التعليم والتنمية

  • 2 -4 - 2012
  • تحرير المجلة


التعليم هو حجر الزاوية في العملية التنموية، لما له من دور عظيم في تحقيق حاجات النهضة الحضارية ومتطلباتها لكلّ أمّة، فهو المَعين الذي يمدّ المجتمعات بالخبرات المتخصّصة في كلّ المجالات، والتي تتولى عملية البناء والتطوير.

 ومعيار التنمية هو الإنسان، ومدى نموّه وتطوّره في جانب المعرفة والخبرة، حسب المفهوم الجديد المحدّد لعلاقة التنمية اللصيقة بالتعليم، فكلما كانت عملية التعليم تسير في مسارها الصحيح، وتتوفر لها الإمكانات التي بها تستطيع أن تخرّج علماء على مستوى مناسب من الخبرة والتخصص؛ استطاعت عملية التنمية بذلك أن تؤتي ثمارها.

وإذا طبقنا هذا المعيار على مسألة النهضة الإسلامية في إفريقيا؛ فلا يمكن لها أن تنجح ويتحقق لها البروز الحضاري إلا عبر الاهتمام بمستوى راق من التعليم، يحقِّق متطلبات المشروع الإسلامي الكبير، فالتعليم يعدّ المَعين الدافق الذي يمثّل الانطلاقة السليمة للنهوض بالمسلمين في إفريقيا من التخلف والتدهور والانحطاط الحضاري، وتحقيق تنمية شاملة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الدول، وبه تتحقق مشاريع النهضة الحضارية المرجوة.

وقد كان للممالك الإسلامية في التاريخ القديم اهتمام بالغ بالتعليم، مثل مملكة مالي ومملكة صنغي ومملكة سكوتو، والتي كان لها دور كبير في نشر التعليم، وقد بدأت من خلال هذه الممالك وغيرها أولى تجارب التعليم النظامي.

ففي الدولة الإمامية في فوتا تورو، التي كانت تقع في الشمال الشرقي لجمهورية السنغال، بنى الشيخ عبد القادر ُكنَ (أحد أئمة هذه الدولة) قرابة أربعين مسجداً جامعاً في البلاد، وأسّس في كلّ مسجد حلقات علمية للصغار والكبار لدراسة القرآن الكريم, والعلوم الشرعية واللغوية, وأسّس المدارس القرآنية, والحلقات العلمية في أنحاء البلاد, ولا تكاد قرية أو مدينة في عصره تخلو من مدرسة أو حلقة علمية مهما كانت صغيرة، وفي عهده أُسّست مدينة جولون (thiologne) التي أصبحت مدرستها من أشهر المدارس في الدولة المتخصّصة في الدراسات الأدبية واللغوية, وأنجبت فحولاً من علماء اللغة والأدب, بل إن ما يزيد على 60% من العلماء, وبخاصة من الفلانيين في «فوتا» وغيرها, هم من تلاميذها.

وظهر «في هذا الإقليم علماء أكثر من علماء تمبكتو»، وازدهرت الثقافة الإسلامية في «فوتا» ازدهاراً واسعاً, وأصبح إتقان اللغة العربية والتعمّق في علومها والعلوم الشرعية محلّ فخر ومباهاة للأسر والعائلات, وفي هذه الفترة نزعت «فوتا» قيادة الحركة الثقافية من حوض نهر النيجر[1].

لقد أضحى من نافلة القول: أنه لا يمكن فصل التنمية عن التعليم؛ إذ إن كلاًّ منهما يؤثر في الآخر ويتأثر به؛ فالتعليم يوفّر الخامات البشرية المدرَّبة، والكوادر المؤهَّلة لقيادة عجلة التنمية، وإحداث التغيير والتقدم المرغوبين في المجتمعات، أما النمو الاقتصادي والازدهار والتنمية فيوفّر الإمكانات المادية الضرورية لتوفير بيئات تعليمية جيدة، ونشر المعرفة العلمية لجميع المواطنين، والسير قدماً في طريق البحث العلمي الخلاق.

لقد أَوْلى الاقتصاديون والاجتماعيون وكبار المفكرين أهمية بالغة بالفرد المتعلّم بوصفه عنصراً مفعِّلاً لدينامكية التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فمالك بن نبي – مثلاً – رأى أنه العنصر المؤسِّس للحضارة، كما قد يكون سبباً في انهيار الحضارة وانحطاطها، حيث قال: «القضية إذن ليست قضية أدوات ولا إمكانات (…)، إن القضية كامنة في أنفسنا، إن علينا أن ندرس أولاً الجهاز الاجتماعي الأول وهو الإنسان، فإذا تحرّك الإنسان تحرّك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن؛ سكن المجتمع والتاريخ»[2]، وقال: «لا يقاس غنى مجتمع بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار»[3]، والتعليم هو التربة الخصبة لتنمية الأفكار وتقدم الحضارة.

وإذا كانت التنمية البشرية حسبما يعرِّفها المجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة هي عملية تنمية مهارات ومعارف وقدرات أفراد الجنس البشري؛ فإن الحضن الطبيعي الملائم لتحقيق هذه الخصائص هو النظام التربوي والتعليمي، فكلما ارتفعت نوعية التعليم وحقَّق نجاعة في إكساب أفراده هذه الخصائص والسمات؛ ارتفع مستوى التنمية البشرية، ودفع الحركية الاقتصادية والاجتماعية إلى الأمام.

لقد أُجريت عدة دراسات ميدانية تبحث في العلاقة بين نوعية التعليم ومؤشرات التنمية، كان من بينها دراسة اريك هانوشيك و دينس كيمكو Hanushek Eric and Dennis Kimko 2003  التي بحثت الفروق الدولية في نوعية التعليم، من خلال مجموعة من العوامل، وأثرها في تحقيق النمو السريع والمكاسب الاقتصادية التي تعود على الدولة بعد 10 إلى 20 سنة، وأثبت الباحثان وجود علاقة ارتباطية قوية بينهما - (اريك هانوشيك 2005)[4] -.

والدول الإفريقية، وهي تمر الآن بمرحلة مخاض عسير للانعتاق من حالة الجهل والتخلّف التي تمر بها، تضع نصب عينيها الاهتمام بقضية التعليم للسير في طريق التنمية المرجوة، ومع معرفتنا بواقع التعليم في إفريقيا في الماضي ندرك جيداً أن إفريقيا اليوم غير إفريقيا الأمس، فقد خطت خطوات جيدة، وما زالت تحاول أن تغير من واقعها الأليم.

ونشهد الآن حدوث طفرات في مجال التعليم، بشقَّيه المدني والديني، غير مسبوقة، واستطاعت بعض الدول في سنوات قليلة أن تطور من بنيتها التعليمية لتكون لبنة في صرح التنمية والنهضة المنشودة في إفريقيا، لأننا نعتقد جازمين أن إفريقيا هي قارة المستقبل، وبسيرها في سبيل التنمية والنهضة ستستطيع دولها أن تكون رقماً مهماً في معادلة التقدم البشري.

في تقرير لليونسكو بتاريخ 27 أبريل 2011م – نُشر في موقع يونسكوبرس، جاء فيه: زاد الإنفاق الحقيقي على التعليم في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بأكثر من 6% سنوياً خلال العقد الماضي، لكن على الرغم من هذه الاستثمارات؛ لا يزال عدد كبير من بلدان المنطقة بعيداً جداً عن توفير التعليم الابتدائي الجيد لجميع الأطفال.
ويقدّم التقرير الصادر تحت عنوان «تمويل التعليم في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى: التصدي لتحديات التوسّع والإنصاف والجودة» مجموعة من أشمل البيانات وأحدثها عن تمويل التعليم في 45 بلداً إفريقياً، وبوجه عام؛ اقترن ارتفاع الاستثمارات بعدد من النتائج المدهشة، فبين عامي 2000م و 2008م ازداد عدد الأطفال الملتحقين بالمدارس الابتدائية بنسبة 48%، مرتفعاً من 87 مليوناً إلى 129 مليوناً، كما أن معدلات القيد في التعليم ما قبل الابتدائي والتعليم الثانوي والعالي ارتفعت بأكثر من 60% خلال الفترة عينها.
في موزمبيق، على سبيل المثال، ازداد الإنفاق بأكثر من 12% سنوياً في المتوسط، كما نجحت بوروندي منذ عام 1999م في زيادة عدد الطلبة الملتحقين بالتعليم الابتدائي بمقدار ثلاثة أضعاف، وذلك عن طريق اتخاذ ثلاث خطوات رئيسة:

أولاً: قامت الحكومة خلال العقد الماضي بزيادة استثماراتها في مجال التعليم، مما أدى إلى ارتفاع الإنفاق على التعليم العام من 3,2% إلى 8,3% من إجمالي الناتج المحلي منذ عام 1999م.

ثانياً: عمدت الحكومة إلى تخصيص قدر أكبر من هذه الموارد للتعليم الابتدائي، وأفضى ذلك إلى ارتفاع الإنفاق على التعليم الابتدائي – الذي وصل إلى مستوى مطابق تقريباً لمستوى الانفاق على التعليم الثانوي في عام 1999م - بمقدار الضِّعف في عام 2009م، وشكّل هذا الإنفاق 53% من إجمالي الإنفاق الحكومي على التعليم.

ثالثاً: ونتيجةً لإعادة توزيع الموارد، تمكّنت الحكومة أيضاً من إلغاء رسوم المدارس الابتدائية في عام 2005م.

وأدت هذه الجهود إلى تراجع عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس ممن هم في سنّ التعليم الابتدائي من 000,723 في عام 1999م إلى 000,10 في عام 2009م، وفقاً لبيانات معهد اليونسكو للإحصاء.

ويحظى التعليم في المتوسط بأكثر من 18% من إجمالي الإنفاق العام في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مقابل 15% في مناطق أخرى، وتخصص المنطقة بوجه عام 5% من الناتج المحلّي الإجمالي لمجال التعليم، وتحتل بذلك المرتبة الثانية بعد منطقة أمريكا الشمالية وأوروبا التي تخصص 5,3% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم.

ويفيد التقرير بأنه ينبغي للحكومات أن تبحث في إمكانية تخصيص المزيد من الموارد للمراحل الدنيا من التعليم؛ إذا كانت لا تزال بعيدة عن تحقيق هدف تعميم التعليم الابتدائي[5].

هذا التقرير يُعد مؤشراً على التطور والاهتمام بقضية التعليم في إفريقيا، وإن كان دون المستوى المأمول، فهي بدايات تبيّن أن الأمر في سبيله للتوسع والازدهار.

ومجلة «قراءات إفريقية» إيماناً منها برسالتها، وهي أن تكون رائدة في توجيه المجتمعات الإفريقية نحو النهوض والتنمية، تفتح في هذا العدد ملف التعليم الإسلامي العربي العام في إفريقيا؛ لأنه أحد الركائز المهمّة في عملية البناء، محاولة تركيز الضوء في واقعه، ومعوّقاته، وسبل تطويره، ودوره في خدمة القارة وتنميتها.


[1] د. علي يعقوب: الدولة الإمامية في فوتا تورو ودورها في نشر الثقافة الإسلامية واللغة العربية، مجلة قراءات إفريقية، العدد التاسع.

[2] ابن نبي، مالك: شروط النهضة، دمشق-  دار الفكر للطباعة والنشر - 1984م، ص 50.

[3] ابن نبي، مالك: ميلاد مجتمع، دمشق، -  دار الفكر للطباعة والنشر - 1984م، ص 34.

[4] زقاوة أحمد: جودة التعليم وآفاق التنمية البشرية، موقع ديوان العرب، 20 أغسطس 2006م.

[5] انظر:

  http://www.unesco.org/new/ar/media-services/single-view/news/education_investment_jump_in_sub_saharan_africa_pays_dividends_with_more_children_in_school_than_ever_says_unesco_report