التحصيل العلمي لدى الطلاب في غرب إفريقيا بين الواقع والمأمول

  • 17 -1 - 2011
  • محمد أحمد لوح


أ.د. محمد أحمد لوح 

الحديث عن التحصيل العلمي لدى الطلاب في غرب إفريقيا يتطلب منا الحديث عن المباحث الآتية:

أولاً: أنماط التعليم الشائعة في منطقة غرب إفريقيا.

ثانياً: طبيعة المناهج الدراسية وغيرها من أركان التعليم.

ثالثاً: حال الدارسين في الخارج.

رابعاً: المأمول من الطلاب والخريجين (المقترحات).

ولنقدم بين يدي ذلك نظرة عجلى إلى ماضي التعليم في المنطقة؛ لتكون تمهيداً لما نحن بصدده من دراسة الواقع وبيان المأمول.

معلوم أن الحديث عن أي قطر من أقطار إفريقيا – ولا سيما إفريقيا الغربية - هو حديث عن بقية الأقطار من حيث التاريخ والأوصاف والمكاسب والصعوبات والطموحات، فتاريخ التعليم في هذه المنطقة وأوضاعها في الماضي والحاضر متشابهة إلى حد مذهل.

المقصود ببلاد (غرب إفريقيا) جغرافياً البلاد الممتدة من بحيرة تشاد في الشرق إلى ساحل المحيط الأطلسي في الغرب، وتُعرف هذه المنطقة فيما أسماه كتّاب أوروبا في العصور الوسطى باسم «نجريتا» أو «نجريشيا»Nigritia   نسبة إلى نهر النيجر، وأول من أشار إليه المؤرخ الروماني بليني Plinus (ت 115م)، فهو الذي أطلق على نهر النيجر اسمه الذي اشتهر به Nigris، ومعناه: «نيل الأجناس السوداء»، ثم استعار كتّاب العصور الوسطى بغرب أوروبا هذا المصطلح، ونسبوا جميع المنطقة المحيطة بها إليه، كما أسموا سكانها بالنجريتي Nigritae .

والاتصال بين بلاد غرب إفريقيا (بلاد السودان) والعالم الخارجي ظاهرة قديمة ومستمرة منذ أزمان سحيقة، وقد دلت الآثار المكتشفة حديثاً على أن غرب إفريقيا كان مركز نشاط ومدنية منذ أقدم العصور، ونشطت حركة المواصلات والتبادل التجاري بواسطة طرق القوافل التي ملأت الصحراء الكبرى على مر القرون، وازداد ذلك النشاط بدخول الجمل إفريقيا في القرن الرابع الميلادي تقريباً، وكثرت الهجرات العربية إليها قبل الإسلام وازدادت بعد ظهوره، واشتهرت عدة طرق للقوافل كانت تبدأ بمراكش وتلمسان وتونس ومصر متجهة إلى الجنوب، فتجتاز الصحراء الكبرى وتصل إلى المراكز الرئيسية في غرب إفريقيا، مثل: غانا وتمبكتو وكانو وزاريا وكاتسينا، وكذلك مراكز حوض تشاد مثل كانم والبرنو(1).

واجتاز العرب في العصور الوسطى الصحراء الكبرى وتوغلوا في إفريقيا التماساً للرزق، وتذكر الروايات أن المسلمين من المغرب ومصر كانوا في القرن السابع الميلادي (الأول الهجري) يغشَـون الأسواق الرئيسة في غرب إفريقيا، وازدهرت هذه العلاقة بانتشار الإسلام في هذه المنطقة، وهذه العلاقة الدينية والتجارية وضعت الأساس للغة العربية في إفريقيا، لأن التجار العرب كانوا يستخدمون كلمات وتعابير عربية مع معاملاتهم وتخاطبهم في تلك المناطق، فانتشرت تلك الكلمات والتعابير تدريجياً حتى توغلت في ربوع إفريقيا، واندمج بعضها في اللغات المحلية وخصوصاً بعد انتشار الإسلام.

ولذا نستطيع أن نقول إنه قبل دخول الاستعمار الغربي كانت المنطقة منطقة إسلامية ممتدة الأطراف، قامت فيها ممالك إسلامية اتخذت من الشريعة الإسلامية منهجاً للحكم، فقامت دولة غانا الإسلامية، ودولة كانم والبرنو الإسلامية، وإمبراطورية الصنغي الإسلامية، ودولة التكرور الإسلامية في السنغال.

وارتبطت هذه الحضارة منذ  تلك الفترة باللغة العربية والتعليم الإسلامي على أساس أن التعليم من أنفع وسائل الدعوة إلى الله، وهو الوسيلة الوحيدة لتعريف الناس بما عليهم من حقوق الله تعالى وحقوق عباده، وما لهم من حقوق على الآخرين.

ولا نعني بالتحصيل العلمي غير تعليم الناس كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم على فهم سلفنا الصالح، وما تحتاج إليه الأمة من علوم ومعارف تعين على تسيير حركة الحياة البشرية نحو التقدم والازدهار؛ ذلك لأن نشر العلم – ولا سيما العلم الشرعي- بين الشعوب والأمم هو سبيل سعادتها وفلاحها، ومحور تقدمها وتطورها، وعلة بقائها وسيادتها وقيادتها، فأوفر بلاد الله سعادة أحظاها بهذا التعليم .

وأما بعد دخول الاستعمار الغربي فقد تغيرت الأحوال، فبعد أن ذاق المستعمرون مرارة الهزائم المتتالية في معاركه مع المجاهدين في أكثر من منطقة؛ فطن إلى أن الثقافة الإسلامية التي يدرسها هؤلاء المسلمون تمثل القوة الحقيقية والطاقة الفاعلة التي تقوي عزائمهم في الصمود أمام عدوهم مهما كانت قوة هذا العدو، وهذا الإدراك المبني على دراسات استراتيجية أدى إلى البحث عن سبل لمقاومة هذه الطاقة الإيمانية، فاكتشفوا أن أفضل السبل هي تجهيلهم، فبدؤوا بسنّ القوانين التي تحظر إدخال الكتب العلمية وبخاصة تلك التي تُعنى بالعقيدة والحديث والمنهج السنّي، ووضعوا مراكز حدودية لمراقبة الكتب، فلم يسمحوا لغير كتب اللغة والأدب والتصوف وفروع الفقه المختصرة بالدخول، وهذا ما يفسر ظهور عدد كبير من فحول اللغة والأدب في المنطقة، كان شعرهم في غاية الجودة والروعة، بينما لا تكاد تجد منهم من له عناية بالحديث النبوي رواية ودراية، فضلاً عن معرفة عقيدة السلف ومنهجهم في العبادة والسلوك، وذلك لعدم توفر الوسائل والآليات المساعدة على  ذلك.

وفي العصر الحديث بعد جلاء الاستعمار اتجهت شعوب المنطقة إلى بعث الحركة التعليمية من جديد.

وفيما يلي نشير إلى الأنماط والأساليب التي سلكوها للتّعلم والتعليم:

أولاً: أنماط التعليم الشائعة في منطقة غرب إفريقيا:

إن التعليم الإسلامي في مراحله الأولى في المنطقة - بطبيعة الحال- لم يكن منظماً تنظيماً دقيقاً، ولا موزعاً توزيعاً إداريّاً واضحاً على مناطق القطر الواحد، بل كان الطالب يختلف إلى العلماء في منطقته ويحصِّل ما لديهم من الفنون، ثم يرحل إلى منطقة أخرى أو إلى الخارج، حتى إذا تبحر في بعض العلوم بما تيسر له عاد إلى بلاده وإلى مسقط رأسه في الغالب لينشئ حلقة علمية يفد إليها طلبة العلم، وهذه الحلقات العلمية الصغيرة المنتشرة هنا وهناك هي التي تطورت إلى مدارس نظامية ذات صبغة عصرية.

وعلى هذا يمكن تقسيم أساليب التعليم في المنطقة حالياً إلى نمطين:

الأول: الحلقات العلمية:

وهذه الحلقات على نوعين:

أ - نوع محافظ يتخذ من الأسلوب القديم طريقة ومنهجاً:  فيجلس الشيخ إلى طلابه ما شاء الله أن يجلس، ويأتي كل طالب بكتابه الخاص به فيعلمه الشيخ درسه، ثم يقوم فيجلس غيره، إلى أن ينتهي العدد، وقد يكثر العدد لدرجة أن الطالب لا يتلقى درساً إلا بعد عدة أيام حين يصل إليه دوره في السلسلة المنظمة، كما عليه حلقة الشيخ محمد سالم ولد عدود في موريتانيا، وبشكل عام هذا الأسلوب لا يزال موجوداً بكثرة في السنغال وموريتانيا ومالي وغيرها من دول المنطقة، وكلما انتهى الطالب من كتاب انتقل إلى كتاب آخر غالباً ما يختاره بنفسه.

ب - نوع منظم تنظيماً حديثاً نسبياً:  فيكون للشيخ جدول للكتب التي يدرِّسها في حلقته بحسب الأيام الدراسية التي يحددها، ووفق ما يسمح به وقته، فيدرِّس في المجلس الواحد فناً واحداً وكتاباً واحداً يتابعه الطلاب من كتبهم.

وهذا الأسلوب الأخير كما يظهر هو الأكثر اقتصاداً للوقت والأنسب للشرح المفصل في مسائل الفن، وهي طريقتنا المتبعة في حلقة العلوم الشرعية بدار الاستقامة للتربية الإسلامية، إلا أنه قد يُحرم منها بعض الطلبة الذين يكون مستواهم فوق مستوى الكتب المقررة في الحلقة أو دونه.

الثاني: المدارس النظامية ذات المراحل الدراسية:

وهذه المراحل هي الابتدائية والإعدادية والثانوية، وهذه المدارس من الكثرة بحيث تكاد تقضي على الحلقات العلمية في كثير من أقطار المنطقة، وإن كان ينقصها في الغالب وجود تعليم عال يواصل الطالب من خلاله دراسته.

هذا ولكل من النمطين إيجابياته وسلبياته:

فمن إيجابيات الحلقات:

-  قداسة المكان؛ لأنها غالباً ما تُعقـد في المسجد أو المصلى.

-  خلوص النيات غالباً؛ لعدم توفر مغريات المدارس العصرية من شهادات ونحوها.

- أن الحلقة تستقبل جميع شرائح المجتمع من الرجال والنساء والشبان والشيوخ والعمال والموظفين وغيرهم.

ومن إيجابيات التعليم في المدارس النظامية:

-  إمكان متابعة الطلاب والتأكد من مستوياتهم بالامتحانات.

-  تربية الطلاب على تنظيم الوقت؛ حيث إن كل شيء يُفعل في وقته المحدد سلفاً.

-  الحصول على الشهادة، والتمكن من متابعة الدراسة في مراحل عليا.

ثانياً: طبيعة المناهج الدراسية وغيرها من أركان التعليم:

المناهج الدراسية في مدارس المنطقة تعاني صعوبات جمة أثرت سلباً في مستويات الطلاب الدارسين في هذه المدارس.

وفيما يلي أذكر بعض الجوانب السلبية في المناهج الدراسية الحالية رغبة في التقويم والإصلاح والترقية:

1 - مناهج مبعثرة: فتجد أحياناً في المدرسة الواحدة، بل في الفصل الواحد منهجاً من وزارة المعارف السعودية، ومنهجاً آخر من مناهج المعاهد العلمية، وثالثاً من الأزهر، ورابعاً من الكويت، أو المغرب والجزائر.. وهكذا، فتكون النتيجة خليطاً غير متجانس من المقررات المبعثرة التي قد لا يربطـها رابط.

وبعض المدارس قـد تعتمـد بعض الكتب التي لا تخلو من انحرافات عقدية بدعية؛ لأنها هي المتوفرة لديهم!! في حين تعاني معظم المدارس الإسلامية ندرة في الكتب المقررة، فهي لا توجد إلا في يد المدرس وعدد قليل من الطلاب.

2 - عدم العناية بالعلوم العصرية: ولو انتقلنا إلى العلوم التجريبية والتكنولوجية لوجدنا أن كثيراً من المدارس الإسلامية لا تهتم بتدريس مواد العلوم والرياضيات، وإن وجدت فهي تُدرس بشكل بدائي لا يكاد يؤثر تأثيراً بيِّناً في المستوى العلمي للطلاب؛ ولهذا فالغالب أن المدارس الإسلامية غير معترف بها حكومياً، بمعنى أن المتخرج من المدارس الإعدادية الإسلامية لا يستطيع أن يلتحق بالمدارس الحكومية الثانوية، وعلى ذلك  قس بقية المراحل.

بل إن المتخرج من المدارس الإسلامية لا يُـقبل للعمل في القطاعات الحكومية المختلفة؛ لأنه لم يدرس اللغة الرسـمية للبلـد، ولم يتعلم الثقافـة العصرية في نظـر النظام الحاكم، فأصبح الأطباء والمهندسون والإعلاميون والاقتصاديون يخرجون ممن تربى في المدارس العلمانية أو التنصيرية.

وهـذا الأمر أوجد هـوَّة واسـعة بيـن تلك المدارس وبين القطاعات الرسمية، وهو ما جعل المسلمين بعيدين تماماً عن قيادة المجتمع من الناحيتين الفكرية والإدارية.

3 - مدرسون غير مؤهلين: تعاني كثير من المدارس الإسلامية في إفريقيا قلة المدرسين الأكفاء المؤهلين تربوياً وعلمياً.. ولا بد أن يظهر أثـر هذا الـضعف في  مسـتوى الطلاب.

وقد أدى ضعف المستوى العلمي والتأهيل التربوي لدى بعض المدرسين إلى تركيزهم على عملية التلقين، وذلك بتحفيظ الطلاب المواد العلمية تحفيظاً مجرداً، وعدم الاهتمام بالمحتوى العلمي الشرعي أو التجريبي. وإذا قرنت بين مشكلة المناهج الدراسية وعجز المدرسين عن توصيل تلك المناهج على ما فيها من العيوب؛ فلك أن تتصور مدى الضعف العلمي والتردي الفكري الذي يصيب الطلاب على وجه العموم، ويتبـع ذلك القصـور الإداري والتنظيمي في كثير من تلك المدارس، فكثير منها يفتقـد التخطيط والتنظيم.

4 - ضعف الإمكانات المادية: لقد أدى الفقر إلى كثير من المشكلات التي تحتاج إلى حل جذري، فبعض المدارس غير مبنية أصلاً، وإن بُني يكون بشكل غير لائق؛ ومن ذلك مثلاً يدرس الطلاب في بعض المدارس تحت سقف لا يقي من الحر أو القر، وقد يضطر المدرس إلى جمع الشبان والشابات في غرفة ضيقة، وهذا فيه من المخاطر ما لا يخفى، وقد لا يجد أولياء الطلاب من السيولة المالية ما يسمح لهم بدفع الرسوم الشهرية، وهو ما يضطر المدير إلى التقليل من عدد المدرسين، أو يختار أصحاب المستويات المتدنية لئلا تكون رواتبهم مرتفعة.

ولا ريب أن هذه السلبيات والعيوب كفيلة بتخريج طلاب في غاية الضعف؛ ولذا نجد أن الدارسين في الحلقات غالباً ما يكونون أجود فهماً وأقوى تحصيلاً من طلاب المدارس النظامية، وبخاصة في المواد اللغوية والأدبية.

ثالثاً: حال الدارسين في الخارج:

أغلب طلاب المنطقة لا تتاح لهم فرصة لمواصلة دراساتهم الجامعية لعدم توفر القدر الكافي من الكليات في المنطقة، فالكليات الموجودة في منطقتنا لا تغطي سوى 1% تقريباً من الحاجة المحلية؛ وذلك لقلة تلك الكليات وضآلة قدراتها الاستيعابية.

أما المنح الخارجية التي ترد إلى المنطقة من الدول العربية فلا تبعد عن النسبة المئوية سالفة الذكر، ونتج عن ذلك كله أزمة تعليمية حادة؛ حيث إن عدداً كبيراً من أبناء المنطقة من حملة الشهادة الثانوية ومن في مستواهم لا يجدون مؤسسة تعليمية فوق الثانوية تستوعبهم؛ وعليه فإنهم يضطرون للبحث عن مدرسة يدرسون فيها قبل التأهل للتعليم، أو يلجؤون إلى عمل خارج محيط العلم وطلابه سعياً وراء لقمة العيش، وفي كلا الحالين تخسر المنطقة عدداً كبيراً من هذه الأجيال المتعاقبة.

وأما من تتاح لهم الفرص لمتابعة دراساتهم في الخارج فإن مستوياتهم العلمية مختلفة نظراً لتباين التحصيل العلمي من حيث الكم والنوع، ونظراً لأن مناهجهم الفكرية متنوعة بسبب تنوع المناهل والمشارب التي نهلوا منها، فبعض المتخرجين من حملة الشهادات الجامعية ليس لديه رصيد من العلم الشرعي على الإطلاق، وقد يضيف إلى ذلك استهانة بالدين إلى حد الإلحاد؛ لأن المؤسسة التعليمية التي درس فيها لا تولي الجانب التربوي أية عناية فضلاً عن أن تُعنى بالدين الإسلامي أو بوسائل تعميق التدين، وبعض من حصّـل نصيباً من العلم الشرعي قد يسير على مناهج تخالف ما كان عليه سلف الأمة؛ لأنه درس في بيئة غير سُـنيّة.

 ومن المخاطر الحقيقية أن بعض من رفضتهم بعض الجامعات الإسلامية السنّية لسبب أو لآخر خرجوا من دولة السنّة فوجدوا في دولة الشيعة ترحيباً حاراً واحتواءً كاملاً، فعادوا إلى منطقتنا التي كانت إلى وقت قريب خالية من أي أثر للرافضة، عادوا إليها ينشرون مذهب الروافض تحت رعاية كاملة وعناية فائقة من مواليه الذين تلقى عنهم  الرفض.

وهناك قضية أخرى جديرة بالاهتمام واتخاذ ما يلزم تجاهها من الحيطة والحذر بالنسبة لإخواننا الذين درسوا في البلاد العربية ثم عادوا للدعوة والتعليم، ألا وهي قضية نسيان العلم، وهي في الحقيقة معضلة تحتاج إلى الدراسة والبحث عن سبل لحلها حلاً جذرياً.

والذي يبدو لي بعد البحث والنظر في هذه المشكلة أن أسبابها تكاد تنحصر فيما يأتي:

1 - الابتعاد عن الخطاب باللغة العربية: وذلك أن من يقومون بالتدريس في المساجد والحلقات غالباً ما يلجؤون إلى التدريس باللغات المحلية وحدها؛ لأن من يخاطبهم من العوام لا يجيدون اللسان العربي، ومع طول الزمن يجد بعضهم نفسه عاجزاً عن التعبير باللغة العربية الصحيحة.

2 - الابتعاد عن الخطاب بالأسلوب العلمي: وذلك لأن مستويات الدارسين الذين يتلقون منه لا ترقى في الغالب إلى هذا النوع من الخطاب فيخاطبهم بمستواهم؛ مما يؤثر مع الزمن في أسلوب الداعية وتحصيله العلمي، لتعوده مخاطبة العوام دون غيرهم، فينسى أساليب العلماء المحققين، وقد يترتب على ذلك عزوفه عن قراءة كتبهم لصعوبتها بعد فساد ملكته العلمية، فتكون الكارثة!

3 - عدم الحرص على تنظيم الوقت والاستفادة من كل لحظة تمر قدر الإمكان: وذلك لأن الداعية إذا أقبل الناس عليه ضاقت أوقاته، فإذا لم يكن لديه مهارة تنظيم الوقت ذهب وقته كله في مصالح الناس، ولم يجد وقتاً للاستزادة من العلم، فهو في حاجة إلى وقت للمطالعة والقراءة والعبادة، ووقت لأهله ومصالحه الدنيوية، ووقت لعامة الناس المحتاجين إليه، وإذا لم ينظم وقته فسوف يطغى جانب على بقية الجوانب, وقد يضيع كل شيء ولا يعطى أي جانب حقه.

4 - العزلة العلمية: وذلك أن يشعر بأنه مستغن عن الاستزادة من العلم لكونه نظر في حال من يدرسون عليه ومن يراجعونه في مسائل العلم؛ فوجد أنهم دونه في التحصيل أو العلم فيلبّس عليه إبليس فيظن أنه إمام مجتهد اجتهاداً مطلقاً!

وقد يرد إليه من مسائل العلم ما لا علم له به فيجتهد وليس هو أهل لذلك، ولا يرجع إلى أهل العلم للسؤال، ولا يراجع ما كتبوا في المسألة؛ لأنه تصور نفسه عالماً أو من طبقة العلماء، ولأنه من جهله يحسب أن الاعتذار عن إجابة سؤال وإعطاء موعد للبحث فيه يُعد ضرباً من الضعف أمام من ينظرون إليه بوصفه سلطان العلماء أو شيخ الإسلام الذي بلغ من العلم مبلغ الكاملين!

5 - البقاء في البلاد التي درسوا فيها عاطلين عن العمل العلمي أو الدعوي: وهذا التصرف - بالإضافة إلى كونه ذريعة إلى نسيان العلم - مخالف لمقاصد التعليم الشرعي، قال تعالى: ?وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ? [التوبة : 122].

ومع أن هذه الجوانب السلبية مما يهدد مستقبل الدعوة الإسلامية وعلماءها ووحدة الأمة المثقـفة في هذه المنطقة، وعلى الرغم من أنها في حاجة إلى الدراسة والمعالجة؛ فإن الآمال معقودة في الجيل السنّي من شباب الدعوة الإسلامية، ومن المشايخ العائدين بنصيب مبارك من التحصيل العلمي وهم يحملون لواء الدعوة والتعليم في منطقتنا العزيزة، وفقنا الله وإياهم وبارك في جهودنا وجهودهم.

رابعاً: المأمول من الطلاب والخريجين (المقترحات):

إن طلبة العلم والمشايخ الخريجين من أهل السنّة والجماعة هم معقـد الآمال في منطقتنا كما ذكرت، ويُنتظر منهم الكثير، وفي هذا المبحث الأخير أشير إلى بعض ما هو مأمول منهم على سبيل المقترحات.

- أن تكوَّن لجان قُطرية تقوم بإعداد مناهـج جديـدة للعلوم الشرعية وتعليم اللغة العربية تتناسب مع خصائص منطقتنا الفكرية والاجتماعية، لتعالج القضايا الإسلامية والحياتية التي تهم أهل المنطقة، وتحتاج هذه المناهـج إلى دراسـات واعية ومتعددة تخضع لتجارب ميدانية متزنة، وبذلك نضمن نشر اللغة العربية وتعميـق الوعي الشرعي بين الطلاب، بالإضافة إلى تحصينهم من شبهات النصارى وأهل الأهواء.

ويمكن الاستعانة بالعلماء في العالم الإسلامي إذا لوحظ أي عجز عن استكمال جانب من الجوانب الضرورية علمية شرعية كانت أم تربوية تطبيقية.

- ضرورة العناية بتدريب المعلمين تربوياً على طرق التدريس الحديثة، واستخدام الوسائل الأكثر تطوراً، ويمكن تخصيص الإجازات الصيفية لإقامة دورات تربوية خاصة بالمعلمين، وتكون المشاركة فيها إلزامية، ويتبع ذلك إعداد دورات مستمرة للإداريين لنضمن حسن الإدارة والتنسيق والتنظيم.

- على الشيخ المعلم والداعية أن يحرص على إيجاد حلقة على الأقل يكون التدريس فيها باللغة العربية، ويعتني بالتحضير لها، ويرجع إلى كتب المحققين للإفادة منها، وذلك خير سبيل للمحافظة على ثروته اللغوية وإزالة عزلته العلمية، كما يُعد من أفضل الأساليب لتربية الطلاب على التفقه في الدين، وتقوية تحصيلهم العلمي واللغوي.

- إيجاد مراكز للحاسب الآلي لتدريب الطلاب والمعلمين والأئمة والخطباء، وإرشادهم إلى سبل الاستفادة من الإنترنت Internet  فيما يخدم الدعوة والتعليم.

- وبناءً على ما تقدم من سلبيات العزلة العلمية والجرأة على الفتوى أقترح أن يُشكل في كل قُطر مجلس للبحث العلمي والإفتاء، وعلى هذا المجلس أن يوجد علاقة حسنة ورابطة تعاون وثيقة مع بقية المجالس القُطرية، وذلك بهدف التعاون في تقديم البحوث والدراسات والفتاوى وتبادل الخبرات والتجارب الميدانية.

- ضرورة العناية بإنشاء كليات ومعاهد للتعليم العالي بغية الوصول إلى إنشاء جامعات قادرة على سد حاجة المنطقة في هذا المجال، ويُنتظر من المؤسسات التعليمية والخيرية والحكومات في الدول الإسلامية أن تتعاون مع شعوب المنطقة في ذلك؛ للحد من حيرة الجماهير الغفيرة من خريجي المرحلة الثانوية الذين لا يدرون إلى أين يتجهون لإكمال دراستهم.

هذا؛ والله تعالى أسأل أن يوفق الجميع لما فيه الخير والسداد للإسلام والمسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

(*)   عميد الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية في السنغال.

(1)   انظر في هذا: الدولة الصنهاجية من القرن 10 إلى القرن 12م. الهادي روجي إدريس، دار الغرب الإسلامي، نقله إلى العربية: حمادي الساحلي.