الافتتاحية: إفريقيا ومشاريع النهضة

  • 1 -9 - 2009
  • تحرير المجلة


ليست أفريقيا إلا صورة واحدة من صور متعددة تصطدم فيها مشاريع النهضة بحجر الزاوية الأهم؛ المتمثل في رجال النهضة وسواعدها.

عندما نقلب صفحات التاريخ خاصة تاريخ أفريقيا نلحظ أن أي مشروع للنهضة ما كان ليتمثل واقعًا دونما وجود إرادة دافعة له وروّاد حقيقيين يذودون عنه؛ فالأفكار العظيمة لا تستغني عن الرجال العظماء الذين يحولونها من مُثُل إلى واقع، ومن كلام إلى فعل، ومن أحلام إلى أهداف، ومن أفكار إلى مشاريع.

يرى كثير من المحللين أن المشروع النهضوي الذي تحتاجه أفريقيا ينبغي أن يكون متعدد الجوانب بتعدد الآفات التي تعانيها هذه القارة المثقلة بالمشكلات والتحديات. وهذا يعني أننا لا نسير في الاتجاه الصحيح عندما نقصر رؤيتنا للإصلاح وإعدادنا للكفاءات والطاقات في زاوية واحدة أو اثنتين، عبر نظرة أحادية قصيرة المدى.

فأفريقيا تعاني من مشكلات وإشكاليات على مستوى الاقتصاد، وعلى مستوى التعليم، وعلى مستوى الثقافة، وقبل ذلك كله على مستوى التوجُّه والقرار.

وعندما نتحدث عن دور الدعوة الإسلامية في المساهمة في حل مشكلات أفريقيا فإنه ينبغي التذكير بأن الدعاة يفقدون جزءاً من رصيدهم الشعبي عندما تنحصر رؤاهم، ومن ثَم واقعهم في التعامل مع إشكاليات الناس عبر مفردة واحدة فقط من مفردات الإصلاح هي بث الوعي الفقهي في صورته الأولية. وهي صورة مطلوبة لكنها لا تمثل إلا زاوية واحدة من زوايا الوعي الديني العام، مما يؤدي إلى اعتقاد الناس خطأً أن الإسلام معني فقط بما هو فوق السماء وتحت الأرض فحسب، دون تغيير واقع الناس نحو الأفضل. وهي صورة لا تمثل الإسلام الصحيح الشامل، ولكنها تمثل الخطاب الإسلامي المعاصر في أحايين كثيرة.

ولن يكفي  حينها الحديث النظري الموسع المستمر عن شمولية الإسلام ودخوله في تفصيلات الحياة، ما لم يكن هذا الحديث مرهوناً فعلاً بمشاريع نهضوية حقيقية لا تنحصر في جانب واحد من جوانب الإصلاح. وهذه المشاريع لن تتم إلا من خلال كفاءات متعددة القدرات في مجالات النهضة المطلوبة. وعدة النجاح هنا بعد عون الله وتوفيقه -ليس قدرة هؤلاء الرجال على الحديث في شتى مجالات النهضة- وإنما قدرتهم على ترجمة هذه المعاني والشعارات إلى واقع معاش، ولن يكون ذلك إلا من خلال أهليتهم الأكاديمية والثقافية، وقدرتهم العملية على تحقيق الإصلاح على أرض الواقع.. الإصلاح الشامل الذي لا يقوم به داعية أو طالب علم فاضل فحسب.. وإنما طبيب متقن، وعامل ماهر، وقانوني غيور، وإعلامي واع، وإداري مبدع.

في زمن الفقر لا يحتاج الناس إلى من يحدثهم عن خطورة الفقر ومظاهره وآثاره، ولا حتى طرق علاجه، وإنما إلى من يتبنى فعلاً مشاريع التنمية والتكافل الاجتماعي. وفي مجتمعات التخلف التقني لا نحتاج كثيراً إلى من يسب التخلف ويزدريه، وإنما إلى من يتخصص فعلاً ويتأهل. وتبقى مهمة الطبيب في علاج الحمى لا في هجائها.

فالحديث عن النهضة أو الإصلاح أو أي شيء آخر لا يعد سوى الحلقة الأولى فقط من السلسلة المطلوبة لتحقيقه. وكم يكون سلوكنا خاطئاً عندما نظن أن الواقع السيء إنما يعالج فقط بمزيد من الأفكار الجميلة والعميقة والرائعة، والمواعظ المؤثرة، والشعارات النبيلة!

قد يتسع الخرق على الراقع كما يقولون، وقد ننادي من خلال كلمات بأمور تعجز عنها دول فضلاً عن دويلات، إلا أن الأمر الذي ينبغي أن يظل مستقراً أن عدم قدرتنا على الحل يجب أن لا تحول بيننا وبين رؤية الحل كاملاً.

كما إن هذه القدرات المحدودة التي نملكها تدعونا إلى إعادة النظر في طرائق عملنا؛ من أجل تحقيق النهضة المطلوبة، وبيان ذلك عبر المفردات التالية:

سيكون من أوائل ما ينبغي أن يفكر فيه الدعاة في أفريقيا ويعملوا من أجل تحقيقه: أن يوسعوا دوائر الإصلاح العام، ليدخل معهم فيها آخرون كلٌّ في مجاله، وأن تتسع صدورنا لشراكات رحبة نلتقي وإياها في جوانب محددة لنعالج معها جوانب محددة كذلك!

الضرب على الجذور من خلال العمل الأكثر تركيزًا والأكثر إبداعًا. وليس مقبولاً حينها الهدر في الطاقات من خلال الخوض في مشاريع مكررة أو مشتتة، أو منخفضة القيمة، أو الإغراق في الجزئيات على حساب الكليات، أو الانشغال بمشاريع صغيرة تستهلك جهوداً كبيرة، أو الانشغال بأمور يمكن أن يفوَّض بها آخرون.

المشروع الدعوي الأفريقي ينبغي أن يتحرر من كونه تابعاً لثقافة المجتمع إلى أن يكون موجهاً لها مؤثراً فيها.

يلعب مفهوم الزعامة ومكانتها في أفريقيا دوراً مؤثراً في التغيير والتأثير أياً كانت هوية هذه الزعامة ووجهتها. وإذا كانت الزعامة في الماضي تتمثل غالبًا في رئيس القبيلة الأقوى، واليوم تتمثل أيضًا في صاحب الجاه والمال، فإن الأمور تتجه في الغد القريب إلى أن تكون قوة التوجيه والتأثير رهن المؤسسات الجماعية، وسيتضاءل دور الفرد أمام الجماعة. ولذا يظل بناء مؤسسات قوية تخدم مسيرة الإصلاح ومشاريع النهضة ضرورة مرحلية ملحة.

الولوج بوعي في مشاريع النهضة الاجتماعية وحاجات الناس الأولية مطلب مهم، فالدعاة إلى الله لا يمكن أن يعملوا بمنأى عن مشكلات مجتمعاتهم فيظهرون وكأنهم يحلقون خارج السرب، إلا أن الولوج غير الواعي سيستهلك كل طاقاتهم المحدودة دون خدمة الرسالة الدعوية المطلوبة، أو إيجاد تغيير يذكر في بنية المجتمع الأولية.. والحل يتمثل في علاجنا لقضايا أولية بطرق غير أولية، كأن نعالج الفقر لا بتوزيع الأموال والأعطيات المحدودة وإنما بتأهيل الناس ورفع كفاءتهم. وهكذا يبقى النظر إلى العلاج الجذري أولى من الاهتمام بالعلاج الآني، دون إهمال للحد الأدنى من هذا العلاج العاجل.

استحضار مفهوم الصراع على القارة واستهدافها معنى مهم، ولعله كان حاضراً عند العديد من رجالات الإصلاح في أفريقيا، إلا أن مبالغة ما طرأت على هذا المفهوم جعلت كثيراً من مشاريعنا تكاد تكون منطلقة من نظرة الصراع هذه، مما أدى بمشاريع الإصلاح إلى أن تتحول إلى مشاريع مدافعة وصد فحسب، وذلك جزء من الإصلاح، لكنه ليس الإصلاح كله. ولقد كان لحصر الدعاة أنفسهم في خانة الرفض والصد أثر واضح على لغة الخطاب الدعوي وموضوعاته ومواقفه الساخطة، وهي سياسة ربما نفعت في وقت مضى، إلا أن الاستمرار عليها في المستقبل قد يجعل الآخرين يتجاوزوننا. فالمجتمع لا بد أن يسير، والإسلام لم يكن محصوراً أبداً بإغلاق أبواب الشر فحسب، وإنما بفتح أبواب الخير قبل ذلك، فالأمر بالمعروف مقدم على النهي عن المنكر.

وأخيراً: لا تستغني مشاريع النهضة في قارة تتنازعها التحديات والصعوبات كأفريقيا، عن نفَس طويل وعمل بعيد المدى، يبدأه جيل ويتمه جيل آخر، أو أجيال أخرى، فعمر الإصلاح أكبر من عمر الأفراد، وإن تحقيق هذا المعنى يفرض علينا مهامًا عديدة هامة، كالتخطيط الطويل، والعمل المرتب، والتعاون، والتجرد الذي تتضاءل أمامه مصالح الأفراد أمام مصلحة الدعوة، والوعي الكبير الذي يطيل من أمد الرؤية، فيجعلنا نرى أبعد مما هو أمامنا مباشرة فحسب، فسنستشرف المستقبل، ونعمل على كسبه من اليوم. والله غالب على أمره، ومنه العون والطَّول.