الافتتاحية / إفريقيا ومكافحة الفساد

  • مجلة قراءات

الفساد داء، مرتبطٌ بالإنسان، ?وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ? قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ? قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ? [البقرة: 30].

فهو ظاهرةٌ عالمية، قديمةٌ قِدَم الإنسانية، ولا تخلو منها المجتمعات المتقدمة والنامية على حدٍّ سواء، ولكن تزداد حدّتها في الدول النامية والأقلّ نموّاً.

ولا شك بأنّ الفساد هو التحدي الأكبر أمام جهود التنمية والسلام والاستقرار، إذ تؤكد الشواهد العالمية أنّ الفساد يضرّ بالفقراء، ويقلل من الخدمات الاجتماعية، ويحوّل الاستثمارات بعيداً عن البنية التحتية، ويعيق التنمية الاقتصادية، ويرسّخ لبيئةٍ معاديةٍ لحقوق الإنسان والحكم الرشيد، وهو ما يساهم إلى حدٍّ كبير في انعدام الاستقرار واندلاع الحروب الأهلية.

إنه أحد التحديات الكبرى التي تواجه الدول في أنحاء المعمورة كافّة، وليس خاصّاً بإفريقيا- كما يصوّره البعض-،  نعم إنها تعاني كثيراً من الفساد وانتشاره- لأسبابٍ ليس هذا موضع تفصيلها-، حيث صرّح رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي «موسى فقي» أنّ الفساد يكبّد إفريقيا حوالي خمسين (50) مليار دولار سنويّاً، ناسباً ذلك لتقرير مجموعة مبيكي، مؤكداً أنّ الدول الإفريقية كافّةً «معنية بهذه الآفة» بطريقةٍ أو بأخرى، وبدرجاتٍ متفاوتة. وأشار المسؤول نفسه إلى أنّ الأرقام التي أعدها الخبراء تؤكد أنّ الموارد المحوّلة جراء الفساد بإفريقيا «يمكنها لو تمّ استثمارها أن تعوّض اللجوء للمساعدات الخارجية»[1].

ووفقاً لمؤشر «مدرك الفساد» الذي تُصدره منظمة الشفافية الدولية، وتترواح قيمته من (صفر إلى 100)، حيث كلما انتشر الفساد اقترب من الصفر، وكلما زادت الشفافية اقترب من المائة، فقد كان إقليم إفريقيا جنوب الصحراء الأعلى فساداً على مستوى العالم عام 2017م، تلاه إقليم شرق أوروبا ووسط آسيا، ثم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ولقد عاد انتشار هذه الظاهرة وسريان هذا الداء على الإنسان والمجتمع الإفريقي بأضرارٍ كثيرة، فبالرغم من أنّ قارة إفريقيا تمتلك الكثير من الثروات الطبيعية فإنّ انتشار الفساد بأنواعه، كالرشاوى والابتزاز واستغلال النفوذ والمحسوبية والغشّ أو الاختلاس، داخل دول القارة، أثّر على جهود التنمية المستدامة، وأدّى إلى انتشار الفقر بين شعوبها نتيجة عدم استغلال ثرواتها بشكلٍ جيّد، وإلى انهيار النسيج الاجتماعي، وإشاعة روح الكراهية بين فئات المجتمع، نتيجةً للإحساس بعدم العدالة وغياب المساواة، مما أثر على استقرار الأوضاع الأمنية والسّلْم الاجتماعي، نتيجة غياب ثقة الأفراد في مؤسسات الدولة، هذا على سبيل العموم.

ولنضرب مثلاً واقعيّاً على التأثير العظيم للفساد، وهو حالة دولة نيجيريا، فعلى الرغم من مركز دولة نيجيريا في مصافّ الدول الخمس الأولى لقارة إفريقيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، ووجودها في منظمة الأوبك، وقيادتها لمجموعة إيكواس، فإنها تقع في المركز «السابع والعشرون» في مؤشر الدول الأكثر فساداً في العالم لعام 2017م، فهي تمثّل أبرز نماذج تغلغل الفساد في مؤسسات الدولة، وهو ما ينعكس على جوانب الدولة بالكلية.

إفريقيا قارةٌ خصبة بحضارتها وثقافتها، وتطبيقاتها العملية، وإنّ ما تحتاج إليه، للخروج من أزماتها وتخطي تحدياتها،  هو: الإرادة والتحرر

ولأنّ الفساد بهذا الحضور والتأثير في إفريقيا؛ كان موضوع الفساد، بأنواعه وأسبابه وآثاره، أحد مجالات التركيز في مجلة قراءات إفريقية، منطلقةً من رؤيةٍ متوازنة، بلا تهويلٍ أو تهوين، حيث سعت إلى تشريح الظاهرة من زواياها الرئيسة، والكشف عن أسبابها المؤثرة، ورصد تأثيراتها المتنوعة.

وذلك من خلال ملفاتٍ وبحوثٍ ومقالات، مباشرةً وغير مباشرة، سواء في صفحات المجلة، أو على موقعها الإلكتروني.

واستكمالاً لعناية المجلة بهذه الظاهرة؛ أصدرت كتابَيْن يستعرضان بعض جوانب الفساد، أحدهما جاء تبصيراً بأنواعه وآثاره، من خلال دراسة موقع إفريقيا في أبرز المؤشرات والتقارير الدولية، وهو ما يعطي قراءةً علميةً يستفيد منها أصحاب القرار وقادة الرأي والباحثون والمهتمون؛ ويساعد في تشخيص كثيرٍ من مكامن الخلل.

والآخر يأتي بياناً لبعض أسبابه وأدواته الرئيسة، وهي النيوليبرالية العسكرية، التي تكرّس الهيمنة على دول القارة، واستنزاف مقدّراتها وثرواتها.

وكذلك أعلنت المجلة عن تنظيم مؤتمرٍ علمي دولي، بالشراكة مع المركز المصري للدراسات الاستراتيجية، عنوانه: «مكافحة الفساد في إفريقيا رؤى وآليات جديدة»، سيُعقد في شهر أبريل 2019م بإذن الله، يشتمل على ثمانية محاور رئيسة، تحاول تشخيص ظاهرة الفساد من زواياها المتعددة، وتسعى لتقديم رؤى تقييمة للواقع، والبحث عن خبراتٍ ونماذج وآليات، تناسب البيئة الإفريقية؛ وتسهم في علاج الظاهرة.

وفي هذا السياق؛ نحبّ أن نذكّر المهتمين بظاهرة الفساد في إفريقيا، ونؤكد أهمية التعامل مع الظاهرة بحكمةٍ وتوازن، بدون تهويلٍ يزرع اليأس من علاجها، أو تهوينٍ يؤدي إلى استفحالها، ونشير إلى نقاطٍ رئيسة في هذا الموضوع:

- أنّ الفساد ليس قَدَر إفريقيا الحتمي، بل قد تكون هي أحد ضحايا الفساد الدولي الأكبر، كما أنّ أنواع الفساد الموجود وتعمُّقه وتجذُّره في البيئة الإفريقية؛ قد يكون أضعف إذا قورن بغيرها من المجتمعات.

- أهمية التحليل الصحيح للظاهرة، والتمييز بين أسبابها الأصلية والطارئة؛ الداخلية والخارجية، إذ- كما تقدّم- أنّ الفساد يتعلق بالإنسان، والإنسان يتأثر ببيئته ومكوناتها، كما أنّ للاستعمار أولاً، ثم التنافس الدولي حاليّاً، أدواته وتأثيره.

- البدء بالأهمّ فالمهمّ، والبحث عن أكثر أنواع الفساد تأثيراً على المستوى العام، أو في إنتاج أنواعٍ أخرى من الفساد، والتركيز في مقاومته، والتخفيف من انتشاره.

- التوازن والموضوعية في دراسة ورصد أسباب الفساد وأنواعه وآثاره، والذي يوصّل لرؤيةٍ متكاملةٍ للظاهرة من جميع جوانبها، ووضع كلّ مكوّنٍ في موضعه الصحيح، فلا يُصغّر الكبير، أو يُكبّر الصغير.

- الاهتمام بدَور القيادات المجتمعية، أفراداً، أو مؤسسات مدنية، أو تشكيلات قبَلية، وتفعيل دورها في المجتمع، وتذكيرها بمسؤولياتها وواجباتها تجاه مجتمعاتها.

موضوع الفساد، بأنواعه وأسبابه وآثاره، أحد مجالات التركيز في مجلة قراءات إفريقية، منطلقةً من رؤيةٍ متوازنة، بلا تهويلٍ أو تهوين

- الوقاية خيرٌ من العلاج، ولذلك ينبغي أن يكون التعامل مع هذه الظاهرة على المستوى الفكري النظري، أو العملي، من خلال خطَّيْن متكاملين: الأول يتجه لإصلاح الموجود، ومعالجة المريض بما يناسبه، والآخر بناء للمستقبل، من خلال إيجاد أدواتٍ تربوية وفكرية وتشريعية، تعطي حصانةً من التأثر أو الانتشار، وتقيم حواجز تردع عن دخول بوابة الفساد. إنّ المراهنة على الجيل الجديد، وتحصينه من الأدواء التي نخرت في الأمم والمجتمعات، وإعداده إعداداً سليماً، هي أهمّ أدوات الإصلاح المنشود.

- الفساد داءٌ يمكن علاجه والسيطرة عليه، وتمتلك إفريقيا في ثقافتها أدواتٍ وآلياتٍ جيّدة، وفي واقعها نماذج ناجحة على المستوى الحكومي والقبَلي والشعبي.

فعلى سبيل المثال: نجد دولةً مثل رواندا اتبعت استراتيجيةً لمكافحة الفساد منذ 2015م، وقد أتت بنتائج مثمرة، جعلت منها نموذجاً إفريقيّاً يُحتذى به، وقد كانت وفقاً لمؤشر مدركات الفساد العالمي، الصادر عن منظمة الشفافية العالمية، تحتل المرتبة 43 من بين 175، بعدد نقاطٍ يصل إلى 54 نقطةً في عام 2015م، بينما ارتفعت لتصل للمرتبة 48 من بين 180 دولةً عام 2018م.

إنّ إبراز النماذج الناجحة هو أحد جوانب المعالجة المؤثرة، والتي ينبغي العناية بها، وتقديمها بوسائل متنوعة.

إنّ إفريقيا قارةٌ خِصبةٌ بحضارتها وثقافتها، وتطبيقاتها العملية، وإنّ ما تحتاج إليه، للخروج من أزماتها وتخطي تحدياتها، هو: الإرادة والتحرر، الإرادة الصادقة للبناء والإصلاح، النابعة من استشعار المسؤولية الدينية والإنسانية، والمنطلقة من الهوية والثقافة الإفريقية.

والتحرر الحقيقي من المستعمرين الأوائل وإرثهم الثقافي والفكري، وأدواتهم البشرية والمادية التي زرعوها قبل خروجهم.

 

[1] http://www.aps.dz/ar/algerie/52557