التعليم كمفتاح حلٍّ للتحديات الراهنة في إفريقيا: نيجيريا نموذجاً

  • 4 -10 - 2018
  • حكيم نجم الدين

حكيم نجم الدين

كاتب وباحث نيجيري

كان نظام التعليم الموروث في غالبية الدول الإفريقية نظاماً استعماريّاً، هدفه الأساسي إنشاء قوة عمل تعتمد على الاستعماريين في روح المبادرة والإبداع، وتخدم مصالحهم وتلبّي احتياجاتهم في الدول التي سيطروا عليها[1], مما أدى– حتى بعد مغادرتهم المزعومة– إلى فقدان التعليم في العديد من دول القارة للروح الإفريقية الأصيلة، التي تهدف إلى منح الطلاب المهارات والمعرفة التي تجعلهم أعضاءً متكاملين في مجتمعاتهم المحلية, يستطيعون بناء قدراتهم وتسخير مواردهم لتنمية البنى التحتية والاستجابة للاحتياجات الاجتماعية[2].

وقد سقطت الأقنعة عن حقيقة هذه الأنظمة التعليمية الموروثة بعد أكثر من نصف قرن- أو عقود- من استقلال الدول الإفريقية, وكشفت مختلف التحديات، ومطالب المجتمع الإفريقي والعالم التنافسي، نقاط ضعفها؛ في ظلّ الظروف المتغيرة في القرن الحادي والعشرين (العصر المعلوماتي والرقمي) الذي تصاحبه الأزمات الجديدة والمتجددة, ليكون من الضروري تصميم نوعٍ جديدٍ من التعليم، أو تطويره تطويراً شاملاً، ليتناسب مع تاريخ الدول الإفريقية، وليتجاوب مع ظروف التحديات الراهنة.

وقد سجّل الدكتور «كوفي بوسيا», رئيس وزراء غانا من 1969م إلى 1972م، اعترافه بفشل نموذج التعليم الاستعماري في بلاده- قبل سلسلة الإصلاحات التعليمية التي شهدتها غانا حتى عام 2007م– حيث قال: «في نهاية سنتي الأولى في المدرسة الثانوية )مدرسة Mfantsipim في كيب كوست/ غانا(، عُدْتُ إلى البيت في بلدية وينتشي Wenchi لقضاء عطلة عيد الميلاد، لم أزُر المنزل لمدة أربع سنوات، وفي تلك الزيارة أصبحتُ على علمٍ بألم عزلتي، لقد فهمتُ مجتمعنا أقلّ بكثير من الأولاد في عمري الذين لم يذهبوا قطّ إلى المدرسة. وعلى مرّ السنين، بعدما التحقتُ بالكلية ثم الجامعة، شعرتُ بشكلٍ متزايدٍ أن التعليم الذي تلقيتُه علّمني أكثر وأكثر عن أوروبا، وبشكلٍ أقلّ وأقلّ عن مجتمعي الخاص!»[3].

فليس من المستغرب إذاً أن تتزايد الدعوات إلى التطوير والإصلاح[4] المتمثل في المطالبة بأن تُولي السياسات الوطنية تزويد الطلاب بالمهارات اللازمة اهتماماتها؛ لتلبية احتياجاتهم ومواجهة المشكلات والقضايا المحلية، بدلاً من الاهتمام المعهود باكتساب المعرفة التي غالباً ما تثبت عجزها في معالجة القضايا الاجتماعية والتنموية الوطنية.

«شعرتُ بشكلٍ متزايدٍ أن التعليم الذي تلقيتُه علّمني أكثر وأكثر عن أوروبا، وبشكلٍ أقلّ وأقلّ عن مجتمعي الخاص!»- د. «كوفي بوسيا» رئيس وزراء غانا-

 ففي نهاية عام 2017م؛ قدّر المكتب الوطني النيجيري للإحصاء نسبة البطالة في نيجيريا بـ 18.8%[5]. وأشارت دراسة بريطانية في عام 2014م إلى أنّ مدة البحث والحصول على الوظيفة في كينيا قد تستغرق حوالي 5 سنوات في المتوسط[6].

أما قادة الأعمال ورؤساء المؤسسات بإفريقيا؛ فدائماً ما يقولون: إنّ هناك وظائف؛ لكن النقص في المواهب الماهرة لأدائها. ويفسر البعض ذلك بأنّ للقيود المالية و «رأس المال البشري» والبنية التحتية تأثيراً سلبيّاً على نطاق المهارات التي يكتسبها الطلاب ونوعيتها, وأنّ هناك فجوةً شاسعةً بين ما تقدّمه المؤسسات التعليمية لطلابها والمهارات المطلوبة في السوق[7].

وعلى ما سبق، وبعيداً عن مجرّد إعادة تصميم المناهج أو تعديلها, يؤكد دعاة الإصلاح التعليمي أنّ التحوّل الناجح من التعلّم القائم على المعرفة- وهو ما يوجد في عددٍ من الدول الإفريقية بما فيها نيجيريا- إلى التعليم القائم على الكفاءة المحلية ومتطلبات الحلّ للأزمات والتحديات الحالية, يتطلب سياسات وطنية جدّية، وإدماج التكنولوجيا في نُظُم التعليم، وزيادة مشاركة المعلمين وأولياء الأمور والقطاع الخاص في عملية صنع القرار، وتطبيق الإصلاحات التعليمية.

ولكي يقوم التعليم في الدول الإفريقية بدوره، في حلّ المشكلات التنموية والتحديات الوطنية, فإنّ هناك أربعة منطلقات سيركّز عليها الباحث، وذلك لإصلاح الأنظمة التعليمية وتطويرها, والحديث عنها تفصيلاً فيما يأتي:

إصلاح الأنظمة التعليمية وتطويرها:

أولاً: تبنّي اللغات الإفريقية المحلية في التعليم:

إنّ الخطوة الأولى في إصلاح الأنظمة التعليمية بالبلدان الإفريقية: أن تنأى هذه البلدان بنفسها عن تراثها الاستعماري الذي لا يخدم مصالحها وتَقدّمها[8]. ومن ذلك أن تتبنى هذه الدول تعليم الطلاب باللغة المحلية الرئيسية, إذ بإمكانهم تعلّم لغة أخرى بعد حصولهم على مستوى معيّن من التعليم. غير أنّ هذا ليس هو نهج عملية التعليم في العديد من الدول الإفريقية, إذ يتلقّى معظم الأطفال تعليمهم الابتدائي بعد السنوات القليلة الأولى بلغةٍ أجنبية (الإنجليزية أو الفرنسية أو البرتغالية)، فكان التأثير السلبي المباشر لهذا النهج أنّ قلّةً قليلةً فقط من هؤلاء الأطفال هم مَن يشاركون في عملية التعلّم والتفاعل معه, والقليل منهم مَن يتمكن من الوصول إلى المستوى النهائي المرغوب من التعليم[9].

وقد حرّر الباحثون «إليزابيث زسيغا, وآخرون» كتاباً مهمّاً في هذا الصدد, حيث أعدّ «كينغسلي أركوفول» في أحد فصوله تقريراً عن برنامج ناجح لأطفالٍ غير قادرين على الالتحاق بمدارس ابتدائية (حكومية أو خاصّة)، وكان البرنامج يُطلق عليه اسم «مدارس من أجل الحياة» في شمال غانا، ويستغرق التعليم فيه تسعة أشهر, ويتركز في المهارات الأساسية: (القراءة، والكتابة، والحساب)[10].

كان التدريس في هذا البرنامج باللغة المحلية الرئيسية في المنطقة, ومعظم المعلّمين فيه غير مؤهّلين لكنهم متحدثون أصليون للغة التدريس، ولا يُدرّس في هذا البرنامج أيّ لغةٍ أجنبية. وفي نهاية البرنامج يمكن للأطفال أن يلتحقوا بالسنة الرابعة في المدرسة الابتدائية العامّة أو الخاصّة. إلا أن ما يثير اهتمام التربويين حول هذا البرنامج أنّ هؤلاء الأطفال أحرزوا تقدّماً ملاحظاً في الدراسة كغيرهم من الأطفال الملتحقين بالمدارس الابتدائية. وبعبارة أخرى: كانت فعالية البرنامج الذي مدته تسعة أشهر باللغة المحلية؛ تساوي الفعالية نفسها لثلاث سنوات من التعليم الابتدائي في المدارس العادية[11].

وعلى الرغم من نتائج هذا البرنامج، وتوصيات الملتقيات حول اللغات الإفريقية واستخدامها في المدارس, فإنّ اللغات الاستعمارية لا تزال مستخدمةً بشكلٍ رسميٍّ في مدارس العديد من الدول الإفريقية, حيث تعزو حكومات تلك الدول، وزمرةٌ من مثقّفيها، الدوافعَ- وراء عدم تغيير اللغة المستخدمة وتعزيز لغاتهم الإفريقية- إلى:

أ- ضرورة بناء «الهويات الوطنية».

ب- وتنمية الاقتصادات.

ج- وتحسين الآفاق الوظيفية لأجيالها الشابة.

وهُم بذلك يحيون لغات غيرهم ويساهمون في انتشارها؛ بينما يعزّزون بهذه الممارسة انقراض لغاتهم الأصلية المحلية! هذا بالرغم من أنه توجد في أوروبا معاهد مختلفة تدافع عن اللغات الأوروبية، بينما لا تحظى معظم اللغات الإفريقية بوجود مثل هذه المعاهد أو هذا الاعتناء!

وقد لخّص المفكّر الأوغندي البروفيسور «محمود ممداني» هذا الواقع في مقالةٍ له، نُشرتْ مؤخراً في مجلّة London Review of Books، بعنوان: (الجامعة الإفريقية), عندما قال: «يتحدّث مُعظمنا- نحن الذين خرجوا من الاستعمار- أكثر من لغةٍ واحدة. لغات الاستعمار هي لغاتٌ لا بدّ منها للعلوم والمعرفة والشؤون العالمية. ثم هناك لغات الشعوب المستعمَرة، اللغات التي اقتُطع نموّها من قِبَل الاستعمار، فلغاتنا الرئيسية (الإفريقية) تبقى فولكلورية، محرومة من عالَم العلم والتعلّم، والثقافة العالية، والقانون والحكومة. وهناك استثناءات؛ ففي شرق إفريقيا كانت لغة السواحيلية هي لغة التفاعل والثقافة الشعبية والخطاب الرسمي، وكذلك [هي اللغة المستخدمة في] أوساط التعليم الابتدائي والثانوي، ولكنها غير مستخدمة في التعليم الجامعي، ففي جامعات شرق إفريقيا تتمتع السواحيلية بوضع لغة أجنبية، مع وجود أقسامٍ لدراسات السواحيلية. فهي ليست حامل التقاليد العلمية أو العالمية»[12].

ويجدر الذكر هنا أنّ دولاً إفريقية تحركتْ حديثاً لدراسة كيفية استخدام لغاتها المحلية في أنظمتها التعليمية؛ فقد أطلقت الحكومة الإثيوبية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، في عام 2014م، مناهج القراءة في سبع لغات إثيوبية لتحسين مهارات القراءة. في حين لم تجد بعدُ حكومة نيجيريا الفيدرالية أيّ أهمية في القضية لتفادي «أزمة وطنية», حتى إن كانت بعض المؤسسات التعليمية في البلاد تشترط على المعلّم قبل التوظيف أن يتمكّن من التحدّث باللغة المحلية في المنطقة الأصلية لهذه المؤسسات[13].

ووقّعت ولاية لاغوس في نيجيريا، في فبراير 2018م، مشروع قانون صار بموجبه تعلّم لغة اليوروبا إلزاميّاً في كلّ المدارس الخاصّة والعامّة بالولاية, وإعلان يوم الأربعاء من كلّ أسبوع «يوم لغة اليوروبا»؛ حيث يجري التدريس والمحادثة في مدارس الولاية بهذه اللغة[14].

وفي المقابل؛ إذا كان التعليم في بعض المجتمعات الإفريقية يُنظر إليه كنقطة انطلاق للنجاح, والنجاح لدى البعض مرتبطٌ بلغة الخدمة المدنية والقانون وقطاع الشركات- وبالتالي لغة القوى الاستعمارية السابقة-, فإنّ أيّ محاولة لتغيير لغة التدريس إلى اللغة المحلية ستواجه مقاومةً شرسة، ليس فقط من أفراد الحكومات ولكن من الآباء والمجتمعات التي تعتقد أن بدء الأطفال عملية التعلّم باللغة غير الإنجليزية أو الفرنسية ستعيق حصولهم على مستقبل أفضل أو التذكرة لأوروبا. وكلّ هذا وغيره مما يكافحه المؤلف الكيني «نغوغي واثونغو», الشهير بلقب «أبو تصفية استعمار العقل»، من خلال مؤلفاته حول ضرورة تصفية العقل الإفريقي من الاستعمار، وأهمية نهضة اللغات الإفريقية[15]. كما شاركه في ذلك أيضاً البروفيسور الكونغولي «نكونكو كاموانغامالو», أستاذ اللسانيات في جامعة هوارد الأمريكية، الذي دعا الدول الإفريقية إلى التخطيط للمكانة اللغوية بوصفها وسيلةً لزيادة تداول اللغات الإفريقية الأصلية, وعالج في كتابه، الذي صدر في عام 2016م، المعضلة التي تُثار دائماً حول كيفية الترويج للغات الإفريقية الأصلية بوصفها وسيلةً للتعليم في الأنظمة التعليمية الإفريقية, بالربط بينها- أي اللغات الإفريقية- وبين التنمية الاقتصادية في القارة، إذ اللغات المحلية تشكّل جزءاً لا يتجزأ من التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لأي أمّة[16].

ثانياً: زيادة مشاركة المعلمين لصانعي السياسات:

إذا كان على إفريقيا وبلدانها إعادة النظر في نظامها التعليمي، وفي السياسات التي تعيق مواكبته لمتطلبات القرن الحالي, فمن الضروري اعتبار المعلمين جزءاً أساسياً من الحلّ، وليس جزءاً من المشكلة، ومن الأهمية بمكانٍ أن يُدرج المعلمون في المستويات العليا من الوزارات التعليمية كي «يحققوا من واقعية» سياسات القطاع التعليمي وبرامجه وتشريعاته.

إنّ مشاركة المعلمين، ووجودهم في نقاشات السياسة العامّة التي تؤثر في التعليم، تجلب إلى طاولة الحوار الإصلاحي خبرات ميدانية مهمة، وتكشف عن احتياجات الفصول الدراسية، من الصعيد المحلي إلى اهتمام صانعي السياسة في المكاتب العليا.

وقد قدّمت دراساتٌ مختلفة، عن أساليب وجوانب مشاركة المعلمين في نقاشات واستراتيجيات إدارة الإصلاح، نظرةً ثاقبةً لنجاح هذه العمليات التشاركية, وأكدت أنّ للمعلمين الذين يعملون معاً، ويناقشون القرارات مع صانعي السياسات ومتخذي القرارات، تأثيراً كبيراً في الطلاب، والإنجازات الدراسية، وتحقيق الأهداف الوطنية[17].

كما أنّ تأثّر المعلم بمواقف المجتمع تجاه القيم الوطنية للتعليم والعلاقة بين المدارس والمجتمع؛ يولّد فيه شعوراً قوياً بالمساءلة الأخلاقية والمجتمعية, لأنّ التعليم أكبر من مجرد وظيفة في مدرسة، إنه دورٌ ومكانةٌ في المجتمع، وبالتالي يرتبط بالشرف والمسؤولية[18], ما يعني أيضاً أنّ مشاركة المعلّم في حوار  الإصلاح وعملياته تعطي المجتمعات الريفية والبلديات النائية فرصة التمثيل الواقعي على المستوى الوطني. ولا يعني هذا أيضاً تجاهل إجراء محادثات قائمة على الحلول بين صانعي السياسات والإداريّين، والمانحين، والمنظمات غير الحكومية، والمهتمين ببناء القدرات وتدريب المعلمين، حول التحديات والفرص في مجال التعليم بالقارة الإفريقية.

إنّ مشاركة المعلمين ووجودهم في نقاشات السياسة العامّة التي تؤثر في التعليم؛ تجلب إلى طاولة الحوار الإصلاحي خبرات ميدانية مهمة

ثالثاً: جعل التعليم عنصراً أساسياً لتحقيق التنمية:

 إنّ مقولة: «إفريقيا قارة وليست دولة» تذكّر دائماً بأنّ الاهتمامات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية تختلف من دولةٍ إلى أخرى، ومع ذلك؛ فإنّ ما تواجهه بعض هذه الدول هي قضايا تشكّل العوائق أمام التنمية. وإذا كان التعليم– في معناه الشامل والمتكامل- من صميم التنمية الاقتصادية؛ فعلينا الاعتراف بأنّ العديد من الاقتصادات الإفريقية لا تزال تفتقر إلى الإمكانيات الكاملة لأنظمتها التعليمية[19].

ومن الشائع- حتى وقتٍ قريب- أن ينظر إلى التنمية بوصفها مجرد زيادة في إجمالي الناتج المحلي لأي بلد, إلا أنّ الوقائع في السنوات الأخيرة أثبتت ضيق أفق هذا النظر وغموضه، فمعظم الاقتصادات الإفريقية تشهد نموّاً اقتصادياً مطّرداً خلال السنوات الماضية، ولكن دون تنميةٍ اجتماعية وتطوراتٍ محلية حقيقية[20], وكانت النتيجة أن لجأ الشباب والعاطلون عن العمل إلى فرصٍ أخرى خطيرة: الهجرة, والانضمام للحركات المتطرفة، أو القيام بأنشطة غير شرعية.

من جانب آخر؛ يجب أن يكون سكان بلدان القارة على دراية عقلانية وواضحة بخياراتهم وتوجهاتهم المستقبلية عبر قدرٍ- ولو كان قليلاً- من التعليم النوعي. وفي حين تتميز الأنظمة التعليمية الحالية في بعض الدول داخل القارة بأنها تبلغ من العمر حوالي 40-50 سنة ماضية دون إصلاحاتٍ جدية؛ مع إبقاء إطار العمل الهيكلي والتنفيذي الاستعماري، فإنّ هذه الأنظمة التعليمية– بالتالي– تُعِدّ الطلاب لعالَم 50 سنة ماضية وليس لعالَم اليوم أو المستقبل.

رابعاً: تأهيل نوع جديد من الخريجين:

يتطلب الحديث عن إصلاح التعليم، ليكون مفتاح حلٍّ للأزمات والتحديات في إفريقيا، أيضاً: التطرق إلى طريقة تعليم الطلاب- بغضّ النظر عمّا يدرسونه أو قيود الموارد التي يواجهونها-؛ لأنها تشكّل كيفية تفكيرهم، وما سيفعلونه عند توليهم المناصب المختلفة، وتأمينهم للمهن والوظائف. فأرباب العمل في القرن الحادي والعشرين لم يعودوا يبحثون عن الخريجين حاملي الشهادات المؤثّرة فقط[21], الأمر الذي جعل بعض الشركات ورجال الأعمال يزيلون تصنيفات الدرجة العلمية من متطلبات قبول الموظف؛ لأنهم يرون أنّ النجاح الأكاديمي يختلف عن النجاح المهني[22].

إنّ النوع الجديد من الخريجين، الذين تحتاج إليهم قارة إفريقيا لمواجهة التحديات، هُم مَن يستطيعون التفكير بأنفسهم، ويمكنهم الاندماج في بيئات العمل بخطى سريعة، وتعلّم طرقٍ جديدة لأداء المهام، وتطوير حلول مبتكرة لمشكلاتٍ حقيقية.. وهذه قدراتٌ تعتمد على كيفية تدريس الطلاب أكثر من اعتمادها على ما تعلّموه.

وليس من نافلة القول أننا في لحظةٍ فريدةٍ في تاريخ التعليم, حيث المعلومات المتوفرة اليوم كانت نادرةً في السابق، كما أنّ التطورات التي حققها العالم، في السنوات الـ15 الماضية، غيرت مفاهيمنا في الكثير من القضايا التعليمية, وساهمت بشكلٍ جذريٍّ في توجيه طريقة تفكيرنا في المدارس والمؤسسات التعليمية.

ففي نموذج التعليم التقليدي؛ يعني «التعلّم» الوصول إلى المعلومات والمعرفة، والموارد التعليمية وخبرات التدريس. أما اليوم؛ فقد سهلت التكنولوجيا لأيّ شخصٍ الحصول على المعلومات والمعرفة وموارد التعلّم[23]، فصار المطلوب من المتخرجين هو براعتهم وإبداعهم، وقدرتهم على التغلب على التعقيدات، وبناء عالَمٍ مسالم والمحافظة عليه.

هذا, وتحتاج المؤسسات التعليمية إلى إعادة التفكير في نهجها للتعلّم؛ كي تنتج ذوي مهارات في التفكير النقدي، والقيادة، والتعاون، وحلّ مشكلات المجتمعات المحلية بما يتوافق مع الحياة الحديثة. وعلى الرغم من أنّ عدداً قليلاً من المدارس والجامعات العامّة بدأت تهتمّ بطريقةٍ أكثر تطوراً في عملية التعليم والتعلّم؛ إلا أنّ عملية التعلّم في غالبية المؤسسات التعليمية العامّة لا تزال تحدث في قاعات المحاضرات الكبيرة, ويكافئ الأساتذة طلابهم على قدرتهم لتذكّر المعلومات وتكرارها، وهذا- كما أظهر باحثون مثل عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل «كارل ويمان»- أحد أقلّ طرق التعلّم فعالية[24].

وفي محاولةٍ لتحسين إعداد الشباب، حسب ميولهم الشخصية وتطورات سوق العمل, أطلقت كينيا، في بداية عام 2018م، برنامجاً تعليميّاً جديداً- خُطّط له منذ سنوات-، يهدف هذا البرنامج- من بين أمورٍ أخرى- إلى التركيز في المهارات وتفضيلها على المعرفة، وإدراج المزيد من مقررات ودورات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات STEM والتدريب المهني, ليكون ثاني إصلاح رئيسي للمناهج المدرسية الوطنية في كينيا منذ الاستقلال[25].

وإذا كان التعامل ممكناً مع بعض التحديات التي تواجه التعليم في الدول الإفريقية على المستوى المؤسسي والوطني، إلا أنّ جزءاً منها يتطلب اتباع نهجٍ إقليميٍّ وقاري. وإذا كان على الحكومات الإفريقية ومؤسسات التعليم في كلّ دولةٍ مواجهة هذه التحديات؛ فإنها تحتاج إلى التخطيط والابتكار والتعاون مع جميع أصحاب المصلحة، وذلك لأنّ هذه البلدان الإفريقية تملك قدرة تحويل هذه التحديات إلى فرصٍ لجعل أنظمتها التعليمية نابضةً بالأصالة والحداثة والإنتاج.

التعليم كمفتاح حلٍّ للتحديات الراهنة في نيجيريا:

كانت كُتب الباحثين التربويّين ودراساتهم في نيجيريا حافلةً بفلسفة التعليم والتربية لمختلف المناطق النيجيرية؛ فكان لليوروبا والإيبو، وغيرهما من المجموعات العرقية في الجنوب، أساليبهم الخاصّة في تربية الأطفال على ثقافاتهم وعاداتهم والمعارف الخاصّة بممالكهم وملاحمها التاريخية, وللهوسا والفلان، وغيرهما من العرقيات في الشمال، أساليب تربوية خاصّة, وكتاتيب قرآنية لعلاقة المنطقة بإمبراطورية مالي الإسلامية[26].

من وجهة نظر «لادَيْ أرابا», خبيرة التنمية المهنية, فإنّ نتيجة التحديات التي يعانيها نظام التعليم في نيجيريا هي: أنّ هذا النظام يُنتج أعداداً كبيرة من الأشخاص العاطلين عن العمل

أما «التعليم» بمفهومه الحديث وأساليبه المعهودة اليوم؛ فقد بدأ في جنوب نيجيريا– في لاغوس بالتحديد– بدخول المنصّرين في المنطقة[27], وذلك بعد الحاجة الملحّة لإعادة توطين «العبيد» المحرّرين من أمريكا وبريطانيا، وتنفيذ الخطة التنصيرية فيما بين السكان المحليين، ولأنّ هؤلاء المنصّرين واجهوا عائقاً في التواصل مع السكان الأصليين؛ فقد لجؤوا إلى إنشاء مدارس لتدريب المترجمين الفوريين, وتعليم الذين اعتنقوا النصرانية القراءة ليكونوا مساعدين للإنجيليين في أنشطتهم. ويكاد المؤرخون الأفارقة يتفقون على أنّ جهود المنصّرين اقتصرت فقط على التعليم الابتدائي، وأنها لم تُفِد المجتمعات التي كانوا فيها, لأنّ حرصهم الوحيد كان إقامة هذا التدريب لنشر النصرانية، واستغلاله لكسب قلوب المتدينين من السكان لاعتناق دينهم[28].

كما أنّ قرار الإدارة الاستعمارية بتأسيس مدارس في نيجيريا لم ينبع من اهتمامها بالسكان والمجتمع المحلي؛ بل كان لحاجتها إلى نوعٍ معيّن من الحرفيّين لمساعدتها في إدارة الأراضي النيجيرية التي استولت عليها، وضمّتها ضمن إمبرياليتها الاستعمارية البريطانية. وهذا ما أكّده المؤرخ النيجيري البروفيسور «سامويل أديمولا أجايي» بقوله: «كانت البعثات في الجنوب مهتمة بالتعليم كأداة التبشير بالإنجيل، بينما وجدت الإدارة الاستعمارية المدارس كجهات لإنتاج فئات مختلفة من الموظفين القاصرين كـ: الكتبة، والفنيين المبتدئين في الأشغال العامّة، والمفتشين الصحيّين وغيرهم»[29].

ولم تختلف تجربة التعليم- منذ الاستقلال- في نيجيريا كثيراً عن تجربة الفترة الاستعمارية، ففي حين يقال إنّ التعليم الاستعماري كان نظريّاً للغاية؛ فقد وُصف التعليم- ما بعد الاستعمار- بتركيزه في التنمية الأدبية والعقلية، وأنه منسوج على المنوال الموروث دون مراجعةٍ حقيقيةٍ شاملةٍ للنظام[30]؛ اللهم إلا تلك التغييرات غير المؤثرة في المناهج والمواد التعليمية, والتطويرات التي قادتها بعض حكومات الولايات والمؤسسات التعليمية الخاصّة؛ لأنّ المحاولات الإصلاحية للتعليم- على المستوى الوطني في نيجيريا- دائماً ما تكون مسيّسة ومثيرة لنقاشاتٍ وطنيةٍ حادّة[31]؛ يتحاشاها- في كثيرٍ من الأحيان- وزراء التعليم والمسؤلون عنه في البلاد. يضاف إلى ذلك أنّ المحاولات السابقة لإصلاح التعليم النيجيري شهدت تدخلات برلمانية، وأعاقها سوء التخطيط، ونقص الموارد، وتغيير في قادة الإدارات الحاكمة وتوجهاتها.

أولاً: مشكلات التعليم في نيجيريا:

إذا كانت الإدارة الاستعمارية قد اعتبرت التعليم في نيجيريا إحدى الضرورات لتحقيق مصلحتها الإمبريالية؛ فإنّ الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال أيضاً قد أولت التعليمَ أهميةً قصوى في خطاباتها, لكنها لم تلتزم بالعمليات التطبيقية التي من شأنها تقديم التعليم بوصفه الأداة الضرورية لتحقيق المصلحة الوطنية[32]، فكانت النتيجة أن تراجع دَور المؤسسات التعليمية في البلاد, وفقدت مكانتها الإقليمية والقارية[33].

وقد حدّد الفاعلون في قطاع التعليم النيجيري عدة مشكلات في قطاع التعليم بالبلاد, إلا أنّ معظمهم اتفقوا على النقاط الأربع الآتية:

أ- سياسات تعليمية متناقضة.

ب- قلّة تمويل التعليم والبحوث التعليمية.

ج- ضعف كفاءة القدرات البشرية.

د- التغيير المتكرر للقيادة التعليمية وفق أهواء الأحزاب السياسية الحاكمة[34].

ومما يعزّز فكرة ضرورة إصلاح التعليم النيجيري ما أفاد به تحقيقٌ صحافي، في أغسطس 2017م, أنه لا يمكن لمؤسسات التعليم العالي في نيجيريا سوى قبول 26% من الطلاب الذين تقدّموا للالتحاق بالتعليم العالي, حيث تشير الأرقام الرسمية إلى أن أكثر من 10 ملايين طالب سُجّلوا في مؤسسات التعليم العالي منذ عام 2010م إلى عام 2015م, ولكن لم يُقبل منهم سوى 2,674,485 طالباً[35]، أما نحو 74%- الذين لم يحصلوا على القبول-؛ فعليهم الانتظار لمدة عامٍ آخر للانضمام إلى الطلاب الآخرين المتخرجين من التعليم الثانوي[36], ما يعنى أنّ حصول النسبة الكبرى من النيجيريّين على «شهادة جامعية» في غاية الصعوبة, بينما هذه «الشهادة الجامعية» شرطٌ أساسي لأداء الخدمة الوطنية «فيلق الخدمة الوطنية للشباب النيجيري National Youth Service Corps». ولا يمكن الحصول على الوظائف- بشكلٍ رسمي- بغير شهادة الخدمة الوطنية، سواء وظائف حكومية أو وظائف جُلّ الشركات داخل نيجيريا[37]، ومن ثمّ فمن المرجّح أن يظلّ معظم النيجيريّين عالقين في القطاع غير الرسمي، حيث لا يملكون أيّ خيار سوى قبول وظائف منخفضة المهارات وقليلة الأجور.

إنّ مسؤولي التعليم في نيجيريا بحاجةٍ إلى إبعاد القطاع وسياساته عن التسييس, مع الالتزام بخطة إصلاحٍ واضحة

ومن وجهة نظر «لادَيْ أرابا», خبيرة التنمية المهنية ورئيسة مؤسسة  Visiolaفي أبوجا, فإنّ نتيجة التحديات التي يعانيها نظام التعليم في نيجيريا هي: أنّ هذا النظام «يُنتج أعداداً كبيرة من الأشخاص العاطلين عن العمل، فأرباب العمل يعبّرون عن إحباطهم لعدم قدرتهم على ملء فراغ الوظائف؛ لأنّ مجموعة المواهب المحلية المتاحة ضحلةٌ جدّاً. والعديد من الوظائف تبقى شاغرةً لهذا السبب الذي يمكن تجنّبه».

وفي المقابل؛ فإنّ عدم الحصول على الوظائف يعرّض الملايين للعوز، «ففي الدول الغربية يستطيع الناس اللجوء إلى الدولة من أجل شبكات الأمان الاجتماعي», تقول «لادَيْ أرابا», «وفي نيجيريا يلجؤون إلى عائلاتهم الممتدة التي أصبحت التزاماتها المالية كثيرةً ومفرطةً أصلاً»[38].

 وعليه؛ ينبغي أن يتضمّن الإصلاح حلولاً منسّقة بالتعاون بين القطاعَين العامّ والخاص, كمبادرة تبنّي التكنولوجيا في التدريس من خلال التعلّم عبر الإنترنت وغيره, وبناء المزيد من المدارس الخاصّة؛ حتى إن كان الأخير لن يحل المشكلة بفعالية؛ لأنّ معظم الطلاب لن يكونوا قادرين على تحمّل الرسوم, الأمر الذي يدعو إلى زيادة التمويل للتعليم الأساسي لتحسين البنية التحتية للمدارس العامّة، والاهتمام بكفاءة المعلمين ورفاهيتهم, وتحديث المناهج الدراسية حسب احتياجات البلاد والمتطلبات العصرية، مع التركيز في العلوم الزراعية والتكنولوجية والهندسية والرياضيات.

وهناك جوانب مختلفة يمكن للتعليم النوعي الجيد في نيجيريا أن يساهم في تحفيزها وحلّ تحدياتها: كدَور التعليم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وأثره في تقوية المشاركة في العملية السياسية، والحدّ من الظواهر غير المرغوبة في المجتمع، فضلاً عن كون التعليم وسيلةً لمواجهة الصراعات الإثنية والأزمات الأمنية في البلاد.

ثانياً: التعليم, ودوره في تحقيق العدالة الاجتماعية والحكم الرشيد:

 كان الزعيم الجنوب إفريقي الراحل نيلسون مانديلا مَن قال يوماً: «التعليم هو السلاح الأقوى الذي يمكنك استخدامه لتغيير العالم»[39]، غير أنّ الأمر يختلف تماماً في أجزاء كثيرة من العالم، بما فيها نيجيريا التي لا يزال العديد من الأطفال فيها محرومين من التعليم, حتى إن كان وزير التربية والتعليم النيجيري «مالام ادامو ادامو» قد صرّح في يناير 2018م: أنّ نسبة الأطفال خارج المدرسة انخفضت من 10.5 ملايين إلى 8.6 ملايين في السنوات الثلاثة الماضية[40]. ويأتي معظم هؤلاء الأطفال من أفقر المجتمعات وأكثرها حرماناً في القرى والأرياف؛ بالرغم من أن التحصيل التعليمي الجيد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنمو الاقتصادي السريع وتنمية الأمّة.

وقد عرّفت الباحثة الغانية «كالوسي» التعليم بأنه: يشمل جميع جوانب المجتمع، بدءاً من الظروف المادية إلى الحالات المعرفية والنفسية للأفراد، إنها عملية متعمّدة لإدماج الأفراد في الحياة الاجتماعية، من خلال نقل المعرفة، واكتساب المهارات ذات الصلة، وتكوين الشخصية، من خلال أنظمة القيم عبر الوكالات الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية، لتشجيع مهارات نجاح الأفراد في مجتمعهم، وتعزيز مساهمتهم في التنمية[41].

وإذا كان التعليم يعدّ حقاً أساسيّاً من حقوق الإنسان، على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة لعام 1948م[42], فإنه يؤدي أيضاً دَوراً حاسماً وديناميّاً في عملية النمو الاقتصادي، وتنمية القوى العاملة، والاستدامة البيئية، والصحة, والتغذية، والسلام والعدالة الاجتماعية. ومن ثمّ يجب أن يكون الوصول إلى التعليم من الأساسيات الأولية؛ لأنّ النهج القائم على الحقّ في التعليم والتعلّم المستمر قد أكّد دَوره في معالجة أوجه عدم المساواة الاجتماعية، وعوامل انعدام الأمن المالي والمعلومات في الاقتصادات النامية[43]، كما يطوّر التعليم الجيّد مواطنين أكثر وعياً واطلاعاً؛ مما يعزز الآراء والمساءلة بين الحاكم والمحكومين, ويحقّق العدالة الاجتماعية التي تضمن بدَورها الحكم الرشيد.

وعلى المستوى الفردي؛ أثبتت الدراسات أنه يمكن استخدام التعليم أداةً للحدّ من السلوك غير الأخلاقي وغير القانوني، وزيادة المسؤولية المدنية، وتحسين التماسك الاجتماعي، وعلى سبيل المثال: سيحدّد المحتوى والمهارات التي تُقدّم للطلاب في المدارس ما إذا كان الأفراد المواطنون يتمتعون بحرية إبداء الآراء والمشاركة في عملية المساءلة القانونية. ويعتمد أثر التعليم في مكافحة الفساد، وغيره من الظواهر الاجتماعية غير المرغوبة،- إلى حدٍّ كبير- على محتوى المناهج الدراسية الوطنية والبيئة السائدة التي تحدث فيها عملية التعليم والتعلّم[44].

ومن ثم؛ يحتاج الفاعلون في مجال التعليم النيجيري إلى إقناع صناع القرار بالقيمة الجوهرية التي يحملها توفير التعليم الجيد، والوصول إليه، خصوصاً في البلديات النائية, وأثره في تقوية الحكم الرشيد، ومساهمته في التنمية الوطنية كمقياس للمساواة والعدالة الاجتماعية التي تحمي الأهداف الوطنية للاستدامة.

ثالثاً: التعليم والتغلب على التحديات الأمنية:

لقد شهدت نيجيريا، قبل العودة إلى الحكم المدني عام 1999م، عقوداً من الحكم العسكري، وحققت العملية السياسية الناشئة في البلاد منذ ذلك الحين مكاسب إيجابية، لكنها لا تزال تواجه اختبارات عصيبة أمام تحديات أمنية، وأزمات أخرى مزمنة، يقودها سخط الجمهور أو فقدان الثقة في الطبقة الحاكمة.

ففي جزء من منطقة الجنوب؛ تهدد الاضطرابات- من قِبَل متمردين انفصاليّين في منطقة دلتا النيجر- السلامةَ والاستقرار, وهناك عصاباتٌ جعلت البطالة وأنانية القيادة والحكم الفاسد مطيّةً للقيام باختطاف المغتربين في مناطق البترول للحصول على فدية من ذويهم.

أما في جزءٍ من الشمال؛ فنهاك عددٌ من المدن والقرى تعاني صدامات إثنية وصراعات طائفية, بالإضافة إلى الهجمات العنيفة من «بوكو حرام»[45]– الجماعة التي تحولت من استهداف المرافق الحكومية إلى مهاجمة السكان المحليّين، وشخصيات من العلماء والدعاة الذين ينتقدون أفعالها وأيديولوجيتها-.

وقد كثرت الانتقادات ضدّ الآليات القائمة من قِبَل الحكومة النيجيرية للتعامل مع تحديات الأمن في جميع أنحاء البلاد عموماً، وخصوصاً حملتها ضدّ «بوكو حرام» في شمال شرق البلاد[46], الأمر الذي يتطلب إيجاد حلٍّ آخر طويل الأمد– كالتوجّه إلى التعليم، وإدراجه ضمن الخطة الاستراتيجية، للتغلب على الوضع الأمني الراهن[47].

إنّ التعليم النوعي الجيد يمنح الأطفال- الذين يعيشون في المجتمعات الأكثر حرماناً وتهميشاً- الأمل في مستقبل أفضل, وفرصة خلق أعمال ومشاريع صغيرة؛ بالمعارف والمهارات الأساسية التي اكتسبوها. بل يجعل اهتمام «بوكو حرام» بالفتيات والأطفال- الذين تقوم باختطافهم من مدارس القرى المختلفة[48] لنشر أيديولوجياتها- مراجعة المناهج الدراسية الوطنية أمراً بالغ الأهمية, يحتاج إلى إضافة مواد حديثة لها علاقة بالأمن والتعايش السلمي؛ لتأكيد أنّ ثروات البلاد وتميّزها تكمن في تعدّدها العرقي وتنوعها الثقافي اللذين يحفّزان الإبداع والابتكار.

فالتعليم لا يمنع أيّ فرد من القيام بعملٍ عنيفٍ باسم أيديولوجية متطرفة، لكن توفير تعليم نوعيّ قد يساعد على سدّ الظروف التي بسببها تتكاثر الأيديولوجيات المتطرفة والأعمال العنيفة، لأنّ بإمكان سياسات التعليم أن تضمن عدم تحوّل المدارس والمؤسسات التعليمية إلى أرضٍ خصبةٍ للأنشطة العنيفة، إذ «دَور التعليم لا يتمثل في اعتراض المتطرفين العنيفين، أو تحديد الأفراد الذين قد يصبحون متطرفين عنيفين، بل دَوره هو تهيئة الظروف التي تَبْنِي الدفاعات بين المتعلمين ضدّ التطرف العنيف، وتعزيز التزامهم باللاعنف والسلام»[49].

الخاتمة:

من خلال الاستعراض السابق للتعليم وأهمية إصلاحه، في ظلّ الأزمة والتحديات الراهنة في إفريقيا بشكلٍ عام، وفي نيجيريا بشكلٍ خاص، تبين أنه يجب تكثيف الاستثمار في التعليم من أجل تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي, واعتراف السياسات التعليمية المستقبلية في الدول الإفريقية بالواقع الإفريقي والحضري-الريفي من أجل التقدّم والتطور.

كما أنّ الكثافة السكانية في إفريقيا تفرض وجوب الانتقال من التعليم القائم على المعرفة فقط؛ إلى التعليم الذي يجمع بين المعرفة والمهارات, حيث يُزوّد الجيل الصاعد بالمهارات اللازمة لتحفيز النمو الدينامي الشامل[50]، وللحدّ من التحديات الأمنية، دون إغفال أهمية تدريب المعلمين على استخدام الأدوات التكنولوجية اللازمة.

وإذا كان الإصلاح الحقيقي الشامل للتعليم يستغرق سنواتٍ حتى يحقق ثماره وأهدافه؛ فإنّ الأنظمة التعليمية في إفريقيا بحاجةٍ إلى التحرر من ماضيها الاستعماري, كما أنّ مسؤولي التعليم في نيجيريا بحاجةٍ إلى إبعاد القطاع وسياساته عن التسييس, مع الالتزام بخطة إصلاحٍ واضحةٍ وقابلةٍ للتطبيق، من أجل الصالح العام.

وأخيراً؛ فإنّ نظام التعليم السليم الذي سيُحدث التطور والتنمية لن يأتي عن طريق الصدفة؛ بل عبر التخطيط له والعمل بجهد جهيد من قِبَل قادة مبتكرين، ينفذون استراتيجيةً متطورةً بإخلاصٍ وانضباط، وهذا لن يحدث بين عشية وضحاها!

[1] Nwanosike, O. F., & Onyije, F. (2011). Colonialism and education. Mediterranean journal of social sciences, 2(4), 41-47.

[2] Masemula M.B. (2015) Whose Knowledge is Transmitted through Public Education in Africa?. In: Abdi A.A., Shultz L., Pillay T. eds Decolonizing Global Citizenship Education. 173-178.

[3] Rodney, W. (2012). How europe underdeveloped Africa. Pambazuka Press. p. 246.

[4] يرجى النظر إلى:

Eger, K. (2016). An Analysis of Education Reform in SubSaharan Africa. Claremont College. P. 86; Kevin Watkins (2016). Africa's great opportunity for reform. The Guardian UK, available online https://goo.gl/9Ci9Px accessed on 19 July, 2018.

[5] National Bureau of Statistics (2017), “Labor Force Statistics Vol. 1: Unemployment and Underemployment Report,” available for download at: http://nigerianstat.gov.ng/download/694 accessed on 19 July, 2018.

[6] British Council (2014), “Can higher education solve Africa’s job crisis? Understanding graduate employability in SubSaharan Africa,” available for download at: https://goo.gl/JEdTuj accessed on 19 July, 2018.

[7] Quartz Africa (2016). University degrees are not the answer for Africa’s unemployed youth. Available online https://goo.gl/gN6f39 accessed on 20 July, 2018.

[8] BabaciWilhite, Z. (2013). Local languages of instruction as a right in education for sustainable development in Africa. Sustainability, 55, 1994-2017.

[9] Tony Calderbank (2013), How should Africa teach its multilingual children?. British Council, available online https://goo.gl/ZcXLGs accessed on 4 August, (2018); Mukama, E 2007 'Rethinking languages of instruction in African schools', Policy & Practice: A Development Education Review, Vol. 4, Spring, pp. 53-56.

[10] Zsiga, E. C. & Boyer, O. T. & Kramer, R.(2015). Languages in Africa: Multilingualism, Language Policy, and Education/Ghana's Complementary Education Program. Georgetown University Press. pp. 71-80.

[11] المصدر السابق.

[12] Mamdani, M., (2018). The African University. London Review of Books, vol. 40 no. 14 pp. 29-32. Available online at https://www.lrb.co.uk/v40/n14/mahmoodmamdani/theafricanuniversity Accessed 3 August 2018.

[13] Adedeji, Segun Olugbenga, & Olanrewaju Olaniyan (2011). Improving the Conditions of Teachers and Teaching in Rural Schools across African Countries. Rep. Addis Ababa: UNESCO: International Institute for Capacity Building in Africa, (2011). p. 80.

[14] Lagos State Government (2018). Ambode Signs Seven Critical Bills into Law. available on:  https://goo.gl/LBYGRL/ accessed on 20 July, (2018); BellaNaija (2018). Lagos State declares Wednesday “Yoruba Speaking Day” in Schools with all Lessons to be taught in Yoruba. available on: https://goo.gl/jgVsAE/ accessed on 21 July, 2018.

[15] هو مدرس وكاتب وروائي من كينيا، يعدّ من رواد الكتابة الإفريقية الحديثة، ومن الجيل الأصغر من كُتَاب (ما بعد الاستعمار)، تخلّى نغوغي بعد سجنه، في عام 1978م، عن تبني الإنجليزية لغةً أساسيةً في كتاباته لصالح لغته الأمّ لغة (الكيكويو). وكان: الانتقال من (الاستعمار) إلى (ما بعد الاستعمار)، وأزمة الحداثة واللغات الإفريقية، من القضايا الرئيسة في العديد من كتاباته, وخصوصاً في كتابه الشهير عن تصفية استعمار العقل وسياسة اللغة في الأدب الإفريقي:

Wa Thiong'o, N. (1994). Decolonising the mind: The politics of language in African literature. East African Publishers.

[16] يرجى النظر إلى:

Kamwangamalu, N. M. (2016). Language Policy and Economics/ Language Planning and the MediumofInstruction Conundrum in Africa. Palgrave Macmillan UK. pp.105125; Kamwangamalu, N. M. (2000), "A new language policy, old language practices: Status planning for African languages in a multilingual South Africa." South African journal of African languages (20.1), pp. 50-60.

[17] EdVestors/Rennie Center for Education & Policy (2013), The Value of Teacher Collaboration. School on the Move Best Practice Research, p. 10; Milteniene, Lina & Venclovaite, I. (2012). Teacher collaboration in the context of inclusive education. Specialusis Ugdymas. 27. 99-123.

[18] Barrett, A. M. (2005). Teacher accountability in context: Tanzanian primary school teachers' perceptions of local community and education administration. Compare: A Journal of Comparative and International Education, 35(1), 43-61.

[19] Wang, Y., & Liu, S. (2016). Education, Human Capital and Economic Growth: Empirical Research on 55 Countries and Regions (1960-2009). Theoretical Economics Letters, 6(02), 347.

[20] Chandy, L. (2015). Why is the number of poor people in Africa increasing when Africa’s economies are growing. Brookings Institute: Washington DC, USA.

[21] مصدر سابق:

Quartz Africa (2016). University degrees are not the answer for Africa’s unemployed youth.

[22] Ernst & Young (2015), EY transforms its recruitment selection process for graduates, undergraduates and school leavers. Available online https://goo.gl/MFHUxX accessed on 25 July, 2018.

[23] Del Campo, J. M., Negro, V., & N??ez, M. (2012). Traditional Education vs Modern Education. What is the Impact of Teaching Techniques' Evolution on Students' Learning Process?. INTED (2012) Proceedings pp. 5762-5766. IATED.

[24] Deslauriers, L., Schelew, E., & Wieman, C. (2011). Improved learning in a largeenrollment physics class. Science, 332(6031), 862-864.

[25] Emmanuel Wanjala (2017), New 2-6-3-3-3 curriculum: How different is it from the 8-4-4 system? The Star Kenya, available online https://goo.gl/Q7jJeM accessed on 25 July, 2015.

[26] يرجى النظر إلى:

Omolewa, M. (2007). Traditional African modes of education: Their relevance in the modern world. International Review of Education, 53(5-6), 593-612; Adeniji, B. F. (1983). Indigenous Adult Education in Yoruba society: A Study in Cultural History. Journal of the Historical Society of Nigeria, 12(1/2), 81-94; Garba, H. A. (2017). The impact of British colonial education on northern Nigeria: the construction of a proBritish oriented society. International Journal of Advanced Education and Research, V. 2(6), p. 43-49.

[27] حكيم نجم الدين (2017م), تصور مقترح لتطوير الإدارة اللامركزية لنظام التعليم في نيجيريا في ضوء الإدارة التعليمية في المملكة المتحدة. بحث ماجستير غير منشور، معهد البحوث والدراسات العربية, جامعة الدول العربية, القاهرة/ مصر، ص87.

[28] Mart, C. T (2011). British colonial education policy in Africa. Internal Journal of English and Literature, 2(9) 190-194.

[29] Ajayi, S. A (2008). The development of free primary education scheme in Western Nigeria, 19521966: An analysis. Availabe as PDF on: www.ajol.info/index.php/og/article/download/52320/40944. accessed on 5 August, (2018), p. 6.

[30] A. Aboluwodi (2015), Education for Social Transformation in Nigeria. Caribbean Educational Research Journal The University of the West Indies Vol. 3, No. 2, p. 122-131.

[31] Muyiwa Gbadegesin (2017), Thoughts on Education Reform in Nigeria: Time to Stop the Drift. Available online https://goo.gl/M56sJe/ accessed on 29 July, 2018.

[32] Ibukun, W. O., & Aboluwodi, A. (2010). Nigeria’s national policy on education and the university curriculum in history: Implication for nation building. Journal of education and practice, 1(2), 1-17.

[33] Dayo Adesulu, Elizabeth Uwandu & Kelechukwu Iruoma (2016), Education in Nigeria: The problem’s with quality, not standards- Akeusola. Vanguard Newspaper, available online https://goo.gl/ZkMNYt/ accessed on 30 July, 2018.

[34] المصدر السابق.

[35] Nuruddeen M. Abdallah (2017), %74 of applicants don't get university admission. Daily Trust Nigeria Newspaper, available online https://goo.gl/h3rrdA/ accessed on 30 July, 2018.

[36] المصدر السابق.

[37] National Youth Service Corps: NYSC Decree, Section 12. Available on https://www.nysc.gov.ng/downloads/nyscdecree.php/ accessed on 31 July, 2018.

[38] Ladé Araba (2018). Fixing education system is key to solving Nigeria’s problems. African Business Magazine, available on: https://goo.gl/HfW2Xn/ accessed on 31 July, 2018.

[39] Lighting your way to a better future (2003). Address by Nelson Mandela at launch of Mindset Network, Johannesburg. Nelson Mandela Foundation, available online: https://goo.gl/sLfojs accessed on 1 July, 2018.

[40] Premiumtimes Nigeria (2018). Out of school children drops to %8.6 in three years – Minister. Available online: https://goo.gl/mqCmfE accessed on 31 July, 2018.

[41] Kalusi, J. I. (2010). The Relevance of Philosophy of Education in National Development. Nigerian Journal of Educational Philosophy njep, 6 (1) 76-92.

[42] Assembly, U. G. (1948). Universal declaration of human rights. UN General Assembly.

[43] Shields, L., Newman, A., & Satz, D. (2017). Equality of educational opportunity. Stanford Encyclopedia of Philosophy, available online https://goo.gl/Hvmn8N accessed on 31 July, 2018.

[44] المصدر السابق.

[45] Nigeria South Africa Chamber of Commerce (2016), Security Challenges in Nigeria and the Implications for Business Activities and Sustainable Development. Available online https://goo.gl/VQwoQE accessed on 1 August, 2018.

[46] ATTOH, F. C. (2018). Boko Haram And The Challenges Of Internal Security In Nigeria. Advances in Social Sciences Research Journal, 52.

[47] Orikpe, E. A. (2013). Education and national security: Challenges and the way forward. Journal of Educational and Social Research, 3(10), 53.

[48] VOA: Boko Haram Returns Most Abducted Dapchi Girls. Available online https://goo.gl/6e3En1 accessed on 1 August, 2018.

[49] UNESCO (2017), Preventing violent extremism through education: A guide for policymakers. UNESCO Sustainable Development Goals. p. 23.

[50] مصدر سابق.

Kevin Watkins (2016). Africa's great opportunity for reform. The Guardian UK.