التنصير والتعليم في إريتريا

  • 4 -10 - 2012
  • جلال الدين محمد صالح


د. جلال الدين محمد صالح 

تعدّدت أساليب التنصير ووسائله في إفريقيا، منها: الخدمات الطبية والصحية والإغاثات والإعلام الموجّه والنشر.. وغير ذلك، إلا أن التعليم يُعد من أقوى الوسائل وأهمها في عمليتي التنصير والتغريب.

حيث عملت البعثات التنصيرية في إفريقيا على تحقيق أغراضها من خلاله، والتمكين للمحتل، وغرس القيم الغربية، كما عملت مؤسساتها التعليمية الكنسـية على إعداد جيل من أبناء إفريقيا لضمان اسـتمرار عمليتي تغريب القارة وتنصيرها Christianize and westrnize؛ فركّزت نشاطها في اتجاهـين، هما:

الاتجاه التنصيري: بحمل الأفارقة على اعتناق النصرانية.

والاتجاه التغريبي: بنقل موروثات الغرب ولغاته وثقافاته ونمط الحياة الغربية إلى إفريقيا؛ للإبقاء على تبعيتها للغرب.

هدف الإرساليات التنصيرية ليس هو إدخال الفرد المسلم في النصرانية فحسب، وإن كان لهذا الهدف أولويته وأهميته، وإنما أيضاً تحييده، وتشكيكه في الإسلام

ولأكثر من نصف قرن استمرت هيمنة الكنيسة على التعليم في إفريقيا، كما «في أوغندا التي سيطرت فيها على التعليم منذ 1877م إلى 1925م، حيث جرى في هذه السنة (1925م) تأسيس المجلس الاستشاري للتعليم الإفريقي الذي تمثّلت فيه دوائر الحكومة والإرساليات التنصيرية والجماعات الإفريقية والأجنبية، وبخاصة الكاثوليكية... وقد أدرك الأوروبيون أن استمرار هيمنتهم على القارة الإفريقية يتوقّف على مدى تأثيرهم في عقول أبنائها ونفوسهم، وبخاصة النُّخب منهم، ومن هنا أُنيط بالكنيسة القيام بهذا الدور الهام والخطير، عبّر عبده موميني عن ذلك بقوله: (إن التعليم التنصيري الاستعماري قد أفسد تفكير الإفريقي وحساسيته، وملأه بعقد شاذة) »[1].

لم يكن اهتمام مؤسّسات التعليم الكنسي بالشخصية الإفريقية والبيئة الإفريقية للأخذ بيد الإفريقي ليواكب ركب الحضارة والتقدّم، وإنما كان بهدف تنصيره والتأثير في تفكيره وسلب إرادته؛ حتى يسهل قياده، واستنزاف خيرات بلاده، حتى بعد الاستقلال، صرّح بذلك أحد مؤسّسي الأليانس فرانسيه بقوله: «من الضروري ربط المستعمرات بالبلد الأم بواسطة رابطة نفسية شديدة الصلة في مواجهة اليوم الذي ينتهي إليه سعيها للتحرّر القومي إلى شكل من الاتحاد الفيدرالي - حسبما هو محتمل -، حيث يصبحون ويظلون فرنسيين في اللغة والتفكير والروح؛... فكان محتوى التعليم أوروبياً بحتاً، فعندما ذهب أطفال البمبا إلى المدرسة كي يتعلموا مقرراً دراسياً عن حياة النبات تلقوا تعليماً عن الزهور الأوروبية ولم يتلقوا تعليماً عن أشجار إفريقيا»[2].

لقد تضافرت جهود سلطات الاحتلال مع جهود الكنيسة، فلم تقرّ من المناهج إلا ما كان منسجماً مع سياسات الاحتلال، ولم تحترم الثقافة الإفريقية إلا إذا كانت مورِّثة للانقسام، باعثة على التنافر والاقتتال بين الأفارقة، على نحو ما حدث في قانون تعليم لغة البانتو، وهو القانون الذي عمل على توطيد الاختلافات بين الزولو والسوتو والأكسوزا، كما حرص المنصِّرون والمستعمرون على تقديم تعليم متواضع غير مواكب، وبالقدر الذي يحقّق عمليتي التنصير والتغريب.

دلائل كثيرة تقف شاهدة على ما أحدثه التعليم الكنسيي من عمق التأثير السلبي والاستلاب في الشخصية الإفريقية، أبرزها التخلّف العام، وفقدان الهوية والتبعية، «فبلدان إفريقيا في الغالب الأعم لا تتخذ من لغاتها المحلية لغات رسمية، كما أن نمط الاستهلاك الغالب فيها هو النمط الغربي... لقد صرّح بعض الطلاب الذين ظهروا في إرسالية ليفنجستونيا وإرسالية بلانتاير في مالاوي بأنهم اسكتلنديون سود، أما الكرييوليون والسيراليون فكانوا يختارون لقبين أوروبيين، ويربطون بينهما بواصلة... كما جاءت أشعار سينغور الذي أعطى أعماله كلّ اختلاجات الروح الكاثوليكية معبّرة عن الاستلاب الحضاري الثقافي الإفريقي»[3].

هذا الواقع شهدته كلّ أنحاء إفريقيا، شرقها ووسطها، وجنوبها وغربها، ومن بين دول القارة التي تعرّضت لعمليتي التغريب والتنصير إريتريا التي يسعى المقال لبيان دور التعليم التنصيري في ذلك.

الهجمة التنصيرية على إريتريا:

أول هجمة تنصيرية عرفتها إريتريا من الأوروبيين كانت عام 1540م، حين دخل البرتغاليون مدينة «مصوع»، وحوّلوا أحد مساجدها إلى كنيسة[4]، وذلك حين أنزل «استيفانو دا جاما» إلى «مصوع» قوة تبلغ 400 جندي بقيادة شقيقه «كرستوفر»[5].

ثم توافدت إليها بعد ذلك الإرساليات التنصيرية بمختلف جنسياتها، فوصل إليها العازاريون الفرنسيون، وسبق وجودهم فيها الإيطاليون، وكان المنصِّر الفرنسي «أبونا بيكار» هو أول من وصل «كرن»، ودخلها عن طريق بلاد «المنسع»، وهكذا دخلت المسيحية الكاثوليكية «كرن» لتحلّ محلّ المسيحية القبطية قبل أن تصل إلى «أسمرا».

وفي ظل الوجود الإيطالي ظل العازاريون الفرنسيون يتمتعون بسلطات واسعة، حتى إن «فارديناندو مارتيني» عبّر عن قلقه «من السلطة المعطاة للرهبان الفرنسيين وحدهم على الأقلية الكاثوليكية، في «سجنيتي» و «أكلي جوزاي» »[6].

تحدّث «أدولفو روسي» عن بعثة «لازاريستي» التي كانت في منطقة «تانتروي كرن» بقوله: «ولها مدرسة لتعليم السكان المحليين، يتخذها بعض الرهبان وسيلة للتبشير... وتمتلك هذه البعثة مطبعة صغيرة، تطبع فيها كتب التعليم المسيحي، وكتب العبادة باللغة المحلية، وبعض القرارات التي يصدرها حاكم البلاد»[7].

وتضايق «أدولفو» من رئاسة الفرنسيين لهذه البعثة مستنكراً ذلك؛ لكون المستعمرة مستعمرة إيطالية، وحكّامها الطليان، وفي هذا يقول معبّراً عن امتعاضه وشدّة غضبه: «وعندما يزور البعثة مواطن إيطالي لأول مرة قد يصيبه شعور بغيض حين يرى أن البعثة يديرها الراهب الفرنسي الأب «كوليو»، وهو رجل طويل وفظ، يقطن في هذا البقاع منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، ولا يهتم بالسيارة، واللغة الفرنسية هي لغة البعثة، ويتحدّث بها عادة الطلاب الشباب الكهنة»[8].

أجاد كثير من المنصِّرين اللغات المحلية، فتحدّث عدد منهم «التجري»، و «البلين»، وبهذا كسروا حاجز اللغة، وتمكّنوا من مخاطبة الناس باللغة التي يفهمونها

 ثم يلحّ على أن تكون البعثة تحت إدارة كهنة ورهبان إيطاليين، فيقول: «ولكن حكّام إريتريا اليوم هم الإيطاليون، وينبغي - سواء أكان ذلك حسناً أم سيئاً - بذل كلّ جهد؛ ليكون على رأس هذه البعثات كهنة أو رهبان من الإيطاليين، وإلا فإن ما سنكسبه من ناحية مضحّين من أجله بالكثير؛ سنفقده من ناحية أخرى، وقد علمت أيضاً أن الأخوات الراهبات اللواتي يدرن مدرسة لأولاد السكان المحليين، ترأسههن راهبة فرنسية»[9].

ثم أخرج الإيطاليون الفرنسيين فيما بعد، ربما لتنافس استعماري، وإلى تأثيرهم يعزو «فردينادو» تمرد «بهتا حقوس» على الإيطاليين، فهو قد تنصّر واعتنق الكاثوليكية على يد الرهبان الفرنسيين، بعد أن كان مسلماً، وفيه يقول «فرديناندو مارتيني» في كتابه المذكور: «مسلم اعتنق الكاثوليكية مع زوجته... يقال: إن العازاريين الفرنسيين هم الذين أثاروه ضدنا - يعني ضد الإيطاليين -، وقد ساءهم إخراجهم من إريتريا، وهذا ممكن؛ لأن «بهتا حقوس» كان يحب العازاريين الذين اعتنق على أيديهم الديانة الكاثوليكية»[10].

ومما يهمنا ذكره هنا هو أن الجنرال «باراتييري» حاكم إريتريا الإيطالي كان بتاريخ 15 ديسمبر 1894م موجوداً في «كرن» عندما بلغه تمرّد «بهتا حقوس»، ومن «كرن» أبرق إلى الميجر «توسللي» في «أسمرا» آمراً إياه بالزحف إلى «سجنيتي» لقمع ثورة «بهتا حقوس» »[11].

و «بهتا حقوس» هذا وُلد في «سجنيتي» عاصمة «أكلي جوزاي»، وكان حاكماً لإقليم «أكلي جوزاي»، وفي عام 1871م قتل «الفيتوراي إيمبي» أحد أقارب «يوحانس»، وهرب لاجئاً إلى منطقة الحباب في الساحل الشمالي من إريتريا[12].

كان «بهتا حقوس» من حلفاء الطليان قبل أن يتمرّد عليهم، ويشق عصا الطاعة، وكانت له وحدة ضمن الوحدات الإيطالية، حيث يقول «أدولفو»: «إن وحدة «بهتا حقوس» وحدها تكلّف في مسيرتها هذه خمسمائة ليرة يومياً... إن «بهتا حقوس» يعتنق المذهب الكاثوليكي، وعندما يتوقف للراحة أثناء المسيرة الطويلة تحت ظلال بعض الأشجار يحيط به عدد من الرجال المسلحين باعتبارهم حرس شرف، وما أن يجلس حتى يحيط به الخدم؛ ليقدّم أحدهم اللحم المشوي، والآخر يقطّعه له قطعاً صغيرة، وآخر يقدّم له كأس الطج، ورابع يقدم له كأس الشراب المليئ بالعسل المخمّر مضافاً إليه عطر بعض الأعشاب»[13].

ووفقاً لما ذكره «ألم سجد» أنه كان يقوم بممارسة النهب والسلب، ونتيجة لذلك يرى فيه بعض سكان المرتفعات: أحد أولئك الأشخاص الذين تركوا أثراً سيئاً في حياتهم[14].

وحرّض العازاريون الفرنسيون «بهتا حقوس» على هذه الثورة وهذا التمرد عن طريق أحد القساوسة الكاثوليك الإريتريين، وهو الكاهن «شيفلا مريام» من «أشرا»، وتمكّن هذا الكاهن من ترتيب اجتماع سري بين «الرأس منجشا» حاكم تجراي و «بهتا حقوس»، وفي هذا اللقاء السرّي حصل الاتفاق على هذه الثورة وهذا التمرد على الطليان الذين تفاجؤوا به في منتصف ديسمبر 1894م[15].

هكذ ندرك أن للرهبان الفرنسيين وجوداً سابقاً للإيطاليين في مدينة «كرن»، وأن للغة الفرنسية وجوداً سابقاً على اللغة الإيطالية، وأن الطرفين كانا يقومان بدور سياسي تنافسي ضمن المخطط الاستعماري، مستغلين الدين في خدمة أهداف استعمارية، إيطالية أو فرنسية.

وما زالت آثار الإرسالية الفرنسية التنصيرية باقية فيها حتى الآن، فهم أول من أنشأ أول مدرسة تنصيرية في «كرن»، وتقع هذه المدرسة في «كرن لعالاي»، وما زالت حتى هذه اللحظة تقوم بنشاطها التعليمي على الأسس التي قامت عليها، وتُسمّى «مدرسة قدوس مكئيل».

بعد ذلك صارت الغلبة للبعثات الكاثوليكية الإيطالية التي نشطت وتكاثرت بكثافة، وأنشأت مدارس تنصيرية عديدة، في أزمنة مختلفة، ومما عرفناه من هذه المدارس مدرسة «سانتا أنتونيو»، ومن هذه المجموعات التنصيرية التي عرفتها أرض البجوس «مجموعة لاسالي» في «كرن لعالاي»، أسّسها قساوسة إيطاليون.

 كذلك جاءت لاحقاً المجموعات البروتستانتية، ورئاستها في مدينة « جلب» منطقة «المنسع»، ولها فرع في «كرن»، وقساوستهم سويديون، وكانت مدارسهم مفتوحة للجميع، وخرّجت العديد من الطلبة، بعضهم واصل في المدارس الوسطى الحكومية، ومن أشهر قساوستها المنصِّر «رودين».

ويعود وجودهم إلى عام 1894م، حيث كان المنصِّر السويدي «رودين» وزوجته يعملان في «جلب» ومعهما ابنتهما؛ كما يقول «أدولفو» مشيراً إلى دورها في ترجمة الكتاب المقدّس إلى اللغة المحلية: «يقيم السنيور رودن هنا [يقصد جلب] مع زوجته السويدية، وابنته الشقراء التي وُلدت في «جلب»، وتترجم إلى لغة «التجري» الكتاب المقدّس والتوراة بذكاء ونباهة فائقين، وهي تقارن النص باستمرار مع النصوص العبرية، واليونانية، واللاتينية، والإنكليزية، والسويدية، والإيطالية، كما جمعت أجمل الأغاني الشعبية لقبائل «المنسع» بلغة «التجري» »[16].

وحسبما ذكر «روسي» كان سكان «جلب» وقتها 7000 نسمة، وكان لدى البعثة السويدية ستة عشر شاباً محلياً، يدرسون اللغة الإيطالية، بالإضافة إلى أشياء أخرى[17].

وإلى جانب صور القديسين، كالعذراء مريم والمسيح عيسى عليهما السلام، كانت أماكن العبادة التابعة للبعثة السويدية تعلّق فيها صورة ملك السويد، وملك إيطاليا، ففي وصف له لمكان العبادة الذي دخله «روسي» في «محلاب» يوم 28 يناير 1894م يقول: «وعلى الجدران خريطتان ولوحتان زيتيتان، تمثّلان يسوع وصعوده إلى السماء، وصوراً لملك إيطاليا، وملك السويد»[18].

ويبدو أن «جيوفاني استيلا» وصاحبه «جيزبي» هما أول مَن وطئ أرض «كرن» من الإيطاليين، حيث وصلا إليها عام 1851م، أي قبل دخول الاستعمار الإيطالي بـ (38) سنة، و «أسّسا فيها إرسالية عزارية، وتولى فيها «استيلا» مهمة التنصير، حتى طرده منها «مينزنجر» عام 1869م»[19].

ظلت الإرساليات التنصيرية تلاحق الإريتريين حتى في مواطن هجرتهم بعد اللجوء، مستغلة حاجتهم إلى التعليم والصحة

 ولأن القوى الاستعمارية كانت تتنافس فيما بينها للاستيلاء على «كرن»؛ فإن «جيوفاني استيلا» عمل بكلّ حماسة لمصلحة الفرنسيين، وعنه يقول المؤرّخ الأوروبي «سفين ربنسون»Seven Rupenson : «لقد كان تفكير «استيلا» الذي أسّس البعثة في «بجوس» عام 1852م يبدو من الوهلة الأولى أنه لا يصب على أنه يمثّل الجماعة الكاثوليكية فقط، بل يمثّل محمية أو مستعمرة أوروبية أيضاً، إذ أكّد أن شعوب «بجوس» و «منسع» هي شعوب مستقلة، وأنهم نتيجة استقلالهم وعقيدتهم الكاثوليكية سوف يسعون لطلب حماية الحكومة الفرنسية ضد غزوات النائب [يعني في مصوع] وحاكم تاكا [يعني كسلا]، وإذا حصلوا على هذه الحماية فإن كثيراً من القبائل المجاورة لهم، مثل البني عامر، والباريا، والكوناما، سوف تحذو حذوهم»[20].

وهو الذي أكّد للحكومة الإيطالية إمكانية إنشاء مستعمرة مزدهرة في إقليم الحماسين الذي يعد من أغنى أقاليم الحبشة وأكثرها خصوبة[21].

وحسب كلام «ألكس هاملتون»؛ فإن أول مدرسة للكنيسة الكاثوليكية الرومانية في «كرن» بدأت عام 1859م، غير أنها لم تستمر إلى ما بعد عام 1911م[22].

ويظهر لي أن إبعاد «استيلا» الإيطالي، من طرف «مينزنيجر» السويسري، من منطقة «كرن»، إنما هو لدواعي التنافس الاستعماري بين القوى الأوروبية، بمختلف مؤسّساتها الاستعمارية، وما المؤسّسة التنصيرية إلا واحدة من هذه المؤسّسات الداعمة للاستعمار، والمهيئة له، أو الزاحفة معه، لنشر ثقافته، ومعتقداته، حتى يكون له بين الشعوب التي يحكمها مَن يواليه، ويرتبط به ثقافياً، ومعلوم أن المنصّر الإيطالي «سابيتو» هو الذي مهّد لدخول الاستعمار الإيطالي إريتريا، وذلك حين اشترى قطعة أرض في «عصب» باسم شركة «روباتينو».

على كلٍّ؛ عندما دخل «استيلا» منطقة «كرن» اتبع خطة هادئة ومتأنية في سلوكه التنصيري بين «البجوس»، إذ بدأ أول ما بدأ بـ «التوفيق بين أُسر البجوس المتنازعة، وإزالة أسباب النزاع بينهم... وعلّمهم احترام روابط الزواج، وعدم المساس بأملاك الغير، وبذلك أصبح بعد بضعة أعوام الواعظ، والحكم لسكان إقليم البجوس، الذي كان يتكوّن من سبع عشرة قرية، وعشر قرى أخرى مجاورة لهذا الإقليم»[23].

وكان «استيلا» هذا يقوم ببث الفتن الطائفية، كما كان القنصل البريطاني لدى الأتراك في «مصوع» يأتي للمنخفضات الإريترية ليؤيد «خلافات الأب «ستيلا» للكاثوليك في مناطق الهضاب ضد جيرانهم المسلمين في المناطق المنخفضة»[24].

وهذا يشير إلى أن الأب «استيلا» Stella كان يحمل أهدافاً سياسية، تخدم جهة استعمارية بعينها، وهي هنا فرنسا، وللدلالة على ذلك يكفي أن نعلم أن «كونت بيسون»Count Bisson  وهو فرنسي اقترح على مصر فتح إثيوبيا في العام التالي سنة 1864م، على أن يبدأ هو بتدريب القوات المصرية طبقاً للأسلوب الفرنسي، موضحاً أن ظروف غزو إثيوبيا قد أصبحت مهيّأة بفضل البعثة التبشيرية الكاثوليكية التي أرسل رئيسها الأب «استيلا» Stella في «بجوس» برسالة ذكر له فيها أنه اتفق مع سكّان «تيجراي» على القيام بثورة ضد «تيودور» »[25].

وقد اتخذت الإرسالية التبشيرية الكاثوليكية من «بجوس» منطلقاً لها بسبب افتقارها إلى «الأمان الديني والسياسي في «تجراي»، وهو ما دفعها إلى الاتجاه شمالاً والاستقرار في «بجوس»، وقاد الإرسالية إلى منطقتها الجديدة «بجوس» كلُّ من «سابيتو» و «استيلا»، وذلك في سنة 1852م، حيث نقلوا مركز الإرسالية من «عدوة» إلى «أكلي جوزاي»[26].

وما زال في «أسمرا» «معهد كمبوني» الذي يُعد معلماً من معالم التنصير في إريتريا، يحمل اسم المنصِّر الإيطالي الشهير «دانيال كمبوني» حامل شعار «نحو إفريقيا مسيحية».

وطبقاً لما نشرته مجلةWorld wide) ) الصادرة عن كنيسة جنوب إفريقيا، عدد أكتوبر / نوفمبر 2003م: «وُلد «دانيال كمبوني» في «ليمون سول جادرا» بشمال إيطاليا في 15 من مارس عام 1831م، وقادته فكرة التنصير للالتحاق بمعهد «دون مازا» في «فيرونا»، في العام 1849م، وغادر إلى إفريقيا بعد ذلك بثلاث سنوات... تُوفي في الخرطوم بالسودان في 10 من أكتوبر عام 1881م».

لقد أدرك «كمبوني»، ورفاقه المنصِّرون، بمختلف مدارسهم ومذاهبهم التنصيرية، أهمية التعليم في بناء أجيال تؤمن برسالتهم، وتسعى في نشرها، ومن هنا أصبح لهم وجود مبكّر في الساحة التعليمية، في كلّ إفريقيا، وعلى أساس من هذا الوجود تولّوا أمر التعليم في إريتريا منذ أمد بعيد.

لم يكن اهتمام مؤسّسات التعليم الكنسي بالشخصية الإفريقية للأخذ بيد الإفريقي ليواكب ركب الحضارة والتقدّم، وإنما لتنصيره والتأثير في تفكيره وسلب إرادته

وأكّد لي بعض الذين درسوا في «مدرسة كمبوني» بـ «أسمرا» أن قوانين «مدرسة كمبوني» كانت تمنع الطلاب المسلمين من إقامة الصلاة في المدرسة، أو الاستئذان للخروج لأدائها، وكانت لا تعطّل الدراسة يوم الجمعة، ولا لصلاة عيدي الفطر والأضحى، وتُنذر طلابها المسلمين من الغياب بمناسبة العيد، وإلا تعرّضوا للفصل النهائي من الدراسة، ولهذا كان الطلاب يتوجّهون صبيحة يوم العيد إلى المدرسة في حين يتوجّه آباؤهم إلى المصلّى لأداء صلاة العيد، وبلا شك؛ كان هذا من مقتضيات التربية التنصيرية في عزل الشاب المسلم عن قيم الإسلام قدر المستطاع.

يقول ممتاز العارف متحدثاً عن نشاط الإرساليات التنصيرية التعليمي في إريتريا: «وكانت الإرساليات التبشيرية الأجنبية التي بدأ نشاطها وفعالياتها منذ أمد بعيد؛ تُعنى بتوفير قسط بسيط من الثقافة الدينية، وتعليم اللغات الأجنبية، في المدارس الخاصة الملحقة بها، وكان في مقدمة هذه الإرساليات البعثة السويدية البروتستانتية الإيفانجيلية»[27].

وشيّد العازاريون كما يذكر «فرديناندو» «كنائس في كرن، وشينارا، وأكروا، والستيانا»[28]، وأقاموا «مطبعة تطبع كتب الصلاة بلغة الجئز...»، وكان منهم «الأب بيكار» الذي استقر في «بلاد البجوس... وكان قد طرده إليها رأس ألولا»[29]، وقد حاز هذا المنصّر على نفوذ قوي، مكّنه «طيلة المدة التي حكم فيها المصريون من منع بناء جامع في المنطقة»[30]، أي في منطقة «البجوس».

وفي سبيل دعم نشاطهم التنصيري في منطقة «كرن» امتلك «الآباء العازاريون مصنعين كبيرين أحدهما في شينارا، والثاني في موداكا»[31]، أيضاً امتلكوا أرضاً واسعة، وظّفوها للإنتاج الزراعي، منها تلك «الأرض التي كانوا يملكونها على ضفة نهر عنسبة، وكانت تنتج فاكهة وخضاراً، يقدّر ثمنها بـ 8000 ليرة، وتكلّف العناية بهذه الأرض 2000 ليرة سنوياً»[32].

واستغلوا حاجة أهل المنطقة إلى المال، وغفلتهم عن إدراك أهمية الأرض، وقيمتها العالية في الشأن الاقتصادي لهم ولأبنائهم من بعدهم، فأغروهم ببيع أرض واسعة مقابل ثمن بخس، من ذلك أن «ميخائيل» ترجمان البجوس - كما يسمّيه فرديناندو - باع «قطعة أرض واسعة مقابل بقرة، وهذه الأرض تكفي لإقامة عشرين عائلة مزارعة بكاملها في إيطاليا»[33].

نشاط المنصِّرين التعليمي بعد جلاء الاستعمار الأوروبي:

بعد جلاء المستعمر الأوروبي من إريتريا بخروج الإنجليز منها، ومجيء العهد الفيدرالي، ثم الاستعماري الإثيوبي، الذي امتد لثلاثين عاماً، ظلت الإرساليات التنصيرية تعمل في ميدان التعليم بكل نشاط وحيوية، ومن مدارسها في «كرن» المدرسة الإيطالية، وهي مدرسة تنصيرية، المعلمات فيها راهبات، يُعرفن بأزيائهن، وصلبانهن تلمع على صدورهن، وظلت تستقبل أبناء المسلمين.

كذلك توجد في «كرن لعالاي» مدرسة تنصيرية تُعرف بـ «مدرسة بادري»، تبدأ الحصة الأولى فيها بمحاضرة تنصيرية، وفي منطقة «دعاري» توجد مدرسة تنصيرية للصم والبكم.

كما أن منصِّراً كندياً أو أمريكياً - لست على يقين من جنسيته -، يُدعى «مستر هيو» أسّس داراً لرعاية الأيتام والمشرّدين، وكان يلتقطهم من الطرقات، ويلقي عنهم ملابسهم الرثّة والبالية، ويعالج أمراضهم، ويُسكنهم في مساكن داخلية، ثم يقوم بتدريسهم وتعليمهم، وقد خرّج منهم عدداً كبيراً، وكان يأتي بالمسلمين منهم إلى جامع «كرن» لصلاة الجمعة، ليبدي حياديته، ويُعَـمِّي على أهدافه التنصيرية، في حين أنه بفعله هذا إنما كان يؤدي واجبه التنصيري، وذلك من خلال نَصْـرَنَـة الإسلام في أذهان طلابه، وذلك باختصار العبادة في ساعة واحدة من يوم الجمعة، كما هي العبادة في العقيدة النصرانية، تكون في ساعة واحدة من يوم الأحد، ثم لا علاقة لهؤلاء الطلاب بالمسجد في الأوقات الأخرى من باقي الأيام، إنها أوقات خالصة له، ينفرد بهم ليوجّههم وفق رسالته التنصيرية.

وأجاد كثير من هؤلاء المنصِّرين اللغات المحلية، فتحدّث عدد منهم «التجري»، و «البلين»، وبهذا كسروا حاجز اللغة، وتمكّنوا من مخاطبة الناس باللغة التي يفهمونها، ومعلوم عن المنصِّر الهولندي «بانديل» أنه أقام بمدينة «بورتسودان»، وتعلم اللغة البيجاوية، ثم قام بترجمة الإنجيل إليها.

مستر ديفيد المنصِّر البريطاني:

وفي الستينيات عرف والدي - رحمه الله -، وهو الشيخ محمد صالح حاج حامد منشئ مؤسّسة «أصحاب اليمين التعليمية» بـ «كرن»، منصِّراً بريطانياً يُدعى مستر «ديفيد»، وكان يجيد العربية بحكم أنه عاش فترة في مصر، وكان نشاطه التنصيري منصباً على مناطق «الكنامة»، كما كان نشاط الوالد أيضاً يستهدفهم، وكانت المنافسة بينهما قوية، ومع ذلك كان يصطحب الوالد معه في سيارته كلما سافر من «كرن» إلى مناطق «البازا»، وكان يتحدّث معه عن أثر النشاط الإسلامي في «الكنامة»، ويقول له: «لا جدوى من إضاعة الوقت معهم، فإنهم لا يُقبلون على الإسلام»، بينما كان الوالد يؤكّد له خلاف ذلك، مستدلاً ببعض الظواهر الاجتماعية، ويقول له: «إنهم فقط يحتاجون إلى بعض المجهودات في تعريفهم الإسلام، وعندها لن يقبلوا به بديلاً».

كان هذا المنصِّر حريصاً على تعلّم لغة «التجرايت»، وطلب من الوالد تعليمه مقابل مبلغ من المال، ثم قيل له: إن أنظف نطق للغة «التجرايت» هو نطق «المنسع»، عندها قرّر أن يدرسها على رجال من «المنسع».

نتائج التنصير الخطيرة:

لقد استطاعت الإرسالية التنصيرية خلال الحقبة الإيطالية أن تحمل عدداً من المسلمين على الارتداد والتنصر، وإن كنا لا نملك إحصائية دقيقة عنهم، ومهما كان؛ فإن أسماء أحفاد هؤلاء المتنصّرين في العهد الإيطالي نجدها مقرونة بأسماء إسلامية، أما خلال الحقبة الإثيوبية فلم يسجّل لنا التاريخ نجاح هذه الإرساليات في تنصير نسبة كبيرة من الطلاب المسلمين الدارسين في مدارسها.

لكن من المعلوم لكلّ باحث في الشأن التنصيري أن هدف الإرساليات التنصيرية ليس هو إدخال الفرد المسلم في النصرانية فحسب، وإن كان لهذا الهدف أولويته وأهميته، وإنما أيضاً تحييده، وتشكيكه في الإسلام، إن لم يمكن تنصيره، باعتبار ذلك هدفاً تالياً وتابعاً.

ونستطيع أن نجزم بأنها حقّقت على هذا الصعيد نجاحاً معتبراً، إذ أوجدت - كما يقول صموئيل زويمر المنصٍّر الأمريكي الشهير - من خلال مدارسها التنصيرية والمدارس العلمانية أجيالاً من الشباب المعادي لعقيدته وقيمه، وأجيالاً من الشباب الجاهل بإسلامه، المحايد الذي لا تثيره أية هجمة معادية يتعرض لها الإسلام، أياً كانت طبيعتها، بل لجهله بالإسلام يردّد شبهات المنصِّرين وتشويشاتهم التي تلقفها سماعاً، من هنا وهناك، من دون وعي بمصدرها الأصلي، ومقصدها التخريبي، فتراه إذا ما تعامل مع الفكر الإسلامي أثار بعض الشُّبه الرائجة، ظناً منه أنها منقصة تُحرج الإسلام والمسلمين، وذلك لجهله بها، وبمدلولها الشرعي، فهو أمي بالنسبة لقراءة الإسلام، وفهمه، لا يُحسن قراءة كتاب إسلامي، ولا فهم نصٍّ شرعي، ومع ذلك إذا ما ناقش الفكرة الإسلامية أثار هذه الشُّبه، لمجرد أن ما يثيره المنصِّرون والمستشرقون شوش على فهمه المحدود القاصر، وهو عاجز عن ردّه.

مثل هؤلاء هم نتاج الهدف الثاني للنشاط التنصيري التعليمي والفكري في عالمنا الإسلامي بشكل عام، وقطرنا الإريتري بشكل خاص، وهم الذين يعاني منهم الإسلام في إريتريا.

أضف إلى ذلك مناهج التربية العلمانية التي تلتقي المناهج التنصيرية في تحييد المسلم وتشكيكه، وإخراجه إلى الحياة جاهلاً بالإسلام ومحايداً، يفتقد الغيرة على عقيدته الإسلامية، إن لم يكن مهاجماً لها، ومشاركاً في العدوان عليها، ليس يهودياً، ولا نصرانياً، ولكنّه مهيئ لكلّ فكر وافد من ملاحدة الغرب وفلاسفتهم، ينقاد له بلا مقاومة فكرية، ولا معارضة نفسية.

نموذج لمقاومة المد ّالتنصيري في إريتريا:

ظلت الإرساليات التنصيرية تلاحق الإريتريين حتى في مواطن هجرتهم بعد اللجوء، مستغلة حاجتهم إلى التعليم والصحة، بحكم أنهم يعيشون في معسكرات اللجوء التي ينقصها الكثير من ضرورات الحياة السليمة.

ومما يحضرني ذكره هنا قصة الأخ محمد إدريس حدقي الذي وُلد بـ «كرن»، وعائلته معروفة من أشهر العوائل الكرنية، وعاش أول حياته في «كرن» إلى أن لجأت أسرته إلى السودان، وعاش معها بمعسكر «ود الحليو».

كان محمد هذا يعاني ضعفاً حاداً في بصره كأخويه الكبيرين داود وعمر رحمهما الله، استغل فيه المنصِّرون حالته هذه، فحاولوا تنصيره من خلال تقديم خدمات تعليمية مهمّة له، إلا أنه كان فطناً، وخلفيته الإسلامية تعد كافية في حمايته من التنصّر، فما انطلت عليه غايتهم من هذه الخدمات التي يقدّمونها له، مع أنه كان شديد النقد للمؤسّسات الإسلامية بسبب عجزها وعدم كفايتها في تقديم خدمات مماثلة.

على كلٍّ؛ استطاع الشاب محمد أن يستفيد من خدمات المنصِّرين هذه من غير أن يغيّر عقيدته، فتخصّص في الأدب الإنجليزي، وعاد إلى «كرن» قبل التحرير، وقام بمبادرة تعليم المكفوفين الكرنيين في منزله بـ «كرن»، بعد أن عرفهم، وزارهم في منازلهم، ويعيش الآن بقية حياته في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد إخفاقه في فتح مدرسة تعليم المكفوفين بـ «كرن»، إذ حالت أنظمة الجبهة الشعبية بينه وبين جمع تبرعات من الخارج لفتح هذه المدرسة، الأمر الذي اضطره إلى مغادرة الديار والعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، عصمه الله في دينه وصحته.

* أكاديمي إريتري وأستاذ مشارك بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية – الرياض.

[1] الاستعمار والتنصير في إفريقيا السوداء:

اhttp://www.sawaa.org/pages/book.php?bcc=5535&itg=5&bi=121&s=ct

[2] المصدر السابق.

[3] المصدر السابق.

[4] انظر: عثمان صالح سبي: تاريخ إريتريا، ص 64.

[5] حراز، رجب: إريتريا الحديثة، ص 29.

[6] انظر: إريتريا في إفريقيا الإيطالية، ص 123.

[7] إريتريا اليوم، ص 82.

[8] المصدر نفسه، ص 82.

[9] إريتريا اليوم، ص 82.

[10] إريتريا في إفريقيا الإيطالية، ص 102 – 105.

[11] حراز، رجب: التوسع الإيطالي في شرق إفريقيا، ص 378.

[12] حراز، رجب، المصدر نفسه، ص 276.

[13]  إريتريا اليوم، ص 118 – 119.

[14]  ألم سجد: لن نفترق، ج 1 ص 59.

[15]  حراز، رجب، مصدر سابق، ص 377.

[16] إريتريا اليوم، ص 103.

[17] المصدر نفسه، ص 102.

[18] المصدر نفسه، ص 103.

[19] انظر: الدكتور بيان صالح: الدعوة الإسلامية في إريتريا، ص 311 – 312.

[20] بقاء الاستقلال الإثيوبي، ص 168.

[21] يحيى، جلال، مهنا، محمد نصر: مشكلة القرن الإفريقي، ص 67.

[22] Keren The Essence of Eritrea p 23

[23] د. بيان صالح: المصدر نفسه.

[24] محمد، إبراهيم عبد المجيد: ثيودور الثاني إمبراطور إثيوبيا، ص 40.

[25] أنتوني سوريال عبد السيد، مصدر سابق، ص 62.

[26] المصدر نفسه.

[27] إريتريا بين احتلالين، ص 251 – 252.

[28] إريتريا في إفريقيا الإيطالية، ص 122.

[29] المصدر نفسه والصفحة.

[30] المصدر نفسه والصفحة.

[31] المصدر نفسه والصفحة.

[32] المصدر نفسه والصفحة.

[33] المصدر نفسه والصفحة.