميثاقية والآليات الإفريقية للحدّ من ظاهرة استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة، فما يزال وجود انتهاكات دولية لحقوق الطفل، والإصرار على تجنيده، وإشراكه في النزاعات المسلحة، متواصلاً، إذ ما تزال العديد من الدول تجنّد أطفالاً في جيوشها، تتراوح أعمارهم بين 10 و 15 سنة، ويوجد المئات منهم في المناطق الإفريقية يُعذبون ويُعتقلون، وتُمارس ضدّهم أبشع أساليب التعذيب، مما يُثبت إخفاق هذه الآليات الحالية في توفير الحماية اللازمة لمنع مثل هذه الانتهاكات، إذ إنّ مجرّد النصّ على حظر فعلٍ معيّن لا يعدّ كافياً للامتناع عن اقترافه.

فلا بد إلى جانب نصوص الحظر والاتفاقيات والمواثيق؛ من اتخاذ إجراءات لتحديد المسؤولين عن هذه الجرائم، وتنفيذٍ حقيقيٍّ وفعّالٍ لهذه النصوص، وإنشاء أجهزة ذات كفاءة لمراقبة التنفيذ، ووضع عقوبات صارمة تُفرض على كلّ مَن يخرق هذه النصوص وينتهك حقوق الطفل، لا بد من محاكمة مَن يستمر في استغلال الأطفال، أو تجنيدهم واستخدامهم في النزاعات المسلحة.

وعليه؛ فإنّ جميع الدول والحكومات الإفريقية اليوم؛ مدعوّة للانضمام إلى الاتفاقيات الدولية والإفريقية المتعلقة بحماية الأطفال في النزاعات المسلحة، والبحث عن آلية للتعاون مع الهيئات الإفريقية المعنية بحماية الأطفال المتضررين من الصراعات المسلحة، وكذا مراجعة تشريعاتها الوطنية بما ينسجم مع المعايير الدولية والإفريقية، والحرص على عدم إدخال الأحكام المتعلقة بالعفو على الجرائم المرتكبة ضدّ الأطفال.

* باحثة في صف الدكتوراه - جامعة وهران / كلية الحقوق والعلوم السياسية.

[1] فضيل طلافحة: حماية الأطفال في القانون الدولي الإنساني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، ص 7.

[2] فضيل طلافحة، المرجع السابق، ص 102.

[3] سهيل حسين الفتلاوي: موسوعة القانون الدولي 3، حقوق الإنسان، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، ط3 - 2010، ص 63. 

[4] سهيل حسين الفتلاوي: موسوعة المنظمات الدولية 4، الأمم المتحدة الإنجازات والإخفاقات، الجزء الثالث، دار الحامد للنشر والتوزيع، الأردن، ط1 - 2010، ص 315.

[5] صدّقت الجزائر على الميثاق الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل في 8/7/2003م؛ بموجب المرسوم الرئاسي 3_242، المؤرخ في 8/7/2003م، الجريدة الرسمية - رقم 41 - ليوم 9/7/2003م.

[6] نعيمة عميمر: الوافي في حقوق الإنسان، دار الكتاب الحديث، مصر، ط1 - 2010، ص 191.

[7] محمد يوسف علوان، محمد خليل الموسى: القانون الدولي لحقوق الإنسان، الحقوق المحمية، الجزء الثاني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الأردن، ط1 - 2010م، ص 527.

[8] وفاء مرزوق: حماية حقوق الطفل في ظلّ الاتفاقيات الدولية، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، ط1 - 2010م، ص 43.

[9] تجدر الإشارة إلى أن للطفل الإفريقي يوماً عالميّاً يصادف يوم 16 جوان / يونيو من كلّ سنة، ويتمّ الاحتفال بهذا اليوم منذ سنة 1991م تخليداً لذكرى مذبحة سويتو، والتي وقعت سنة 1976م على أيدي النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وقُتل وجُرح فيها مئات الأطفال خلال مسيرة للمطالبة بحقوقهم، انظر: منال العابدي: ثالوت الموت: الفقر والجوع والنزاعات تحرم الطفل الإفريقي حقّه في الحياة، جريدة العرب الأسبوعية، السبت 26/06/2010م، ع 264، ص 28.

[10] نعيمة عميمر، المرجع السابق، ص (191-192).

[11] Nairi Arzoumanian, Francesca Pizzutelle, Victimes et bourreaux, questions de responsabilité liées a la problématique des enfants soldats en Afrique, revue international de la croix- rouge, N°852, Vol 85, décembre 2003, p 832.

[12]  نعيمة عميمر، المرجع السابق، ص 193.

[13]  منال العابدي: ثالوث الموت، الفقر والجوع والنزاعات المسلحة تحرم الطفل الإفريقي من حقّه في الحياة، جريدة العرب الأسبوعية، العدد: 264، السبت 26 جوان 2010م، ص 28 .

[14]  فضيل طلافحة، المرجع السابق، ص 103.

2 عبّر عن ذلك الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره رقم (318/1989/A)، حول «مصادر الصراعات المسلحة في إفريقيا»، في الفقرة الثالثة منه بقوله: «في هذه النزاعات أصبح الهدف الرئيسي- على نحو متزايد- لا لإهلاك الجيوش فحسب؛ وإنما أيضاً المدنيين، وفئات عرقية برمّتها، ولم يعد منع تلك الحروب مسألة دفاعٍ عن الدول، أو حماية الدول الحلفاء، بل إنه مسألة دفاع عن البشرية.... »، للمزيد من التفصيل راجع مذكرة: أحسن كمال، آليات تنفيذ القانون الدولي الإنساني في ضوء المتغيرات الدولية للقانون الدولي المعاصر، مذكرة ماجستير، تخصّص قانون التعاون الدولي، جامعة مولود معمري بتيزي وزو / كلية الحقوق، مدرسة الدكتوراه القانون الأساسي والعلوم السياسية، نوفمبر 2011م، ص 72.

[16] J.Gerald yong et Dina KAPLAN, les enfants et la violence, Imprimerie des presses universitaires de France, Mars1998-N=45014, p 29. 

[17]  تأسّس خلفاً لهذه المنظمة (الاتحاد الإفريقي)، وذلك بتاريخ 9 جوان / يونيو 2002م، وتتخد أهمّ قرارات الاتحاد في اجتماعٍ نصف سنويٍّ لرؤساء الدول وممثلي حكومات الدول الأعضاء، من خلال «الجمعية العامة للاتحاد الإفريقي»، ويقع مقر الأمانة العامة ولجنة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا بإثيوبيا.

[18] في 11 جوان / يونيو 2000م؛ تمّ اجتماع لرؤساء الدول الإفريقية الـ 53، وتمّ الاتفاق على القانون الدستوري للاتحاد الإفريقي، وهو الذي جاء بالاتحاد الإفريقي محلّ منظمة الوحدة الإفريقية، ودخل حيز التنفيذ في جوان / يونيو 2002م، وبحلول جوان / يونيو 2009م بلغت الدول المصدّقة على القانون الدستوري للاتحاد الإفريقي 53 دولة. انظر: ليا ليفين: حقوق الإنسان.. أسئلة وأجوبة، إصدارات اليونيسكو، مطبعة لون، المغرب، ط5 - 2009، ص 117.

[19] محمد المجذوب: التنظيم الدولي، النظرية العامة والمنظمات الدولية والإقليمية، الدار الجامعية للطباعة والنشر، لبنان، 1998م، ص 360.

[20] عقيلة خرباشي: حماية الطفل بين العالمية والخصوصية، مجلة دراسات قانونية، العدد: 05، نوفمبر 2009م، (57 ، 58).

[21] وفاء مرزوق، المرجع السابق، ص 44.

[22] محمد يوسف علوان، محمد خليل الموسى، المرجع السابق، ص 528.

[23] محمود سعيد محمود سعيد: الحماية الدولية للأطفال أثناء النزاعات المسلحة، دار النهضة العربية، مصر، 2007م، ص (284 ، 285).