الانقسامات المجتمعية والصراع على السلطة في إفريقيا: دراسة في التعقيدات الإثنية وإشكالية بناء الدولة في نيجيريا

  • 8 -7 - 2017
  • داسي سفيان

الأستاذ داسي سفيان 

تعدّ إفريقيا قارة التعدد والتنوع، نظراً لاختلاف نظرة الدولة الإفريقية الحديثة لهذا التعدد، من حيث قبولها للوضع وإضفاء الشرعية عليه، أو رفضه، ومحاولتها تجاوز هذا الواقع وبسط رؤيتها المركزية، ما جعل ظاهرة «الانقسامات المجتمعية» مَيْزة في القارة الإفريقية خلقت العديد من الأزمات.

وباستثناءاتٍ محدودة؛ فإنّ هذه الانقسامات والتنوعات قد انعكست على الوجود السياسي للدولة الإفريقية في مرحلة ما بعد الاستقلال، فأدت في بعض الحالات إلى حروب أهلية طاحنة، كما في أزمة بيافرا بنيجيريا منذ عام 1967م، والحرب الأهلية في جنوب السودان التي أدت إلى الانقسام، أو إلى أعمال التمرّد والعصيان كالتي شهدتها رواندا وبوروندي وأنجولا وموزمبيق، فضلاً عن ذلك تؤدي العوامل الجغرافية والاقتصادية والتاريخية والبيئية والأمنية هي الأخرى دَوْراً باتجاه تقوية الدافع نحو تأجيج الصراع.

وقد مثّلت المرحلة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، وبروز الأيديولوجيا الأمريكية منفردة، نقطة تحول نحو بروز الأقليات والجماعات العرقية على المسرح الدولي، بوصفها قوى جديدة داخل معظم دول العالم، مطالبة بحقوقها، وإن كانت إفريقيا قد عرفت قبل غيرها بوقتٍ طويل صراعات بين مختلف الأقليات والعِرقيات.

وهذه الانقسامات المجتمعية في إفريقيا خاضعة للأسس الإثنية بدرجةٍ كبيرة، حيث تؤثر التركيبة المجتمعية والعلاقة بين الجماعات والفئات داخل الدولة في مسار التفاعلات السياسية، وهو ما يعكس التمايز والانقسام المجتمعي بين هذه التركيبات في شكل صراع[1] سياسي على السلطة، وخدمة جماعة على حساب الأخرى، ما يخلق نوعاً من التصادم بين التيارات في إفريقيا.

وعليه؛ تأتي أهمية الدراسة من كونها تعالج أحد المتغيرات المرتبطة بالصراع، وهو التعقيدات الإثنية التي تؤثر على التماسك المجتمعي، في محاولةٍ لفهم طبيعتها، وولاءاتها، وعلاقاتها بالقوى الداخلية والخارجية.

وتنطلق الدراسة من فرضية: أنّ الانقسامات الإثنية المجتمعية تشكّل أحد المداخل الرئيسة في عرقلة بناء الدولة الوطنية في إفريقيا، وأنّ الديمقراطية التوافقية تمثّل آلية لإدارة التنوع والتعدد في إفريقيا.

المحور الأول: واقع الانقسامات المجتمعية والصراع على السلطة في إفريقيا:

إنّ السمة الرئيسية للمجتمعات الإفريقية هي التعددية والاختلاف، والتي تعبّر عن الهويات الثقافية والاعتقادات الدينية والتجمعات الإثنية والأنظمة السياسية وغيرها، ولم يعد مجدياً تشخيص التعددية، وإنما البحث عن كيفية تجسيدها عمليّاً بوصفها حقيقة واقعية، فالتعددية ظاهرة لا تمثّل مشكلةً في حدّ ذاتها، ولكن تظهر المشكلة حينما تؤدي إلى آثار سلبية تهدّد أمن المجتمع واستقراره.

لا بد من الأخذ بالديمقراطية التوافقية؛ لأنها آلية تساعد على إدارة التعدد والتنوع، ومن شأنها تأسيس مشروع وطني لبناء الدولة

ويعرّف البعض المجتمع التعدّدي بأنه: نقيض المجتمع الوطني المنصهر، فهو مجتمع متكوّن من عدة طوائف في إطارٍ سياسيٍّ واحد[2].

كما أنّ المجتمع التعددي: هو المجتمع المجزأ بفعل الانقسامات الدينية أو الأيديولوجية أو اللغوية أو الجهوية أو الثقافية أو العرقية.

فالاختلاف والتعددية الإثنية ظاهرة طبيعية لا يكاد يخلو منها مجتمع، وهو سمة غالبية الشعوب والمجتمعات الحديثة التي استطاعت أن تتجاوز هذا الفارق من منظور المصلحة العامّة والنهوض بمجتمعاتها نحو التقدّم والرقي.

إلا أنّ الرؤية الإفريقية للتعدد الإثني، وإشراك فئاته مجتمعيّاً وسياسيّاً، تختلف عن بقية الشعوب، فالدولة الوطنية الناشئة في إفريقيا لم تجد الطريقة الصحيحة لوضع قنوات اتصال مع هذه البنية الاجتماعية وأوضاعها الصاخبة، فخرجت عن السيطرة نتيجة فشل الأنظمة في التعامل مع الظاهرة الإثنية، وعدم قدرتها على ترويضها والتحكم في مساراتها داخل أنظمتها السياسية.

وما زاد من اتساع الشرخ هو تبنّي تلك الدول لسياسات لم تنجح في تحقيق الاندماج الوطني الواحد، وارتكزت على قيام النُّظم الحاكمة، التي تنتمي في أغلبها إلى جماعات قومية إثنية، باستبعاد الفئات الإثنية الأخرى بمنطق التعصّب المركزي، وتوجيه البرامج التنموية الحكومية نحو خدمة جماعات مقصودة دون غيرها؛ مما ساعد على خلق تناقضات داخل الدولة الواحدة بين الانتماء الوطني والانتماءات الفرعية، ترتّب عليها بروز ولاءات ضيقة ومحدودة لا تعترف بالولاء للجماعة الوطنية الشاملة، وهو ما يعتبر تهديداً للاستمرارية، الأمر الذي أدى تفجير جبهات الاقتتال وصراعات أهلية في معظم الدول الإفريقية؛ كنتيجة حتمية لمنطق التباعد بدل التقارب.

وما يزيد الأمر تبايناً وسوءاً هو سيطرة الأقلية في بعض الدول على السلطة السياسية، وقيامها باستبعاد الأغلبية من الفئات المجتمعية وحرمانها وتجريدها من مختلف حقوقها، الأمر الذي يدفع الفواصل الاجتماعية إلى التكاتف والحشد للتعبير عن عدم الرضا عن الأوضاع المتردية؛ كونها تعيش في الهامش.

عوامل تأجيج الصراع على السلطة في إفريقيا:

المتغيرات المؤدية لتأجيج الصراع على السلطة، والمؤدية إلى الانقسام المجتمعي في إفريقيا، تتمثل في:

1) مساوئ النُّظم وتسلطها: جلّ دول المنطقة الإفريقية كانت تعيش تحت الاستعمار وما خلّفه من تقسيمات مجتمعية، ما أدى بالدولة ما بعد الاستعمار إلى ممارسة سلطتها وبسط سلطانها من منظورٍ تسلّطي، على غرار حكم «سياد بري» للصومال عن طريق الانقلاب سنة 1969م، وحكم «منغستو هيلا مريام» لإثيوبيا عن طريق الانقلاب هو الآخر منذ 1974م، في حين بقيت ممارسة السلطة التسلطية على حالها في كينيا من قِبل «آرب موي» منذ سنة 1978م، وغيرها من الأنظمة الإفريقية التي لا تقبل التعددية، ما زاد من حدّة الانقسام والصراعات الأهلية لعقودٍ من الزمن.

2) تردي مستوى الفعالية المؤسسية: المؤسّسات السياسية على مستوى النُّظم السياسية الإفريقية تُعرف بأنها مؤسّسات ذات قالب فارغ، لا تستطيع إحداث فارق ولا تطبيق برامج من شأنها أن تخدم فئات واسعة من المجتمع، بل تعاني هي الأخرى التهميش في ظلّ احتكام السلطة من طرف شخصٍ واحد (الرئيس).

3) أزمة الشرعية: تمثّل مسألة الشرعية هي الأخرى أحد المتغيرات التي تزيد من تأزم الوضع داخل الأنظمة والمجتمعات الإفريقية، فالأنظمة الإفريقية لم تسع، بعد استقرارها في العقود الثلاثة المنصرمة، إلى تعزيز شرعيتها بآليات ديمقراطية تكفل الرقي بمستويات التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إنما تكتفي بتعزيز سلطتها بسيطرتها على مفاصل القوة، وهو ما يمهد لزعزعة تلك الشرعية وفق التحديات الراهنة.

ولا يعدّ الحراك الاحتجاجي السياسي للقوى الشعبية؛ هو المؤشر الوحيد الدقيق لقياس حدّة أزمة الشرعية، بالرغم من أنّه شهد حالات عنفٍ في العقود الأخيرة على درجةٍ من الدلالة الفائقة.

ومن بين المؤشرات الدالة على أزمة الشرعية ظواهر الصدام الأهلي والقبلي مع السلطة على نحو ما حصل في الحروب الأهلية، مثل السودان والصومال، والنزاعات المسلحة التي لا تنتهي بين النظام والجماعات المسلحة في شمال إفريقيا، مثلما هو حاصل في ليبيا، والفتنة الطائفية والمذهبية المتمادية اشتعالاً في نيجيريا.

إنّ هذه الظواهر جميعاً تجليات لأزمة عميقة في نظام الشرعية، وهي ظواهر لا تقبل النظر إليها بوصفها خارجة عن القانون، ومدبرة من الدوائر الخارجية، على نحو ما يطيب للخطاب الرسمي للنظام الإفريقي أن يصفها، وإنما هي ناطقة بالكثير مما يزدحم به «المجال السياسي» الإفريقي من ظواهر التهميش الكلّي لمجموعات من السكان؛ كونهم ينتمون إلى عرق أو دين أو لغة ليست من النّخبة الحاكمة.

4) مسألة التهميش ومشكلة توزيع الثروات الوطنية: تنتج عن تمكين أقلية اجتماعية متميزة بين الفئات المجتمعية الأخرى، تقوم بجمع الثروة على حساب الأغلبية العظمى من السكان، وتتغذى على فقرهم، وتدمير البيئة الطبيعية، والعنصرية، والشقاق العِرقي.

5) أزمة الاندماج والتداخل: إنّ ضعف الأنظمة الإفريقية في إيجاد قنوات اتصال جادة وفعّالة لجمع كلّ الفئات المجتمعية؛ أدى على عدم اندماج بعضها وطنيّاً، وبقائها في الهامش، نظراً للإحساس بالإقصاء، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إعاقة النظام وعدم قدرته على السيطرة التامة على كلّ الأقاليم، وهو ما قد يؤدي إلى التفكك المجتمعي، وتهديد الاستقرار، وهو الراجح في سياسات تعامل الأنظمة الإفريقية التي تطبق الاضطهاد والعنف؛ بدل الحوار وجذب الأطراف لصناعة الوحدة.

6) إشكالية الاستقرار السياسي: أمام كلّ هذه العوامل تبقى مسألة عدم الاستقرار الظاهرة التي تعيق تحقيق الانسجام المجتمعي؛ بوصفها سبباً في إعاقة تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، وهي الحالة التي أريدَ أن تعيش في ويلاتها الأنظمة والشعوب الإفريقية على حدٍّ سواء، وهو الطابع الراديكالي للنُّظم الإفريقية ومحاولتها إيهام الشعوب بحالة الأزمة الدائمة.

وعلى هذا الأساس؛ سوف نطرح، من خلال المحور الثاني للدراسة، حالة تتسم بالانقسام المجتمعي والصراع المستمر على السلطة، وهي نيجيريا.

المحور الثاني: التعقيدات الإثنية وإشكالية بناء الدولة في نيجيريا:

تُعدّ نيجيريا من بين أهم الدول الإفريقية وأكثرها سكاناً وتميّزاً، من حيث البيئة الاجتماعية والسياسية، في ظلّ تباعد الفئات المختلفة وعدم اندماجها في المجتمع، ما تسبب في نشوب العديد من الصراعات الإثنية والعِرقية، وهو ما شكّل أزمة انقسامٍ مجتمعيٍّ حادة، أثرت بشكل أو بآخر على مسألة بناء الدولة.

أولاً: البنية الإثنية للمجتمع النيجيري:

 القبيلة هي المركب الأساسي للمجتمع النيجيري الذي يتميز بالتعددية، ويوجد فيه ما يربو عن 250 مجموعة إثنية، و 500 لغة محلية[3]، وينتشر معظم السكان في المناطق الساحلية الممتدة بين لاغوس إيبدان والدلتا، ويوجد في نيجيريا ثلاث قبائل رئيسة، تمثل غالبية السكان، وهي[4]:

1- الهاوسا–فولاني (Haussa-Fulani): توجد في شمال نيجيريا أساساً، ويمتد انتشارها من جبل الهواء بجمهورية النيجر إلى منطقة «جوس بلاتو» وسط نيجيريا، ومن بحيرة التشاد شرقاً إلى مدينة «جني» بجمهورية مالي غرباً. وتعدّ قبيلة الهوسا أكبر التجمعات النيجيرية عدداً؛ إذ تبلغ نسبتهم ربع عدد السكان، غالبيتهم من المسلمين الذين بلغت نسبتهم 98%، ويتكلمون اللغة العربية، ويمارس سكان الهوسا النشاط الزراعي، ويستقرون في المدن، ومن أبرزها «كانو» بشمال نيجيريا، المعروفة بانتشار الثقافة العربية والإسلامية، ولدى الهوسا تمازج مع قبائل أخرى على غرار قبيلة الفولاني.

2- اليوروبا (Yourouba): يُطلق لفظ «اليوروبا» على القبيلة والمنطقة التي تسكنها واللغة التي تتحدث بها، وهي ثاني أكبر القبائل النيجيرية عدداً بعد الهوسا، تتمركز بالجنوب الغربي، وتنقسم إلى مجموعات: Kawara، Oyo، Ogun، Osun، Ondo[5]، ولكلٍّ منها قائدها الخاص، وإقليمها الخاص، وتتميز بممارسة النشاط الزراعي والتجاري غالباً، معظم أفراد القبيلة بروتستانت، وهناك أتباع للدين الإسلامي يعدّون بالملايين، وهناك بعض الوثنيين، ويعدّ الرئيس أولوسيجون أوباسانجو من أتباع هذه القبيلة.

3- الإيجبو(Igbo): ثالث القبائل عدداً بعد الهوسا واليوربا، وتسمّى أحياناً «الإيبو» و «الإغبو»، تعيش في الجنوب الشرقي النيجيري تحت وصاية قائد تقليدي تنتخبه الجماعة القبلية، والإيبو مجتمعٌ طبقي؛ لكلّ فرد مكانته الاجتماعية، وتوجد في منطقة الإيبو أكبر الثروات النفطية، ومعظم أفرادها يدينون بالكاثوليكية.

ثانياً: نيجيريا: دراسة في الجغرافيا السكانية والموروث التاريخي:

تقع نيجيريا[6] غرب القارة الإفريقية، شمال خط الاستواء، بين دائرتَي عرض 3° و 14° شمالاً، وخطَي طول 4° و 14° شرقاً، وهو موقعٌ مهمّ يمكّنها من ممارسة دَوْرٍ في الساحة الإفريقية؛ كونها تتربع على مساحةٍ واسعة (932768كم2)، يسكنها ما يقارب (170.123.740) نسمة؛ حسب إحصائيات 2012م.

كغيرها من الدول الإفريقية؛ خضعت نيجيريا للاستعمار الإنجليزي، الذي دخل في منافسةٍ شديدةٍ مع الدول الأوروبية المختلفة من أجل المواد الخام ومناطق النفوذ، لتختتم المنافسة بمؤتمر برلين (1884-1885م)، الذي حدّد مناطق النفوذ لكلّ دولة مستعمِرة، وأدى لرسم حدودٍ انعكست بالإيجاب على مصالح القوى الاستعمارية، وكان لها وقع سلبيّ على المصالح الإفريقية.

فقد أفرز التقسيم المصطنع وضعَيْن؛ شكّلا فيما بعد الأساس للبعد الإثني في الصراعات الداخلية الإفريقية، فمن ناحية: جمعت الخريطة الاستعمارية داخل الدولة الواحدة جماعات لم يسبق لها العيش معاً في إطارٍ واحد، مثلما هو الحال في أنجولا، وفي نيجيريا التي اقتُطع لها أجزاء من الكاميرون؛ مما أدى إلى تقسيمات عرقية بين الدولتَيْن، وهو الأمر الذي زاد من الصراعات والانقسامات المجتمعية.

ومن ناحية أخرى: فصلت الحدود السياسية المصطنعة- عن قصدٍ- التواصل بين جماعات عِرقية واحدة؛ وجدت نفسها فجأة تابعة لكيانات سياسية مختلفة، الأمر الذي أحدث تمزقات عميقة الجذور في أوصال الجماعات السكانية لإفريقيا[7]، بلغت درجة كبيرة من التعقيد والتركيب، حتى ضمن الجماعة الإثنية نفسها، وتتمحور الصراعات أساساً حول: (السيادة والسلطة والثروة).

وبعد هذا؛ عمل الاستعمار على تعميق الشتات الإثني بتقسيم نيجيريا في أواخر القرن 19 الميلادي إلى محميات، كما عمل على قيام الأحزاب على قاعدة إثنية ودينية بحتة، فضلاً عن محاربة الاستعمار البريطاني للثقافة الإسلامية السائدة، ولا سيما في المناطق الشمالية، والذي قضى فيها على آخر سلاطين "سكوتو" الشيخ الطاهر أحمد عام 1904م، ثم بدأ بإحلال الثقافة الغربية محلّ الثقافة الإسلامية.

وقد كانت السياسة البريطانية التعليمية ذات أهداف تنصيرية؛ ما أدى إلى بروز نخبة جديدة في المجتمع النيجيري مشبّعة بالثقافة الغربية، تقبل التعامل معه تحت مسميات حديثة مختلفة، خصوصاً في المناطق الجنوبية بين قبيلتَي الإيبو واليوروبا، لخلق نوعٍ من الولاء بين النيجيريين المسيحيين والاستعمار البريطاني استناداً إلى وحدة الشعور الديني، وجعلت منهم طبقةً متميزة ومقرّبة من السلطات الاستعمارية لزرع التمزق في المجتمع النيجيري[8]، وهو ما انعكس سلباً على الوحدة المجتمعية بعد الاستعمار، بتكريس العداء الديني في نيجيريا، وخصوصاً مع تزايد عدد المسيحيين من 01 %من السكان قبل قرن، إلى 40% حاليّاً، بعدما كان غالبية سكانها مسلمين[9]، يفوق عددهم 50% من السكان، ونظراً لبقائهم في السلطة لعقودٍ من الزمن تأجج صراع بين المسيحيين والمسلمين على تقسيم الثروة والنفوذ.

وبعد الاستقلال، وفي أوائل الستينيات، اشتد التنافس بين المجموعات العرقية المختلفة على السلطة السياسية داخل الأقاليم الثلاثة، التي أُنشئت بها جمعيات تمثّل هيئات استشارية للحكومة المركزية في لاجوس، بموجب دستور 1954م الذي منح لهذه الجمعيات مزيداً من السلطات، وجعل من نيجيريا دولة اتحادية.

وفي عام 1963م؛ انفصل الإقليم الغربي الأوسط عن الإقليم الغربي، كما طالب بعض سكان الإقليمين الشمالي والشرقي بتكوين وحدات سياسية منفصلة. وفي الوقت نفسه تنافست مجموعات مختلفة على السيطرة على الحكومة المركزية. أما سكان الجنوب، وبخاصّة قبائل الإيبو، فلم يكونوا راضين عن القوة السياسية المتزايدة لقبائل الهوسا الشمالية، ويرجع السبب في سيطرة الشماليين على الحكومة المركزية إلى أنّ الشمال يضمّ عدداً من السكان أكبر من الأقاليم الأخرى.

وأمام هذا التصادم قرّر النيجيريون إجراء انتخابات، لكنها اقترنت بتبادل الاتهامات بعدم التزام الأمانة، في الانتخابات الاتحادية عام 1964م، والانتخابات الإقليمية 1965م، الأمر الذي أدى إلى حدوث اضطرابات خطيرة زادت من حالة عدم الاستقرار في البلاد.

ثالثاً: التفاعل بين القوى المجتمعية وبناء الدولة في نيجيريا.. فَهْم طبيعة الانقسام:

أخذت مسألة بناء الدولة الوطنية الناشئة في نيجيريا، ما بعد فترة الاستعمار، العديد من التطورات السياسية والجدل الفكري والسياسي، حيث برز تحدٍ أمام القادة الوطنيين حول كيفية توحيد المجتمع المتعدد الأعراق واللغات والثقافات والأديان، بالإضافة إلى ترسيم حدود استعمارية فرّقت بين الإثنيات والقبائل[10].

وإذا نظرنا إلى مخلّفات الاستعمار، وعملية بناء الدولة في نيجيريا، نجد أنه استناداً إلى دستور عام 1951م منحت صلاحيات أوسع لإقامة الأقاليم، وأصبح غرب نيجيريا وشرقها يتمتعان بالحكم الذاتي عام 1957م، وشمال نيجيريا 1959م، وحصلت نيجيريا على استقلالها من بريطانيا بوصفها اتحاداً فيدراليّاً، وبعدها تمّ منح الإقليم الرابع وسط-غرب نيجيريا الحكم هو الآخر عام 1963م.

كان الهدف من اعتماد «النظام الفيدرالي» في نيجيريا هو التخفيف من حدّة التوترات الإقليمية والدينية، ومحاولة إرضاء المجموعات الإثنية، والمتمثلة في: الإيبو (في الشرق)، واليوروبا (في الغرب)، والهوسا والفولاني (في الشمال).

وبعد تسلّم الجيش للسلطة عام 1966م قُسّمت الأقاليم الأربعة عدة مرات، حتى بلغت ستاً وثلاثين ولاية حسب دستور 1999م، تتكون كلّ ولاية من مناطق ذات حكم محلّي، ولكلّ ولاية عاصمة خاصّة بها بموجب الدستور، ونظراً لهذا التقسيم المجزّء لأقاليم البلاد جاء دستور 1999م لينصّ على أنّ نيجيريا دولة موحدة ذات سيادة لا تتجزأ ولا تنفصم، تُعرف باسم: «جمهورية نيجيريا الاتحادية».

وعانت النُّظم المتعاقبة من أزمة الاندماج الوطني، والعجز عن التعامل مع الواقع التعدّدي للمجتمع (بالإغراء أو الإكراه)، بشكلٍ أدى إلى علو الولاءات دون الوطنية على الولاء الوطني، الأمر الذي أفسح المجال أمام الصراع بين الجماعات المختلفة، أو بين الجماعات والنظام السياسي، ما حال دون خلق ولاء وطني عريض يؤدي إلى التماسك الوطني.

ومن صور العجز في بناء الائتلاف: استغلال القادة السياسيين والعسكريين لهذه التعقيدات المجتمعية، والتباعد المناطقي والإثني، من أجل خدمة مصالحهم الضيقة، وغضّ النظر عن مجموعات سكانية ذات أهمية في المجتمع النيجيري، وهم المسلمون على سبيل المثال، للانفراد وتحقيق منافع سياسية ومادية، فأمام هذا النوع من التسيير والأزمة العميقة ظهر ضعف الدولة، وفشلها في إدارة شؤونها، وتحولت نيجيريا إلى دولة غير آمنة، ما خلق أزمة شرعية للسلطات التي تحكم البلاد في ظلّ عدم الرضا عن السياسات المنتهجة.

أما مساوئ الحكم؛ فحالات التداول على السلطة المتكررة منذ الاستقلال اتسمت بأنها جرت بطريقة غير دستورية، إذ وقعت ستة انقلابات عسكرية، ما أدى إلى اضطراب النظام السياسي تبعاً لهذه التقلبات بين الحكم العسكري والمدني[11].

وحتى النظام نفسه أصبح ينتابه فقدان الأمل في التغيير وإقامة مشروعٍ يراعي الخصوصية النيجيرية، نظراً لارتفاع مستويات الحرمان وعدم المبالاة؛ ما أفرز متغيرات خطيرة على غرار العنف والجريمة وبدرجات عالية، ما أدى بدَوْره إلى عمليات النزوح والهجرات الداخلية والخارجية، وبروز أزمة اللاجئين، الأمر الذي غذّى مسألة عدم الاستقرار السياسي وانتشار الفساد الاقتصادي والإداري.

وعلى الرغم من تميّز نيجيريا دستوريّاً بنظام متعدد الأحزاب السياسية، قادر على أن يضمن روح المنافسة والمعارضة، لكن هذا ما تتوفر عليه الوثائق، وهو عكس الواقع المعاش، فالنظام الحزبي في نيجيريا يحتكم إلى حزبٍ واحد عادة، وهو «الحزب الديمقراطي الشعبي» المهيمن على مقاليد السلطة والحكم على المستوى الفيدرالي، فالأحزاب السياسية التي أُنشئت تعكس في تكوينها طبيعة المجتمع النيجيري وتكوينه من حيث الواقع الإثني والقبلي والإقليمي، إذ نجد كلّ حزب سياسي لا يرقى إلى التمثيل الوطني؛ بل يعبّر عن قاعدة عرقية أو دينية أو قبلية ويمثلها، وفي الأساس أُنشئ من أجلها، الأمر الذي أضعف دَوْرها السياسي على مستوى البلاد، وساهمت هذه الأحزاب في زيادة الشرخ والتفتت المجتمعي.

رابعاً: البعد السوسيو– اقتصادي لعملية بناء الدولة في نيجيريا: مسألة الريع والصراع المستمر في دلتا النيجر:

الدولة الريعية: تلك الدولة التي تستند على طبيعة اقتصادٍ سياسيٍّ يعتمد على عائدات الموارد الاستخراجية والإتاوات التي تدفعها الشركات عبر الوطنية، تشكّلت الدولة الريعية من مزيج من الإرث الاستعماري في بنية الدولة وعائدات الموارد الطبيعية، هذه الإيرادات تسيطر عليها النّخب الحاكمة، وتنفقها لصالحها بدلاً من تحقيق رفاهية المجتمع بشكلٍ عام.

وما نيجيريا إلا مثالٌ واضحٌ للدولة الريعية، فمنذ 1970م إلى يومنا هذا تعتمد بشكلٍ كاملٍ على عائدات النفط الذي أكسبها قوة لتدفق المال إلى الخزينة، وهي ضعيفة باعتبارها ذات تبعية للنفط، تتحكم فيها الشركات المتعددة الجنسيات وتقلب الأسعار الدولية، في حين يضع هذا العائد الكثير من السلطة السياسية في يد النّخبة الضيقة، التي تعمل على إدارة الدولة من منطق: مَن يحصل على ماذا ومتى وكيف، وهنا يصبح الصراع على الثروة مسألة حسّاسة في الاقتصاد السياسي لنيجيريا.

وهذا ما يفسّر تعزيز مركزية السلطة السياسية في نيجيريا، وهمينتها وسيطرتها على العائدات النفطية؛ مقابل فشل الوظيفة التنموية للدولة، ما يثير الحرمان والتهميش لدى فئات واسعة من المجتمع، ولا سيما غير المتجانسة والمنقسمة إثنياً ودينياً وثقافياً.

وهذا ما أحدث اضطرابات دلتا نهر النيجر، وهو صراع من أجل الموارد وضدّ المصالح البترولية بمنطقة «أكاسا» الواقعة في دلتا نهر النيجر، والتي تعدّ أبرز مواقع إنتاج البترول ومصدر ثروة نيجيريا النفطية، وبرغم تمتعها بهذه المصادر الطبيعية المهمّة؛ فإنها تعاني الإهمال الذي كاد يقضي على سكانها، إذ كادت الخدمات الصحية والتعليمية والمرافق العامّة تنعدم في المنطقة التي تدرّ المليارات من الدولارات؛ كونها تنتج 85% من عوائد النفط؛ إذ يقدّر الإنتاج اليومي بمليوني برميل، دون أن تعود بشيء على السكان المحليين لدلتا نهر النيجر (يسكنها ما يقارب 20 مليون نسمة، ينتمون لأكثر من 40 مجموعة عرقية، ويتحدثون 250 لهجة مختلفة).

يُضاف لذلك معاناة سكان المنطقة من تسرّب النفط، الذي أدى إلى إتلاف مصادر المياه والثروة السمكية وتدمير المحاصيل الزراعية بعد التلوث بالنفط، في المقابل أهملت الحكومة هذه المشكلات، مما أثار حالة من السخط وعدم الرضا، سرعان ما تحولت إلى تمرّد، ومن ثمّ احتلال 15 محطة لضخ النفط، فتوقف العمل، وفشلت أجهزة الأمن في كبح التمرد الذي تطور للمطالبة بالحكم الذاتي والسيطرة على موارد المنطقة، وهي أزمة من أطول وأهمّ الأزمات التي وقعت في القارة الإفريقية، وأشدّها عنفاً، يقودها جماعات مسلحة، أبرزها حركة تحرير دلتا النيجر MEND[12].

ويُرجع الباحث أوساغا عوامل بروز المسألة الإثنية في نيجيريا إلى: أعمال الدولة، ومخرجات السياسات، التي تعزز التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وسط المجموعات الإثنية، خصوصاً في مجتمع متعدد على غرار نيجيريا، وهو ما دفع مختلف التشكيلات المجتمعية إلى تأسيس شرعية استخدام العنف والسلاح في الحصول على مكاسب وموارد يهيمن عليها النظام (التوزيع السلطوي للقيم)، في مقابل ذلك نجد هذا الأخير يخشى تطورات المطالب في ظلّ حالة عدم الاستقرار وعدم إمكانية مراقبة أعمال الإثنيات[13]، التي تتنافس هي الأخرى فيما بينها على الموارد الضئيلة، وتسعى لتقاسم السلطة فيما بينها، وذلك راجع بالأساس إلى افتقاد شبكات الأمن الاجتماعي، وبرامج سياسات الرفاه الاجتماعي، ومحدودية الخدمات المقدمة.

لم يعد مجدياً تشخيص التعددية، وإنما البحث عن كيفية تجسيدها عمليّاً باعتبارها حقيقة واقعية

المحور الثالث: الديمقراطية التوافقية كمدخل للتماسك المجتمعي وبناء الدولة في إفريقيا:

تنطوي الأنظمة السياسية الإفريقية تحت مظلة دول العالم الثالث التي انتقلت من الحكم الكولونيالي إلى الحكم المدني، وهي قلة قليلة، أو الحكم العسكري الديكتاتوري، وهذا غالباً الذي لم يأبه للتنوع القومي والديني والثقافي في المجتمعات، ولا سيما الإفريقية منها، وبخاصّة حالة نيجيريا التي تتميز بهذا الانقسام المجتمعي نتيجة التعقيدات الإثنية.

وعلى هذا الأساس؛ تمّ الاستعانة بالديمقراطية والديمقراطية التوافقية لمثل هذه الحالات التي تعرف معضلات اجتماعية وسياسية واقتصادية، زيادة على المكون المجتمعي الذي يعرف هو الآخر تشكيلات غير متوافقة (الهويات، القبائل، الأقليات)، مقابل عدم امتلاك تصوّر لإدارة البلاد غير الموروث الكولونيالي، مع العلم بأنّ هذه المجتمعات لها خصوصياتها التي لم يتنبه لها المستعمر آنذاك، وبقيت على حالها إلى اليوم.

ما يجب التنبيه عيله هنا: أنّ المجتمعات الإفريقية لم تطبّق الديمقراطية ومعاييرها على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ولم تنجح بعد في إيجاد تصوّر ديمقراطي يخدم نظرتها في تسيير المجتمعات، فإذا أخذنا بالديمقراطية التوافقية كمعيار، وأردنا تطبيقه على حالة مثل نيجيريا؛ فمن الممكن جدّاً ألا ينجح في ظلّ مشكل الانتقال إلى الديمقراطية[14]، وهو ما سوف نبيّنه.

أولاً: الانتقال إلى الديمقراطية.. المشكل والمعالجة:

الانتقال إلى الديمقراطية يحدث في بيئةٍ مبنيةٍ على أُسس غير ديمقراطية، وهو ما يمثّل مشكلاً؛ كون العملية يتحكم فيها النّخبة الحاكمة وعليهم أن يتنازلوا عن امتيازاتهم، ويعدّ استثناءً إذ حدث، أو بوسيلة أخرى تتطلب وجود قوة ديمقراطية في المجتمع قادرة على فرضها في الدولة، والحفاظ عليها من عودة الحكم اللاديمقراطي، والذهاب نحو إقامة دولة مؤسّسات تمثيلية حقيقية، مع ما يتطلب ذلك من فصلٍ للسلطات وإطلاق للحريات، وفي هذه الحالة، ومع عملية التدرج نحو الديمقراطية، فلا بد من التنازل عن النفوذ والسلطة والثروة من طبقةٍ بأكملها أو طائفة أو عائلة أو حزب مهمين، وضمان عدم قيامهم بعرقلة عملية التدرج.

فما يجب معالجته من المنظور الواقعي هو انتهاج الممارسة الديمقراطية كما هي في العصر الحاضر؛ بوصفها نظاماً سياسيّاً اجتماعيّاً اقتصاديّاً؛ يقوم على ثلاثة أركان، هي[15]:

- حقوق الإنسان: في الحرية والمساواة، وما يتفرع عنهما (الحريات الشخصية وحرية العقيدة وحرية الرأي وغيرها)، والحق في الشغل وتكافؤ الفرص وغيرها.

- دولة المؤسسات: هي الدولة التي يقوم كيانها على مؤسّسات تعلو على الأفراد؛ مهما كانت مراتبهم وانتماءاتهم العرقية والدينية والحزبية.

- تداول السلـطة: بين القوى السياسية المتعددة، وذلك على أساس حكم الأغلبية، مع حفظ حقوق الأقلية.

وحتى مع إقرار الديمقراطية؛ فلا بد من الأخذ بمعيار التوافق؛ لأنّ الديمقراطية هي التنافس بين المجموعات السياسية، وحتى لا تتعرض أقلية لهضم حقوقها من طرف الأغلبية، كما ذكر باسكال سلان في كتابه (الليبرالية)، حيث يرى أنّ الاستبداد الديمقراطي يمثّل خطراً قائماً باستمرار، ذلك أنه من المحتمل جدّاً أن تتعرض أقليةٌ ما لهضم حقوقها من طرف أغلبيةٍ ما[16].

ولا تلغي الديمقراطية التوافقية الديمقراطية التمثيلية كليّاً، ولكنها تسعى لتتجاوز أوجه القصور والعجز فيها بمحاولة حلّ المشكلات عن قرب، وضمان انخراط الجميع، وتطوير التدبير المحلي والوطني عن طريق التكامل بين الديمقراطيتين، خصوصاً أنّ العديد من التحركات الاجتماعية (نسائية، بيئية، تنموية) لم تعد تجد في الديمقراطية التمثيلية سبلاً للتعبير عن حاجياتها ومطالبها وإيجاد حلول لها.

ثانياً: الديمقراطية التوافقية كمدخل لائتلاف المجتمع التعدّدي النيجيري، وبناء دولة قوامها المشاركة والتمكين:

إنّ البحث عن أنماط مؤسّسية قادرة على أقلمة الديمقراطية في البيئة الإفريقية؛ تقودنا إلى طرح هذا التساؤل: (كيف نؤسّس بشكلٍ هادئ نُظُمَ تداولٍ اجتماعيٍّ تتوافق وتقاليد المجتمع وذاكرته؟ والتدافع السياسي في إفريقيا الآن هو لعبة محصلتها صفر، حيث الفائز يفوز بكلّ شيء، والخاسر يخسر كلّ شيء!([17].

النمط الانتخابي الذي لا نجده إلا في القارة الإفريقية، ومطبّق بشكلٍ خاصٍّ في نيجيريا، هو أن يحصل المترشح للرئاسة على الأغلبية المطلقة، ويشترط أيضاً حصوله على نسبة 25% من الأصوات في ثلاثة أرباع محافظات البلاد البالغ عددها 36 محافظة، والهدف من هذا النمط الانتخابي هو الحدّ من الولاءات الجهوية والقبلية والدينية المسيطرة على جميع جهات نيجيريا.

هذا النمط من الممارسة؛ قد لا يلقى ترحيباً وقبولاً في كلّ الأوساط المجتمعية، ولا سيما الإفريقية منها، كونه يستند على الأغلبية السياسية، ولا يراعي التوافق الوطني، فهذه الممارسة أغفلت الجانب المهم، هو تعدد المجتمع، وعليه؛ فلا بد من الاعتماد على الديمقراطية التوافقية في الحالة النيجيرية.

وتستند الديمقراطية التوافقية[18]، إلى جانب الانتقال الديمقراطي، على توافر عناصر أساسية؛ كونها جاءت لتغطية جانب مهمّ، يتمثل في إرضاء الأطراف المكونة للمجتمع التعددي (الحالة النيجيرية)، حيث ترتكز على الحكم كعنصر أول، والذي من خلاله تحقّق الائتلاف الموسّع بين كلّ المجموعات السياسية والأقطاب الكبرى والمهمّة، فضلاً عن العناصر الأخرى المتمثلة في الفيتو المتبادل، أو حكم الأغلبية المتراضية، والتي تُستعمل كحماية إضافية لمصالح الأقلية الحيوية، والنسبية كمعيارٍ أساسيٍّ للتمثيل السياسي والتعيينات في مجالات الخدمة المدنية، وتخصيص الأموال العامّة، مع منح الاستقلالية لكلّ قطاع في تسيير شؤونه الخاصّة[19].

وهو ما يجب أن يكون العمل به لتحقيق التوافق الوطني في نيجيريا، إلى جانب التركيز على العلاقات بين (الحكومة المركزية والإقليمية والمحلية) التي تسهّل تحقيق الأهداف المشتركة من خلال التعاون، وليس على أساس القوة، وهذا ما أشار إليه Opeskim: أنّ ميكانزمات العلاقات بين المؤسّسات الحكومية يمكن أن تتفاعل، وتعتبر كأدوات توافقية لتحقيق المنفعة المتبادلة بين الوحدات المكوّنة للاتحاد[20].

وعلى الرغم من هذه الأسس التي تحوزها الديمقراطية التوافقية لتسهيل تكامل الأدوار؛ يجب التركيز على بعض المداخل التي لها دَوْر هي الأخرى في تحقيق الوحدة الوطنية والتكامل الإثني في نيجيريا، وهي:

الأغلبية المجتمعية في مقابل الأغلبية السياسية: الأغلبية السياسية توصف بأنها أغلبية أفقية تمتد على مساحة الدولة بكاملها، وقد يكون لها قواعد ومناصرون من مختلف المجموعات البشرية عبر كامل الدولة، أو أن تكون أغلبية برامج سياسية أو أيديولوجية[21]، أما الأغلبية المجتمعية فتُعرف بأنها أغلبية عمودية، تقوم على أساس العلاقات الأولية والانتماءات الطائفية والعرقية، وهذا ما نستدل به في دراستنا هذه؛ كون الأخيرة تساعدنا على حلّ مشكل التعدد والتنوع الحاصل في نيجيريا.

الديمقراطية التوافقية والمرجعيات والهويات: تعمل الديمقراطية على الاستقطاب المجتمعي العمودي والخطاب السياسي المحدود المتجه لشريحة وفئة مجتمعية بعينها، على النقيض من الديمقراطية التمثيلية التي تعمل على إعادة إحياء الروابط الأولية (الدينية، العرقية، الإثنية)، وتعظيمها على حساب الرابط الجمعي الوطني، ما قد يخلق ولاءات متعددة، بينما نجد الأحزاب السياسية ذات الاستقطاب المجتمعي العمودي تعلي الخصوصية في الرموز والمناسبات والأهداف والتنشئة المجتمعية والسياسية؛ من خلال الإدارة الذاتية التي تمنحها الديمقراطية التوافقية للأنساق الفرعية في الميادين والقطاعات التي تخصّها.

إلى جانب ذلك؛ لا بد من اتخاذ الإصلاح كمعيار لبناء الدولة في نيجيريا، والذي يتطلب تحضير الأرضية المناسبة له من منطلقات الحكم الراشد وآليات تطبيقه الميدانية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ للحكم الراشد علاقة بالديمقراطية والديمقراطية التوافقية، فإذا تمّ تفعيل هذه النماذج على أرض الواقع؛ فبمقدور الدولة التي تعاني التفتت الاجتماعي، ولديها مشكل في بناء الدولة (الحالة النيجيرية)، أن تحقّق طفرة في النهوض بكلّ المؤسسات وإشراكها في العملية السياسية.

فضلاً عن ذلك، وباعتبار نيجيريا ذات طابع فيدرالي، فلا بد من تفعيل هذا المكسب في ظلّ التعدد الإثني، فالطابع الفيدرالي في طبيعته مبدأ توزيعي، يهدف إلى منع الهيمنة على الحكومة أو مواردها من قبل مجموعة واحدة أو عدد قليل من الأشخاص، ويهدف إلى ضمان حصول كلّ مجموعة على التمثيل الملائم، بغضّ النظر عن الانتماءات، من أجل تصحيح التشوّهات البارزة في النظام الفيدرالي لنيجيريا.

الخاتمة:

على الرغم من كثرة الأدبيات التي تحدثت عن التعدد والتنوع في إفريقيا؛ فإنها لم توفّق إلى حدٍّ بعيدٍ في  تقييمه واقعيّاً، بل وقعت حبيسة البحث عن الحرية والاستبداد السياسي، والواقع أنّ التغيير المنشود، في سياق الانقسامات المجتمعية والصراع على السلطة، يبدأ من الحديث عن الإصلاح بدل التغيير.

وبالرجوع إلى حالة نيجيريا؛ فالإصلاح يكمن في استتباب الأمن والاستقرار؛ لأنه منعدم، وتعاني منه الدولة الاتحادية؛ لأنه أعاق تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية داخليّاً، ومنعها من اكتساب مكانة تليق بمكتسباتها إفريقيّاً وعالميّاً، فعلى نيجيريا البحث في جذور الأزمة وأسباب الصراع الذي بات مكشوفاً (الديني، القبلي، التهميش، الفقر)، وإصلاحه أصبح ضرورة تمليه الأوضاع والحالة الانقسامية داخل المجتمع.

ولا بدّ من الأخذ بالديمقراطية التوافقية؛ لأنها آلية تساعد على إدارة التعدد والتنوع، ومن شأنها تأسيس مشروع وطني لبناء الدولة الوطنية الناشئة، مع التركيز على التمكين والاستهداف الجغرافي لقضايا المجتمع، والعمل وفق منظور العدالة التوزيعية فيما تعلق بالبرامج التنموية، والدخل، والفرص، والحاجات الأساسية.

* أستاذ مساعد بقسم العلوم السياسية - كلية الحقوق والعلوم السياسية - جامعة أبو بكر بلقايد - تلمسان/الجزائر.

[1]  يجب في هذا المقام التفريق بين الصراع الإثني، الذي تكون أحد محدداته عاملاً إثنياً conflit ethnique ، وبين الصراع الذي تُقحم فيه الإثنية conflit ethnicisé بغرض التعبئة والتجنيد لفائدة أحد الطرفين. وتتداخل عدة عوامل في تكوين الصراعات الإثنية، أهمها:

1- العوامل البنيوية: هي العوامل المرتبطة بظروف وبيئة المجموعات، مثل النمو السكاني، قلة الموارد الاقتصادية والتنافس عليها، وانهيار القيم، وتفشي الفقر. ولا تظهر نتائج حلول الصراعات على هذا الأساس إلا بعد فترة، لأن معالجة العوامل البنيوية تتطلب وقتاً طويلاً.

2 - العوامل الوسيطة: مجموعة عوامل تؤدي إلى تحول العوامل البنيوية إلى ردود أفعال عنيفة، مثل السياسات الحكومية في مواجهة أزمةٍ ما، أو بعض البرامج الاقتصادية كخطط الإنعاش والتقشف، أو المشكلات المرتبطة بالتحرّر السياسي من الهيمنة.

3- العوامل المباشرة: تصرفات تؤدي إلى العنف، مثل القرارات الحكومية، أو الإجراءات المتخذة بحقّ جماعة إثنية معينة، مما يدفعها إلى العصيان والتمرد. انظر: موقع مركز الجزيرة للبحوث والدراسات، أنواع الصراع ومفهومه:

 www.aljazeera.net/NR/exeres D544-2D2-475c-ac8c.htm  

[2] محمد عمر مولود، الفيدرالية وإمكانية تطبيقها في العراق، العراق: مؤسسة موكدياني للطباعة والنشر، 2003، ص370.

[3] Africa  South Of The Sahraa ,Edited By Europa Publications, Europa Regional Surveys Of The World ,London:New York Routledge,2008,P 926.

[4] Mbakgu Ifeyinwa, Socio-Cultural Factors and Ethnic group relationships in Contemporary Nigerian Society ,the African Anthropologist , vol9,n2,September 2002, pp. 123-135.

[5]  بن عبد الباقي محمد لخضر، "نيجيريا صراع يتجدد"، نقلاً عن:

www.aljazeera.net/.../D9E11470-C082-4E68-AD... html.2011-11-26.

[6]  عُرفت في العصور الوسطى بأرض السودان الغربي، وهي البلاد الممتدة من بحيرة التشاد في الشرق إلى ساحل المحيط الأطلسي في الغرب، وتُعرف لدى الباحثين باسم: نيجريتيا Nigritia  أو (نجريشيا)؛ نسبة إلى نهر النيجر.

[7]  محمد عاشور مهدي، الحدود السياسية وواقع الدولة في إفريقيا، القاهرة: مركز دراسات المستقبل الإفريقي، 1996م، ص56.

[8] ISOLA JUSTINE ,One Nation Under Gods; INTERVIEWS FEBRUARY ARTICLE TOOLS sponsored by: The Atlantic 19, 2008. http://www.theatlantic.com/doc/200802u/nigeria-islam-christianity.

[9]  انتشر الإسلام في نيجيريا عبر الصحراء، أولاً من طرابلس ومصر إلى (كانو- بورنو) شمال-شرق ولاية بورنو الحالية، ومن المرجح أن ذلك حدث بعد القرن 11 الميلادي، ومن ثم وصل إلى أراضي الهوسا في نيجيريا بتأثير إمبراطورية مالي، في القرن 14. هاشم نعمة فياض، نيجيريا: دراسة في المكونات الاجتماعية–الاقتصادية، ط1، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016، ص54.

[10]  حمدي عبد الرحمن حسن، الصراعات العرقية في إفريقيا، الأسباب والأنماط وأفاق المستقبل، مجلة قراءات إفريقية، العدد 1، أكتوبر 2004، ص45.

[11]  خيري عبد الرزاق جاسم، تدوال السلطة في نيجيريا، مجلة دراسات دولية، العدد 26، 2005، ص (55-56(.

[12]  هيفاء أحمد محمد، ظاهرة عدم الاستقرار السياسي في نيجيريا: دراسة في حركة دلتا نهر النيجر، مجلة دراسات دولية، العدد 46، (د، س، ن)، ص (108، 109).

[13]  حمدي عبد الرحمن حسن، دراسات في النظم السياسية الإفريقية، القاهرة: (ب د ن)، 2001، ص166.

[14]  من بديهات علم السياسة: أنّ التجانس الاجتماعي والإجماع السياسي يعدّان شرطين مسبقين للديمقراطية المستقرة، أو عاملين يؤديان بقوة إليها، وبالعكس: فإنّ الانقسامات الاجتماعية العميقة والاختلافات السياسية داخل المجتمعات التعددية تتحمل تبعة عدم الاستقرار والانهيار في الديمقراطيات.

[15]  محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان: الديمقراطية والواقع العربي الراهن، مجلة كتاب في جريدة، العدد 95، 05 جويلية 2006م، ص5.

[16]  باسكال سلان، الليبرالية، ترجمة تمالدو محمد، بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 2010، ص (112 – 113).

[17]  سيدي أحمد ولد الأمير، الديمقراطية في إفريقيا: قراءة في المسار والمصير، مركز الجزيرة للدراسات، الأربعاء 15 مارس 2017. على الموقع: http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2017/03/170315112401255.html

[18]  ظهر مفهوم الديمقراطية التوافقية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عقب الحرب العالمية الثانية، ليجيب عن السؤال المحوري: كيف نجعل النظام السياسي ديمقراطيّاً ومستقراً، خاصّة في المجتمعات التي تحفل بالصراعات على أُسس عرقية وثقافية ودينية؟ وهي مفهوم جديد يُطرح بديلاً للديمقراطية التقليدية التنافسية التي انتشرت في الدول الغربية.

[19]  آرنت ليبهارت، الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد، ط1، معهد الدراسات الاستراتيجية، بغداد: الفرات للنشر والتوزيع، 2006، ص48.

[20] J.A.A. Ayoade, The Changing Structure of Nigerian Federalism, Foundations of Nigerian Federalism Series, Vol.3, 2001, p 39.

[21]  موستف يونس، الديمقراطية المحدثة: سياق أزمة ومحاولات انبعاث، مجلة المستقبل العربي، آراء ومناقشات، (د، ع، ن)، (د، س، ن)، ص 154.