التنصير وخريطة إفريقيا العقدية.. !!

  • 5 -10 - 2012
  • تحرير المجلة


حركة التنصير في إفريقيا، حركة قديمة ومتطوّرة في آنٍ واحد، تلبس لكلّ عصر ما يناسبه وفق الظروف والمعطيات، تطوّرها يأتي في تعديل الأهداف، وتوسيع الوسائل، ومراجعتها بين حين وآخر، لتتناسب مع البيئات والانتماءات التي يتوجّه إليها التنصير.

دخلت النصرانية إفريقيا في وقت مبكّر جداً، من خلال ملوك الحبشة الذين اعتنقوها قبل ظهور الإسلام، ومع خروج الإمبراطورية الرومانية من الشمال الإفريقي، وانتشار الإسلام في ربوع القارة السمراء، لم تتمكن النصرانية من التمدّد بشكلٍ كبير خارج مناطق الحبشة وجبال النوبة، بل العكس أخذت في الانحسار، ولم يعد في إفريقيا سوى الدين الإسلامي، والوثنية القبلية.

مع مرور الوقت؛ أخذ الإسلام كلّ يوم يكسب أرضاً جديدة على حساب الوثنية القبلية، حتى أصبح الإسلام هو دين معظم الأقاليم الإفريقية (الشمال، والشرق، والغرب، ومناطق كبيرة في الوسط)، وبقي الجنوب فقط هو المنطقة البعيدة عن المؤثّرات الإسلامية، وإن ظلّ امتداد الإسلام في الجنوب مرهوناً بحسب تطوّرات الأحداث عبر عصور متتالية، وكان انتشاره فيه مسألة وقت فقط، لتصبح القارة الإفريقية هي قارة إسلامية خالصة، لكن مع بدايات الكشوف الجغرافية، والتحوّل في ميزان القوى الدولية لكفّة الدول الغربية، بدأت الخريطة الدينية للقارة السمراء تتغيّر بعض الشيء.

«ففي العام 1491م أعلن ملك الكونغو اعتناقه للنصرانية، ثم مات بعد تنصُّره مباشرة، وخلَفه على العرش ابنه، فعمّدته إحدى الإرساليات التنصيرية باسم «ألفونسو»، وزوّجته واحدة من بناتها، فلما أنجب «ألفونسو» ولداً منحه منصب أسقف عام الكونغو، وأصدر قراراً بتغيير اسم العاصمة من «بانزا كونغوا» Mbanza Congo إلى اسم «ساو سلفادور» إحدى المناطق الشمالية بأنجولا الآن.

وفي عام 1610م أسّس البرتغاليون أسقفية نصرانية في مدينة لواندا Loanda على ساحل أنجولا الشمالي، لكنّها لم تحرز أدنى نجاح في أداء مهمتها، فأغلقت أبوابها على مَن فيها لعدة سنوات، ثم بيعت بعد ذلك.

وفي العام 1630م اعتنق زعيم مومباسا Mombaz (ممبسة) على الساحل الشرقي لكينيا عقيدة النصرانية، لكنه سرعان ما رجع عنها واعتنق دين الإسلام.

في العام 1651م أعلن مونوموتابا Monomotapa ملك موزمبيق تركه للوثنية واعتناقه للنصرانية، استجابة لدعوة إرساليتين إنجيليتين كانتا قد استقرتا في حوض نهر زامبيزي، إحداهما يسوعية، والأخرى دومينيكانية، أغدقا عليه الأموال، وسارا معه في استخدام الأرواح التي كان يعتقد بها في وثنيته.

وفي العام 1665م أتت هجمة تنصيرية بروتستانتية من هولندا إلى سواحل جنوب إفريقيا، فقامت بتدمير جميع المؤسّسات والكنائس والإرساليات التي كان قد أسّسها البرتغاليون من قبل، ثم وضعوا أيديهم على منطقة رأس الرجاء الصالح؛ حيث نزل على أرضها أول قسيس بروتستانتي، لا ينافسه قسيس آخر من أي ملّة نصرانية أخرى»[1].

وهكذا شهدت إفريقيا بداية النشاطات التنصيرية مع بداية حركة الكشوف الجغرافية، لكن ظلّ تأثير النشاط التنصيري ضعيفاً نظراً لتركّزه في السواحل، حيث تقيم الأساطيل الأوروبية خطوط إمدادها.

وظلّ اعتناق الأفارقة للنصرانية محدوداً للغاية؛ نظراً لاعتناق الكثير منهم للإسلام، والذي وقف كحائط صدٍّ منيع أمام التوغّل النصراني في القارة، حتى القبائل الوثنية رفضت الدخول في النصرانية؛ نظراً لارتباط هذه الديانة في أذهانهم بعمليات الخطف وجرائم تجارة الرقيق، بالإضافة إلى أن الدول الأوروبية لم تعرف غير طريق القهر والاستبداد لإجبار الأفارقة على الدخول في النصرانية، لذلك عندما ضعفت المراكز الأوروبية على السواحل الإفريقية؛ فإن كثيراً من القبائل القريبة من السواحل، والتي تنصّرت، ارتدت وعادت للوثنية من جديد، ليبقى الوجود النصراني محصوراً ومحاصراً في بقع محدودة للغاية.

يقول هوبير ديشان مؤلف كتاب (الديانات في إفريقيا السوداء): «حتى نهاية القرن الثامن عشر كان تعداد النصارى في كلّ أرجاء إفريقيا عشرين ألفاً من البيض، وبضع مئات من العبيد، ومع بداية القرن التاسع عشر لم يكن للنصرانية قدم ثابتة في مكان ما في إفريقيا السوداء، إذا استثنينا نقطاً ضئيلة على الساحل»[2].

ظلّ الإسلام والوثنية القبلية هما الديانتين المهيمنتين على الخريطة الدينية في إفريقيا حتى نهاية القرن الثامن، ولم تتمكن النصرانية من اختراق القارة إلا في بعض البقع المحدودة للغاية، لكن مع بداية احتلال الدول الأوروبية لمناطق واسعة في إفريقيا، وتوغّل هذه الدول إلى قلب إفريقيا، تغيّرت هذه الخريطة بشكل كبير، إذ كان يصاحب، وأحياناً يسبق، الاحتلالَ إرسالياتٌ تنصيرية تمهّد له الطريق، وتمدّه بالمعلومات، وتصبح أداته في توطيد نفوذه في البلدان التي يحتلها، في المقابل يعمل الاحتلال على تهيئة الأجواء لعمل هذه البعثات، وترسيخ أقدامها داخل المجتمعات بكلّ الطرق والوسائل.

وقد اعتمد الاحتلال على وسائل جديدة في التنصير، نحو إنشاء المدارس، وابتعاث الأفارقة إلى الدول الأوروبية، وإنشاء المستشفيات والجمعيات الخيرية، مستغلاً حالات الفاقة والجهل التي كان يعانيها الأفارقة، وفي حال عدم استجابة أبناء المجتمع كان يستخدم وسائل الترهيب والبطش والإقصاء والتهميش لكلّ مَن يقف أمام عمل هذه البعثات والإرساليات، وذلك للضغط على المجتمع الإفريقي لتقبّل ما يدعو إليه المنصِّرون.

وقد آتت هذه السياسات ثمارها، فكان القرن التاسع عشر حقاً هو العصر الذهبي للتنصير في إفريقيا، ولم يبدأ القرن العشرون إلا وقد تغيّرت الخريطة الدينية في إفريقيا؛ إذ أصبح  للنصرانية وجودها المحسوس والملموس والمرئي بشتّى مذاهبها ومللها وكنائسها، وإن كان هذا الوجود في أغلبه على حساب الديانة الوثنية القبلية، وقليل منه على حساب الإسلام.

استمرار الاحتلال لعقود طويلة في معظم أنحاء القارة أدّى إلى تغيّرات كبيرة في نمط الحياة والتركيبة الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع الإفريقي، فبعد أن كانت السلطة في يد الحكّام التقليديين وزعماء القبائل؛ أصبحت سلطة البلاد في يد نخب متغرّبة، نشأت وتربّت في مدارس الإرساليات، متشرّبة الثقافة الغربية، بعيدة تماماً عن مجتمعاتها، وفي الغالب كانت تدين هذه النّخب بالنصرانية، حتى أصبح من مؤهّلات الصعود الطبقي داخل المجتمع الدخول في الديانة النصرانية وتشرّب الثقافة الغربية.

وكانت القبائل التي تتقبّل هذه التغيّرات، وتدين بالنصرانية، يتم تطوير المناطق التي تعيش فيها، وتُبنى فيها المستشفيات والمدارس والمحال التجارية والمصانع، وتصبح مركزاً حضارياً للإقليم الذي توجد فيه، بينما القبائل التي ترفض سياسات الاحتلال، وثقافته التي تعد النصرانية إحدى روافدها، يتم تهميشهم وإقصاؤهم وتجاهلهم، ولا ينعمون في مناطقهم بأي من مظاهر التطوّر!

وهكذا بدأت المجتمعات الإفريقية في الانقسام إلى مجتمعين؛ مجتمع متعلّم غني متطوّر ينتمي إلى ثقافة المحتل ويدين بعقيدته، ومجتمع آخر يرزح تحت وطأة الفقر والجهل والمرض بسبب رفضه لتقبل قوى الاحتلال والتنصير، وقد أوجدت هذه  التفرقة والانقسام حالة من العداء والصراع بين المجتمعين.

ومع تصاعد حركات التحرّر الثورية في العالم بأسره، وتزايد وعي الشعوب في المطالبة بالاستقلال أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبروز حالة الاستقطاب العالمي بين المعسكرين الروسي والأمريكي،  كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على القارة الإفريقية، ويضطر الاحتلال إلى تسليم إدارة البلاد لعملائه، وتصبح البلدان الإفريقية مستقلة اسماً لكنها محتلة بالوكالة.

وإزاء هذه التحوّلات والتطورات التي شهدتها القارة؛ فقد طوّرت المنظّمات التنصرية من طريقة عملها، واعتمدت استراتيجيات العمل غير المباشر، وضخ الأموال الكثيرة للاستثمار في مشاريع لها صلة بالكنيسة، ومحاولة التغلغل في الإدارات والأجهزة الحكومية، والسيطرة على وسائل الإعلام لتوجيه الرأي العام والتأثير في المجتمع من الداخل، لضمان استمرار النفوذ الذي كانت تتمتع به في ظلّ الاحتلال، هذا بالإضافة إلى الاستمرار في العمل الإغاثي والتعليمي والخدمي والصحي، وإن كانت الدعوة للتنصير في هذه الأعمال تتم بصور غير مباشرة، في المقابل فقد غضّت الأنظمة الجديدة الطرف عن هذه المنظمات نظراً لأن معظم النّخب الحاكمة هي نخب متغرّبة، وتعد امتداداً لفترات الاحتلال.

واليوم مع التحوّلات الكبرى التي يشهدها العالم، والطفرات الكبيرة في مجالات الاتصالات والتكنولوجيا حتى أصبح العالم قرية كونية واحدة، واختصرت المسافات والأزمنة، يشهد المجتمع الإفريقي تغيّرات كبيرة، وتتطلع شعوبه نحو الانعتاق من جميع مظاهر التبعية للغير، والحصول على حريات حقيقية، وقيام نهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، هذه التحوّلات بلا شك ستغيّر كثيراً من أطراف المعادلة التي ظلّت تحكم الواقع الإفريقي لعقود، ومن ثم سيكون لهذا كلّه تأثيره على المنظمات التنصيرية وطبيعة عملها وأنشطتها.

ونحن في مجلة «قراءات إفريقية» نحاول في هذا العدد الذي بين أيديكم أن نقدم قراءة استشرافية لعمل هذه المنظّمات في إفريقيا، في ظلّ التغيّرات الكبرى التي تعصف بالنّظم والأوضاع  التي ظلّت سائدة لقرون خلت، من خلال هذا الملف «التنصير في إفريقيا قراءة استشرافية».

يتناول الملف سرداً تاريخياً لحياة أحد مؤسّسي التنصير في إفريقيا، ثم ينتقل لعرض أنشطة المنظمات التنصيرية، واستغلالها للمؤسّسات التعليمية والصحية في الدعوة لعقيدتها، مع سردٍ لنماذج عملية في كلٍّ من إريتريا وجنوب السودان، كما يتحدّث عن المساعدات التي يقدّمها الفاتيكان للنشاط التنصيري، ودور المنظمات والهيئات الخيرية الإسلامية في مواجهة التنصير، وأثر سوء سلوك المنصِّرين وفاعلية المسلمين في القضاء على حلم تنصير القارة السمراء، ثم يختم بقراءة لمستقبل التنصير في إفريقيا.

[1] انظر: أبو إسلام أحمد عبد الله: تاريخ الوجود التنصيري في إفريقيا.

[2] انظر: كتاب الديانات في إفريقيا السوداء، هوبير ديشان، ترجمة أحمد صادق حمدي، وانظر: تاريخ الوجود التنصيري في إفريقيا، مرجع سابق.