الحركة الشعبية لتحرير السودان.. النشأة والتطور

  • 22 -4 - 2011
  • نجم الدين محمد عبدالله


نجم الدين محمد عبد الله جابر  

برزت الحركة الشعبية في الساحة العسكرية والسياسية بالسودان منذ العام 1981م, وذلك عندما أعفى الرئيس السابق جعفر نميري حكومة أبيل ألير، وحلّ مجلس الشعب الإقليمي الجنوبي، وقسّم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم، وهي: الاستوائية وأعالي النيل وبحر الغزال، كما قام النميري بمحاولة دمج بعض القوات الجنوبية المستوعبة في الجيش وترحيلها إلى الشمال، وهو ما قابله الجنوبيون بالرفض وعدّوه إلغاءً لاتفاقية أديس أبابا التي وُقّعت عام 1972م، وأعطت الجنوب حكماً ذاتياً في إطار إقليم موحّد.

وزاد الأمر تعقيداً عندما طبّق النميري الشريعة الإسلامية عام 1983م، حيث رفضت القيادات الجنوبية هذا الأمر، ومن ثم بدأت شرارة التمرد من الكتيبة (105) في مدينة «بور» ضد الجيش السوداني، ثم تبعه تمرّد الوحدات العسكرية الأخرى في مدينة «البيبور»(1).

في تلك الفترة برز عدد من الضباط العسكريين الجنوبيين في المسرح العسكري، وأصبحوا نواة للجيش الشعبي (الجناح العسكري) للحركة الشعبية، وأغلبهم كان قد تم استيعابهم في الجيش السوداني، وأبرزهم الدكتور جون قرنق قائد الحركة الشعبية، حيث عمل نائباً لمدير البحوث العسكرية في القيادة العامة بالخرطوم، أيضاً القائد كاربينو كوانين، والقائد وليم نون في بحر الغزال، سعى هؤلاء القادة لتكوين جسم عسكري لمهاجمة الجيش السوداني، واستطاعوا أن يكوّنوا وحدات عسكرية شكّلت نواة ما عُرف بـ «الحركة الشعبية لتحرير السودان» ضد الحكومة السودانية، وذلك في مايو 1983م.

عملت الحركة الشعبية على إيجاد أرضية لها في جنوب السودان، لتوجد لنفسها السند الشعبي في مجابهة الحكومة السودانية، وذلك من خلال وضع مبادئ وقيم تستند عليها بوصفها منطلقات فكرية وعقدية، وكان ذلك في يوليو 1983م عقب تكوين الحركة الشعبية والجيش الشعبي.

وقد استندت في مبادئها على الآتي:

1 - إقامة نظام علماني يحكم السودان، ويفصل الدين عن الدولة.

2 - إعادة توزيع السلطة والثروة بين الشمال والجنوب.

3 - بناء «سودان جديد» يقوم على المشاركة الشعبية لكل الإثنيات العرقية في السودان.

4 - مشاركة المناطق المهمّشة (المناطق الطرفية) في إدارة المركز (الخرطوم).

خلصت قيادة الحركة الشعبية في عقيدتها إلى أن التهميش بكل أشكاله والظلم والتفرقة والتبعية تمثّل جذور المشكلة، وتعتقد أن هذه المشكلة لا تتعلق فقط بالجنوب، وإنما ببقية مناطق السودان المختلفة، وبناء على ذلك أصبحت تنادي بمفهوم السودان الجديد، وهو يُعد نقلة نوعية في خطاب الحركة في عدم حصر نشاطها في الجنوب فقط، وهو ما جعلها توسّع نشاطها ليشمل مناطق في الشمال, مثل: جبال النوبة في كردفان، والنيل الأزرق، وشرق السودان.

استطاع العقيد جون قرنق توحيد الحركة الشعبية على الرغم من الانقسامات العرقية التي تمثل السمة البارزة للجنوب، فقد ضمّت الحركة الشعبية معظم القبائل والأعراق التي يتكوّن منها المجتمع الجنوبي، للكاريزما التي يتمتع بها جون قرنق، فقد ساعدته خبرته العسكرية وتعليمه الجامعي العالي في مجـال الاقتصاد الزراعي على الإمساك بقيادة الحركة من النواحي العسكرية والسياسية والفكرية والتنظيمية(2)   .

يشكّل الدينكا العمود الفقري للحركة الشعبية، وهم أكبر القبائل الإفريقية في الجنوب، حيث يبلغ عددهم قرابة خمسة ملايين نسمة، يعيشون في بحر الغزال وأعالي النيل، ويعتنقون النصرانية والإسلام الوثنية, ويعد أبناء الدينكا هم قيادات الحركة الشعبية، ومن أبرزهم الدكتور جون قرنق زعيم الحركة الشعبية الراحل، وسلفاكير ميارديت الرئيس الحالي للحركة, ودينق الور وزير الخارجية الأسبق.

أيضاً توجد قبائل النوير، ويأتون في المرتبة الثانية بعد الدينكا من حيث الكثافة السكانية، ويمتازون بالشراسة في القتال، ودائماً ما يتنافسون مع الدينكا في إدارة الحركة، ومنهم رياك مشار نائب رئيس حكومة جنوب السودان، وفاولينو ماتيب قائد أكبر قوات صديقة سابقاً للحكومة، والذي أصبح موالياً للحركة الشعبية.

أيضاً توجد قبائل الشلك، وهم أقل عدداً من النوير، ولديهم زعامات في الحركة الشعبية، مثل: باقان أموم الأمين العام للحركة، ودكتور لام أكول الذي انشق عنها وكوّن الحركة الشعبية للتغيير الديمقراطي، كما ضمّت الحركة قبائل من خارج الجنوب، مثل: النوبة في جنوب كردفان، والأنقسنا في النيل الأزرق.

سعت الحركة الشعبية إلى معاداة الأنظمة الحاكمة التي تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وطالبت بإلغاء الشريعة الإسلامية من الدستور السوداني؛ بحجة وجود جماعات عرقية غير إسلامية في الجنوب وبعض المناطق الشمالية، ونادت بتطبيق العلمانية في الحكم بوصفه شرطاً أساسياً للمشاركة في أي حكومة مركزية مع الشمال، وهو ما وافقت عليه بعض الأحزاب الشمالية، مثل: حزب الاتحاد الديمقراطي، وحزب الأمة، والحزب الشيوعي، ورفضته الجبهة الإسلامية في بادئ الأمر، ولكنها وافقت على عدم تطبيق الشريعة الإسلامية في الجنوب وفقاً لـ «اتفاقية نيفاشا للسلام» التي وقّعتها مع الحركة الشعبية عام 2005م، وبموجبها أصبحت الحركة الشعبية تحكم الجنوب وتطبق النظام العلماني، كما طالبت بإلغاء القوانين الإسلامية في الشمال ثمناً للوحدة مع الشمال.

والجدير بالذكر أن أغلب قادة الحركة الشعبية نصارى، وليس بينهم مسلم، وقد تم تأهيلهم وتدريبهم من قبل المدارس التنصيرية التي نمَّت فيهم روح العداء للإسلام والمسلمين، وعملت على تدريسهم باللغة الإنجليزية بدلاً عن اللغة العربية؛ فأصبحوا يتحدثون بها بوصفها اللغة الرسمية لهم، وعملت على محاربة تدريس مادة اللغة العربية بحجة عدم ملاءمتها للجنوبيين، واستقدمت مدرسين من دولة كينيا لتدريس الطلاب المنهج الكيني بدلاً من مناهج الشمال الإسلامي العربي(3).

سعت الحركة الشعبية إلى إقامة علاقات مع المجتمع الدولي؛ حيث وجدت دعماً من النظام الإثيوبي بقيادة الاشتراكي «مانجستو هيلا ماريام» الذي فتح أبواب دولته للحركة التي كانت تتبنى الخطاب الاشتراكي في بادئ الأمر، ودعمهم بالسلاح والتدريب, ومع تغير النظام العالمي الجديد وسقوط الاتحاد السوفييتي اتجهت الحركة إلى إقامة علاقات مع منظمات المجتمع المدني الأمريكي، وبخاصة كتلة السود في الكونغرس لجذب تعاطفهم.

 كما ركّزت الحركة الشعبية على ملف حقوق الإنسان، وقدّمت صورة غير حقيقية عن الشمال، وادعت أن الحكومة السودانية تدير حرباً دينية تحت قيادة الجبهة الإسلامية، وأنها تعمل على التطهير العرقي، وتُصدّر الأفكار الإسلامية للجنوب والدول المجاورة، وتستخدم عائدات النفط لارتكاب جرائم منافية للإنسانية كالاسترقاق والتهجير القسري لغير المسلمين، ووجدت هذه الدعاية الكاذبة صدى واسعاً في المجتمع المدني الأمريكي الذي يحركه الإعلام ومراكز البحوث الأمريكية الواقعة في هيمنة اليمين المعادي للإسلام.

 وقد ساعد المناخ الدولي بعد أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من أحداث على اتهام الحكومة السودانية برعاية الإرهاب، كما قامت أمريكا بدعم الحركة الشعبية مادياً وعسكرياً، ودعت دول الجوار السوداني لتقديم الدعم للحركة وفتح قواعدها العسكرية لهم، وقام بعض المسؤولين الأمريكيين بزيارة مناطق الحركة الشعبية التي احتلوها، ومنهم سوزان رايس مندوبة أمريكا الحالية في الأمم المتحدة، إضافة إلى فرض عقوبات اقتصادية ضد الشمال، وتم استثناء الجنوب منها، كما عمدت أمريكا إلى إرسال 35 منظمة لمتابعة إغاثة الجنوب, حتى أصبح لديها ما يقارب (390) موظفاً يعملون في السودان ليشكّلوا 34% من الوجود الأجنبي(4).

 قامت الإدارة الأمريكية كذلك بفرض اتفاقية السلام «نيفاشا» عام 2005م على الحكومة السودانية، التي وافقت عليها نتيجة الضغوط والعقوبات, وبذلك استطاعت أمريكا أن تدعم حليفتها الحركة الشعبية، حتى نالت حكماً ذاتياً يمهّد للانفصال، مع مشاركتها في الحكومة المركزية بنسبة 28%، وكل ذلك كان تحت رعاية القس «دانفورث» مبعوث الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وبتخطيط من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطون.

أيضاً سعت الحركة الشعبية إلى الارتباط بإسرائيل، وتلقت دعماً كبيراً منها، وقد ساعد على ذلك خبرة جون قرنق الذي تلقي تدريباته العسكرية فيها؛ عندما كان في التمرد الأول عام 1971م.

في هذا الإطار كشف كتاب صدر عام 2002م من مركز «ديّان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا» بجامعة تل أبيب, للعميد في المخابرات الصهيونية «موشي فرجي»، بعنوان: (إسرائيل وحركة تحرير السودان), بوضوح أن «بن جوريون» مؤسس إسرائيل وضع استراتيجية لدعم الحركات العرقية في الوطن العربي، ومن بينها حركة تحرير السودان, وبالفعل شجّع الكيان الصهيوني الضباط الجنوبيون للالتحاق بالمعاهد العسكرية الإسرائيلية، ووقّع جون قرنق اتفاقيات مع إسرائيل بتزويدهم بالخبراء الذين أصبحوا يتوافدون على الجنوب منذ العام 1989م، وقد وصل عددهم إلى (15) خبيراً, شاركوا في وضع الخطط الحربية، وكان لهم دور في سقوط بعض المدن الجنوبية.

كما أن المئات من الضباط الصهاينة ذوي الأصول الإثيوبية (الفلاشا) كانوا تحت تصرف قيادة جون قرنق، وقد أصدرت دراسة إسرائيلية(5) عام 2004م عن مركز «دايان لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا» فصولاً عن المراحل الأساسية للتغلغل الصهيوني في جنوب السودان، حيث أكدت تلك الدراسة أن أجهزة «الموساد» تغلغلت في المنطقة تحت غطاء المنظمات الإنسانية تماماً، كما فعلت المنظمات التبشيرية في الجنوب وفي إقليم دارفور، وأضافت إن إثيوبيا كانت مركزاً حيوياً لانطلاق أنشطة «الموساد»، وكانت المحطة الأهم لاستقطاب قادة التمرد.

 أما ما يخص السلاح فتقول الدراسة إنه بدأ يتدفق على جنوب السودان عبر أوغندا، كما أمدت إسرائيل حركة التمرد بضباط من جيشها لتدريب المتمردين على القتال، وإن مراحل الدعم استمرت من عام 1956م إلى يومنا هذا. ‏

كل هذا يكشف عن دور إسرائيل في مشكلة جنوب السودان، ودعمها للحركة الشعبية عسكرياً وماديا،ً وقد ظلت علاقات الحركة بإسرائيل قائمة، وتوطدت أكثر عقب توقيع اتفاقية «نيفاشا»، فقد صرح عدد من مسؤولي الحركة الشعبية بإقامة علاقات مع إسرائيل بعد الانفصال عن الشمال، كما يلاحظ في الآونة الأخيرة كثافة الحضور الإسرائيلي في الجنوب في شتى المجالات والأنشطة الرسمية وغير الرسمية، وقيام العديد من الشركات والفنادق الإسرائيلية في جنوب السودان.

أيضاً سعت الحركة الشعبية إلى توسيع علاقاتها مع دول الجوار، وبخاصة مع أوغندا التي ساعدت الحركة الشعبية في مهدها، ودعمتها بالسلاح والتدريب والمعسكرات، وذلك يرجع إلى التداخل القبلي بين أوغندا وجنوب السودان؛ بالإضافة إلى العلاقة الشخصية بين جون قرنق قائد الحركة الشعبية ويوري موسفيني الرئيس الأوغندي اللذين درسا معاً في تنزانيا.

 وتسعى أوغندا إلى السيطرة على جنوب السودان اقتصادياً, فهي تدفعه إلى الانفصال عن الشمال حتى تنفرد بالأسواق الجنوبية التي يهيمن عليها الأوغنديون الذين بلغت عائدات تجارتهم في تعاملاتهم غير الرسمية (500) مليون دولار، وقد بلغت قيمة ما صدّرته أوغندا للجنوب من فواكه وأغذية عام 2009م (160) مليون دولار.

أيضاً توجد علاقات قوية بين الحركة الشعبية وكينيا التي قدمت مساعدات لوجستية للحركة، كما مارست دوراً مهماً في استضافة «اتفاقية نيفاشا للسلام» عام 2005م، وتسيطر كينيا على التحويلات والتعاملات البنكية والمصرفية للجنوب، ويُعد البنك التجاري الكيني الوحيد الذي يتم من خلاله تحويل المعونات والأموال لحكومة الجنوب، وكذلك تحويلات الأمم المتحدة في الجنوب، ولهذا البنك (10) فروع في الجنوب، كما تسعى كينيا إلى إنشاء خطوط تصدير للبترول بمعزل عن الشمال إلى كينيا عبر ميناء (لامو) على المحيط الهندي.

أيضاً توجد علاقات قوية بين إثيوبيا والحركة الشعبية, فهي الداعم الأول لها في عهد «مانجستو هيلا ماريام»، وقد قدّمت لها دعماً عسكرياً لاحتلال مدينتي الكرمك وقيسان في ولاية النيل الأزرق، كما سعت إثيوبيا عقب اتفاقية «نيفاشا» للهيمنة على المطاعم والفنادق الموجودة في الجنوب، كما أن لها نسبة في مصنع الخمور والبيرة في الجنوب، وهو المصنع الأول في إفريقيا، وبلغت تكلفته (40) مليون دولار، وتم تنفيذه عام 2009م.

أيضاً نشطت الحركة الشعبية في علاقاتها مع المنظمات غير الحكومية ذات الطابع الكنسي في دعمها ضد حكومات السودان المختلفة، وأبرز هذه المنظمات «مجلس الكنائس العالمي» الذي قدّم دعماً غير محدود للحركة الشعبية، ففتحوا لهم المدارس التبشيرية لتعليم أبناء الجنوب في المدارس التي توجد تحت قيادة الحركة الشعبية، كما سعى «مجلس الكنائس» إلى أن يكون وسيطاً في المفاوضات بين الحكومة والحركة الشعبية، أيضاً توجد بعض المنظمات الغربية ساعدت الحركة في حربها، مثل: «لجنة الصليب الأحمر» و «أطباء بلا حدود» في نقل السلاح والأغذية للجيش الشعبي.

بصورة عامة؛ نوجز بأن الحركة حققت عدة أهداف، وهي:

1 - كسبت تأييداً إقليمياً ودولياً حتى محلياً في حربها ضد الحكومة السودانية، واستخدمت كل الوسائل المختلفة في كسب تعاطف المجتمع الدولي معها، تارة باسم حقوق الإنسان, وأخرى باسم الحريات الدينية وغيرها.

2 - نجحت في حكم الجنوب، وتحقيق أهدافها في فصل الجنوب عن الشمال، وطبّقت الحكم العلماني بالرغم من وجود أغلبية مسلمة بالجنوب، بلغت نسبتها إلى 30%.

3 – إقامـة علاقات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية مع الدول المعادية للشمال؛ أبرزها أمريكا وإسرائيل وأوغندا، ولها علاقات مع دول عربية، مثل: مصر وليبيا.

(*) كاتب وباحث في الدراسات الاستراتيجية - السودان.

(1) محمود محمد قلندر: جنوب السودان مراحل انهيار الثقة بين الشمال والجنوب 1900م - 1983م، دار الفكر، ط 1 - 2004م، ص 333.

(2) إبراهيم ميرغني: مستقبل العلاقات بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، مجلة آفاق سياسية، العدد الرابع -  المجلد الثاني - يوليو 2008م، ص 66.

(3) واني تومي: الانفصال ومهددات الاستقرار في الجنوب، أوراق سودانية، مركز دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا، 2008م ، ص 138.

(4) عمر مهاجر: السودان في المشروع الأمريكي للقرن الجديد، مجلة آفاق سياسية، العدد الأول - يونيو 2004م، ص 87.

(5) مقـال: تقسـيم السـودان المشـروع القديم والجديـد, الدكـتور يوسـف إبراهيـم العيسـى.  www.tishreen.info/_poli.asp?FileName