التوجهات الداخلية والخارجية المحتملة لدولة جنوب السودان

  • 5 -5 - 2011
  • وقيع الله حمودة شطة

 

محمد وقيع الله شطة 

الحقيقة التي ينبغي أن يدركها الدارس أن أصل الصراع في المسألة السودانية هو الصراع بين الإسلام والعلمانية.

ونتيجة لحرب وُصفت بأنها الأطول عمراً تخلّف السودان شماله وجنوبه، وضعفت عمليات التنمية، حتى وصلت إلى مرحلة التوقف التام في بعض مناطق.

التآمر الدولي لإقرار الانفصال:

إن خيار الوحدة في ظل العلمانية الذي طُرح لتحديد مستقبل السودان وهويته, وهو ما أُطلق عليه «مشروع السودان الجديد»، كان «خياراً تكتيكياً» للغرب، رفع شعاره «جون قرنق» الذي أهلّه الغرب منذ أيام دراسته في تنزانيا، حيث درس الثانوي العالي، ومنها بُعث إلى أمريكا حتى نال درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي، وكان لا بد من موت «قرنق», فقد أدى دوره بنجاح!

جيء برجل المرحلة الحالية «سيلفاكير» ليقود الحركة الشعبية بنجاح لتبنّي «الخيار الاستراتيجي» (خيار الانفصال)، والذي يدخل ضمن مسوغاته إصرار الشمال على مبدأ حكم الشريعة - ولو لم يكن تطبيقاً فعلياً! –، وتنفيذ مخططه مع شريكه في الشمال وفق اتفاقية «نيفاشا» التي بُنيت على شروط الحركة الشعبية بتحديد خياري الوحدة أو الانفصال.

وهو ما يعني أن الحركة الشعبية كسبت الرهان؛ حين جعلت شريكها الشمالي (المؤتمر الوطني) الحزب الحاكم يستجيب لمطالبها وهي يومئذ منهزمة في مسارح القتال في الميدان العسكري، فانتصرت على طاولة المفاوضات بسبب التآمر الدولي؛ بينما خسر شريكها (المؤتمر الوطني) الجولة لإقصائه كل الفعاليات الشعبية والرسمية في الشمال عن المشاركة في المفاوضات، خسرت الحكومة نتائج المفاوضات وهي يومئذ منتصرة عسكرياً في أرض الميدان!

لقد عمل واضعو الاتفاقية على إحكام بنودها، وتوثيقها، وتأكيد شروطها وضماناتها، بما يحقق الالتزام التام بتنفيذها وحمايتها، وقد كان الانحياز التام واضحاً من «الإيجاد» وجميع المشاركين في وضع الاتفاقية للحركة الشعبية، وتبنّي موقف أن الجنوب الذي تمثّله يُعد ضحية، وأن الشمال هو الجلاد، وكانوا على موقف واحد وكلمة سواء في ذلك, وهو ما يكشف عن حقيقة التآمر الدولي.

  وجاءت المسارعة في توقيع الاتفاقية من بعد إحكامها حتى لا يُنتقض غزل من بعد قوة, فالتوقيع إلزام والتزام يستحيل النكوص من بعده, وهو في إطار الاتفاقات الدولية!

قامت على هذا الأساس فرضية إجراء إصلاحات دستورية واسعة تمهّد الطريق أمام السلام المزعوم, فكان دستور عام 1998م أيام الدكتور حسن الترابي، ويرى كثير من المراقبين أن هذا الدستور الذي يوُصف بأنه دستور علماني هو الذي أفسح المجال أمام مجموعة من التعديلات، أعقبه دستور 2005م الانتقالي الذي جاء بعد توقيع الاتفاقية، والذي يُعد ضماناً دستورياً للالتزام باتفاقية «نيفاشا» بين الشمال والجنوب، وتنفيذ جميع شروطها وإجراءاتها، وخصوصاً من قبل الشمال.

ومما يؤكد أن الاتفاقية وُضعت لتمهّد الطريق للانفصال عبر «حق تقرير المصير» ما نطقت به صراحة في بعض نصوصها، فقد جاء في الصفحة الثانية من كتاب الاتفاقية تحت عنوان: (استهلال): «... وتنفيذاً لالتزام الطرفين بإيجاد تسوية متفاوض عليها على أساس إقامة نظام حكم ديمقراطي, يعترف من ناحية بحق شعب جنوب السودان في تقرير المصير, وجعل الوحدة جذابة خلال الفترة الانتقالية», فالمشرّع هنا يذكر شعب جنوب السودان، ويخصّه بالذكر وحده, وهو أمر في غاية الدقة, ويبرز هدفاً مهماً, وهو إيضاح المفارقة بين شعبين: شعب الشمال، وشعب آخر في الجنوب.

والإشارة في نص العبارة: (وجعل الوحدة جذابة) نص غامض! لم يوضح الكيفية والضمانات التي يمكن أن تكون صمام أمان تدفع بأسباب تماسك الوحدة الوطنية لدولة السودان بعد اتفاقية السلام المزعوم!

ولكي يُصرف نظر الباحث عن ماهية هذه الرؤية سكتت الاتفاقية بطولها وعرضها وموادها الكثيفة التي وُقّعت في ستة فصول، سكتت عن ترتيبات ما بعد الانفصال، وهي فكرة مهمة كان ينبغي أن تُدرج ما دامت الاتفاقية تحدثت عن تقرير المصير, وهو ما يعني أيضاً وقوع الانفصال، أو على الأقل  تساوي فرصتي الوحدة والانفصال، لسبب واحد، وهو أن المشرّع أتاح لشعب جنوب السودان الخيارين.

وهنا تبدو لنا فرضيتان:

الأولى: أن الاتفاقية أُعدت لإنهاء هوية أهل الشمال المسلم العربي من خلال دستورها الذي أٌلزم الطرفان في الشمال والجنوب بتنفيذه، والذي يثبت ما ذهبنا إليه نصّ الفقرة الآتية من كتاب الاتفاقية في الصفحة الثانية التي تقول: «وهكذا يقران معاً أن اتفاقية السلام الشامل تقدم ليس فقط الأمل، ولكن أيضاً نموذجاً يُحتذى به في حل المشاكل والنزاعات الأخرى في الوطن.. وعلى ذلك يتعهدان بالتمسك بصورة كاملة بنص وروح اتفاقية السلام الشامل؛ ضماناً للسلام الدائم والأمن للجميع والعدالة والمساواة في السودان».

والفرضية الأخرى: هي أن المشرّع الوضعي لهذه الاتفاقية كان يظن ظناً يصل به إلى درجة اليقين أنه غير ممكن إطلاقاً إلغاء هوية أهل الشمال أو إجراء تغيير جذري فيها, وهنا احترز بوضع مصطلحات في غاية الخطورة عند تنزيل مفاهيمها ومعانيها الدلالية، مثل: العدالة، والمساواة, وهذا الذي يوضح فكرة جلية راكزة في عمق الاتفاقية، وهي قيام دولة ديمقراطية علمانية، تكون المواطنة فيها أساس الحقوق والواجبات، تنأى بنفسها عن عاملي العقيدة والثقافة، وهو فهم وقف وراءه المفاوض الجنوبي العلماني ليفرض وحدة في إطار دولة علمانية، وكان يدرك عسر تطبيق هذه الفكرة، وعدم سماح أهل الشمال لها بالمرور دون مقاومة، بل الرفض الكامل لها.

ولكي نثبت هذه الفرضية؛ نورد أحدث الوثائق وأخطرها على الإطلاق، وهي تلك الوثيقة التي نشرتها صحيفة «الانتباهة» السودانية الناطقة بلسان «منبر السلام العادل»(2)، وفحوى الوثيقة التي نشرتها الصحيفة تقول: أصدرت غرفة عمليات الاستفتاء بالحركة الشعبية لتحرير السودان هذه الوثيقة الداعية إلى تحديث وتجديد النظر في العديد من المحاور الخاصة بعملية التسجيل، وعملية الاستفتاء القادم في 9 يناير للعام 2011م، ومن تلك المحاور: (مصيرك بين يديك)، حيث قال سلفاكير رئيس حكومة جنوب السودان: «إن شهداءنا لم يضحّوا بأرواحهم لأجل لا شيء، إنهم صنعوا بطولاتنا في الماضي وحاضرنا العظيم، ومستقبلنا الواعد.. إن أبناء شعبنا يرغبون في الحصول على حرياتهم حتى يعيشوا مرفوعي الرأس في وطنهم، وهذا هو ما وعدت به في 21 مايو 2010م».

وقال سلفاكير: - والحديث ما يزال للوثيقة -: «أنا أسمع البعض يقولون: عندما يأتي الاستفتاء سوف أدلي بصوتي لصالح الوحدة لأني لم أستفد الكثير من هذه الحكومة [وهنا يعني بالحكومة حكومة جنوب السودان] إن نصيحتي لمثل ذلك الشخص هي أن بعض رفاقنا قدّموا التضحيات الجسام لمنحك الفرصة لتعيش، وأن الكثيرين قدّموا أطرافهم لحريتك.. لماذا لا تدلي بصوتك من أجل حريتك؟! لأنك ما زلت تمتلك فرصة العيش، وفوق  كل شيء فرصة الحصول على حريتك»!

وقال سلفاكير أيضاً – وما يزال الحديث من الوثيقة -: «الكثيرون يصفون هذه العملية بالانفصال، والبعض الآخر يسمونها بالانقسام، وبالنسبة لي تمثل فرصة للتصويت من أجل الانعتاق من الاستعمار».

هذا الكلام بتأريخ 7 نوفمبر 2010م، وجاء في الوثيقة أيضاً: وقال سلفاكير: «الأب المؤسس د. جون قرنق قال: أنا وأولئك الذين رافقوني في الأحراش، وخاضوا حرباً لأكثر من 20 عاماً، قدمنا لكم اتفاقية السلام الشامل على طبق من ذهب.. لقد أكملنا مهمتنا، وجاء الآن دوركم، وخاصة أولئك الذين لم يعيشوا تجربة النضال داخل الأدغال. عندما تحين ساعة التصويت في الاستفتاء، تكون فرصتكم الذهبية لتقرير مصيركم.. هل ترغبون في الإدلاء بأصواتكم لكي تصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية في وطنكم؟! إنها فرصتكم الكاملة»، ورد هذا الكلام يوم 16 مايو 2005م، هذا نقلاً عن صحيفة «الانتباهة»(3)، أكبر صحيفة سياسية سودانية من حيث التوزيع والانتشار، وهي مهتمة بقضايا جنوب السودان.

بإلقاء نظرة على ما جاء في الوثيقة؛ يمكن تلخيص مجموعة من الأفكار في جمل قليلة:

 الفكرة الأولى: وردت كلمة «الحرية» في هذه الوثيقة أكثر من مرة، وفي كل مكان وردت كان يُقصد بها الانفصال، أو تقرير المصير، أو الحصول على ما أسموه «الانعتاق من الاستعمار», ولذا بدأ يرد كثيراً في تصريحات مسؤولي الجنوب الحديث عن أنهم مستعمرون من قبل أهل الشمال المسلمين والعرب, ولذلك صاروا يردّدون كلمة «استقلال» بدلاً من «الانفصال»؛ في إشارة واضحة إلى أنهم  فعلاً خدعوا الحكومة في «الاتفاقية» حين تحدثوا عن الوحدة الجذابة، وكان موقفهم مناورة سياسية كسباً للوقت، وتوسيعاً لدائرة الاستعطاف الإقليمي والدولي لنصرة قضيتهم، ليس إلاّ!

الفكرة الثانية: هذه الوثيقة كشفت بجلاء نفي كل ما قيل من أن الحركة أُسست على مطالب عادلة لا تتجاوز حق الجنوبيين في التمتع بحقوقهم كاملة داخل الدولة السودانية في العمل والوظائف العامة والخدمة المدنية والتنمية والتعليم والعيش بحرية وحفظ حقوقهم, وإنما يصل الأمر وفق قراءة الوثيقة أنهم خططوا للانفصال منذ أول يوم لبداية التمرد سنة 1983م وقبله؛ من خلال حركات التمرد التي عرفت بأنانيا(1) وأنانيا(2).

الفكرة الثالثة: جاء في حديث سلفاكير قوله: «مستقبلنا الواعد»، ويعني به الانفصال؛ بدليل قوله في الفقرة التالية: «حتى يعيشوا مرفوعي الرأس في وطنهم»، وهذا على فهم القائد المؤسس قرنق حين قال: «قدمنا لكم اتفاقية السلام الشامل على طبق من ذهب.. لقد أكملنا مهمتنا، وجاء الآن دوركم»، وقال: «تكون فرصتكم الذهبية لتقرير مصيركم».

هذه الأفكار مجتمعة مؤداها حقيقة واحدة مهمة، وهي أن الحركة كان هدفها القضاء على هوية السودان الإسلامية والعربية من خلال «وحدة» مخادعة، فلما أخفق هذا المشروع عادت إلى مطلبها الحقيقي الذي أخفته من خلال مناورة سياسية، وهو الانفصال والاستقلال عن الشمال!

التحولات والتغيرات الدستورية:

غير أن القضية الأخطر في إطار التحولات والتغيرات الدستورية؛ أنها أخذت تتحدث عن موضوعات ذات بال وغرابة، ومنها ما يمس العلاقة بين الدولتين في حال الانفصال، مثل: منح شعب الجنوب الجنسية المزدوجة بعد الانفصال، ومنها منحهم الحريات الأربع: حرية العمل والتنقل والتملك والإقامة، وهذه كلها يُراد لها أن تمضي إلى غاياتها، إلا أن الأمن لا يمكن تحقيقه من خلال إجراء تغيير دستوري؛ لأن هذه الأمور لم تنص عليها «اتفاقية نيفاشا» نفسها، وإنما هو فهم طارئ ولّدته حمّى ما قبل الاستفتاء، وتقرير المصير لشعب الجنوب، وهذا مخطط غربي آخر يريد أن يحتفظ بنفوذ لدعاة مشروع «السودان الجديد» في الشمال حتى بعد الانفصال.

وبناء على ذلك قال الأمين العام للحركة الشعبية ووزير السلام في حكومة الجنوب باقان أموم, من خلال حوار صحافي أجرته معه صحيفة الشرق الأوسط(4)، قال باقان: «تنزيل مشروع السودان الجديد ممكن حتى بعد الانفصال؛ لأننا نريد إعادة بناء الدولة السودانية», وهذا يعني أن دستور الدولة الجديدة - التي لم يظهر اسمها بعد - تحددت منطلقاته وأسسه بصورة واضحة في أنه سيكون دستوراً علمانياً، يعتمد على المواطنة كأساس للترتيبات الدستورية والقانونية فيما يتعلق بالحقوق والواجبات بين المواطن الجنوبي والدولة, وهو ما تتجه السلطة في الجنوب إلى صياغته بعد ظهور نتيجة الاستفتاء باتخاذ قرار الانفصال.

وأما شكل العلاقة الدستورية بين الدولتين؛ فإن الانفصال يقرر الوضعية الأساسية في قيام كيانين لكل منهما, يتمتع كل منهما بسيادته الكاملة في اتخاذ قراراته بشأن أوضاعه الداخلية، وعلاقاته الخارجية، وطبيعة العلاقة التي يرى أنها تحقق مصالحه.

وهنالك عوامل متعددة لها تأثير قوي في تحديد علاقات الدولة الجديدة بجيرانها، ربما تكون أقوى صورها المتوقعة هي «الكونفيدرالية» مع السودان من خلال إخفاق «الحكم الذاتي» في إطار الوحدة، فالعودة للوحدة أمر مستبعد لظروف الانفصال، ولتأثير أبعاده التاريخية والنفسية والسياسية، وربما تفرض العلاقات والمصالح الممتدة التي يصعب قطعها بقرار الانفصال إقامة علاقة اتحاد بين الدولتين، ينسق لاستراتيجيات وقرارات موحّدة في بعض المجالات, كالبترول، ومشروعات مياه النيل، وغيرها، وهو ما تردده بعض القيادات السياسية للشريكين كثيراً، وقادة الشمال أكثر طمعاً في ذلك.

ويُتوقع مع الجيران الأوفياء (كينيا وأوغندا) تطور علاقات الجنوب بهما أكثر؛ مع الحذر من المساس باستقلالية الدولة الجديدة.

ومن أخطر التحولات الدستورية التي جاءت مع «نيفاشا» ما عُرف بـ «برتوكولات المناطق الثلاث»، وهي: أبيي، وجنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق, حيث أفرد الدستور الانتقالي لعام 2005م نظاماً ومواد خاصة بهذه المناطق الثلاث، وذلك حين أصر «جون قرنق» في مفاوضات «نيفاشا» على ذلك، وقال قولته الشهيرة: «حللنا مشكلة الجنوب الجغرافي، وبقي حل مشكلة الجنوب المحارب»، ويعني به المناطق الثلاث؛ لأن أبناءها قاتلوا معه في صف الحركة أيام التمرد، وبخاصة أبناء جبال النوبة في جنوب كردفان، وأبناء «الأنقسنا» في جنوب النيل الأزرق.

وهذه «البرتوكولات» هي التي تمثّل الآن برميل بارود بين الشمال والجنوب, وفيها منطقة «أبيي» التي وصلت مشكلتها لمحكمة لاهاي في هولندا، وفيها قدمت قبائل «المسيرية» - وهي من القبائل الشمالية المسلمة - قدّمت خمسين وثيقة تثبت أن منطقة «أبيي» تابعة للشمال، بينما لم تقدم «دينكا نقوك» القبائل الجنوبية المطالبة بالمنطقة وثيقة واحدة  تثبت دعواها بأن «أبيي» جنوبية، وعلى الرغم من ذلك حكمت المحكمة بإضافة بعض المناطق إلى جنوب السودان، وهي الآن عقبة أمام مصير الجنوب.

كما توجد أيضاً بعض المناطق الحدودية المختلف حولها، منها: «حفرة النحاس» في حدود ولاية جنوب دارفور، ومنطقة «كافي كنجي», ومنطقة «جودة» في النيل الأبيض، و «أبيي» و «كاكا» في جنوب كردفان، وهي مناطق مرشحة لأن تشعل الحرب مرة أخرى بين الشمال والجنوب.

ومثلما أخفقت قوانين «نيفاشا» في تحقيق الأمن والسلام أخفقت أيضاً في تحقيق الاستقرار السياسي، وأذكت روح الصراع في دارفور, فالحركة الشعبية تحتضن الآن كبار متمردي دارفور: وهم عبد الواحد محمد نور قائد «حركة تحرير السودان»، ومني أركو مناوي قائد «جيش تحرير السودان»، وخليل إبراهيم قائد «حركة العدل والمساواة»، وهو ما قد يؤدي إلى توتر العلاقات بين الشمال والجنوب.

وفي تطور سياسي جديد أعلن رئيس الجمهورية السودانية المشير عمر البشير أنه سيطبق الشريعة الإسلامية إذا انفصل الجنوب، وذلك خلال احتفالات «ولاية القضارف» في شرق السودان ببدء حصاد الذرة والسمسم اللذين تشتهر بهما، وقد وصف بعض المراقبين هذا الإعلان بأنه «خطوة شجاعة»، في الوقت الذي عدّه آخرون دليلاً على عدم تطبيق «حكومة الإنقاذ» للشريعة طيلة العشرين سنة الماضية، وهو ما يثبت أنها - أي تطبيق الشريعة -  ليست سوى ورقة سياسية في يد حكومة الإنقاذ! 

وقد أكد البشير في خطابه أنه سوف يطبق الشريعة, وذلك بعد حذف المواد الوضعية التي تتعلق بقضايا جنوب السودان من الدستور، كما أكد أن اللغة العربية ستكون هي لغة البلاد الرسمية، مع احترام التنوع الثقافي والعرقي والإثني لأهل السودان، وقد وجدت هذه الدعوة ترحيباً كبيراً من قادة الجماعات الإسلامية، وهيئة علماء السودان، وبعض قادة الأحزاب الإسلامية والأئمة والدعاة.

ومن خلال الورشة التي نظمها المجلس الأعلى للحكم غير المركزي، نقلت صحيفة «الانتباهة»(5) قول نائب الرئيس السوداني علي عثمان محمد طه قوله: «بعض أبواب الدستور ستسقط عقب إجراء الاستفتاء.. وإن هناك أحكاماً وأبواباً سيجري تعديلها حتى وإن كانت النتيجة خيار الوحدة»، وقال: «إن البلاد ستدخل في مراجعة دستورية شاملة عقب الاستفتاء, إلا أنها لا تشمل المؤسسات التي أفرزتها الانتخابات».

كما أن الرئيس بعد إعلان عزمه «تطبيق الشريعة الإسلامية» في حال انفصال الجنوب؛ دعا أيضاً القوى السياسية في البلاد إلى المشاركة فيما أسماه «حكومة ذات قاعدة عريضة» للمشاركة الواسعة في السلطة، وهي دعوة رفضتها الأحزاب السياسية التي ترى أن شرعية النظام القائم تنتهي بإعلان نتيجة استفتاء التاسع من يناير 2011م، وأنه لا بد من إجراء انتخابات جديدة أو تشكيل حكومة قومية.

تحديات دولة الجنوب الجديدة:

وبالنظر لوضع الجنوب بعد التاسع من يناير الذي سيشهد ميلاد الدولة الإفريقية رقم (193)، هذه الدولة الوليدة سوف تواجه تحديات كثيرة.

يمكن أن نجملها في الآتي:

أولاً: الصراع القبلي الذي ارتفعت وتيرته في الجنوب, وأما بالنسبة لوجود مجموعة من أبناء الشمال في الجنوب, فإن الجنسية تكون حقاً مكتسباً لكل من كان مقيماً بصورة دائمة منذ عام 1956م؛ حسبما جاء في تعريف المواطن الجنوبي في الاتفاقية. ومع تأكيدات حكومة الجنوب بحمايتها للشماليين المقيمين في الجنوب وحقوقهم وممتلكاتهم؛ فإن قرابة 80% من المقيمين بالجنوب من تجار وغيرهم فضّلوا تصفية أعمالهم والعودة إلى الشمال.

وأكثر المخاوف تنتاب المسلمين من أبناء الجنوب, حيث إن العداء المستبطن للإسلام والمسلمين يُعد أكبر العوامل المؤثرة في الرغبة في الانفصال، وقد مارست الكنيسة والمنصّرون دوراً كبيراً في  ذلك, وقد أدت عمليات الاعتداء على بعض المؤسسات الإسلامية في الجنوب، بالتصفية أو الهيمنة عليها، إلى زيادة مخاوف أبناء الجنوب المسلمين، وذلك بالرغم من تصريحات بعض قادة الحركة ورئيسها سلفاكير بأن حكومة الجنوب تكفل حرية التدين للجميع.   

ثانياً: ضعف الخبرات والمؤهلات الإدارية لشاغلي الوظائف المدنية، وهو ما يعني إخفاق إدارة الجنوب.

ثالثاً: الفساد المالي والإداري والأخلاقي الذي برزت مؤشراته بصورة واضحة في خلال الفترة الانتقالية التي كانت مدتها ست سنوات.

رابعاً: الانفلات الأمني, وذلك لأمرين هما: ضعف بناء الجيش الشعبي غير المنظم، وتناسل وتكاثر حركات التمرد الداخلي، وتشهد حالياً كل من: مناطق الاستوائية وجونقلي وولاية الوحدة تمرداً واسعاً وخطيراً، مثل تمرد الفريق المنشق عن الجيش الشعبي «جورج أطور» الذي اعترف الجيش الشعبي أكثر من مرة بخطورته وقوته، وتمرد «قلواك دينق»، هذا فضلاً عن الناقمين على الحركة من الذين خاضوا الانتخابات مستقلين، وأخفقوا في الوصول إلى السلطة والبرلمان بسبب التهديد والقتل والتزوير الذي مارسه الجيش الشعبي في فترة الانتخابات التي فازت بها الحركة الشعبية في جميع المستويات والولايات.

خامساً: تهديد خطير آخر يتمثل في الخطأ التي ارتكبته الحركة الشعبية حين آوت قادة الحركات المتمردة في دارفور, وفتحت معسكرات تدريب لتلك الحركات بغرض زعزعة الشمال بعد الانفصال، وهي الخطوة التي قابلها الشمال بحزم وحسم، وصرح بعض المراقبين بأن هذه المواقف تجعل حكومة الشمال تعيد النظر في قضية الحدود، أو ربما هي الأخرى ستقوم بخطوة مماثلة بإيواء معارضي الحركة في الجنوب، وهو ما يمكن أن يقلل من وزن الحركة الشعبية، ويضعف دورها على مسرح الأحداث السياسية في جنوب السودان، وقد يفتح آفاقاً جديدة نحو استعادة وحدة البلاد، ولكنها ستكون حينها وفق شروط أهل السودان الشمالي.  

(*)  باحث لغوي وكاتب صحافي -  السودان - الخرطوم.

(2) هو تنظيم سياسي كثر أنصاره في الشمال، لأنه عارض اتفاقية السلام الشامل منذ يومها الأول ونقدها نقداً لاذعاً، وهو الذي عرضها مقروءة على الرأي العام الجماهيري في السودان وخارجه، وصحيفة «الانتباهة» هذه بسب معارضتها الشديدة لمشروع السودان الجديد العلماني أُوقفت أكثر من مرة من مجلس الصحافة والمطبوعات وجهاز الأمن الوطني، كان آخر إيقاف وأشهره امتد لقرابة ثلاثة أشهر من أول يوليو حتى سبتمبر عام 2010م.

(3) تصدر من الخرطوم, وتوزع أكثر من 90 ألف نسخة في اليوم، والوثيقة أعلاه جاءت في العدد 1732 بتاريخ الثلاثاء 22 محرم 1432هـ ، الموافق له 28 ديسمبر 2010م.

(4) ونقلته عنها صحيفة «ألوان» التي تصدر من الخرطوم, في عدد ديسمبر2010م الماضي.

(5)  في عددها 1684 بتاريخ الخميس 27 ذي القعدة 1431هـ، الموافق 4 نوفمبر 2010م.