التخطيط اللغوي بإفريقيا تحدِّيات وعوائق

  • 16 -7 - 2014
  • إسماعيل زنغو برزي


د. إسماعيل زَنْغُو بَرَزِي  

لقد مرَّ بنا في بحثنا (المشهد اللغوي في إفريقيا.. مسار وعوائق)[1] الوضعُ الراهن الذي تمرُّ بها اللغات الإفريقية، وبناءً على التخطيط اللغوي الجاري في إفريقيا؛ يُلاحظ أنّ أغلب دول إفريقيا السمراء اختارت لغاتٍ غربية في سياستها اللغوية، عدا دولاً تعدّ بأصابع الكفّ، إضافة إلى الدول العربية في شمال إفريقيا.

وقبل أن نعرّج على إيراد هذه التحديات والآثار؛ فحري بنا أن نوضح مفهومَ الدستور الأساسي (constitution)، بأنَّه: «هو مجموعة من القوانين الأساسية المحدِّدة لحقوق المواطن في وطنه»[2].

بناءً على هذا المفهوم للدُّستور؛ فإنّ اختيار أية قضية، أو ظاهرة اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية.. إلخ، في الدستور الأساسي؛ يستلزم تطبيق كنهها على الشعب بكلّ ما تحمل؛ بغضِّ النَّظر عن المستوى العلمي أو الثقافي لهذا الشعب.

بعبارة أخرى؛ فإنّ ترسيم اللغات الأوروبية بالقارة كان بتواطئٍ شديدٍ من الغرب وعملائه الخونة من بني جلدتنا الأفارقة؛ ذلك أنّ الاستعمار يمكن أن يتغافل عن الأرض بقدر ما يضع لغته في الواجهة دائماً، وعليه؛ فإنّ اللغات الإفريقية تواجه عدداً من التحديات[3]، يمكن إيرادها بكلّ إيجاز فيما سيأتي.

أولاً: التحديات التي تواجهها اللغات الإفريقية:

1 - تحديات ثقافية:

إذا كانت القارة الإفريقية غنية بتعدد ثقافاتها وحضاراتها؛ فإنّ أغلب النّخب المثقفة الأولى فيها لم تكن على مستوى عالٍ من الوعي بُعَيْد الاستقلال، كالعرب والفرس والهنود.. إلخ، حيث تهافتوا على الثقافة الغربية ونَهِلوا حتى ارتووا من قوانينها، وانتخبوا لغات غربية لتكون مصادر أساسية، أو ما يمكن أن يُسمّى بـ «قصّ ولصق»[4] لسياسة اللغات الإفريقية وتخطيطها، وهكذا اخترقت اللغات الغربية جميع مظاهر الرموز الوطنية: «الإدارة الحكومية، التعليم ووسائل الإعلام، الشركات والمؤسسات الصناعية والتجارية، أسماء وإعلانات الشوارع، بطاقات الزيارات والحفلات»[5].

2 - تحديات اقتصادية:

إنّ القارة السمراء تحتضن ثلث لغات العالم، أي ما بين 2000 إلى 2500 لغة، ومن ثمّ فإنّ انتخاب اللغة التعليمية أو الرسمية منها ليس بالهيِّن، ومن جانب آخر فإنّ التحديات الاقتصادية تتمظهر في أنّ الإمكانيات الاقتصادية لا تسمح بتخطيط كلّ هذه اللغات.

3 - تحديات الهيمنة:

من المسلّمات أنّ من أكبر التحديات التي تعيش فيها القارة اليوم (النظام الإمبريالي) الذي له يدٌ طولى في عرقلة تطوّر اللغات الإفريقية؛ بفضل موقفه الاستعماري، وهدفه الاستخرابي، فقد ظلّ يخطط لمصلحته لتبقى لغاته دوماً حية وقوية، وقد أوضح المستعمرون أنّ الهدف هو تغريب الأفارقة؛ بما في ذلك تحريضهم على استعمال اللغات الغربية.

ثانياً: الآثار السلبية لتلك التحديات:

هذه بعض التحديات التي تعيش فيها اللغات الإفريقية، والتي في الواقع خلّفت مجموعة من الآثار السلبية، يمكن إيجازها في المحاور الآتية:

1 - علم يهيم داخل جهل دامس:

إذا كان التعليم المنبثق عن حياة المجتمع نفسه ينبض في شَعْبِه روح الحبّ المتلاحم، والعمل الدؤوب، والثقة الذاتية، وعزة النفس، فضلاً عن تقدّم الحضارة، فإنّ التَوفِيق في انتقاء لغته (أي لغة التدريس)[6] يعني: السعادة في تحقيق الهدف المنشود، والوصول إلى مراقي الصعود.

إذا عدنا إلى كتب التاريخ لاكتشفنا الكثير مما أنشأته القارة السمراء، من ممالك وإمبراطوريات، ودول وثقافات وحضارات غنية، ثم ما اخترعته في شتى علوم المعرفة[7].

وتتجلّى مظاهر الجهل في إطار الهيمنة اللغوية عشية هذه العولمة والركود الاقتصادي التي تعيش فيها القارة السمراء، وما يتلو ذلك من صفقات، وبخاصة اقتراضها – مثلاً - من البنوك الإقليمية أو الدولية، والشروط المترتبة على ذلك، فلا يعلم المواطن المسكين على أي أساس تـمّت هذه الصفقة، ثم ما يتعلق بتسديد الديون، وكَمِّ الفائدة، ويدخل في ذلك الفترة المحدّدة لتسديد هذه الديون، إنّ كلّ ذلك يتمّ باللغات الأجنبية في ظروف غامضة، بِدُوَل تتداخل فيها نسب المستعمِلين للغات الأجنبية بين خريجي المدارس البعثية في الدرجة الأولى، وخريجي المدارس الكلاسيكية في الدرجة الثانية، والمدارس العربية في الدرجة الثالثة، والاستعمال الشعبي في الدرجة الأخيرة من السلّم، إذ تفتقر هذه الرباعية إلى دراسة إحصائية، وعلى العموم يمكن القول بأنّ هذا العدد في الحقيقة شرع في الارتفاع[8] بعد مرور الخمسينيةcinquantenaires [9] على الاستقلال في أغلب الدول المستعمَرة.

في الواقع؛ إنّ مما يؤرق أكثر الغيورين من مثقفي إفريقيا هو وضع النظام التعليمي عموماً، والتعليم الغربي خصوصاً، انطلاقاً من معرفتهم أنّ «تقدّم المجتمع وتخلّفه بصفة عامّة مرتبط بنظامه التربوي ارتباطاً وثيقاً... والسبب في ذلك أنّ النظام التربوي بمؤسساته يعدّ مصانع الرجال والأجيال، فإذا كانت المصانع جيدة متقدّمة فإنها تصنع أجيالاً متقدّمة، تدفع عجلة التقدّم في كافة المجالات الحياتية والحضارية بقدر مهارتهم العلمية والفنية، وإذا كانت تلك المصانع متخلّفة؛ فإنّ منتجاتها ستكون متخلّفة أيضاً»[10].

وقد أزاح د. قطب مصطفى سانو الستار عن النُّظم التعليمية السائدة بإفريقيا في مباحث كثيرة من كتابه، فخلص إلى أنّ القارة الإفريقية - غير الدول العربية - تعرف نوعين من النُّظم التعليمية الوافدة من الشرق والغرب، ويقصد بالنُّظم التعليمية الشرقية: الشيوعية (في الاتحاد السوفييتي سابقاً) التي نشأت ردّة فعل للفكرة الرأسمالية التي رفعت من شأن الملكية الفردية، واهتمت بالفرد أكثر من الجماعة؛ لانطلاقها من مبدأ أنّ الملكية الفردية مسؤولة عن كلّ الشرور التي خاضتها البشرية، بيد أنه يقصد بالغرب: النظام السائد في أوروبا الغربية، كفرنسا وإنجلترا وإيطاليا والبرتغال.. إلخ، الذي ينطلق من مرجعيات علمانية، أي فصل التعليم عن الدين في جميع مراحله؛ وقد نتج هذا الفصل عن تجاوزات الكنيسة، وغلو قساوستها، في قسوتها على الشعب؛ لذلك كان نبذ الدين والانسلاخ منه أمراً ضرورياً لأوروبا إذا أرادت أن تتقدّم، وتتحضر، وتعيش سعيدة.

عليه؛ نفهم أنّ الخلفيات التي تأسست عليها السياسة التعليمية الغربية، من التهرب من مبادئ الدين، وكذا الهيمنة الفردية على الجماعية.. إلخ، ومثيلاتها الشرقية التي اكتوت بنيران الفردية، فلاذت إلى الهيمنة الجماعية ضد الفردية، فضلاً عن اللادينية، وهي ظواهر لا تعرفها القارة الإفريقية من قريب أو بعيد، ولذلك قال عبده موميني أحد التربويين المشهورين في غرب إفريفيا: إنّ «التعليم الاستعماري قد أفسد تفكير الإفريقي وحساسيته، وملأه بعقد شاذة»[11].

والنتيجة؛ أنَّ تطبيق هذَيْن النظامَيْن التربويَيْن سيترتَّب عليه مردودياتٌ اقتصادية وتبعية متفاوتة[12]، لمصلحة كلٍّ من الشرق والغرب، خصوصاً عندما تدعو الحاجة إلى تخطيط تربوي أو لساني أو تكويني، وما يترتب على ذلك من جلب خبراء وافدين، يفتقرون إلى معرفة حقيقية بحاجات المجتمعات الإفريقية، فلا غَرْوَ أن تكون جهودهم ترقيماً على بحر، وحلماً بعيدَ المنال، ومن ثمّ تكون النتائج المترتبة على هذا التخطيط - بكلّ ما أُنفق فيه - بعيدة عن المنطق والموضوعية؛ «لأنّ المتعلم يصرف جزءاً من سنوات عمره الدراسي سعياً وراء إجادة اللغة؛ بدلاً من البدء بتلقي العلوم والمعارف»[13]، فضلاً عن أنه يخرج مواطناً غير كفء ولا واعٍ، أنانيّاً كسولاً خائناً!

وقد أشار أحــد الشعراء الشعبيين المشهورين من الهنود، وهو يسخر من أيام وجوده بمدرسة الاستعمار، إلى أنه لكي يصبح تلميذاً مرموقاً كان عليه أن يتعلم أكثر ويتحول إلى أحمق، ومن سوء الحظ أنّ نظام مدرسة الاستعمار قد علّم الكثير جدّاً من الحمقى[14]، وهذا يفسّر لنا ما نراه يومياً في القارة السمراء من حروب أهلية، وأنانية متزايدة؛ من تقديم المصلحة الخاصّة على العامّة، وما يتلو ذلك من انقلابات همجية واختلاس أموال الشعب.. إلخ، كما تظهر - يومياً أيضاً - مشكلات تربوية تفتقر إلى تخطيط فعّال، ويومياً تقام ندوات وتنظّم ورشات ولقاءات لحلّ مشكلات تعليمية بالقارة، فيُدعى خبراء من الداخل والخارج، وممثلون من اتحاد التلاميذ والطلبة، ولكن بلا جدوى، إذ كلما وُجد حلٌّ لمشكلة ما؛ ظهرت في إثره ثغرات أخرى تَتَوالى، تبيض وتصفر بمشكلاتها، غير منتهية، فيصبح النظام وكأنه يدور في حلقة مفرغة، فلا هدفاً ينجز، ولا حلّاً يحقّق!

يُضاف إلى ذلك دور المعارضين السياسيين في شَدِّ الخناق على التعليم، من إيلاء أهمية لحركات لا تستحقها، أو تحريض جهات أو جبهات معينة، كالاتحادات الطلابية مثلاً أو غيرها، ضدّ السلطة لتحول دون تحقيق جوٍّ علمي منشود، إذ يمرِرُون عبر ذلك مجموعة من أهدافهم الذاتية ومصالحهم الشخصية؛ وفي هذا بلا شك كبح لعجلة التعليم في القارة السمراء.

الدَّليل على ما مضى: أنَّنا إذا ألقينا نظرة على الميزانيات التي تُرصد سنوياً لتعليم اللغات الأجنبية بالقارة السمراء؛ فإنَّنا نجدها عادة تصل إلى حدود ثلث ميزانية الدول، وربما لا يجانبنا الصواب إذا قلنا: يكفي ثلث هذا المبلغ لسدّ حاجة التعليم إذا كان باللغات الوطنية[15].

وبالنظر إلى المعاهد المهنية أو الفنية أو الرياضية؛ يُلاحظ أنها لا تلبّي حاجة المجتمعات الإفريقية؛ على الرغم مما تملكه القارة السمراء من أنواع مختلفة من الفنون الجميلة العتيقة، القائمة على رسوم وزخارف رزينة، كالنقش على الأخشاب أو الكتابة على الجلود.. إلخ، وصناعة الأحزمة والمحافظ والحقائب والأحذية والنعال، المختلفة الأشكال بكلّ ما تحمل من جودة، ثم إنها بِيئِيّة، مروراً بفنون مختلفة من ألعاب على الرمال، والمصارعات الشعبية، فكان من الأحسن إعادة الاعتبار لهذه الفنون والفعاليات، وإدراجها كتخصصات فنية تساعد المتعلمين، وإلا سنستورد فقراء من نظمنا التعليمية الوافدة، وهذا هو معنى العِلْم هائم داخل جهل، تتبعه التبعية.

2 - التبعية المُستميتة:

في الواقع؛ لا تنتطح عنزتان في أنّ للهيمنة اللغوية الأوروبية آثاراً سيئة في الشعوب الإفريقية، داخلة فيما يُسمّى بالتبعية، وخصوصاً لدى شرذمة غارقة منها في ثقافة غربية بانتمائهم الفكري، وولائهم للنظريات الغربية، في قراءتهم للأوضاع، مروراً بفهمهم للأشياء، واختتاماً بقَوْلَبتهم لمجريات الأحداث، وانهزامهم النفسي.. إلخ.

ولعلّ ما نسوقه مما كُتب في هذا السياق بأقلام غربية، من باب ?وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا? [يوسف : 26]، يرفع اللثامَ عن هذه التبعية، وما يتعلّق بها من تخلّف وغيرها، كما فعل الدكتور والتر رودني (الأمريكي) في أماكن مختلفة من كتابه (أوروبا والتخلف في إفريقيا)؛ حيث يؤكد أنّ «ثمت مشكلة كبرى؛ تتمثل في أنّ الناس في إفريقيا، وأنحاء أخرى من العالم، قد تعرضوا لأزمة نفسية وثقافية، وقبلوا على الأقل الرؤية الأوروبية للأشياء، ويعني ذلك أنّ الإفريقي ذاته يحمل شكوكاً حول قدرته على تحويل بيئته الطبيعية وتطويرها»[16]، ويضيف: «بل أيضاً عن أشخاص يرقصون في أبيدجان وأكرا وكينشاسا كلما صدحت الموسيقى في باريس ولندن ونيويورك»[17].

هذا، وتتمظهر تجليات التبعية في أنّ أكثر قادة إفريقيا نَهِلوا من وعاء الثقافة الغربية، فأُعجبوا بها كلّ إعجاب، وكبرت في نفوسهم، واستماتوا عليها، فخانوا شعوبهم بنظرتهم السطحية إلى لغاتهم، وتعليلاتهم الواهية المنبثقة من أفكار غربية مبهوته، بل لا نحتاج إلى تفكير عميق في استنكار أفكارهم ودحضها.

ويمكن أن نورد نماذج من الأمثلة الحية في تصريح بعض القادة الأفارقة، ونظرتهم إلى اللغة الفرنسية، فقد قال أحد رؤساء المجلس الوطني في الأمم المتحدة في هذا الصدد: «يجب عليّ قولُ الحقّ بشأن دولتي (أي كوت ديفوار): إنّ تبنّي الفرنسية، في المادة الأولى لدستورنا، يمثّل بلا شك سبل الوحدة التي أعانت على تحقيق السعادة بسرعة مذهلة»[18]!

وأضاف آخر: «تستعمل الفرنسية كلغة موحِّدة، تجمع شمل السنغاليين»[19]! وينص القانون السنغالي على أنه «يجب على أي مترشّح لرئاسة الدولة الكتابةُ والقراءةُ والكلام الطلق باللغة الفرنسية couramment»[20]! وقد ذهب الرئيس الراحل (في كوت ديفوار) هوفويت بواني  Boigny  Houphouët في وصفه للفرنسية في دولته: بـ «الإسمنت (المتماسك) في الوحدة الوطنية، ولا تستحق الدخول في متاهات المنافسة مع أية لهجة (لغة)، وكما أنّ الاحتفاظ بالفرنسية في كُوِدي ُفوار يتمظهر كوسيلة لإبطال تأثير الذاتية (المصلحة) المحلية، وذوبان التجمعات القبلية في وحدة قومية»[21]!

بل إنّ المسألة تخطت لهَجة السَّاسة إلى الباحثين، فيرى بعضهم أنّ تخطيط اللغات القومية لا يعدو أن يخلق مشكلات قومية[22]!

نعتقد أنّ مثل هذه التصريحات في الإشادة باللغة الفرنسية قد قللت من أهمية اللغات الوطنية، ولكن إذا نظرنا إلى الوضع السياسي الراهن - الذي يعتمد الفرنسية - فلنا أن نتساءل: هل خفّف التمسك بالفرنسية – مثلاً - من وطأة المشكلات العرقية والقومية بالقارة؟! الجواب بالحرف الواحد هو: كلاَّ، بل يمكن الحكم بأنّ الفرنسية هي التي ساعدت في خلق هذه الهوّة بين أبناء الشعب؛ ذلك أنّ المستعمِر إذا كان ينظر إلى عُمَلائه بالنظرة الدونية[23]، فهذا الاستعلاء ينعكس على هذا الأخير، فينظر بدوره إلى بني جلدته بالنظرة نفسها؛ ذلك أنّ ضآلة نسبة المتعلمين أساساً في المجتمعات الإفريقية جعلت هذه الشرذمة المثقفة بالثقافة الغربية تتعالى على مواطنيها، فلا يوجد أدنى تواصل بينهم وبين بني جلدتهم.

والدليل على ذلك: يمكن أن نرى ببساطة بُعيد الاستقلال، وحتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي، حتى في الحواضر والمدن، كيف كان سكَّان الأرياف والبَدْو مضطهدين، وكانت نظرتهم إلى رجال الشُّرطة، أو الدركي أو العسكري أو الحاكم، في مديريتهم أو مقاطعتهم، سيئة للغاية، فكانوا ينظرون إليه بوصفه عدوّاً أو شيطاناً يجب الفرار منه؛ لأنهم لا يثقون فيه أبداً، نظراً لما يرون من تعامله السَيّئ مع محيطه، من الهيمنة والأنانية والمحسوبية والكذب، وتقديم المصلحة الخاصّة على العامّة، وعليه؛ يمكن أن نصف ذلك بأزمة الثقة بين الرؤساء والمرؤوسين.

علاوة على ذلك؛ فإنّ أغلب السياسات اللغوية المتشبثة باللغات الأوروبية تحكم على فعاليتها بأنها تمثّل لغات انفتاح، وعلاقات دولية، بيد أنّ اللغات القومية (لغات القاطنين الأصليين) تقوم بدور الاندماج والهوية الوطنيَّيْن، وبعد هاتين الوظيفتَيْن نجد اختصاصاً وتكاملاً بين اللغتَيْن[24]، في الواقع إنّ الحكم على اللغات الغربية بالانفتاح والدولية لم يتأت لها إلا بخدمة هذه الذيول المستميتة، وكان من الممكن إسداء - ولو القليل من - هذه الخدمات للغاتنا الوطنية، حتى تتطور ولو خطوة؛ لتقترب إلى ما وصلت إليه ما توصف بلغات القمّة.

إضافة إلى ذلك؛ إذا كان بعضُ قادة إفريقيا يتبجّح بثقافة الغرب ولغاته، فإنّ هذا الأخير لم يُول قيمة للغاته المستعملة في إفريقيا، وبخاصة الفرنسية المستخدمة في إفريقيا، فيرى الغرب أنّ «الفرنسية المستعملة في إفريقيا ليست مطابقة تماماً لمثيلاتها في فرنسا، [ومع ذلك توجد] فرنسية شعبية إفريقية، وهي فرنسية إفريقية منتشرة، تنمو بمفرداتها المختلفة [المتنوعة]، إذ نجد كثيراً من الأمثال والاستعارات والتلاعب بالكلمات المقترضة من اللغات المحلية»[25].

هذا ما وَصَلْنا إليه من إهانة أنفسنا، كما يقول المثل العربي الشهير «يداك أوكتا وفوك نفخ»! ذلك أنه شاع في نهج اللسانيات الحديثة إمكانيةُ أخذ لهجاتِ أية لغة من أي مكان من العالم بعين الاعتبار لتكون هدفاً للدراسة والبحث، إذ إنّ اللغات الأوروبية المستخدمة في إفريقيا بكلّ ما تعرضت لها من ركاكة أو لُكْنَة، لا تعدو أن تمثل إحدى لهجاتِها المتطورة في إفريقيا من اللغاتِ الأمّ الأوروبية، ومن ثمّ يمكن أن تُدرس كلهجات مستقلة بظواهرها المختلفة، وعليه؛ ألاَ يمكن أن تكون هذه اللغاتُ الأوروبية اللغات الأمّ لبعض الأفارقة؟ الجواب هو: نعم، إذا لم يكونوا من أبناء اللغة، بعد قرن ونصف تقريباً من ممارستها كلغة أمٍّ عند البعض، ولغة تعليم عند الآخرين، فمتى سيكون؟! اللهمّ إلا إذا وُلدوا من بطونٍ سربونيَّة فرنسية! الذي يعني - بلا شك - التخلّف!

3 - التخلّف عبر الاستغلال:

إنّ الهيمنة اللغوية التي تتعرض لها القارة السمراء تسَبَّبَت - بلا شك - في تخلُّفٍ ملموس لشعوبها، وقد طرح الدكتور رودني سؤالاً عمَّن يتحمَّل مسؤوليَّة تخلّف إفريقيا؛ فأرجع أسباب ذلك إلى جهتين أساسيَّتَيْن، تتمحور الأولى حول النظام الإمبريالي المتحمّل مسؤولية إعاقة النمو الاقتصادي في القارة، عن طريق نزوح ثروات إفريقيا، بينما عزا الجهة الثانية إلى أولئك الذين يسيطرون على النظام وعملائهم[26].

إنَّ أكبر دليل على أنّ الغرب والشرق وراء التخلّف في القارة السمراء ما نراه من قلع ونسف للأيدي العاملة، مروراً باستنزاف العقول، أو immigration choisie (الهجرة المنتخبة) بحسب مصطلح نيكولاي ساركوزي، يعني ذلك «هجرة المهنيين والتقنيين والإداريين من أصحاب المستويات العليا والعمّال المهرة من أوطانهم، وبهذا يتمّ استنزاف البلدان المتخلّفة من العدد القليل من المهارات المتاحة؛ عن طريق إغراءات المرتبات العليا والفرص الفضلى في البلدان المتقدمة»[27]، إذ إنّ هذه الأيدي العاملة هي التي تساهم في تقديم شتّى الخدمات الاجتماعية الاقتصادية لأوروبا، لا سيما العقول النيرة منها، والتي تساهم عِلمياً - إن لم نقل: وثقافياً - في تطوّر أوروبا، وهذه الأخيرة (أوروبا) بدورها تدعم منطقياً خَلق (التخلّف) عموماً و (الجهل) خصوصاً بالقارة السمراء.

وعلى الرغم من أنّ الدول الإفريقية هي التي تنفق الكثير في تكوين أبنائها، بغضِّ النَّظر عن ظروفها الاقتصادية، فإنّ بعض هؤلاء الأبناء المتميزين يساهمون في تخريبها؛ في الوقت الذي يكونون فيه لبنة أساسية لتطوّر أوروبا! وما ذاك إلا لافتقارهم إلى روح المواطنة الصادقة، ولا شك أنّ ذلك يولد في المقابل القضاء على الثقافة القومية.

4 - طمس معالم الثقافة العتيقة[28]:

ظلّ الإنسانُ الإفريقيُّ الأصيل أبِيّاً، مثابراً على العمل، مستميتاً في الحقّ.. إلخ، وهذه الصفة العتيقة يشترك فيها البدوي والحضري، المؤمن والوثني، والداني والقاصي.

تلك هي الحالة التي كان عليها الأفارقة منذ قديم الزمان؛ لذا لم تكن إفريقيا لقمة سائغة لأوروبا إلا بعد أن لقيت جيوش الاستعمار الأوروبي حرباً شرسة ساعة استيلائها على بعض المناطق، ولم يكن ليتحقق لها النصر إلا بهذه الآلات الحربية الحديثة التي يفتقر إليها الطرف الآخر، وأخيراً تحقّق لها النصر؛ فاستطاع الاستعمار الأوروبي بالضرب والتعذيب وسفك الدماء أن يستقطب بعض ضعاف النفوذ المهمّشين؛ ليغرس في نفوسهم لغَتَه حتى استتبت، فجعلهم أقوياء بعد أن كانوا ضعفاء، ومحترمين بعد أن كانوا أذلاء، وبعد عقود من الزمن بدأت مجاري الرياح تتغير بالتدرج، ولم يمض ثلثا قرن حتى أضحت ثقافة الغرب تسري في نفوس الأفارقة على قدم وساق:

معنوياً في: لغات إفريقيا، وقيمها، وعاداتها، وتقاليدها، وأعرافها، وسننها الاجتماعية.

ومادياً في: الملبس، والمأكل، والمسكن.. إلخ[29].

فأضحى ذيولها من القادة المغتربين يفكّكون قيم المجتمعات الإفريقية بنشر ثقافة الكذب، والخيانة، والإدمان، والسفور، واختلاس أموال الشعب، والتلاعب بالكلمات باستعمال مصطلحات تمييعية رنانة، حتى وجد الاستعمار - أو فرنسا - «في النّخب الفرنكوفونية الحاكمة خير معين على تطبيق سياسة الفَرْنَسَة هذه، بحيث تحقّق لها في عهد (الاستقلال) ما لم يتحقّق لها في عهد (الاستعمار)»[30].

في هذا الإطار؛ حاول الاستعمار وعملاؤه القضاء على بعض اللغات الوطنية الإفريقية، أو إعادة تخطيطها وغربلتها؛ كي تصبح بعض اللغات الأساسية المستهدفة في مصاف (اللغات الكتلية)، والعكس صحيح، إذ لا نبالغ إذا قلنا إن سُبْع لغات إفريقيا موزّعة بين: ما هي مهددة في البقاء، والتي في حالة الاحتضار؛ لأنها تعيش في أكواخ اللغات الأوروبية، ففي مالي فقط 13 لغة، بيد أنّ المهددة منها تسعة، وفي أنغولا حوالي 43 لغة، والمهددة منها 40، كذلك في السنغال 3 / 35، وفي كينيا 5 / 56، بحيث أصبحت مجموعة اللغات الآمنة في القارة أقلّ من أصابع الكفّ في كلّ دولة؛ ذلك أنّ المدى الذي وصلت إليه الهيمنة اللغوية في القارة، من ممارسة اللغات الغربية فيما لا يقل عن قرن من الزمن، جعل أغلب أبناء اللغات المهددة يضيعونها، بل لا يولونها أدنى اهتمام، فذابوا ثقافياً في خضم اللغات الأخرى؛ من جانب.

ثم من جانب آخر؛ فإنَّ ترسيم اللغات الوطنية بشتى أنواعها يُضيق الخناق على هذه المجموعة الغارقة في تعَلُّم اللغات الأوروبية؛ لأنها لم تعد تجيد لغاتها، ولا تسأل عن أبناء ذلك الجيل الذين قضوا ريعان شبابهم في الغرب، فيتلعثمون في استعمال لغاتهم الأساسية[31]، وربما لا نبالغ إذا قلنا: يوجد بعض الأفارقة في القارة السمراء لا يجيدون لغةً إفريقيةً واحدةً، مع أنّ بعضهم قد يتحدث بعدة لغات غربية!

ويا ليت طمس معالم الثقافة الإفريقية وقف عند الحدِّ الظاهريِّ في إزاحة اللُّغات الإفريقيَّة! فقد تخـطى إلى تغريب «العواطف والقيم والمقاييس والمواقف والاتجاهات، ليكون التناسبُ كاملاً بين الجيل الناشئ الذي تم إعداده، وبين المهمة التي يراد إسنادها له»[32] حقًّاً، إنَّ هذا التَّغريب في العواطف والقيم داعٍ إلى القلق؛ لأنَّه ينتهي بنا إلى التَّشكيك في المقدرة التَّواصليَّة للغات الإفريقيَّة.

5 - التَّشكيك في المقدرة التَّواصليَّة للغات الإفريقيَّة:

إنَّ ما يثار كثيراً حول النقص الحادّ في كمِّ الكلمات ودلالاتها في مجموعة من اللغات الإفريقية، أو التنكر لمدى قدرتها في الاستعمال، توجّه جدير بأن يزول؛ لأنّ أغلب هذه اللغات لا تقلّ قيمة، من حيث البنية والمعنى والاشتقاق، عن أكثر اللغات العالمية الكبرى[33]، ذلك أنها وَفَّت بحاجاتها التواصلية أكثر من غيرها، ولم تكتف بهذا الحدّ بل أقرضت وجادت على لغاتٍ عالمية بعدد من كلماتها، وإن كانت في المقابل أخذت نصيبها من هذا الصراع اللغوي المرير[34]، والذي خرجت منه بعدد من المشكلات، من ذلك محاكاة نظام بعض اللغات الإفريقية - في مَعْجَمَته لمجموعة من الكلمات - للنسج الاستعماري الخاص؛ ما أدى إلى وجود بَوْن شاسع بين المعنى الأصلي للكلمة والدلالة المستحدثة[35].

وقد عبّر عن ذلك أحد الكتاب الغربيين بقوله: «بما أنّ الحضارة الغربية تسعى للقضاء على غيرها من الحضارات؛ فإنه يمكننا نعتها بكونها (لا حضارة) Decivilisation، إنّ الحضارة الغربية لا تقبل غيرها من الحضارات، ولذا فهي تعمل جاهدة لتخريبها، إنّ الغرب عالم وحيد، يدعو إلى الإنسان الوحيد والأمة الوحيدة والحضارة الوحيدة، وكلّ ما يتعلق بالكثرة أو الإنسانية بمعنى الجمع والكثرة يعتبر محظوراً ومرفوضاً»[36].

خاتمة:

نخلُص من كلِّ ما سبق إلى القول: إنَّ مشكلة التَّخطيط اللُّغويِّ بالدُّول الإفريقية لَمُشكلةٌ تعدُّ من أمَّهات التَّحديات بالقارة؛ لأنَّ تبنّي تلك الدُّول للُّغات الاستعماريَّة على حساب لغات القارَّة؛ قد تمخَّض عن آثار سلبية جمَّة، ومثَّلت تلك اللغات الاستعماريَّة حاجزاً حقيقيّاً في وجه إفريقيا في سبيل تحقيق تنمية شاملة.

وقد تمَّت في هذا المقال مناقشة بعض تلك الآثار السِّلبيَّة بإفريقيا، مثل: الاستغلال المستمر للقارة عبر اللغة الاستعماريَّة، وطمس ما تبقَّى من ثقافة بإفريقيا، وتأمين التَّبعية المطلقة للمستعمِر.

هذا؛ ولن تخرج إفريقيا من عنق الزُّجاجة إلاَّ بإعادة نظرٍ جذريَّة في واقعها اللغوي، ثم إعادة تبنِّي سياسة لغويَّة جريئة على ضوء هذا النَّظر الواقعي، ومع ذلك فلا يزال هناك أمل لتطوير اللغات الإفريقية ببعض الأدوات اللسانية، وهذا ما سيكون محط دراستنا في الأيام القادمة، إن شاء الله تعالى.

* أستاذ مساعد في اللسانيات العامّة والعربية، قسم اللغة العربية، جامعة بماكو، مالي.

E - mail baraziismaila2000@yahoo.fr

[1] المشهد اللغوي في إفريقيا.. مسار وعوائق، قراءات إفريقية، العدد 19، يناير 2014م، ص 76 وما بعدها، نوصي بالعودة إليه، لتناغم أكثر مع هذا البحث الجديد؛ ذلك أنه (أي البحث السابق) استعرض موجز السياسة اللغوية للدول الإفريقية جَمْعَاء، ويأتي هذا الأخير لإيراد هذه التحديات الكبرى وما خلّفته من آثار، أما عن الحلول لتنمية اللغات الإفريقية، فقد حضرنا لها بحثاً خاصاً بعنوان «لغات إفريقية والتنمية المستدامة» لمّا ينشر بعد.

[2] راجع: Encarta 2007

[3] راجع هذه التحديات مفصلة في بحثنا: المشهد اللغوي في إفريقيا.. مسار وعوائق، قراءات إفريقية، العدد 19، يناير 2014م، ص (79 – 82) .

[4] للمقارنة راجع: موقع التخطيط اللغوى في العالم.

[5] الفرنكوفونية ومحنة اللغة العربية بالمغرب، عبد الناصر المقري، الموقع: بلا فرنسية.

[6] لماذا لم يترك الاستعمار الغربي للأفارقة اختيارَ لغاتهم المحلية في التعليم؟ الواقع أنّ مجموعة من الباحثين الغريبين، من المتشبثين بسياسة الأنانية والهيمنة السياسية، دافعوا عن لغاتهم بكلّ ما أوتوا من قوة، دافع P. J. Franceschini عن الفرنسية... أما الدول الإنجلسكسونية، فقام بعضها بتخطيط لغاتها الوطنية، ومع ذلك بقوا تحت رواسب الاستعمار، راجع: linguistique et colonisation, Louis- Jean Calvet, p: 230 ، والذي خلص إلى نتيجة مهمّة في الفرق بين الاستعمار الفرنسي والإنجليزي؛ مفادها: «أنّ الإمبريالية الأمريكية تتوصل إلى نشر لغتها عن طريق فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية، فاللغة إذن تابعة للاقتصاد والسياسة، أما فرنسا فهي - على عكس من ذلك - تنشر لغتها وثقافتها لتصل عن طريقهما إلى فرض هيمنتها الاقتصادية والسياسية، فاللغة هنا في مركز القيادة، أما السياسة والاقتصاد فتابعان، ونتيجة لا وسيلة»، راجع: الفرنكوفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب، عبد العلي الودغيري، ص 42، ط1، كتاب العلم، 1993م الرباط.

[7] راجع: ما ساقه رودوني في مجموعة من العادات والثقافات الإفريقية المتطورة من حيث القيمة على نظيراتها الأوروبية في أماكن مختلفة من كتابه وخاصة ص 45 وما بعدها.

[8] وعلى ضوء هذه المعطيات خلص Drissa Diakite إلى أنّ «مالي ليست دولة فرنكوفونية، ثم إنّ هذا العدد القليل الذي يستعمل هذه اللغة، يكون في إطار العمل، إذ يقلّ في الأسر والطرقات، ولا يوجد الاستعمال السائد véhiculaire (الجماعية) للفرنسية...» Les défis du multilinguisme au Mali, Recherche Africaine, Annales, FLASH, N 00- 2002 

[9] وقد خلص د. محمد أحمد لوح - في دراسته للخمسينية ببلاده السنغال - إلى أنّ «هذه القارة في حاجة إلى رجال يعملون أكثر مما يتكلمون، إلى قادة ميدانيين يقدّمون مصلحة البلد على المصالح الشخصية»، الخمسينية على الاستقلال.. نموذج السنغال، راجع الموقع: drmalo.com

[10] انظر: يالجن، مقداد: العوامل الفعالة المؤثرة وآثارها على المجتمع والإنتاج الفكري والعلمي ووجوه الاستفادة منها في تربيتنا، ص 13، ط1، دار علم الكتب للطباعة والنشر، 1994م الرياض. نقلاً عن: قطب مصطفى سانو: النظم التعليمية الوافدة في إفريقيا.. قراءة في البديل الحضاري، هامش ص (86 – 87)، كتاب الأمة، ع63، سنة 1419ه - قطر.

[11] راجع: والتر رودني، ص 326.

[12] وقد قال هاردي في (مخطط التعليم الفرنسي الاستعماري في المغرب) بالحرف الواحد: «اللغة الفرنسية التي بواسطتها سنتمكن من ربط التلاميذ بفرنسا»، راجع: خالد الصمدي: جوانب من تأثير الفرنكوفونية في نظام التربية والتعليم بالمغرب، الموقع: Matarmatar.net

[13] قطب مصطفى سانو، ص 77.                                   

[14] والتر رودني، ص 326

[15] على ضوء ذلك أضاف أندرو براديري: «فبدون تحديد الأهداف، تتاح للشخص نسبة ضئيلة من الخيارات ليستجيب للأحداث الجارية من حوله. وكذا، عندما يفقد الشخص قدرته على تمييز الأشياء بغضِّ النَّظر عن الوضع الفعلي، يصبح عاجزاً عن تحقيق أي هدف بشكل نسبي، وبالتالي فإنه من المحتمل أن يشعر دوماً بالإحباط والتمرد والرغبة في الانتقام»، أندرو براديري: البرمجة العصبية للدماغ، ص 33، ط2، قسم الترجمة بدار الفاروق، بلا سنة.

[16] والتر رودوني: أوروبا والتخلف في إفريقيا، ص 31.

[17] نفسه، ص 38.

[18] «Aménagement linguistique dans le Monde» (Cote d’Ivoire), http://www.axl.cefan.ulaval.ca/afrique/cotiv.htm

[19] Emilia Melasuo & Hanna Siev?nen, Français langue et culture, Université de Turku, Mémoire, Le 8 décembre 2004

[20] les politique linguistiques au Sénégal et au Maroc, Emelie Larssone, p: 11, 2006, www. Telfq.u.

[21]  نفسه.

[22] J. et M.J Derive, francophonie et pratique linguistique en Cote d’Ivoire, p :45, 1986, www.politique-africaine.com/numeros/pdf/023042.pdf

[23] يرجى مراجعة: نماذج من النظرة الدونية وغيرها، عبد العزيز الكحلوت، التنصير والاستعمار في إفريقيا السوداء، ص: 10، 11، 18، 50، 63، 99، ... إلخ، منشورات كلية الدعوة، 1992م.

[24] تعليل رائج لدى الدول التي انتخبت اللغات الأوروبية في دساتيرها، فتلوذ بخلق هذه العلاقة المفتعلة الحديثة والرائجة بين اللغات الإفريقية والأوروبية، وقارنه بـ Aménagement linguistique dans le Monde

[25] Emilia Melasuo & Hanna Siev?nen, Français langue et culture, Université de Turku, Mémoire, Le 8 December 2004

[26] راجع: والتر رودني، أوروبا والتخلف في إفريقيا، ص 38، ع 123، عالم المعرفة، 1988م، الكويت، ويمكن أيضاً مراجعة عبد الحليم محمود، الذي تطرق إلى أسباب التراجع الحضاري وآثاره في أماكن مختلفة من كتابه: التراجع الحضاري في العالم الإسلامي وطرق التغلب عليه، ط1، دار الوفاء، 1994م، مصر.

[27] ـ والتر رودني، ص (26 – 27)، وتشير الإحصائيات الحديثة إلى أنّ تكلفة هجرة العقول في إفريقيا وحدها تبلغ 4 مليارات دولار، في توظيف 150 ألف مهني أجنبي سنوياً، بدلاً من المواطنين الذين يهاجرون، ووفقاً لإحصائيات برنامج الأمم المتحدة للتنمية؛ فإنّ إثيوبيا فقدت 75% من قوة العمل بها في الفترة من 1980م وحتى 1991م، مما أضر بقدرتها على التغلب على حالة الفقر التي تعانيها... وسبّب نزيفاً للموارد البشرية للقارة الإفريقية التي تفتقر أصلاً لهذه الموارد؛ مما يؤثر في دفع عجلة النمو والتنمية في بلادهم، راجع: هجرة العقول العربية، تقرير وزارة الصناعة والتجارة (مصر)، ص: 10، pdf، بتاريخ 4/ 2/2014م.

[28] هي أساليب الحياة الخاصة، والمميزة للمجتمعات المختلفة، وهي تتضمن وسائل الاتصال بالغير، حيث تبرز أهمية اللغة وغيرها في أساليب الاتصال، راجع، علم الاجتماع اللغوي، السيد عبد الفتاح الفيفي، ص 151، دار الكتاب الحديث، 1995م، الكويت.

[29] راجع: العفيفي، ص 151.

[30] عمر النمري: الفرنكوفونية استعمار أم استخراب؟، راجع موقع: منتديات الجزيرة أو http://albayan-magazine.com ، وأضاف المستشرق زويمر في مطلع القرن الماضي بأنّ «الإسلام لن يُقتلع إلا بأيدي مسلمين من الداخل»، راجع: الفرنكوفونية وإقلاع الهوية العربية الإسلامية، 2010م، موقع الدكتورة زينب عبد العزيز art4muslim.com

[31] لمعرفة أسباب المحافظة على الفرنسية في إفريقيا، يمكن مراجعة أطروحتنا: الأصوات والفعل بين العربية والبمنان (لغة في مالي)، مقاربة تقابلية، ص 34، 2007م.

[32] عبد الناصر المقري: الفرنكوفونية ومحنة اللغة العربية بالمغرب، الموقع بلا فرنسية. وكما نلاحظ أنّ هذا الجيل الجديد يستسيغ بسهولة استعمال كلمات وبُنَى غربية رنّانة، مثل نماذج من الكلمات الفرنسية في الدول الفرنكوفونية: Papa (أب)، Maman (أم)، Papi (جد)، Mami (جدة)، Bonjour (صباح الخير)، Jolie (جميلة)، Aurevoir / Bay (إلى اللقاء) إلخ... هذه مجموعة من كلمات عاطفية وقِيَميَة، في بعض اللغات الأوروبية، مستساغة لدى طبقة لا بأس بها من المراهقين والمغنين والفنانين وأصحاب الحرف ومختلف النّخب المثقفة، أكثر من مرادفاتها في لغاتهم الأمّ.

[33] راجع بحثنا: هل تتطور لغة البمنان (لغة في مالي) كما تطورت الفرنسية؟ وما موقف العربية من هذا التطور؟، في جريدة الصداقة، ع 38، نوفمبر 2002م, فقد وضحنا فيه مفصلاً أنّ اللغات الإفريقية قابلة للتطور بناءً على قدرتها الاشتقاقية، وأوردنا نماذج من اللغات المقَوْلَبة على ضوء ذلك.

[34] إنَّ تأثير بعض لغات إفريقيا في اللغة البرتغالية والإسبانية، على أيدي العبيد الأفارقة في جزر الكاريبي، تأثير كبير مسجل في دراسات كثيرة، وعن طريق هاتين اللغتين دخلت مفردات كثيرة إلى اللغات الأوروبية، وقد كشف باحثون لغويون كُثر عن هذا التأثير، على رأسهم الألسني الأمريكي (Lorenzo Turner)، والباحث اللغوي البريطاني (David Dalby)، ومن تلك المفردات: gorilla, jumbo, oasis, banana, banjo, sorcery, etc… ، بل إنَّ الباحث دالبي قد أورد جملة من التعبيرات في الإنجليزية الأمريكية هي مقترضات معنوية من لغة مادينغ وغيرها، ينظر: Geneva Smitherman, Talking and Testifying, p43. 

[35] يزودنا الاستعمالُ بمجموعة من هذه النماذج بين البمنان (لغة في مالي) والفرنسية التي نأمل أن تكون محط دراستنا في المستقبل، منها: Abarka: merçi / albarka (كلمة الشكر لمن أطعمك، لدى بعض القبائل في مالي، وقد يستعمل للشكر لمن أهدى إليك شيئاً لدى الأخرى)، Bandigi : بلغة البمنان، وهي (عود مُسنَّن الطرف بحجم قلم، تستعمله النساء لفكِّ الضفائر)، Sulba : إبرة (إبرة كبيرة الحجم تستعمل خصيصى لخيط غير الملابس في ثقافة صنغي) وعليه؛ فلا تفي كلمة (الإبرة) فقط لترجمتهما.

[36] عمر النمري: الفرنكوفونية استعمار أم استخراب؟ وقارنه بـ: الفرنكوفونية والتعريب وتدريس اللغات الأجنبية بالمغرب، المصطفى الغربي، تر/ محمد السليم، موقـع محمد أسليـــم - تاريخ الإنشاء: 27 ينايـر 2002م.