التقارب الإثيوبي الإريتري.. فتّش عن العدوّ المشترك

  • 5 -10 - 2018
  • برونوين بروتون
  • فورين بوليسي


برونوين بروتون – فورين بوليسي[1]

تصدّرت أخبار رئيس الوزراء الإثيوبي (أبيي أحمد) عناوين الصحف عبر العالم؛ بعد خطوته المفاجئة[2]- في يونيو الماضي- لحلّ صراعه الذي امتدّ لعقدَيْن[3] مع إريتريا، تلك الدولة التي انفصلت عن إثيوبيا عبر استفتاء عام 1993م، ومنذ ذلك الحين خاضت الدولتانِ حرباً دامية، يُعتقد أنها خلّفت ما يقارب مائة ألف قتيلٍ بين عامَي 1998م و2000م.

وفي عام 2002م؛ تمّ إلحاق بلدة «بادمي» الصغيرة- التي لا تحمل أية أهميةٍ استراتيجيةٍ لكلا الطرفَيْن سوى أهميةٍ رمزية– إلى إريتريا، طبقاً لقرار لجنة الحدود الدولية التي شُكّلت طبقاً لاتفاقية السلام التي عُقدت بين الجانبَيْن، ولكنّ إثيوبيا نقضت اتفاقها في هذه الصفقة، وجمّدت الوضع عسكريّاً، وأبقت قواتها هناك لمدة عشرين عاماً من أجل تجنّب تسليم البلدة. ولكن مؤخراً أعلن «أبيي»- في الخامس من يونيو الماضي- نيّته تسليم القرية دون أية شروطٍ اقتصادية مسبقة، وهو ما كانت دوماً تصرُّ عليه الحكومات الإثيوبية الماضية، وهو ما يعني فعليّاً إنهاء الصراع بين الجانبَيْن.

ولكنّ هناك أسباباً وجيهةً تجعل الزعيمَيْن يتقاربان من أجل حلّ مشكلاتهما الداخلية، فقد قابل خصمُه المفترض الرئيس الإريتري (أسياسي أفورقي) هذه الخطوة بترحيبٍ كبير، حيث أرسلَ وفد سلام إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ليضع نهايةً لرفض بلاده- الذي استمر لثمانية عشر عاماً- لإجراء أية حوارات مع إثيوبيا ما دامت قواتها باقيةً على الأراضي الإريترية، ومن ثَمَّ فإنّ الخيارات التي لم تكن تخطر على بال أحدٍ في السابق؛ باتت الآن مطروحةً على الطاولة من الجانبَيْن.

فقد بدأت الطائرات في التنقُّل ما بين أديس أبابا والعاصمة الإريترية أسمرة مرةً ثانية، وفي الثامن من يوليو الماضي قضى أبيي يوماً في أسمرة، حيث تلقّى ترحيباً كبيراً من الرئيس الإريتري، وفي الصباح التالي أعلن الزعيمان أنهما سيستأنفان العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مرةً ثانية.

ولم تُشرح كثيرٌ من التفاصيل بشأن خلفيات ذلك التقارب، إلا أنّ الزعيم الإريتري ألمح باقتضابٍ للصعوبات التي يواجهها أبيي في بلاده، والحاجة إلى استجابةٍ منسّقة بين البلدَيْن، حيث صرّح قائلاً: «يمكن أن نتفهّم أنّ القرار الذي اتخذه السيد رئيس الوزراء الإثيوبي لم يكن سهلاً، ولكننا نؤكد له أننا سنواجه المستقبل معاً، سوف نعمل معاً كيدٍ واحدة».

بالرغم من أنّ التيغريين يمثّلون فقط 6% من سكان إثيوبيا؛ فإنّ تحليلاتٍ للجيش الإثيوبي- منذ سنوات- تفيد بأنّ 57 من إجمالي 61 جنرالاً في الجيش في المواقع العملياتية الحساسة من الإثنية التيغرية

وما دام أنه تمّ التوصل في النهاية- نظريّاً- إلى ترسيم الحدود[4]؛ فإنه من حيث المبدأ؛ من المفترض ألا يتطلب إحلال السلام أكثر من سحب القوات الإثيوبية من البلدة، ولكن ربما سيكون هذا الجزء هو الأصعب من المسألة؛ لأسبابٍ لا تتعلق بأيٍّ من أبيي أو بإريتريا؛ فبالرغم من أنّ ذلك ربما يكون صادماً للمراقبين من خارج البلاد؛ فإنّ هناك سبباً واضحاً للغاية يُفسّر: لماذا قرّر الزعيمان فجأةً أن يتعاونَا بكلّ ذلك الحماس؟ إنهما توحّدَا استجابةً لوجود عدوٍّ مشترك: جبهة تحرير شعب تيغري TPLF.

فقد دُفع بأبيي إلى سُدّة الحكم في منصب رئيس الوزراء في أبريل الماضي؛ بعد موجةٍ عاتيةٍ من التظاهرات، حيث قُطعت الطرق، وأُغلقت المحال، بعدما تظاهر مئات الآلاف ضدّ التحالف الحاكم، والذي هو عبارة عن مجموعة صغيرة من مقاتلي حقبة التحرير الذين قبعوا في السلطة منذ عام 1991م، وقد استغلت تلك المجموعة حكمها طويل الأمد في تحسين الاقتصاد الإثيوبي، وجعلوا بلادهم قوةً إقليمية، ولكنهم في الوقت ذاته، وبسبب الفساد، راكموا ثرواتٍ ضخمة، وأبقوا على معظم القوة العسكرية متمركزةً في أيدي أقليةٍ عِرْقيةٍ صغيرة، وهم التيغريون الذين قاموا بتحرير إثيوبيا عن طريق جبهة TPLF من النخبة الحاكمة الشيوعية السابقة.

وبالرغم من أنهم كانوا يحكمون من خلف ستار مجموعة تحالف حاكمة أكبر، إلا أنّ جبهة TPLF، والأقلية العِرْقية الصغيرة التي يمثّلونها، استطاعت أن تحظى بسلطاتٍ غير محدودة في إثيوبيا في العقدَيْن الماضيَيْن، وقد استخدم الحزب سلطاته لخنق المجتمع المدني والصحافة والحريات الدينية وكلّ أنماط المعارضة السياسية.

وفي أوائل هذا العام قبضت الجبهة على السلطة؛ مما دفع بإثيوبيا إلى حافّة الانهيار[5]، بعدما قامت الطائفة العِرْقية الأكبر- بقيادة الأورومو والأمهرة- بقطع الطرق إلى العاصمة أديس أبابا في تظاهراتٍ عارمة. ولتفادي المواجهة، والتي كانت قد اتخذت شكلاً مريعاً من نقص الغذاء والوقود في العاصمة، فإنّ حكومة الائتلاف الحاكم أُجبرت على إقالة رئيس وزرائها، والإفراج عن الآلاف من السجناء السياسيّين، والموافقة على تعيين أبيي، وهو أحد زعماء الأرومو، رئيساً جديداً للسلطة.

وقد تحرك أبيي بقوةٍ منذ يومه الأول- على عكس المتوقع- من أجل حشد الدعم السياسي له، وتفكيك قبضة جبهة TPLF عن السلطة.

كما أعرب أسياسي أفورقي هو أيضاً عن مخاوفه بشأن تلك الجبهة؛ عندما أعلن عن نيّته في إرسال وفد سلامٍ إلى أديس أبابا في خطابه في العشرين من يونيو الماضي، حيث أعرب بكلماتٍ مقتضبةٍ عن سعادته بالتغيير الذي يحدث في إثيوبيا، حيث تحدّث بصورةٍ عامّةٍ عن «التأثير الفاسد لجبهة TPLF وتركتها المسمومة»، واعتقاده بأنّ «لصوص» الجبهة الذين صعقهم فقدانهم للسلطة؛ سوف يعملون الآن على «عرقلة التغيير الإيجابي»، على كلٍّ من مستويَي العلاقات الثنائية بين البلدَيْن، وكذلك على مستوى الداخل الإثيوبي.

وقد حارب أسياسي أفورقي وجبهة TPLF جنباً إلى جنبٍ بوصفهم حلفاء مقربين في أثناء صراع التحرير ضدّ الحزب الشيوعي الإثيوبي السابق، ومثّل ما يقرب من نصف الإريتريّين، فهو نفسه ينحدر أيضاً من عِرْقية التيغري. ولكن الحرب العنيفة التي أعقبت الاحتلال الإثيوبي طويل الأمد للحدود الإريترية؛ كانت قد دمّرت كلّ أشكال التضامن بين الجانبَيْن، وبسبب تصلب مواقف جبهة TPLF فإنّ إريتريا ظلّت فعليّاً في حالة طوارئ دائمة منذ عام 1998م، مما أدى إلى أزمة مهاجرين بعدما هرَبَ آلافُ الشباب من بلدانهم إلى أوروبا.

والهدف من تصريحات أسياسي أفورقي هي وضع إريتريا كحليف للتظاهرات الإثيوبية، والتي- من وجهة نظر أسمرة- قد أجبرت جبهة TPLF على الدفع بأبيي إلى السلطة.

وقد أثنى الكثيرون على خطابه، بما في ذلك المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، والذي ثمّن «قيادته الشجاعة» في استدارته الجريئة، بينما رحّبت إريتريا بما يمكن أن يحمله المستقبل من الحليف الجديد في الحرب القديمة مع جبهة TPLF، والتي أصبح من الممكن الانتصار فيها.

ولكن على أبيي نفسه أن يخشى- ربما- أكثر من أسياسي أفورقي من مماطلات جبهة TPLF، فهُم المقوّض الأساسي لأي إصلاحٍ سياسيٍّ في إثيوبيا، ولكنه منذ وصوله إلى السلطة ظلّ يعمل بجدٍ من أجل تفكيك قبضتهم؛ فقد قلّص سلطات الجيش عن طريق رفع حالة الطوارئ القمعية، وأعاد النظر في القوانين التي سمحت للقوات الأمنية بأن تسم المعارضين بأنهم إرهابيّين ومن ثَمّ القبض عليهم، كما أقالَ عدداً كبيراً من كبار المسؤولين الأمنيّين وضباط الاستخبارات، معظمهم من أقلية التيغري.

وكانت أكثر قراراته التي حظيت بتقدير: هو منع الاحتكار الحكومي في العديد من أهمّ الصناعات الإثيوبية، بما في ذلك الاتصالات والطاقة، واعتبر أنها تمثّل تقدّماً باتجاه حرية التجارة، ولكنها تعدّ في الوقت ذاته ضربةً قويةً للحسابات البنكية لأعضاء جبهة TPLF؛ الذين تربّحوا من التعاملات الفاسدة في الصفقات التي كانوا يوكلونها لأنفسهم بتوجيه تلك الاحتكارات، وإعطاء العقود الحكومية السخية إلى شركاتٍ يمتلكونها أو يديرونها، سواء بأنفسهم أو عن طريق أصدقائهم العسكريّين.

ويعمل أبيي بجدٍّ وسرعةٍ من أجل تقليص قدرات الجبهة؛ قبل أن يستطيعوا تجميع أنفسهم مرةً ثانية ويقوموا بالردّ على تلك التحركات، ففي السنتَيْن الماضيتَيْن، عانى الحزب من فراغٍ في القيادة في ظلّ تنافس كبار المتشدّدين من داخل الحزب، أمثال جيتاشيو أصيفا وديبريتسوين جبريمكال وسامورا يونس وسيبهات نيجا، وهؤلاء المتشدّدون طالما استخدموا الجيش لسحق طلبات الإصلاح، وسجنوا عشرات  الآلاف من المتظاهرين، ولكنهم الآن باتوا محاصرين خوفاً من المدّ المتصاعد داخل الشعب التيغري، حيث يشعرون أنهم معرضون للانتقام على أيدي غالبية قبائل إثيوبيا.

ولكنّ الأخبار السيئة لأبيي هي أنّ مناوراته الأخيرة من المتوقع ألا يكون لها سوى تأثيرٍ محدود، فبعد سبعة وعشرين عاماً من الحكم السلطوي؛ فإنّ شبكات محاسيب وداعمي الجبهة أصبحت متغلغلةً ومتجذرةً في العِرْقيات الشعبية داخل الدولة. وبالرغم من أنّ التيغريّين يمثّلون فقط 6% من سكان إثيوبيا؛ فإنّ تحليلاتٍ للجيش الإثيوبي- منذ عدة سنوات- تفيد بأنّ 57 من إجمالي 61 جنرالاً في الجيش في المواقع العملياتية الحسّاسة من الإثنية التيغرية. ويعتقد أنّ ثلثي طبقة الضباط- بصفةٍ عامّةٍ- من نفس الإثنية، كما أنّ الجوهر العامّ للجيش الإثيوبي يعتمد على أسطورة: أنّ مقاتلي التحرير التيغريّين- الذين هزموا حزب ديرج Derg عام 1991م- هم أنفسهم الذين لا يزالون يتقلّدون أهمّ المراكز الأمنية والاستخباراتية.

وقد بدأ أبيي في تقليص صلاحياتهم، وأجبر المسؤولين والجنرالات الفاسدين على الاستقالة[6]، بمن في ذلك (سامورا، وجيتاشيو) اللذان كانَا يديران الاستخبارات الإثيوبية لما يقرب من الثلاثين عاماً، ولكنّ تجريد رجالٍ مثل هؤلاء من رتبهم ومزاياهم لا يجعلهم يختفون من المشهد؛ حتى لو اختفوا؛ فإنّ أبيي لا يستطيع أن يقيل 95% من جنرالات الجيش الإثيوبي! ولكن من أجل تدعيم سلطته؛ فإنه بحاجةٍ إلى إقالة الأكثر فساداً، ثم يستطيع أن يستميل البقية، بالرغم من أنّ تلك العملية يمكن أن تستغرق سنوات.

وقد أكمل أبيي فقط الجزء السهل من تلك المهمّة، فقد أقالَ العديد من قيادات جبهة TPLF، بمن في ذلك: أباي تسيهيي تيدروس هاجوس، جيتاشيو أمبايه تازير جيبريجزيابير، وجيرما بيرو، ولكنهم ربما يستمرّون في خلق المشكلات له؛ فمثلاً بعدما أقالَ الجنرال سيئ السمعة «تيكليبرهان ولدرجاي» من وظيفته المرموقة في وكالة أمن شبكات المعلومات؛ فإنه ذهب إلى الإذاعة، وألقى بياناً وصَفَ فيه نفسه باللغة التيغرية بأنه «ممثل الجيش»، فيما يبدو أنه كان يستدعي انقلاباً عسكريّاً؛ حيث وصَفَ الحكومة الجديدة بأنها «عونٌ للأعداء»، وأنها «تهديدٌ للنظام الفيدرالي»، وأنها «ليست من الشعب».

وبالرغم من أنه من غير المتوقع أن يُقنع «تيكليبيرهان» وأشباهه الجيش بأن يثوروا على أبيي؛ فإنّ الفاسدين داخل جبهة TPLF يمكن أن يستخدموا مختلف المحاور والأعضاء في شبكات المصالح القديمة الخاصّة بهم (بما في ذلك مسؤولون محليّون، ورجال أعمال، وقادة سلاح القوات الخاصّة المرعب في البلاد المعروف باسم «أجازي»، ومختلف التشكيلات العسكرية التي تعمل في المنطقة)؛ من أجل ارتكاب أعمال عنف لإشعال صراعٍ طائفيٍّ في مختلف أجزاء البلاد. ولكن لا يبدو أنّ محاولة اغتيال أبيي- في ميدان ميسكال في 26 يونيو- بمثابة شيء عارض؛ حيث تمّ القبض على نائب قائد الشرطة، بالإضافة إلى ثلاثين شرطيّاً ومسؤولين حكوميّين.

 ولكن الآن من المؤكد أنّ المتشدّدين يشعرون أنهم أقلية، وحتى الآن استطاع أبيي أن يحظى بدعم قطاعٍ كبيرٍ من الشعب التيغري بالرغم من أنهم يمثّلون أقليةً في البلاد، بل إنه استطاع أن يحصل على دعم بعضٍ من أعضاء الحزب الذين أشادوا بإصلاحاته.

ومن الناحية الجغرافية؛ فإنّ منطقة تيغري تقع بين إريتريا وبين إقليم أمهرة الإثيوبي، وقد قامت بتمرّدٍ شعبي مسلح بقيادة جماعة تسمى بـ«جينبوت 7» ضدّ الحكومة لعدة سنوات، وليس من المصادفة أنّ أبيي عمل سريعاً من أجل المهادنة معهم ورفع اسمهم من قائمة الجماعات الإرهابية، كما ألغى أحكام الإعدام التي حُكم بها على قائدهم، كما أخرج أعضاء الجماعة (بمن فيهم المواطن البريطاني أندرجاشيو تسيج) من السجون، بل إنّ أبيي استقبل أندرجاشيو في مكتبه وابتسم وهو يلتقط الصور معه، وهي خطوةٌ حظيت بشعبيةٍ كبيرةٍ في منطقة أمهرة، ولكنها في المقابل بدت وكأنها جرس إنذار لجبهة TPLF. وإصلاح العلاقات مع جماعة «جينبوت 7» سيساعد أبيي على الحصول على دعم الأمهريّين، كما أنه في الوقت ذاته يزيد من قائمة حلفائه في الجيش، وقد قدّم أبيي بذلك مبادرةً للمتمردين في مناطق الأورومو والمناطق الصومالية من البلاد أيضاً.

وخطوات أبيي، بما في ذلك مبادرته مع إريتريا وإقالة كبار الجنرالات، سوف تكون استفزازية بصورةٍ كبيرة لجبهة TPLF، وربما تؤدي أيضاً إلى نتائج عكسية، فحلفاء إثيوبيا، وبخاصة واشنطن، يجب أن يراقبوا عن كثب التطورات هناك بحذر، ويجب عليهم أن يتحركوا من أجل ضمان أنّ الوضع هناك لا يخرج عن السيطرة، فإذا ما قام متطرفو جبهة TPLF باستخدام نفوذهم على الجيش لإعادة الاستحواذ على السلطة، سواء كان ذلك عن طريق الاغتيال أو عن طريق تكتيكات إحداث قلاقل عِرْقية أو انقلاب، فإنّ إثيوبيا سوف تواجه حرباً أهلية.

وللأسف؛ فإنّ الوسطاء في كلٍّ من واشنطن وبروكسل يبدو أنهم غير مهتمين بصورةٍ كبيرةٍ بالأحداث التي وقعت في إثيوبيا، كما أنّ إدارة ترامب تركّز الآن على كلّ شيء آخر سوى إفريقيا، فبخلاف ثنائهم على خطوات أبيي وإصلاحاته؛ فإنّ قادة البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي يبدون غير واعين بصراع السلطة الشرس هناك، والذي يتكشف يوماً بعد يوم. فيجب على كلٍّ من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يرسلَا رسائل غير قابلةٍ للفهم الخطأ، بالإضافة إلى رسائل عامّة، إلى جبهة TPLF، بأنه لن يتم السماح بأيّ استحواذٍ على السلطة، وأنّ تمويل المساعدات والتعاون العسكري والدعم السياسي سوف يتمّ إلغاؤها إذا ما حدثت محاولة انقلابٍ هناك، أو أيّ نوعٍ من التدخّل غير الديمقراطي، ومثل تلك الرسائل سوف تجعل من الواضح للمتشدّدين أنّ الخروج الآمن والمشرّف هو خيارهم الوحيد.

وإذا كان التاريخ يعطينا أيّ دروس؛ فهي أنه على واشنطن أن تقلّل من رهاناتها على الفاسدين؛ فأجهزة الأمن الإثيوبية الضخمة لا تزال رغم كلّ شيءٍ عبارة عن وحشٍ صنعته واشنطن ذاتها، فهناك ملايين الدولارات التي- بلا حصر- أُنفقت من أجل زيادة قدرات جبهة TPLF لمحاربة الإرهابيّين– خصوصاً في الصومال، ولكن تلك الأموال كان يتمّ استخدامها ضدّ «الإرهابيين» الإثيوبيّين، والذين يتصادف أنهم ناشطون موالون للديمقراطية أيضاً.

من غير المتوقع أنّ وزارة الدفاع الأمريكية، سوف تغامر بأن تُبعد أهمّ حليف لها في مقاومة الإرهاب بمنطقة القرن الإفريقي، وهذا يعني دعم أبيي، ولكن في الوقت ذاته الحفاظ أيضاً على علاقاتٍ وثيقةٍ مع جبهة TPLF

ولكن هناك شكٌّ في أنّ الدبلوماسيّين الأمريكيّين يمكن أن يفضّلوا أن يكون أبيي الشاب الأنيق هو رجلهم في أديس أبابا، كما أنه من غير المتوقع على الإطلاق أنّ وزارة الدفاع الأمريكية، والتي غضّت الطرف عن الاحتلال الإثيوبي الطويل لإريتريا، وغزوها للصومال، وسجلّها الصادم في مجال حقوق الإنسان، سوف تغامر بأن تُبعد أهمّ حليف لها في مجال مقاومة الإرهاب في منطقة القرن الإفريقي. وهذا يعني دعم أبيي، ولكن في الوقت ذاته الحفاظ أيضاً على علاقاتٍ وثيقةٍ مع جبهة TPLF، وبخاصّةٍ قوات «أجازي» الخاصّة، التي تقوم بصورةٍ دوريةٍ بدعم ومساعدة الضربات الأمريكية ضدّ الأهداف الإرهابية في الصومال (قوات أجازي الخاصّة: تتشكل بكاملها من جنود النخبة من التيجريين والمختارين بعناية فقط من أجل ولائهم المطلق لجبهة TPLF. ومن ثَمَّ فإنّ اعتماد واشنطن عليهم في الصومال يمكن أن يضع البنتاجون في موقعٍ حرج).

كما أنّ هناك بعض المخاطر تواجه إريتريا أيضاً، فبالوضع في الاعتبار هيمنة جبهة TPLF على سلسلة القيادة في الجيش؛ فمن غير الواضح تماماً أنّ أبيي يستطيع أن يسحب قوات إثيوبيا من طرفٍ واحدٍ من الحدود. وحتى إذا ما استطاع أسياسي وأبيي أن يشكّلَا تحالفاً شاملاً؛ فإنّ إريتريا سوف تجد نفسها في الموقف الضعيف بإعلان السلام مع إثيوبيا؛ بينما لا تزال تدافع عن حدودها أمام اعتداءات جبهة TPLF، والتي ربما تكون في شكل هجومٍ من جيبوتي الدولة التابعة والحليف المقرّب لجبهة TPLF، والتي سوف تخسر الكثير من التجارة وعائدات الموانئ إذا ما تمّ إعادة افتتاح الحدود الإثيوبية الإريترية.

بل إنّ أيّ سلامٍ لا يسمح لإريتريا بأن تقوم بتسريح مجنديها بصورةٍ كاملةٍ وسريعة من برنامج الخدمة الوطنية في البلاد؛ فإنّ ذلك ربما يمثّل مشكلات سياسية مع أفورقي داخليّاً، فبعدما ظلّ في حربٍ استمرت لعشرين عاماً؛ فإنّ الجمهور الإريتري باتّ يائساً من التطبيع السياسي، بما في ذلك تسريح قوات الجيش الإريتري الضخم، والذي معظمه تمّ تجنيده إجباريّاً لعدة سنوات، وهم يتوقعون أن يروا بعض التغييرات السريعة، ولكنّ ذلك سوف يكون صعباً إذا ما ظلّت إريتريا ترى إمكانية اعتداءٍ على حدودها، أو نشوب نزاعٍ داخليٍّ في إثيوبيا.

فإنّ إريتريا إذا ما واجهت خطر الحرب الأهلية في إثيوبيا، إذا ما فشلت جهود الإصلاح هناك، فإنها لن يكون لديها خيارٌ آخر سوى أن تقبل بهذه المخاطرة، وأن تلقي بكلّ ثقلها خلف أبيي، ولكنّ الوقت يمرّ ولا يتضح مدى استعداد الحكومة الإريترية- بعد كلّ تلك السنوات من الأزمات- لمواصلة الوضع بهذه الطريقة.

فالسلام بين إريتريا وإثيوبيا فاتَ موعده منذ وقتٍ طويل، ولكن من المهمّ أن يفهم صنّاع السياسات أنّ التسارع الحالي إلى السلام هو أمرٌ تكتيكي، فما دام أنّ كلّاً من أبيي وأفورقي لا يزالان تحت تهديدٍ وجودي من جبهة TPLF؛ فإنّ كليهما سوف يعملان معاً على تخطي اختلافاتهما.

ولكن تاريخ المنافسات الاقتصادية، وعدم التوافق بين الجانبَيْن، ربما يسبب مشكلات في المستقبل، عندما يستطيع أبيي أن يُحدث استقراراً داخليّاً في عملية الصراع على السلطة، وعندما تتحول إريتريا إلى تنمية اقتصادها وتطبيع علاقاتها الاقتصادية.

وعلى المدى القصير؛ هناك تداعياتٌ أيضاً؛ فسلامٌ سريع مع إريتريا سوف يحرّر عشرات الآلاف من القوات الإثيوبية من المناطق الحدودية[7]، ولا يُعرف مصير هؤلاء الجنود حتى الآن، فربما يتجاهلون أمراً بالانسحاب من الأراضي الإريترية، كما أنهم إذا ما انسحبوا بالفعل؛ فسيظلّ هناك سؤالٌ: هل سيتم تسريحهم، أو إعادة انتشارهم، وإلى أين؟

كما أنّ السلام مع إريتريا سيخلق وفرةً في القوة العسكرية في وقتٍ لا تزال فيه ولاءات سلسلة القيادة الإثيوبية محلّ شكٍّ، وعندما تُبذل جهودٌ معقولة في تقليل معاقل جبهة TPLF في السلطة؛ فإنّ ذلك ربما يُفسّر من قِبَل التيغريّين الموالين لها على أنه نسخةٌ جديدة من عملية اجتثاث البعث التي تمّت في العراق بعد 2003م، مما يمكن أن يُشعل انتفاضةً كبرى.

وحتى الآن؛ فإنّ المتشدّدين داخل جبهة TPLF يمكن أن يظلّوا تحت السيطرة بسبب التهديد بغضبٍ شعبي، ولكنهم ربما يكونون في حالة يأسٍ كافيةٍ لتدفعهم إلى التصرف بصورةٍ غير عقلانية، وفي الوقت الراهن؛ فإنّ ذوبان الجليد مع إريتريا والجيش القوي الذي وضعته في الساحة الخلفية لجبهة TPLF؛ سوف يساعدان على توازن السلطة، حتى لو بمجرد تذكير متشدّدي جبهة TPLF بعدد الأعداء الذين يمتلكونهم.

[1] BRONWYN BRUTON, Ethiopia and Eritrea Have a Common Enemy, Foreign Policy, JULY 12, 2018, on: https://foreignpolicy.com/2018/07/12/ethiopia-and-eritrea-have-a-common-enemy-abiy-ahmed-isaias-afwerki-badme-peace-tplf-eprdf/

[2] A Peace Best Delayed, The New York Times, By Bronwyn Bruton, June 22, 2018, on: https://www.nytimes.com/2018/06/22/opinion/ethiopia-eritrea-peace.html.

[3] Ethiopia-Eritrea conflict, 20 years on: Brothers still at war, Aljazeera English, 6 May 2018, on: https://www.aljazeera.com/indepth/opinion/ethiopia-eritrea-conflict-20-years-brothers-war-180506082447762.html.

[4] Eritrea accepts "virtual" border with Ethiopia, Reuters, 16 Jan 2008.

[5] Ethiopia Is Falling Apart, Foreign Policy, BY MOHAMMED ADEMO, JEFFREY SMITH, JANUARY 11, 2018, https://foreignpolicy.com/2018/01/11/ethiopia-is-falling-apart/

[6] Ethiopia: PM Abiy Ahmed dismisses Army Chief of Staff and Intelligence Director in a major military shakeup, Zecharias Zelalem, June 9, Opride, on: https://www.opride.com/2018/06/09/ethiopia-pm-abiy-ahmed-dismisses-army-chief-of-staff-and-intelligence-director-in-major-military-shakeup-protests-in-tigray/

[7] Ethiopia and Eritrea blame each other for border clash, BBC, 13 June 2016, on: https://www.bbc.com/news/world-africa-36515503.