الجيوش الإفريقية وتحدي الاحتراف العسكري

  • 8 -7 - 2018
  • إميل أويدراوغو


إميل أويدراوغو

ترجمة :أحمد المرابطي 

رابط المقال الأصلي: https://www.files.ethz.ch/isn/182084/ARP-6-EN.pdf 

إنّ بناء الجيوش الاحترافية يتوقف على استيعاب مجموعةٍ من القواعد والمبادئ، إذ لا يهمّ عدد القوات المسلحة وحجمها؛ بقدر ما يهمّ نوعيتها وكفاءتها ومدى فعالية تدخلاتها، ونجاعة قدراتها العملياتية.

وعموماً تتحدّد أهمّ مؤشرات مهنية الجيوش في تبعية القوات العسكرية وخضوعها للسلطة المدنية، ومؤشر الولاء للوطن ولدولة القانون، ومؤشر الحياد السياسي، وغيرها من المبادئ والمؤشرات الأخرى التي لا تقلّ أهمية.

وإذا كانت الجيوش الإفريقية تعترضها صعوباتٌ جمّة في طريق سعيها نحو كسب تحدي الاحتراف العسكري؛ فإنّ هذه الصعوبات قابلةٌ للتجاوز إذا توفرت الإرادة لدى قادة الدول الإفريقية.

 هذا ما تحاول مقاربته، بشيءٍ من التفصيل والتحليل، هذه الدراسة الأكاديمية.

أولاً: مبادئ الاحتراف العسكري:

يقوم الاحتراف العسكري على عدة أُسس ومبادئ، مثل:

1- تبعية الجيش للسلطة المدنية:

تستلزم مهنية الجيوش واحترافيتها اشتغال مؤسسة الجيش في إطار ثقافةٍ سياسيةٍ ديمقراطية بالبلاد، وهذه الثقافة- كما يرى «صامويل فينر» في كتابه (الرجل على ظهر الحصان: دَور الجيش في السياسة)- لا تقـوم إلا بقيـام توافقٍ مجتمعي مدني واضحٍ علـى آليـات تداول السلطة السيـاسية، واعترافٍ بقدرٍ واسعٍ من السيادة الشعبية[1].

ولذلك؛ فإنّ مفهوم الاحتراف العسكري Military Professionalism في الدول الديمقراطية يجسّد بالضرورة قيماً أساسية معيّنة؛ مثل القبول بشرعية المؤسسات الديمقراطية، والحياد أو عدم التحيّز لطرفٍ ما من الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية، فضلاً عن احترام حقوق الفرد الأساسية والدفاع عنها. ففي إطار ثقافةٍ سياسيةٍ ديمقراطيةٍ صلبة؛ نجد أنّ السلطات المدنية المنتخبة شرعيّاً هي المسؤولة الوحيدة عن إدارة الشؤون العامّة في البلاد، بما في ذلك السهر على وضع السياسة الأمنية والدفاعية، بينما لا تعمل القوات المسلحة إلا على تنفيذ هذه السياسة.

2- الولاء للوطن ولدولة القانون:

إنّ بناء الجيوش الاحترافية يتوقف على ولائها الواضح لدولة القانون من جهة، واحترام المجتمع المدني من جهةٍ ثانية، وعدم التدخل في النقاش الذي يجري بين الطرفَين فيما يتعلق بإدارة الشؤون العامّة من جهةٍ ثالثة. ولكون عملية الدمقرطة قد تصطحبها اضطراباتٌ، قد تُستغل من قِبَل أحدهم لإحداث حالة عدم استقرارٍ داخليٍّ مؤقتٍ بالبلاد، فإنّ حياد القوات المسلحة ودعمها لدولة القانون يبقى ضروريّاً، وإلا أصبح مسار التحوّل نحو الديمقراطية صعباً[2].

إنّ الدول التي مرّت بانقلاباتٍ عسكرية وتدخلاتٍ في الشؤون السياسية دفعت فواتير باهظة في السنوات الطويلة اللاحقة؛ إذ بمجرد أن تتعرض الدولة لانقلابٍ عسكري يرتفع معدل الانقلابات فيها بشكلٍ كبيرٍ وخطير، ونشير في هذا السياق إلى أنّ 65% من دول جنوب الصحراء قد عرفت انقلاباً عسكريّاً واحداً، و42% منها قد شهدت انقلاباتٍ عديدة[3]، وفي الواقع؛ فإنّ أغلب هذه الانقلابات استهدفت أنظمةً عسكريةً كانت قد جاءت إلى السلطة عبر انقلابٍ عسكريٍّ هي أيضاً؛ فما بين سنتَي 1960م و 2012م يُلاحظ أنّ تسع محاولات انقلابٍ بالسودان كانت موجهةً ضدّ أنظمةٍ عسكرية، كما استُهدفت مثل هذه الأنظمة سبع مرات من أصل عشرة انقلابات شهدتها غانا خلال الفترة نفسها.

وبمجرد أن يتمّ سلوك هذا النهج في انتقال السلطة؛ تغدو الأنظمة التي تنشأ عنه عبئاً ثقيلاً يصعب التخلّص منه، وكثيراً ما تؤدي إلى زعزعة استقرار الدول أو انهيارها حتى. لكن على الرغم مما تشكّله هذه الانقلابات من تهديدٍ حقيقيٍّ ومقلقٍ في إفريقيا؛ فإنّ حجم الانقلابات الناجحة فيها أخذ يتضاءل بشكلٍ ملاحظ منذ أواسط سنوات الـ2000، وأخذت تتركز عموماً في شرق إفريقيا ووسطها (انظر: الجدول 1).

الجدول (1): عدد ونوع الانقلابات العسكرية في البلدان الإفريقية (2012-1960م)[4]

السنة

الانقلابات الناجحة

المحاولات الانقلابية الفاشلة

1960

1 (جمهورية الكونغو الديمقراطية)

 1 (إثيوبيا)

1961

-----

1 (الصومال)  

1962

-----

1 (السنغال)

1963

3 (توجو، الكونغو، بنين)  

1 (جمهورية الكونغو الديمقراطية)

1964

-----

4 (غانا، تنزانيا، الغابون، DRC)

1965

5 (بنين، الجزائر، بنين، بنين)

1 (بروندي)  

1966

8 (جمهورية إفريقيا الوسطى، نيجيريا، أوغندا، غانا، بوركينافاسو، بروندي، نيجيريا، بروندي)

2 (توجو، السودان)  

1967

3 (توجو، سيراليون، بنين)  

1 (غانا)  

1968

3 (سيراليون، الكونغو، مالي)  

-----

1969

4 (ليبيا، السودان، الصومال، بنين)  

-----

1970

-----

3 (الكونغو، توجو، غينيا)

1971

1 (أوغندا)  

4 (سيراليون، أوغندا، السودان، تشاد)  

1972

3 (غانا، مدغشقر، بنين)  

2 (الكونغو، بنين)

1973

2 (سوازيلاند، رواندا)

1 (كوت ديفوار)

1974

3 (بوركينافاسو، نيجيريا، إثيوبيا)

5 (أوغندا، أوغندا، أنغولا، جمهورية إفريقيا الوسطى، مدغشقر)

1975

2 (تشاد، نيجيريا)

3 (بنين، السودان، موزمبيق)

1976

1 (بروندي)

6 (جمهورية إفريقيا الوسطى، نيجيريا، النيجر، أوغندا، مالي، السودان)

1977

1 (سيشل)

6 (بنين، السودان، الكونغو، تشاد، أنغولا، أوغندا)

1978

3 (جزر القمر، غانا، موريتانيا)

3 (مالي، الصومال، السودان)

1979

3 (غانا، غينيا الاستوائية، جمهورية إفريقيا الوسطى)

2 (تشاد، غانا)

2005

1 (موريتانيا)

-----

2006

1 (تشاد)

2 (مدغشقر، كوت ديفوار)

2007

-----

-----

2008

2 (موريتانيا، غينيا)

-----

2009

-----

1 (مدغشقر)

2010

1 (النيجر)

2 (غينيا بيساو، مدغشقر)

2011

-----

3 (جمهورية الكونغو الديمقراطية، النيجر، غينيا بيساو)

2012

2 (مالي، غينيا بيساو)

-----

إنّ العوامل التي تجد فيها القوات المسلحة مبررات للإطاحة بالحكومات المدنية تكمن عموماً في تفشي الفساد بالدولة الإفريقية، وافتقارها إلى البنية المؤسسية الديمقراطية، وكذا الضعف الذي يعتري منظومتها الاقتصادية. هكذا نجد- ومنذ الاستقلال- أنّ دول الساحل والصحراء التي أمسى ناتجها الداخلي الإجمالي متدنيّاً هي التي شهدت أكثر الانقلابات العسكرية عدداً؛ مقارنةً بمثيلتها التي أضحت نسب ناتجها المحلي مرتفعة[5]، وعموماً: فإنّ قيادة العسكريّين للحكم يؤدي دائماً إلى نتائج كارثية بالنسبة لاقتصاد الدولة، فمثلاً: سجّل النمو الاقتصادي في كلٍّ من (غينيا ومالي وموريتانيا ونيجيريا) انكماشاً بنسبة 4,5% بعد قيام الانقلابات العسكرية فيها[6].

ويرى صامويل هنتنغتون أنّ التدخل العسكري في الشؤون الحكومية مسألةً «سياسية» أكثر مما هي «عسكرية»، وهذا ما يعكسه الواقع في معظم الدول الإفريقية[7].

3- أخلاقيات المهنة/ القدوة الحسنة:

من النادر جدّاً في إفريقيا أن تُسائل السلطة التشريعية القادة العسكريّين

بالإضافة إلى ضرورة خضوع القوات المسلحة لآلية الرقابة المدنية الديمقراطية وولائها للأمّة؛ فإنه لابدّ من توفر قيمٍ أخلاقية معيّنة كشرطٍ أساسي لبناء الجيوش الاحترافية، وهذا ما يستوجب مساءلة القادة العسكريّين والجنود عن أفعالهم، والاحتكام لمعيارَي الاستحقاق والجدارة في ترقيتهم، فضلاً عن ضرورة أخذهم بعين الاعتبار لمتطلبات النزاهة والعدل والإنصاف في إنفاذهم للقوانين والتدابير الخاصّة بالأمن، ولا شك بأنّ هذه الأخلاق المؤسسية يجب أن تُلقّن للجنود في دوراتٍ تدريبيةٍ خاصّة؛ تماماً مثلما يخضعون لتدريبات الانضباط وأعراف الحرب.

ثانياً: عوائق الاحتراف العسكري:

1- إرث الاستعمار:

تجد أسباب تدخل القوات المسلحة الإفريقية في الشؤون الاقتصادية والسياسية جذورها في التاريخ الكولونيالي الذي عرفته هذه القارة، ولكون الجيوش الإفريقية تأسست على أنقاض الجيوش الاستعمارية فإنّها قد ورثت من المستعمر بذور التفرقة الإثنية التي وقفت حجر عثرةٍ أمام احترافها العسكري، فمن المعلوم أنّ الأقليات الإثنية كانت تشكّل عموماً جزءاً مهمّاً من القوات الاستعمارية بالشكل الذي تستطيع أن تحقق من خلاله توازناً مع المجموعات العِرْقية الأكثر قوةً في تاريخ هذا البلد أو ذاك؛ فمثلاً: أقلية التوتسي في بروندي ورواندا، والأقلية التي تمارس النشاط الرعوي في المناطق الشمالية لغانا ونيجيريا وتوجو، كانت تشكّل العنصر المهيمن في التركيبة البشرية للقوات المسلحة الفرنسية والبريطانية فيما قبل الاستقلال.

ولقد كان لهذا المتغيّر الإثني تداعياتٌ كبيرةٌ على مستوى تشكيل القوات المسلحة في فترة ما بعد الاستقلال، إذ من المعروف أنّ موجة الانقلابات العسكرية التي اجتاحت دول المنطقة آنذاك، والتي أطاحت ببعض أنظمتها، كانت- في العديد من الحالات- من تدبير ضباطٍ ينتمون إلى هذه الجماعة الإثنية أو تلك، ومن بين مدبري هذه الانقلابات العسكرية- مثلاً- نذكر: «إتيان إياديما» في توجو سنة 1963م، و«سنغولي لاميزانا» في بوركينافاسو سنة 1966م، و«جان بيديل بوكاسا» بجمهورية إفريقيا الوسطى سنة 1966م، و«عيدي أمين دادا» في أوغندا سنة1971 م.

واليوم، وبعد خمسين سنة مرّت على الاستقلال، لم يعد ممكناً لهذا العامل، أي الإرث الاستعماري، أن يسوّغ استمرار افتقار العديد من الجيوش الإفريقية للمهنية والاحتراف. وفي الواقع؛ فإنّ حكومات ما بعد الاستقلال كان لديها فرصةٌ لبناء جيوشٍ وطنيةٍ حديثة؛ لكن حكام المرحلة اختاروا عكس ذلك ولم يجدوا غضاضةً في استغلال هذه النقائص في خلق وتكريس نُظُمٍ سياسيةٍ أوتوقراطية، وقد انتصبت- نتيجةً لذلك- مجموعةٌ من التحديات بوجه الجيوش التي تسعى نحو الاحتراف العسكري بإفريقيا، بما في ذلك استمرار تأثير العامل الإثني والقبلي في القوات المسلحة وتسييسها، وكذا ضعف قدراتها العملياتية.

2- التحيزات الإثنية والقبلية:

لا شك بأنّ الجيش الذي يُبنى على أساس اعتبارات إثنية أو قبلية لا يستطيع أن يدافع عن الوطن والأمّة، ولن يدافع إلا عن مصالح القبيلة أو المجموعة الإثنية التي يتكوّن منها، هكذا سيفتقر إلى الشرعية والكفاءة والثقة الشعبية، وبالتالي عدم الفعالية.

ولسوء الحظ؛ فإنّ أغلب الجيوش الإفريقية ما زالت تتأسس على اعتباراتٍ إثنية وقبلية، فمثلاً: التركيبة الإثنية للقوات المسلحة في تشاد لا تمثّل جميع إثنيات البلاد، فالمجموعة الإثنية «الزغاوة»، التي ينتمي إليها الرئيس إدريس ديبي، تسيطر على مؤسسة الجيش والمناصب العسكرية العليا منذ 1990م؛ تاريخ إزاحة حسين حبري من السلطة. كما أنّ جيش توجو يعتبر مثالاً على هيمنة الأقلية الإثنية أو تلك على تركيبة الجيوش الإفريقية، حيث يشكّل الأفراد المنحدرين من المنطقة الشمالية للبلاد نسبة 77% في الجيش، ومن ضمن هذه المجموعة تمثّل مجموعة «الكابي» الإثنية- التي ينتمي إليها الرئيس- 70%، ونجد 42% ينحدرون من بلدة الرئيس، مع العلم أنّ إثنية «الكابي» لا تشكّل سوى ما بين 10 إلى 12% من سكان توجو[8].

إنّ عملية التوظيف في الجيش بناءً على أساس العِرْق الذي ينتمي إليه الرئيس هي ممارسةٌ شائعةٌ جدّاً في الدول الإفريقية، وفي ظلّ ذلك يكون ولاء الضباط للرئيس أشدّ من ولائهم للوطن وتشريعاته الأساسية، ـولا شك بأنّ هذه الممارسة تقوّض المعـايير المهنية للقوات المسلحة، كمـا تضعها فـي مواجهة بعضها مع البعض الآخر لاعتبارات إثنية، ولقد تجلّت مخاطر ذلك بشكلٍ واضحٍ عندما اندلع القتال الداخلي فجأةً بجنوب السودان في دجنبر (ديسمبر) من عام 2013م، حيث أدى إلى إعاقةٍ حقيقيةٍ لعملية بناء القطاع الأمني في أصغر بلدٍ في إفريقيا.

في مقابل ذلك؛ فإنّ الجيش المكوّن من الجماعات الإثنية المحلية من جميع مناطق البلاد؛ يمكن أن يُرسي أساساً صلباً لبناء الدولة الديمقراطية، ويخلق ظروفاً خصبة للاحتراف العسكري، ومن الأمثلة الحديثة: قوات الدفاع الوطني بجنوب إفريقيا، إذ بعد نهاية الأبارتهيد تمّ تكوين الجيش من رجالٍ ونساءٍ كانوا في صفوف القوات المحاربة سابقاً، وتحت ضغط التحوّلات السياسية التي كانت تعيش على إيقاعها البلاد آنذاك؛ ما كان للجيش إلا أن يتجاوب معها، ويمثّل مجموع الشعب الجنوب-إفريقي بالشكل الذي يعكس تعدّد هوياته، ولقد حافظ كلٌّ من الجيش والحكومة والمجتمع المدني على هذه الطبيعة المتعددة للقوات المسلحة؛ بوصفها جزءاً لا يتجزأ من سياسة الأمن القومي لجنوب إفريقيا.

3- تسييس الجيش وعسكرة السياسة:

إنّ تسييس الجيش يُخفي وراءه منافسةً حاميةً بين السياسيّين بهدف كسب الدعم العسكري، وتبعاً لذلك كانت أغلب الانقلابات العسكرية في إفريقيا مدعومةً من الأطراف السياسية المتنافسة.

وتحاول بعض الأحزاب جاهدةً إيجاد متعاطفين معها في صفوف القوات المسلحة، للاستيلاء على السلطة وقتما تسنح الفرصة، ففي كوت ديفوار استمر أنصار الرئيس السابق لوران غباغبو في البحث عن الدعم من جانب القوات المسلحة لتقويض سلطة الرئيس الحسن وتارا[9]، وهكذا أمسى اعتماد الأحزاب على القوات المسلحة- وليس الشعب- ممارسةً شائعةً ومشتركةً في جلّ الدول الإفريقية.

وعلى ضوء هذه العلاقة الملتبسة بين الساسة والعسكر؛ أصبحت المؤسسة العسكرية في عيون المجتمع أكثر تحيّزاً وتحزباً، وأقلّ مهنيةً في المقابل، وهو الشيء الذي قلّل من الاحترام المطلوب لهذه المؤسسة، خاصّةً فيما يتعلّق باحترام معايير الكفاءة والإخلاص والانضباط في توظيف الجنود. ولا شك بأنّ حاجة الفاعل السياسي للدعم العسكري هو الذي يفسّر لماذا يتسامح؛ بل يشجّع أحياناً استعمال القادة العسكريّين للموارد العامّة للإثراء الشخصي.

وعموماً؛ فإنّ واقع الدول الإفريقية لا يعكس تسييس الجيش فقط، وإنما يشي أيضاً بعسكرة السياسات العامّة بهذه الدول.

4- ضعف القدرات العملياتية:

يتطلب الاحتراف العسكري للجيوش قيادةً فعّالةً وأنظمة تحكّمٍ حازمة، فضلاً عن مهاراتٍ وموارد كافية للنجاح في تنفيذ المهام المنوطة بها، غير أنّ ضعف القدرات العملياتية للجيوش الإفريقية تجعلها غير قادرةٍ على القيام بهذه المهام، ما يجعل أهمية وجودها موضع تساؤل. ولا شك بأنّ القبض على «غوما» من قِبَل جماعة «حركة 23 مارس» (إم 23) المتمردة بـجمهورية الكونغو الديمقراطية، وتفكك جيش جمهورية إفريقيا الوسطى بعد الاحتلال السهل والسريع للعاصمة (بانغي) من طرف قوات «سيليكا» سنة 2013م؛ يشي بضعف الكفاءة العملية لجيوش دول جنوب الصحراء الكبرى، ومن الأسباب العديدة التي تقف وراء هذا الضعف: الثغرات الموجودة على مستوى تراتبية القيادة وما تؤدي إليه من عدم الانضباط، وضعف الرقابة على صفقات اقتناء الأسلحة، والقصور على مستوى تدبير الموارد، وضعف المعنويات؛ بالإضافة إلى كون المهام تبقى غير منسّقةٍ أو متقادمة.

- ضعف الرقابة على صفقات اقتناء السلاح:

يؤدي ضعف الرقابة على عقود الشراء بوزارة الدفاع إلى فتح الباب على مصراعَيه أمام الفساد؛ مما يخلق مشكلاتٍ كثيرةً على مستوى الحكامة، فمثلاً، في إطار تقييم قطاع الدفاع في 19 بلداً إفريقيّاً، سجّلت منظمة الشفافية الدولية أنّ 90% منها تُصنّف في مراتب دنيا من حيث شفافية عمليات الشراء (انظر: الجدول 3). وعلى الرغم من احترام المساطر الإدارية في المراحل الأولى لرصد الاعتمادات؛ فإنه مع ذلك يكفي وضع خاتم «سرّي» أو «مصنّف» في الأسواق العامّة؛ لتجنّب رقابة الافتحاص المالي العمومي، وإذا كانت بعض المبيعات العسكرية تتطلب نوعاً من السرّية لغايات الأمن القومي؛ فإنّ أغلبها لا يحتاج إلى مثل هذا الطابع السري.

الجدول (3): معدلات مكافحة الفساد في بعض الفروع المالية والإدارية لقطاع الدفاع؛ في 19 بلداً إفريقياً

(0= شفافية منخفضة، 4 = شفافية مرتفعة)[10]

ويلاحظ، في العديد من الدول الإفريقية: أنّ قرارات شراء الأسلحة تتركز في يد أوليغارشية عسكرية وسياسية متحالفة مع شركاء محليّين وأجانب، مما يجعل العمليات التي تقوم بها تُوظّف لأغراضٍ تجارية تخدم مصالحها أكثر مما تلبّي الحاجيات الحقيقية للقوات المسلحة، ففي 2007م شكّلت الرشوة في الإمدادات العسكرية في إفريقيا حوالي 10% من القيمة المالية للعقود المبرمة[11].

إنّ تلقي العمولات والرشاوى في المعاملات التجارية الخاصّة بالأسلحة؛ يؤدي إلى بيع المعدات العسكرية بأثمانٍ باهظة، وبشكلٍ لا يستجيب للحاجيات الفعلية للقوات المسلحة، ففي أوغندا- مثلاً- تورط الجنرال «سليم صالح»، الأخ غير الشقيق للرئيس يوري موسيفني، في فضائح مالية عديدة قبل أن يستقيل من منصبه بوصفه مستشار الرئيس في شؤون الأمن والدفاع[12]، حيث قام باقتناء دبابات ومقاتلات غير جيدة وغير صالحة للاستعمال؛ في مقابل رشاوى لأعضاء القيادة العليا للتستر على ذلك[13]. وفي سنة 2010م تمّ اعتقال وزير الدفاع الكاميروني «ريمي زي ميكا»، واتهامه بتحويل الاعتمادات التي كانت مخصّصة لمشروعات التنمية العسكرية خلال ولايته ما بين سنتَي 2004م و2009م. وفي سنة 2013م انكبت إدارة الرئيس «جاكوب زوما» على تعميق البحث في قضايا الرشاوى المتعلقة بالمقتنيات الحكومية من المعدات المفرطة التكلفة من الشركات العسكرية العالمية سنة 1999م، حيث تجاوز المبلغ الإجمالي لهذه الصفقات ستة مليارات دولار.

ومن النادر جدّاً في إفريقيا أن تُسائل السلطة التشريعية القادة العسكريّين، أو أن تتدخل في العمليات التجارية التي يقوم بها هؤلاء، والتي غالباً ما يعوزها الوضوح والشفافية. وكقاعدةٍ عامّة: فإنّ البرلمان في البلدان الإفريقية لا يراقب النفقات العسكرية؛ خصوصاً أنه يرى في ذلك تشويشاً على الأمن القومي، ومثلاً: فإنّ كينيا التي تُصنّف السابعة إفريقيّاً من حيث الإنفاق العسكري[14]؛ لم تضع القانون الذي يلزم إخضاع القوات المسلحة وتقاريرها وحساباتها المالية المتعلقة بالدفاع لرقابة البرلمان ورئيس الدولة إلا في سنة 2012م.

وفي المقابل؛ ثمّة دولٌ، مثل السنغال وجنوب إفريقيا، تتوفر على هيئاتٍ مدنيةٍ قويةٍ في وزارات الدفاع، تساهم في تعزيز الشفافية على مستوى رصد الاعتمادات المالية[15]، وفي كلٍّ من بوركينافاسو وأوغندا تمارس السلطة التنفيذية رقابةً على وضع ميزانية وزارة الدفاع قبل الموافقة عليها.

وعندما يتدخل ما هو سياسي على هذا المستوى؛ فإنّ المجتمع المدني يقوم بدَوره المطلوب إزاء الحكومة، ففي سنة 2012م مثلاً تمّت إقالة وزيرة الدفاع وقدماء المحاربين في جنوب إفريقيا «لينديوي سيسولو» بعد أن أثار الرأيَ العام المفاوضاتُ السرية التي أبرمت من خلالها صفقةً تُقدّر بمائتَي مليون دولار لشراء طائرات خاصّة بالأعمال للرئيس الجنوب إفريقي (جاكوب زوما) ونائبه (كاليما موتلانتي).

يشكّل عدم الانضباط وغياب العدل في العديد من ثكنات إفريقيا جنوب الصحراء مؤشراً على عدم كفاية بعض المجالس التأديبية العسكرية

- ضعف تدبير الموارد المالية والبشرية:

تلعب الإدارة الفعالة دَوراً أساسيّاً لضمان نجاح العمليات العسكرية، إذ يكفي التوفر على جهازٍ إداريٍّ قوي ليتسنّى تعبئة موارد القوات المسلحة الإفريقية- مهما كانت ضعيفة-، وتخصيصها من أجل أداءٍ أفضل، غير أنّ القصور في تدبير هذه الموارد ما زال قائماً وملاحظاً لدى الجيوش الإفريقية على جميع المستويات، البشرية منها والمادية واللوجستية.

ويُذكر أنّ أهمّ تراجعٍ شهدته دول إفريقيا، على مستوى القدرات العملية لقواتها المسلحة، سُجّل في التسعينيّات بعد نهاية الحرب الباردة، غير أنّ هذا لا يعني أنّ هذه القوات كانت أكثرَ مهنيةً وكفاءةً من ذي قبل؛ بقدر ما يعني أنها كانت آنذاك تتوفر- على الأقلّ- على الحدّ الأدنى من المعدات والتجهيزات الضرورية بفضل اتفاقيات التعاون والدعم المادي السخي من طرف القوى الدولية الكبرى. إلا أنّ انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي قد وضع حدّاً للدعم الذي كان يُقدّم لهذه القوات؛ التي وجدت نفسها غير قادرةٍ على الحفاظ على تماسك قدراتها العملية، ففي بوركينافاسو– مثلاً- تمّ في سنة 1999م سحب التمويل الذي كانت تُقدمه البرامج الألمانية للتعاون، والتي يرجع لها الفضل الكبير في تقوية خدمات الجيش، خصوصاً على مستوى بناء الطرقات وإصلاحها في المناطق النائية.

- ضعف الروح المعنوية:

تؤدي المعنويات المرتفعة دَوراً لا يُستهان به في ساحة المعارك، إذ بدونها تكون الهزيمة أمراً محتوماً ولا مفرّ منه.

ولقد نتج نقص التحفيز في صفوف الجنود الماليّين في مواجهة كلٍّ من الجماعات الإسلامية وانفصاليّي الطوارق في عامَي 2012م-2013م عن تضافر مجموعةٍ من العوامل، على رأسها عدم الاستقرار السياسي الناجم عن الانقلاب العسكري، واستفحال الفساد على أعلى مستويات القيادة، وضعف الدعم والمعدات المقدّمة للقوات الموجودة في الصف الأمامي التي كانت تقاتل المسلحين.

ولا شك بأنّ استشراء الفساد في أعلى هرم المؤسسة العسكرية يعمل على تقويض الروح المعنوية في صفوف الجنود، ويجعلهم أكثر عرضةً لارتكاب أعمال وجرائم الفساد بدَورهم[16]. ويلاحظ أنّ الجنود- الذين تكون أجورهم غير كافية أو تُصرف بطريقةٍ غير منتظمة- يلتجؤون إلى ابتزاز الأموال والممتلكات من السكان المحليّين، أو الانخراط في أنشطةٍ مدرّة للربح من أجل ضمان لقمة عيشهم، وكما يحدث في باقي الدول الإفريقية؛ يقوم الضباط في مالي بتوظيف جنودٍ وهميّين وأشباح؛ بهدف بيع التجهيزات ومراكمة الأموال في حساباتهم البنكية الشخصية[17].

وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية- مثلاً- ثمّة تقارير إعلامية تربط عدم صرف أجور الجنود بالفساد المسجّل على مستوى قمّة القيادة، وهو الشيء الذي يدفع هؤلاء الجنود– تعبيراً عن ردّ فعلهم- إلى عدم حماية القرى من غارات «جيش الربّ للمقاومة» في أوغندا[18].

ونظراً لضعف معنويات الجنود؛ فإنهم لا يتوانون في الانخراط والمشاركة في أنشطةٍ إجراميةٍ منظمة؛ فمثلاً: عندما لم تُصرف رواتبهم في التسعينيات؛ أقدم كبار الضباط في غينيا بيساو على بيع الأسلحة والألغام الأرضية لمتمردي «كازامانس» قبل التوجه إلى الاتجار في المخدرات بعد ذلك. ولقد كان للاضطرابات السياسية والعسكرية، وما أدت إليه من زعزعة الاستقرار في غينيا بيساو، ارتباطٌ وثيقٌ بالاتجار في المخدرات الذي أفسد الحكومة والقيادة العسكرية[19]. كما اخترقت نفس هذه الكارتلات التي تتجر في المخدرات القيادات العسكرية في دول غرب إفريقيا وإن بطرقٍ أخرى، فقد حاول الزعيم المالي السابق «أمادو توماني توري» استغلال الجريمة المنظمة كوسيلة لبسط النفوذ في الشمال[20]، كما تمّ وضع أعضاء من الجيش المالي في خدمة الجناح العسكري لعصابات المهربين وتوجيهها مؤقتاً[21]، بل أقدم المسؤولون الماليّون على الانخراط مباشرة في الصِّدامات التي تنشب بين هذه العصابات الإجرامية[22].

ثالثاً: أولويات بناء جيوش إفريقية احترافية:

على الرغم من الصعوبات المستعصية التي تنتصب في وجه تأهيل القوات المسلحة الإفريقية وإصلاحها، فلا يزال هناك أملٌ لتجاوزها، ولبلوغ ذلك يتطلب الأمر القيام بالإصلاح على مستوى ثلاثة مجالات رئيسة:

أ- مراجعة صلاحيات القوات المسلحة:

يتطلب بناء القوات المسلحة تكاليف باهظة، إذ تبقى دائماً في حاجةٍ إلى موارد من أجل تكوينها وتدريبها وتجهيزها وصيانة معداتها، ولذا صار لزاماً على هذه القوات تجنّب إهدار الموارد المادية المتاحة.

وجدير بالذكر؛ أنّ غالبية الجيوش الإفريقية تمّ تنظيمها أساساّ لمواجهة العدوان الخارجي، وليس لمستوى التعامل مع التهديدات الأمنية غير التقليدية، من قبيل: الصراعات الداخلية، والجريمة العابرة للحدود، والقرصنة البحرية، والإرهاب، وانتشار الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، ولا شك بأنّ هذا- خاصّةً- ما يفسّر عدم كفاءة القوات المسلحة الإفريقية.

- إعادة تحديد المهام: إنّ إنشاء قوات مسلحة غير مسيّسة، وقادرةٍ على الاضطلاع بمهامّها، ومسؤولةٍ عن أفعالها، من بين أهمّ الأهداف التي تسعى سياسة الدفاع إلى بلوغها[23].

ومن بين المشكلات التي تواجهها العديد من الحكومات الإفريقية؛ نذكر مسألة: التعامل مع جيوشها التي لا تُستخدم في القتال، فالقوات المسلحة الغانية- مثلاً-، شأنها شأن معظم القوات الإفريقية، لم يتسنّ لها الدفاع عن بلدها ضدّ العدوان الخارجي لمدة طويلة، ولاستعمال خبراتها؛ فإنها تقوم بتقديم الدعم عند الحاجة لوكالات الأمن الوطنية، كما تشارك في مختلف عمليات حفظ السّلم الدولي. كما يساعد الجيش الغاني الشرطة في استعادة النظام عند نشوب أعمال عنف، ويُساهم كذلك في دورياتٍ مختلطةٍ مع الشرطة بالمناطق الحضرية؛ للتصدي لجرائم السطو المسلح وغيرها. وزيادة على ذلك؛ فقد دعم أيضاً وزارة الأراضي والموارد الطبيعية؛ بهدف حماية احتياطيات الغابة والحدائق من الصيد الجائر وغيرها[24].

ومن جهتها؛ تعمل السنغال أيضاً على إشراك قواتها في بعض مشروعات الأشغال العامّة عبر التعاون المدني-العسكري، الذي تقوم من خلاله القوات المسلحة السنغالية بدعم تطوير البنية التحتية، والخدمة الوطنية، وحماية البيئة.

- دعم كفاءة الجندي: يتعيّن إعطاء الأولوية لتنمية وتطوير أفراد الأمن وتربيتهم وتدريبهم؛ حتى يصبحوا أكثر كفاءة ووعياً واحتراماً، وفي ظلّ انخفاض ميزانية الدفاع؛ فإنّ نشر القوات الأمنية سوف يعتمد أكثر على استراتيجياتٍ ذكية للمواجهة، توازن بين قدرات هذه القوات ومعرفتها العميقة بالمجتمعات المحلية المعنية.

- التركيز على التكوين والتدريب: تتمثّل إحدى الصعوبات- التي تواجه العديد من القوات المسلحة الإفريقية- في كون المعرفة الأكاديمية والتدريب القتالي لا يُعدّان شرطَين ضروريّين للترقية المادية والإدارية، في وقتٍ يكتسي فيه كلٌّ من التعليم والتدريب بأهميةٍ خاصّةٍ لإضفاء الطابع الاحترافي على الجيش، وقد قامت القوات المسلحة بجنوب إفريقيا بوضع برنامج تدريب أساسي لجميع جنودها، وآخر لفائدة ضباطها، يستهدف تكوينهم على القتال المسلح والتربية العسكرية؛ من أجل استيعاب الدَّور المنوط بالقوات المسلحة[25].

ب- عدم تسييس البيئة التي تشتغل فيها القوات المسلحة:

* تحديد أدوار كلٍّ من الفاعلين العسكريّين والفاعلين السياسيّين: 

لا شك بأنّ تداخل العسكري والسياسي في إفريقيا يؤكد الحاجة إلى تبنّي إطارٍ قانونيٍّ واضح يرسم حدود العمل للقوات المسلحة، حيث يتعيّن على الدستور- وغيره من القوانين ذات الصلة بالدفاع الوطني- تحديد التسلسل القيادي بدقّةٍ وقت الحرب ووقت السّلم وفي أثناء وضعيات الطوارئ الوطنية.

كما يجب أن يكون دَور القوات المسلحة في عمليات اتخاذ القرار واضحاً أيضاً؛ بدءاً بتقنين حدود مشاركة القيادات العسكرية في السياسة، ووصولاً إلى تحديد طبيعة العلاقات المدنية-العسكرية.

كما ينبغي أن يتضمّن هذا الإطار كذلك: مراجعة التشريعات الخاصّة بقطاع الأمن، بهدف تدقيق أدوار وصلاحيات مختلف المؤسسات المتدخلة بهذا القطاع، وخلق آلية للوساطة لأجل حلّ النزاعات التي تقوم بين المؤسسات، فضلاً عن فرض عقوبات محدّدة على السياسيّين الذين ينتهكون هذه القواعد.

* التعاون المدني-العسكري: تحتاج القوات المسلحة- لتنفيذٍ أنجع لمهامّها- إلى بيئةٍ سياسيةٍ شفافة، تؤطرها علاقاتٌ قائمةٌ على أساس التعاون، فمثلاً: على القادة المدنيّين أن يكونوا قادرين على شرح المبررات الخاصّة بميزانية الدفاع للقادة العسكريّين، كما يتعيّن على القادة السياسيّين أن يطلبوا استشارات من قادة المؤسسة العسكرية لكسب بعض الخبرات ذات الصلة؛ حتى يتسنّى لهم ترتيب الأولويات ووضع الاستراتيجية الأمنية للدولة. وتُشكّل المشاركة القوية لهيئة التشريع في القضايا المتعلقة بالدفاع مؤشراً دالاً على وجود علاقات مدنية-عسكرية ديمقراطية[26].

وتُقدّم كلٌّ من ليسوتو وجنوب إفريقيا مثالاً في كيفية إحداث الأطر الفعالة لمؤسسة الأمن، والتي من شأنها إرساء العلاقات المدنية-العسكرية الديمقراطية، في هذا الإطار؛ يحدّد القانون الخاص بقوات الدفاع، الذي تبنّاه برلمان ليسوتو سنة 1996م، تنظيم وإدارة القوات المسلحة وانضباطها وغيرها من المسائل ذات الصلة، كما تمأسست الرقابة المدنية المنتخبة على القوات العسكرية بعد تأسيس وزارة الدفاع سنة 1995م، وتعزّز خضوعها لمساءلةٍ أمام السلطتَين التنفيذية والتشريعية. ومن جانب آخر؛ ساهم انسحاب القوات المسلحة من العمل السياسي الحزبي في الرفع من مهنيّتها، كما زاد أيضاً من تقوية الطبيعة الديمقراطية للحكومة[27].

* إقامة شراكات مع المجتمع الدولي والمجتمع المدني: تكتسي المساعدة الدولية في المجال الأمني بأهميةٍ خاصّةٍ بالعديد من الدول الإفريقية، حيث يقدّم المجتمع الدولي المساعدة التقنية والقانونية الضرورية لعدم تسييس الجيش بغرض تقوية قدراته المهنية، كما يقوم المجتمع الدولي دائماً بإدانة الانقلابات العسكرية، يليها فرض عقوبات صارمة؛ للحدّ من تدخّل القوات المسلحة في الشؤون السياسية الحكومية.

وفي الإطار نفسه؛ يساهم المجتمع المدني- الذي لا تتوقف أنشطته عند مراقبة العملية الانتخابية- في تثبيط الانقلابات العسكرية، كما أنّ الإعلام الحرّ يبقى- بدَوره- أداةً ضرورية لتسهيل إجراء حوارٍ عامٍّ وواسعٍ حول القضايا الأمنية والشؤون العسكرية، وهذا ما يعزز الثقة في كلٍّ من المجتمع والدولة والقوات المسلحة.

وفي ليبيريا مثلاً: نجحت إدارة الرئيسة «إلين جونسون سيرليف» في تحقيق تقدّمٍ كبيرٍ على مستوى إعادة بناء المجتمع المدني لبلدها الذي مزقته النزاعات، وقد أصدرت في سنة 2010م قانوناً يتعلق بحرية المعلومة الذي من شأنه أن يزيد من الشفافية، ويلزم الحكومة بخضوعها للمحاسبة من قِبَل الشعب[28]. وعبر برامج الراديو وغيرها من وسائل الإعلام؛ تمّ تزويد الشعب بكلّ ما يتعلق بعملية إصلاح قطاع الأمن، وتثقيفهم بشأن سيادة القانون، ودَور القوات المسلحة في حماية الشعب والأمن الإنساني بصفةٍ عامّة، ولقد ساعد ذلك ليس فقط على جذب المجنّدين المتحمّسين؛ بقدر ما أدى أيضاً إلى اطلاع الشعب على كيفية محاسبة الأفراد العسكريين[29].

وما تجدر ملاحظته هو أنّ العديد من البلدان الإفريقية تأخرت أو تباطأت على مستوى تبنّي القوانين المتعلقة بحرية المعلومات، وبالرغم من قيام البعض بتبنّيها فإنها تعرضت مع ذلك لمقاومةٍ قوية.

وبالرغم من تبنيها لقانون حول حرية المعلومات في سنة 2011م، بعد بحثٍ في الموضوع دام عقد من الزمن، فقد تعرضت الحكومة النيجيرية لانتقادٍ من طرف الصحافة؛ على أساس عدم تجاوبها مع الطلبات المقدَّمة بموجب هذا القانون[30].

لقد أصبح من المهمّ بمكانٍ أن تتعلم القوات المسلحة الإفريقية التواصل مع وسائط الإعلام، إذ من شأن ذلك أن يساهم في تشييد علاقاتٍ بنّاءة بين المؤسسات العسكرية الإفريقية وعامّة الناس، وبالتالي الرفع من مستويات الثقة بينهما.

ج- مأسسة الأخلاق والمساءلة في الثقافة العسكرية:

إنّ مسألة الأمن ليست من مسؤولية القوات المسلحة وحدها، بل الأجهزة الأخرى- من وزارات وقضاء وسلطة تشريعية ومجتمع مدني- معنيّةٌ أيضاً بهذا القطاع، ولذلك صار لزاماً على القوات المسلحة أن تحافظ على علاقاتٍ مع جميع الفاعلين المتدخلين في قطاع الأمن؛ حتى يتسنّى لها القيام بوظائفها على أحسن وجه، وفي هذا الإطار؛ يتعين إرساء ثقافة المساءلة في أوساط هذه القوات حتى يتأتى لها كسب ثقة المجتمع واحترامه.

* تعزيز الانضباط العسكري وتقوية الإحساس بالواجب:

إنّ الدول التي مرّت بانقلابات عسكرية وتدخلات في الشؤون السياسية دفعت فواتير باهظة في السنوات الطويلة اللاحقة

على القيادة العسكرية أن تولي الأولوية لتقوية النظام القضائي العسكري لاستعادة الانضباط داخل الثكنات الإفريقية، وفي هذا الإطار؛ يتعيّن البدء بمراجعة القوانين الموحدة للعدالة العسكرية والقوانين الإجرائية والموضوعية التي توجّه نظام القضاء العسكري، وهي القوانين التي يتعيّن عليها توفير توجيهاتٍ واضحةٍ بشأن المخالفات التي تتراوح عادةً بين العصيان وجرائم القتل. ومن باب التصدي لاحتمالات التدخل في القضاء؛ يتعيّن على القيادة العسكرية تفويض بعض أو كلٍّ من المتابعات الجنائية لوحدات قضائية مستقلة عن القيادة.

ويبقى من المهمّ بمكانٍ مراقبة مدى تطابق القضاء العسكري مع مبادئ حقوق الإنسان.

ولقد تمّ في ليبيريا- حيث ظلّ نظام العدالة العسكرية غائباً- اتخاذ قرارٍ يقضي بأن تقوم المحاكم المدنية أيضاً بالتحقيق في القضايا والنوازل الجنائية؛ إلى أن يتمّ إرساء نظامٍ قضائيٍّ عسكريٍّ كامل الوظيفة[31]، وتبقى هذه المقاربة العملية مفيدة أيضاً للدول التي تعيش على إيقاع مرحلة ما بعد النزاع، مثل كوت ديفوار، حيث يمكن أن تتأخر المعالجة الفورية للمخالفات العسكرية؛ لكون جهازها القضائي ما زال في طور التكوين والإنشاء.

ويشكّل عدم الانضباط وغياب العدل في العديد من ثكنات إفريقيا جنوب الصحراء مؤشراً على عدم كفاية بعض المجالس التأديبية العسكرية، فنظام التأديب كثيراً ما يبقى غير منسجمٍ ومتحيزاً لبعض الضباط، وبخاصة ذوو الرتب السامية، كما أنّ عدم إمكانية طعن الجنود في القرارات غير العادلة والمتحيّزة يسيء إلى هذا النظام، ولذا يبقى من الضروري: أن تتضمّن مدونات القضاء العسكري أحكاماً تتيح استئناف الطعون المقدّمة من مجالس التأديب لدى محكمة عسكرية أو وزارة العدل، مراعاةً لضمان تطبيق القانون.

* مكافأة النزاهة وتعزيز المساءلة:

إنّ إرساء ثقافة عسكرية أخلاقية يتطلب القيام بتعديلاتٍ لنظام التحفيز داخل القوات المسلحة، وفي هذا الإطار؛ ينبغي أن يكون مبدأ النزاهة من ضمن المبادئ أو المعايير الضرورية التي يجب أن تُأخذ بعين الاعتبار في الترقيات والمكافئات، ويمكن دعم إرساء هذه الثقافة الأخلاقية من خلال تعزيز قيم حقوق الإنسان، فضلاً عن مدونة السلوك، ووضع برامج للتدريب والتعليم تكون خاصّةً بهذه المسألة[32].

وتؤكد تجربة العديد من الدول: أنه من الأفضل أن تتوفر الدولة على مكتبٍ مركزيٍّ واحدٍ لتدبير سوق الأسلحة خارج القوات المسلحة، هكذا سيتم إرساء أداةٍ إضافيةٍ من المساءلة بهذا المجال الوظيفي الذي كثيراً ما يخضع للاستغلال. وإذا كان تركيز القرارات التي تهمّ اقتناء المعدات العسكرية، حسب النظام الهرمي في الجيش، سيخلق إغراءات قوية عند كبار الضباط للتأثير في عملية شراء الأسلحة، فإنّ إشراك المجتمع المدني (مراقباً أو مشاركاً) سيعمل على تعزيز الشفافية والنزاهة في هذا المجال.

كما يبقى من الممكن معالجة العديد من الاختلالات الداخلية، المسجلة على مستوى القوات المسلحة الإفريقية، من خلال تقوية وتعزيز خدمات الرقابة التي تقوم بها أقسام التفتيش العسكرية، وبدلاً من أن تتكون هذه الأقسام من رؤساء الأركان وكبار الضباط؛ يجب أن تضمّ كلّاً من الموظفين العسكريّين والمدنيّين، ومدققي الحسابات، والمحامين، ومحلّلي السياسات، الذين سيُكلّفون بنشر تقارير تقييمية عن الحالة الوظيفية القوات المسلحة، التي ستفيد كثيراً في صياغة السياسات وتنفيذها، وكذا أخذها بعين الاعتبار في التعيينات والترقيات والمكافآت الخاصّة بموظفي الإدارات العسكرية.

وينبغي دعم هذه المبادرات بخلق إطارٍ أخلاقي محدّد، ووضع مدونات قواعد سلوك الموظفين، وغيرها من القيم المطلوبة.

وتحدّد منظمة الشفافية الدولية خمسة مفاتيح أساسية لبناء هذا الإطار، وهي:

1- مدونة سلوك واحدة، وفي متناول جميع الموظفين، مؤسسةً على أساس الأخلاق والقيم، ومصوغةً بلغةٍ واضحةٍ بعيدةٍ عن الغموض والالتباس.

2- توجيهات واضحة بشأن المساءلة، تحدّد المسؤول عن برنامج أو نظام الأخلاق، وكيفية الإبلاغ عن الشبهات والشكوك حول الفساد، والجهة التي يمكن اللجوء إليها للمزيد من النصائح في هذا الإطار.

3- لوائح متعلقة بالرشاوى والإكراميات والهدايا وغيرها، وتضارب المصالح، وكذا الأنشطة ما بعد الانسحاب من الحياة العسكرية.

4- دورات تكوينية منتظمة في مجال الأخلاقيات، ودورات لتجديد وإعادة تحيين المعلومات على ضوء سياقات الواقع.

5- تحديث دوري لمدونة السلوك، ولخطة تطبيقها[33].

* تعزيز الرقابة البرلمانية ومأسسة الافتحاص الخارجي:

إنّ التداعيات الكبيرة للفساد وسوء التدبير داخل القوات المسلحة على الأمن الوطني والثقة في الحكومة ككل؛ تجعل من الافتحاص الخارجي لتدبير الموارد المالية العامّة في القوات المسلحة أولويةً وطنية، ولا شك بأنّ تقوية الرقابة البرلمانية على النفقات العسكرية يؤدي إلى تحسين الحكامة الداخلية داخل المؤسسة العسكرية، وتذليل مجموعة من العقبات التي قد تنتصب على مستوى مساءلة هذه الأخيرة.

وجدير بالذكر: أنّ معظم المشرّعين الأفارقة يتمتعون- بحكم الدستور- بصلاحية مراقبة تخصيص الموارد المتاحة وتوظيفها في الاتجاه الصحيح، كما يتمّ أحياناً تضمين اللجان البرلمانية خبراء بهذا المجال. وتعتمد كلٌّ من جنوب إفريقيا وأوغندا على لجان الحسابات العامّة من أجل مساءلة الوزراء، حيث تمثّل هذه الرقابة التي تُمارس من طرف السلطة التشريعية خطّاً دفاعيّاً مهمّاً ضدّ الفساد واختلاس أموال الدولة، خصوصاً عند وجود اختلالٍ أو فشلٍ على مستوى أقسام التفتيش أو الهيئات المختصة في الرقابة الداخلية في القوات المسلحة ووزارة الدفاع.

ومما لا شك فيه؛ بأنّ بناءً كهذا يتطلب بعض الجهد، خصوصاً في البلدان التي لا تاريخ لها فيما يتعلق بإشراك المدنيّين في المسائل العسكرية، غير أنّ بناء رقابة مدنية قوية يبقى– في كلّ الأحوال- مفتاحاً جوهريّاً من أجل إرساء الاحتراف العسكري.

خاتمة:

إنّ سعي القوات المسلحة الإفريقية لكسب رهان الاحتراف العسكري تعترضه صعوباتٌ وعوائقُ جمّة، غير أنها قابلةٌ لأن تُتجاوز، غير أنّ الاحتراف العسكري ليس مجرد مفهومٍ إداريٍّ فقط، بقدر ما يتطلب- أيضاً وأساساً- أن تتشبع القوات المسلحة بقدرٍ عالٍ من القيم وأخلاقيات المهنة، وذلك لكون استقرار المجتمع وديناميته تتوقف إلى حدٍّ كبير على الطريقة التي يتعامل بها العاملون في هذه القوات، ولعلّ أهمّ هذه القيم تتمثل في الإخلاص والوفاء للوطن والدستور، والالتزام بالخضوع للرقابة المدنية الديمقراطية، والإحساس بالواجب، علاوةً على احترام سيادة القانون، فإذا تمّ الانضباط بهذه المبادئ من قِبَل الجيوش الإفريقية؛ فإنها لن تعمل على كسب تحدي الاحترافية فقط؛ بقدر ما ستساهم أيضاً في تحسين جودة الخدمات الأمنية والحكم الرشيد في القارة الإفريقية، وكسب احترام شعوبها أيضاً.

*  باحث في سلك الدكتوراه، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس/ المغرب.

[1] Samuel E. Finer, The Man on Horseback: The Role of the Military in Politics (New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2002).

[2] Zoltan Barany, The Soldier and the Changing State (Princeton: Princeton University Press, 2012), 1.

[3] Stefan Lindemann, “The Ethnic Politics of Coup Avoidance: Evidence from Zambia and Uganda,” Africa Spectrum 46, No. 2 (2011), 4. For background on datasets used by Lindemann and other authors to identify the number of coups, see Jonathan M. Powell & Clayton L. Thyne, “Global instances of coups from 1950 to 2010: A new dataset,” Journal of Peace Research 48, No. 2 (2011), 249-259. Powell and Thyne identify the varying definitions of “coup d’état” to explain for the variances in reported instances of attempted and successful coups.

[4] Barka and Ncube, “Political Fragility in Africa,” 4.

[5] Ibid., 9.

[6]MathurinHoungnikpo, Africa’s Militaries: A Missing Link in Democratic Transitions, Africa Security Brief No. 17 (Washington, D.C.: National Defense University Press, January 2012).

[7] Samuel P. Huntington, Political Order in Changing Societies (New Haven: Yale University Press, 1968).

[8]Comi M. Toulabor, “Togo”, in Ibid., 232.

[9] Midterm Report from the Group of Experts on Côte d’Ivoire prepared in accordance with paragraph 16 of Security Council resolution 2045 (2012). United Nations (S /2012/766), October 15, 2012.

[10] Government Defence Anti-Corruption Index 2013 (London: Transparency International UK Defence and Security Programme, 2013).

[11] Bribery in Public Procurement: Methods, Actors and Counter-Measures (Paris: OECD, 2007), 47.

[12] Herbert M. Howe, Ambiguous Order: Military Forces in African States, (Boulder CO: Lynne Rienner Pub., 2005), 55.

[13] Ibid., 55.

[14] RawingsOtini, “Kenya Among Africa’s Top Spenders on Military,” Business Daily, November 1, 2012, available at <http://businessdailyafrica.comkenya-among-Africa-s-top-spenders-on-military-/-/539546/1609528/-/p833jtz/-/index.html>.

[15] Daniel W. Henk and Martin RevayiRupiya, Funding Defense: Challenges of Buying Military Capability in Sub-Saharan Africa (Carlysle: Strategic Studies Institute (SSI), September 2001), 19.

[16] “Building Integrity and Countering Corruption in Defence& Security: 20 Practical Reforms,” Transparency International (February 2011), 12.

[17] Adam Nossiter, “The Whiff of Conflict Grows in Mali,” The New York Times, October 24, 2012.

[18] Jeffrey Gettleman, “The World’s Worst War,” The New York Times, December 25, 2012.

[19] DavinO’Regan and Peter Thompson, Advancing Stability and Reconciliation in Guinea-Bissau: Lessons from Africa’s First Narco-State, ACSS Special Report No. 2 (Washington DC: National Defense University Press, June 2013).

[20] Wolfram Lacher, Organized Crime and Conflict in the Sahel-Sahara Region, The Carnegie Papers (Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, September 2012).

[21] Ibid.

[22] Andrew Lebovich, “Mali’s Bad Trip: ‘Air Cocaine,’ Al-Qaeda, and West African Drug Trade,” Foreign Policy, March 15, 2013.

[23] KhabeleMatlosa, “From a destabilizing factor to a depoliticized and professional force: the military in Lesotho,” in Evolutions & and Revolutions: A Contemporary History of Militaries in Southern Africa, ed. Martin Rupiya (Pretoria: Institute for Security Studies, 2005), 85-110.

[24] Kwame AsareBoadu, “Forestry Commission Inaugurates Armed Forest Guards,” Daily Graphic, April 3, 2012, available at <http://www.modernghana.com/ news/387087/1/forestry-commission-inaugurates-armed-forest-guard.html>.

[25] Abel Esterhuyse, “Educating for Professionalism: A New Military for a New South Africa,” South African Journal of Military Studies 34, No. 2 (2006), 25.

[26] Barany, Soldier and the Changing State, 350.

[27] Matlosa, 2005, 85-110.

[28] “President Signs Freedom of Information Law,” International Freedom of Expression Exchange Clearing House, October 6, 2010.

[29] Briggs, “Civilian and Enlisted Perspectives”.

[30] “Reality of the Freedom of Information Act,” Daily Trust, September 17, 2012, available at .<http://allafrica.com/stories/201209170161.html>.

[31] Danielle Skinner, “Armed Forces of Liberia’s Military Justice System Focuses on Human Rights and Discipline,” US AFRICOM, May 16, 2011, available at .<http://www. africom.mil/Newsroom/Article/8319/armed-forces-of-liberias-military-justice-system-f>

[32] “Building Integrity and Countering Corruption,” 2011, 22.

[33] Ibid., 33.