الحج وأعمال القلوب.. نماذج إفريقية

  • 1 -10 - 2015
  • التحرير

ليس الأمر هيناً أن يتجرّد القلب من كلّ منازعٍ وشاغلٍ ليصفو لله تعالى وتبارك، بل إنّ ارتقاء القلب وسموّه إلى مقام التوحيد الخالص يحتاج إلى تضحياتٍ جسامٍ، وجهدٍ دؤوب، وتربيةٍ شاقة في كلّ لحظة من لحظاتها، ليتخلّص القلب من كلّ شائبةٍ تحول بين إقبال القلب وإذعانه لمولاه.

والحج من أعظم مقاصده تجريد التوحيد لله تعالى وتربية النفس على الإذعان والاستسلام له سبحانه، منذ أن يتجرد من ملابسه ويكتفي بالإزار والرداء، ويلبي معلنًا التوحيد: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك .."، إلى أن يتم أعمال الحج. 

وفي هذا السياق؛ يمكننا أن نسأل: لماذا جعل الله مكّة المكرمة صحراء مجدبة مشمسة، ولم يجعلها أرضاً خضراء وجناناً وارفة الظلال؟

والجواب – والعلم عند الله -: لتتهاوى كلّ المقاصد والرغبات إلا مقصود الله ورضاه، وإمعاناً في تحقيق هذا المعنى الدقيق كان لزاماً على الحاجّ ترك محبوبات مكة، كالكعبة والمسجد الحرام والحجر الأسود، بل أرض الحرم، ليتربى قلب الحاج على المقصود الأعظم الذي هو العبودية لله تعالى، وليس شيئاً آخر، فيخرج الحاجّ إلى عرفة، وعرفة خارج حدود الحرم صحراء جرداء، لا تلتفت لها النفوس ولا تذكرها القلوب إلا في هذا اليوم فحسب، وليس شيءٌ من عرفة له تعظيم، وهنا يتجلّى أنّ المقصود هو تحقيق ذلّ العبودية ولذة المناجاة.

وهكذا لو جرينا على مناسك الحج الأخرى لظهرت صورٌ أخرى تعمّق هذا المعنى وتَستظهرهُ، والمقصود أن يكون العبد باحثاً عن مقام التوحيد في قلبه، يستكشف عور نفسه وضعفها، ليبلغ افتقاره لربه غايته ومداه، وليستزيد من الله وقود الإيمان، ما يجعله يبلغ درجة سابقة في شتى أعمال القلوب، فهو مضطرٌ مفتقرٌ إلى الله تعالى، يوقن بعظيم منّته ورحمته وعظيم انتقامه وجبروته، فتزداد نفسه خضوعاً وذلاً وعبودية.

وفي هذا المقام؛ نجد أمامنا نماذج إفريقية عظيمة، استطاعت أن تصل إلى هذا المستوى الراقي من أعمال القلوب، وتتمثل فيها مدرسة في التقرب إلى الله، والتجرد له، في سبيل تحقيق التوحيد، من خلال الرحلة إلى أداء الركن الخامس من أركان الإسلام.

ففي جانب التضحية والمجاهدة تمثّل رحلة الحج من إفريقيا، وخصوصاً رحلات المناطق الغربية، نماذج بارزة، وصوراً مبهرة، لا تزال ماثلة في التاريخ لمن أرد أن يتعلم منها الإقبال على الله تعالى، والمجاهدة في سبيله، والتجرد من الدنيا.

ولكي نتصور هذا ونعيش في أجوائه؛ لتتأمل معنا – أخي القارئ – كيف كانت رحلة الحج في إفريقيا تستغرق شهوراً طويلة أو سنة أو سنوات كاملة، حتى يعود الحجاج إلى بلادهم وديارهم، كان الحجاج الأفارقة يُقدمون على رحلة الحج وهم يعلمون مدى ما فيها من مشقةٍ في السفر، ومخاطر الطرق، والأهوال، والتعرض للأمراض المختلفة، وكلفة الرحلة، وعلى الرغم من ذلك كانوا مقبلين على أداء الحج، تهفو أنفسهم إلى مكة المكرمة، حتى كان أهل الدار يحجّون كلهم، لا يبقى فيها أحدٌ من شدة اعتنائهم بالحج وحرصهم عليه، بل كان منهم مَن يحمل كلّ متاعه في الدنيا ويكتب وصيته لطول الرحلة، ومظنة الهلاك في أثنائها، والمدهش أنه مع كلّ ذلك كانت أعداد الحجاج الأفارقة في تلك الأزمنة كبيرة، إذ يقدّر عدد الحجاج سنوياً في (الركب الشنقيطي)[1] وحده، في تلك الفترة، ما بين (3000 - 5000) آلاف حاجّ، وهو رقمٌ كبيرٌ في ذلك العصر.

وفي جانب آخر من جوانب أعمال القلوب، وهو التجرد من متاع الدينا والزهد في محابها، فإنّ من أعظم ما يصرف العبد عن إرادة الله والدار الآخرة إلى إرادة الدنيا هي (المحاب)، كالمحابّ الثمانية في سورة التوبة: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة : 24]، والمحابّ السبعة في آية آل عمران: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران : 14].  

وتتسم عبادة الحج بخالصة لا تكاد تكون إلا فيه، بجعل الحاج يضحّي بكلّ محبوباته تلك، التي تزاحم محبة الله تعالى، حتى لو كانت مجبولة أو مشروعة، فهو يترك - مثلاً - طفلاً رضيعاً، وزوجة محبة، وأماً رؤوماً، وبيتاً تسكن فيه نفسه، وتجارة تجري بدمه، ومالاً ذهب عمره وهو يجمعه؛ وليس هذا فحسب، بل إنه إذا شرع في الإحرام تجرّد من محبوباتٍ ألفتها نفسه؛ برغم أنها مباحة في الأصل، لتصبح بعد إحرامه محرمة.

وفي هذا الجانب، نجد النماذج الإفريقية المبهرة، في التخلي عن هذه المحاب، ومن أبرزها سلطان مالي منسا موسى سلطان مالي، في عام 724هـ / 1324م، الذي أنفق من الذهب ما يتقاتل عليه الناس والملوك، وقد أشاد كثيرٌ من أمراء مصر بطيبته وحُسن أخلاقه وكرمه وصلاحه، ولم يكن عطاؤه وسخاؤه  مقصور على الحجاز ومصر، بل كان يلقي بالذهب هنا وهناك, وأنعم على كلّ القبائل التي كانت تقيم على طول الطريق منذ خروجه من بلده حتى وصوله إلى مكة المكرمة[2].

ولا تقتصر فوائد الحجّ التربوية على أعمال القلوب، بل كان لرحلات الحج فوائد عظيمة أخرى، على مرّ التاريخ الإسلامي في إفريقيا، فكلّ رحلة مثلّت تجربة ثرية، ليس في حياة الأفارقة من الحجيج فحسب، بل تعدى أثرها واتسع مداها بحسب ما تهيأ من الأسباب، وأحاط بها من ملابسات.

وقد حرصنا في هذا العدد على أن نقدّم دراسةً مفصلةً عن رحلات الحج الإفريقية، وما كان يسودها من حيويةٍ ونشاطٍ وتفاعلٍ اجتماعيٍّ ودينيٍّ وعلميٍّ وثقافي، وما كان لتلك الرحلات من تأثيراتٍ عامّةٍ في حياة المسلمين الدينية والعلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، مما نحتاج إلى أن نستثمره في تصفية القلوب، وتنقية النفوس، وبناء وَعْي إيمانيٍّ يساهم في بناء المجتمع المسلم في إفريقيا.

[1] بوابة إفريقيا الإخبارية، دور الرحالة الموريتانيين في التواصل الحضاري بين ليبيا وموريتانيا.. ابن طوير الجنة نموذجاً، محمود المعلول - كاتب وباحث ليبي.

[2] نبيلة حسن محمد, في تاريخ إفريقية الإسلامية, دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1427هـ / 2007م، ص 246.