التنمية في إفريقيا.. الإنسان هو البداية

  • 1 -1 - 2011
  • تحرير المجلة

 

    تعتمد التنمية في أي مجتمع على أركان ثلاثة؛ هى الإنسان المؤهل للقيام بعملية التنمية, والموارد الطبيعية الموجودة في المجتمع، والنظام الاداري الناجح الذي يدير عملية التنمية ويسخّر الموارد لخدمة الإنسان المنتج والمستفيد. ولابد أن يسبق ذلك الرؤية والاستراتيجيات والخطط الواضحة، مع وجود الوفرة المالية.

اذا تحدثنا عن الانسان في إفريقيا سنجد أن عددا من الدول في السنوات العشرين الأخيرة واجهت مجموعة من المخاضات؛ ترتَّب عليها سـقوط كثير من الأنظمة العسكرية والاستبدادية والديكتاتوريات، وحـلّ محلّها أنظمـة أكثر انفتاحاً على الشعوب؛ وهو ما نقل الإنسان الإفريقي إلى مرحلة وجد فيها قدراً من الاعتماد على نفسه في اتخاذ قراراته، واهتزت في نفسه مشاعر التوجس والحذر من الاستعباد والاستغلال الذي عاش فيه زماناً طويلاً تحت وطأة الاحتلال الذي نهب خيرات بلاده ومواردها عقوداً عديدة، كما هو حال الاحتلال الفرنسي والبريطاني والبرتغالي والبلجيكي والإيطالي والهولندي والإسباني.

كل هذه الدول تناوبت على احتلال إفريقيا، وتقاسمت ثرواتها، ومارست كل أنواع الإذلال لشعوبها الإفريقية على مدى عقود من الزمن، وحوّلتها إلى شعوب متخلّفة.

وما أن تحررت هذه الشعوب من ربقة العبودية والاستعمار؛ حتى عانت بعده استبداد ما خلّفه وراءه من نُظُم دكتاتورية، لكن الشعوب الإفريقية لم تستسلم حتى ذاق العديد منها طعم الحرية، ومضى يستعيد حقوقه شيئاً فشيئاً، ويسعى نحو التنمية بخطى دؤوبة.

الجانب الآخر في قضية التنمية هي «الموارد»، وإفريقيا في هذا الجانب قارة تزخر بكثير من الموارد الطبيعية، فهي غنية بكمٍّ عظيم من الموارد المائية والكهرومائية والأراضي الخصبة والمحاصيل الزراعية المتنوعة, مثل الزيتون والفول السوداني والقطن والكاكاو والفواكه، والموارد المعدنية مثل الكروم والفاناديوم والماس والذهب والبلاتينيوم والحديد والألمونيوم والنحاس والفضة والفوسفات والمنجنيز والكوبالت وغيرها، وهي تملك كذلك احتياطيات عالية من الغاز الطبيعي والفحم، وكذلك تزخر بكثير من العناصر النادرة كاليورانيوم، والأحجار الكريمة كالماس وغيره، ويوجد البترول في بعض الدول كالسودان ونيجيريا وجنوب إفريقيا وتشاد وغيرها، وهذا هو السبب الرئيس في طمع كثير من الدول الغربية في إفريقيا، فهي قارة تبشر بمستقبل واعد لهذه الدول الغربية إذا تمكنت من السيطرة على إدارة هذه الموارد.  

يأتي بعد ذلك عامل النُظُم الإدارية التي تحكم هذه الدول، وليس خفياً أن تفوّق هذه النظم يسهّل استثمار الإمكانيات والموارد والطاقات الموجودة في البلدان الإفريقية؛ ويحوّلها إلى طاقة دافعة تنطلق بهذه الدول وتحولها إلى دول استثمارية وصناعية غنية.

لكن هل بلغت النُظُم الإدارية في إفريقيا هذا المستوى المنشود أو اقتربت منه؟ وهل الموارد التي تملكها تكفي وحدها لتحقيق التنمية؟

دعونا نعقد مقارنة بسيطة في عملية التنمية، وذلك بين دولة بترولية عضو في منظمة «أوبك» وتملك كثيراً من الموارد مثل نيجيريا، ودولة لا تملك من الموارد الطبيعية إلا القليل مثل اليابان، فالمقارنة تبين لنا الفارق العظيم بين نُظُم الإدارة في الدولتين، فالنظام الإداري المتفوق حوّل دولة (اليابان)  - وهي بلا موارد - إلى قوة اقتصادية عظيمة، ولأن نيجيريا المكتنزة بالموارد تفتقد إلى مثل هذا النظام الإداري المتفوق بقيت دولة فقيرة يعيش فيها الملايين تحت خط الفقر!

يبقى أن نقرّ بأن الاستثمار في الإنسان هو أحد أكبر التحديات التي تواجه كل مشروع تنموي، وبخاصة في إفريقيا(1)، فالتركيز على صناعة الإنسان المتميز الجاد المنتج الذي يعتمد على نفسه ويشعر بالتحديات التي تواجهه، والذي يملك القدرة على تحويل ما لديه من موارد وطاقات وإمكانيات إلى قوة كبيرة يستطيع بها أن يسابق غيره؛ يبقى هو التحدي الأكبر في المجتمع الإفريقي.

فالاستثمار الأمثل هو أن تتجه المنظمات والمؤسسات الخيرية والقطاع الخاص بل الدول صوب «بناء العنصر البشري» أو «صناعة الإنسان»، فهو العامل الرئيس في كل مشروع تنموي يهدف إلى الارتقاء بالمجتمعات وتحويلها إلى مجتمعات غنية مكتفية، تعتمد على نفسها في صناعتها وزراعتها وطعامها.

من المفارقات العجيبة في إفريقيا أنها تضم دولاً متقدمة صناعياً، كجنوب إفريقيا، لكنها تعاني الخلل الاجتماعي وإهمال التنمية البشرية، فهذه الدول مع أنها تعيش نهضة ونمواً اقتصادياً وصناعياً؛ نجد فيها فئاماً كثيرة من البشر في حالة مريرة من الفقر والحاجة، ونجد نيجيريا – مثلاً - وهي عضو مؤسس في «منظمة

أوبك»، وتتمتع بمقومات زراعية واعدة(2)، وعلى الرغم من ذلك تعيش حالة جعلت طاقات هذا البلد وموارده في يد فئة قليلة دون سائر الشعب، وهو ما حوّلها إلى بلد فقير يعاني البطالة، ويتدنى فيه مستوى المعيشة إلى درجة أن يستجدي شعبها لقمة العيش.

لذا نقرر ونؤكد أن التنمية الحقيقية في المجتمع هى التنمية البشرية التي تبدأ بالإنسان وتنتهي بالإنسان.

(1) جاء في تقرير (مؤشرات التنمية في إفريقيا) الصادر عن البنك الدولي، وهو يحتوي أكثر من 450 مؤشراً على صعيد الاقتصاد الكلي والقطاعات والأوضاع الاجتماعية، تغطي 53 بلداً إفريقياً:

-  نسبة الأطفال الذين يلتحقون بالصف الأول من التعليم ويستكملون الصف الخامس في تشاد لا تزيد على 37% في حين تصل إلى 99% في موريشيوس.

-  يوجد معلم لكل 22 تلميذاً في المدارس الابتدائية في موريشيوس؛ في حين يصل هذا المعدل إلى معلم لكل 91 تلميذاً في جمهورية إفريقيا الوسطى.

-  تتمتع نسبة 29% من السكان في الصومال بإمكانية الحصول على مياه الشرب النظيفة من مصدر مأمون، بينما تصل هذه النسبة إلى 100% في موريشيوس.

-  وفي العام 2004م وجد أن  20% من المعلمين في المدارس الابتدائية بالمناطق الريفية غرب كينيا غير موجودين بالمدارس في أثناء ساعات العمل الرسمية، في حين وجد استقصاءان أن معدلات تغيب المعلمين في أوغندا بلغت 27 و 20% في عامي 2002م و 2007م على التوالي.

-  وأشارت بعض الدراسات إلى أن أكثر من 50% من الأدوية والعقاقير الطبية المباعة في الصيدليات في نيجيريا في تسعينيات القرن الماضي كانت مزيفة.