الاستشراق الفرنسي وأثره في المشروع الامبريالي بإفريقيا

  • 12 -10 - 2017
  • آدم بمبا

د. آدَمَ بَـمْبا 

مقدمة

إنَّ الاستشراق وتوظيف العلوم المختلفة من أجل تحقيق أهدافٍ امبرياليَّة، حقيقةٌ تاريخيَّة ماثلة لا يکاد يختلف حولها الباحثون سواء في کون الاستشراق حرکةً مُمهِّدةً للامبرياليَّة أو منظِّرةً لأيديولوجيَّاتها، أو أداةً من أدواتها التَّحکُّميَّة في الشُّعوب غير الأوربيَّة، أو كونها حاضنةً تولِّد أشكالاً وصُوَرًا جديدة من الامبرياليَّة، وتؤمِّنُ تحقيق أهدافها بعد انحسار صورتها العسكريَّة الصَّارخة في القرنين الماضيَيْن. إنَّ الاستشراق –بلا شكٍّ- دعامةٌ مرکزيَّة في المشروع الاستعماريِّ.

          كذلك، فإنَّ الدِّراسات في رصد العلاقة بين الاستشراق وبين الحرکة الاستعماريَّة تکاد تستعصي على الحصر، ولعلَّ من الدِّراسات الوافية في هذا الموضوع دراسات يوهان فوك (Johann Fück)، الذي أرَّخ للاستشراق بتحديد مراحله وأنواعه، وعلاقة کلِّ مرحلة بالمشروع الامبرياليِّ،[1] ومن الباحثين من لخَّص تلك المراحل في: الاستشراق الاستکشافي (Discovering Orientalism)، والاستعماري (Colonial Orientalism)، وما بعد الاستعماري (Post-Colonial) والاستشراق الجديد (Neo-Colonial Orientalism)، وانهيار الاستشراق (The Collapse of Orientalism ).[2] ومن أشهر الدِّراسات النَّاجحة في بيان الاستشراق بوصفه منتجًا استعماريًّا غربيًّا بامتياز، دراسات إدوار سعيد (ت2003م).

          وهنا، لا يختلف السِّياق الإفريقي في الاستشراق عنه في حال الشُّعوب الأخرى التي تستهدفها الدِّراسات الاستشراقيَّة. غير أنَّ الظَّرف الإفريقيَّ يمكن وصفه بأنَّه أكثر عمقًا وشراسةً؛ إذْ هو مُزْدَوَج: عرقيٌّ وديني، أي أنَّ الاستشراق بإفريقيا يحمل سلاحًا ذا حدَّين: حدٌّ يقطع الإفريقيَّ في هويَّته العرقيَّة، وحدٌّ آخر يقطعُهُ في انتمائه العَقدي الدِّيني (الإسلامي خاصَّة).

وإذا كان من المقرَّر عند الباحثين، أمثال أوسْبورنْ (Osborne, 2005)، أنَّ جميع أفرُع العلم من علوم نبات، وطبٍّ، وجغرافيا، وعلوم إنسانيَّة... جميعها قد صبَّت في الهدف الامبرياليِّ التَّسلُّطي. وأنَّ الباحثين الأنثروبولوجيِّين في إفريقيا –كما يقرِّره ماكيتْ (Maquet, 1964)، "قد ساهموا في مختلف أزمانهم، في دعم الأهداف السِّياسيَّة والامبرياليَّة لبلادهم تجاه المجموعات التي قاموا بدراستها".[3] فإنَّ المقال الحالي لا يعدو تقديم أمثلةٍ ونماذج من التَّناغُم الدَّقيق بين الدِّراسات الاستشراقيَّة، وبين الاستعمار الامبرياليِّ في السِّياق الإفريقي، وبالتَّحديد: الاستعمار الفرنسي بغربيِّ إفريقيا؛ لكون تلك المنطقة بؤرة النَّشاط الاستعماريِّ بالقارَّة، وكون المستعمر الفرنسيِّ –إذا ما اضطُرِرْنا للتَّفاضُل بين الشَّرَّين- أضيَق المستعمرين عطنًا في تعامُله مع الثَّقافات الأخرى. هذا بالإضافة إلى أنَّ مبلغ علمنا المتواضع في هذا الموضوع، لا يكاد يتعدَّى المنطقة المذكورة. ويتمَحْوَر هذا المقال في ثلاثة محاور، هي: الكشوف الجغرافيَّة وعلاقتها بالحملات الاستعماريَّة، والدّراسات الأنثروبولوجيَّة بوصفها محورًا للاستشراق، والإسلام وكونه محورًا للدِّراسات الاستشراقيَّة بإفريقيا.

المحور الأوَّل: الكشوف الجغرافيَّة والاستشراق

تعود الحرکة الاستشراقيَّة بوصفها حقلاً علميًّا مكرَّسًا لخدمة المشروع الامبرياليِّ، إلى حرکة الکشوفات الجغرافيَّة الکبرى التي نشطت منذ أواسط القرن الخامس عشر الميلادي، ولا خلاف أنَّ اکتشاف فاسکو دو غاما للطَّريق البحريِّ عبر رأس الرَّجاء الصَّالح (عام1498م) إلى جزر الهند الشَّرقيَّة، قد فتح الباب للأوربيِّين لاستغلال بلاد الهند وآسيا. ولا أدلَّ على أهميَّة الحملات الاستكشافيَّة في قيام المشروع الامبرياليِّ من تسابُق القوى الاستعماريَّة في تجهيز الأساطيل، وإنشاء الجمعيات والمعاهد المعنيَّة بالكشوفات الجغرافيَّة. كذلك، فإنَّ كثيرًا من الأفراد الرَّحالة والمستكشفين كانوا على صلة مباشرة بالقوَّة الامبرياليَّة بوصفهم قواد جيوش، أو إداريِّين، أمثال: ليفينغستون (David Livington)، وستانلي (Henry Morton Stanley)، وغاليني (Joseph Gallieni)، وبرازا (Pierre Savorgan de Brazza)، وغيرهم كثير.

أمرٌ آخر في الدَّلالة على الارتباط الوثيق بين النَّشاط الاستكشافي وبين النَّشاط الاستعماريِّ، التَّنافُس الشَّديد بين الأوربيِّين أنفسهم في هذا المجال، ولجوءهم إلى طرق ووسائل جاسوسيَّة في العمليَّات الاستكشافيَّة، خاصَّة في العصور المتأخِّرة. عُرِفت هذه الوسيلة بين المستكشفين والرَّحالة بـ"الجغرافيا الجاسوسيَّة" أو "الجغرافيا المتخفيَّة" (Undercover Geography)، ويعرِّفها الباحثان توماس ونورتون بأنَّها "طريقة في البحث الميداني حيث لا يكشف الباحثون عن حقيقة أهداف بحوثهم للمجتمعات المحليَّة أو غيرهم ممَّن يقومون بدراستهم. وبناءً على الظُّروف، فإنَّهم قد يخفون أو يموِّهون هويَّاتهم الحقيقيَّة، وجنسيَّاتهم، وانتماءاتهم، أو قد لا يشيرون صراحةً إلى أنَّ ما يقومون به من تحرُّكات إنَّما هي بحوثٌ، وقد يُعرِّفون بأنفسهم بوصفهم منتمين إلى مجتمعات، أو ثقافات، أو جماعاتٍ عرقيَّة أو سياسيَّة مغايرة تمامًا لحقيقتهم، وذلك من أجل التَّحرُّك المرن في ميدان بحثهم".[4]

في هذا السِّياق، اشتُهِر الكثير من الرَّحالة الذين كانوا يتجسَّسون على المجتمعات المسلمة خاصَّة متخفِّين في هويَّات مختلفة، منهم على سبيل المثال: الرَّحالة جون لويس بوخارت (John Lewis Burckhardt, 1784-1817) الذي تنقَّل في بلاد الشَّرق بالاسم المستعار: الشَّيخ إبراهيم بن عبد الله، وتوفي بالقاهرة، وهو صاحب الكتاب الشَّهير "رحلات في النوبة" (Travels in Nubia)، ومنهم أدوارد هنري بالمز (Edward H. Palmer, 1840-1882)، وکان اسمه المستعار الشيخ عبد الله، وکانت مهمَّتُه الأساسيَّة إفشال حرکة عرابي باشا الثَّوريَّة ضد البريطانيِّين، ورشو البدو بعدم مناصرة عرابي. أيضًا، منهم: الرَّحالة الإنجليزي غيفورد بالْغراف (William Gifford Palgrave, 1826-1888) بسوريا، تظاهر في زيِّ طبيبٍ نصراني سوري، واتَّخذ الاسم: سالين أبو محمود الآيس، وهو صاحب تقارير تجسُّسيَّة قدَّمها لنابليون في غارته على سوريا ومصر. ومن الجواسيس: شارل داوتي (Charles Doughty, 1843-1926) صاحب کتاب "رحلات في الصَّحراء العربيَّة" (Travels in Arabia Deserta)، واتَّخذ الاسم "خليل" في تنقُّلاته في البلاد الإسلاميَّة. ومن النِّساء الشَّهيرات غيرترود (Gertrude Lowthian Bell) وكانت من جواسيس بريطانيا، توفيت ببغداد (1926م).[5]

هذا، وفي فترة متأخِّرة، أصبح التَّجسُّس صناعةً بين الامبرياليِّين أنفسهم في ظلِّ تكالُبهم على الشُّعوب، وعُرِف ذلك بينهم في السِّياق الآسيوي باللعبة الكبرى (Great Game)، خاصَّة بين روسيا وبريطانيا في أواخر القرن الثَّامن عشر بالمنطقة بين الهند ودُول وسط آسيا: مونغوليا والتبت، ومن أكبر المستكشفين لصالح روسيا الرَّحالة نيكولاي م. (Nikolay Przhevalsky)، وعمدت بريطانيا إلى تجنيد جواسيس من معلِّمي المدارس الهنود، عُرفوا بـ"بونْديتْ" (the Pundits)، وأرسلتهم إلى مناطق الهمالايا والتبت.[6]

أمَّا في السِّياق الإفريقيِّ بالذَّات، فقد عُرِف من الرَّحالة الجواسيس، الكابتن سير ريتشارد بورتون (Sir Richard Burton, d.1882)، أوَّل أوربي توغَّل عام (1854م) داخل الحصن الإسلامي "هرر" عاصمة الصُّومال آنذاك، متخفيًّا في زيِّ تاجر عربي، وذلك بفضل معرفته باللُّغة العربيَّة، ورسم خطَّة الحصن ومواقع الأسلحة، وقاسَ أطوال الممرَّات وأجزاء الحصن بدقَّة، وأخفى كلَّ ذلك في صورة فراشة. كما جاب منطقة وسط إفريقيا في رحلاته في البحث عن منبع النيل، استخدم فيها الكثير من مهارات التَّمويه والتَّخفي، واستخدم المهارات نفسها عام (1853م) في رحلته الشَّهيرة إلى مكَّة والمدينة متخفِّيًا في زيِّ طبيب أفغاني، وتُعدُّ تقاريره عن الحرمَين أدقَّ وصف، وقد كان بورتون يعمل لحساب الجمعيَّة الملكية الجغرافيَّة البريطانيَّة (لThe Royal Geographical Society).

من الرَّحالة الامبرياليِّين الذين اتُّهموا بالتَّجسُّس بغربي إفريقيا: هنريث بارث (Heinrich Barth, 1821-1865)، الذي جاب شمال إفريقيا ووسطها في غضون خمس سنوات (1945-1954م)، وقطع أكثر من عشرة آلاف ميل في الصَّحراء (16.093كلم)، وقد طاف حينًا بمنطقة تمبكتو مدَّعيًا أنَّه من الشُّرفاء؛ فحظي بالاحترام، وقصَدَهُ النَّاس للتَّبرُّك. كما ادَّعى في موقفٍ أنَّه تركيٌّ؛ لكنَّه أسْقِط في يده حين حدَّثه أحد المشايخ بالتُّركيَّة،[7] ولغلبة الشُّكوك في أمره، حبسه أمير ماسنة. غير أنَّ الفقيه الشَّيخ أحمد البكائي أمر بالإفراج عنه؛ لكونه في حكم الذِّميِّين.[8] على كلٍّ، فإنَّ بارث يُحمَدُ له إنصافه الثَّقافة الإفريقيَّة واحترامه لها أكثر من غيره من المستكشفين.[9] كان الزُّعماء المسلمون بإفريقيا يتوجَّسون أيضًا من الرَّحالة كلابرتون (Hugh Claperton, d.1827)، فقد كتب حاكم بورنو إلى محمد بيلو في صكوتو يحذِّره منه ويصفه بأنَّه جاسوسٌ لصالح بريطانيا، وكذلك حذَّر بيلو، أميرَ ماسنة سيكو أحمد من المستكشف ألكسندر (Alexander Laing).[10]

إجمالاً، لا يخفى أنَّ المستكشفين منذ فترة الكشوف الجغرافيَّة الكبرى في القرن الخامس عشر الميلادي حتى عصر الاستعمار العسكري، قد نشطوا في التَّجسُّس على الشُّعوب لصالح القوى الامبرياليَّة؛ إذا لم يكونوا هم أنفسُهُم الامبرياليِّين. وبتأكيد الباحث هارست جونستون، فإنَّ "استعمار إفريقيا في أولى مراحله، مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالکشوفات الجغرافيَّة".[11] بل إنَّ فرنسا، بعد أن استحكمت قبضتها في غرب إفريقيا، اقترح حاكمُها كلوزيل تأسيس شرطة خاصَّة بالمسلمين من أجل التَّجسُّس على العلماء والأئمَّة، ورصد تحرُّكاتهم.[12] أي أن يتطوَّر التَّجسُّس إلى عمليَّة مُمَنْهجة مُحْكمة تُشرف عليها إدارة خاصَّة.

بالإضافة إلى انتهاج أسلوب التَّجسُّس في الكشوف الجغرافيَّة وفي الرِّحلات التي قام بها الأوربيون تحت غطاء علميٍّ، فإنَّ ما يكشف عن النَّوايا الامبرياليَّة الأولى لأولئك المستكشفين، والتَّناغم التَّام بينهم وبين القوى العظمى، مسارعتهم إلى إطلاق الكثير من أسماء المناطق الأوربيَّة التي وفدوا منها على المناطق التي جابوها، وقد تكلَّل ذلك فيما بعد بإطلاق أسماء مُدن ومناطق أوربيَّة وأسماء مستكشفين أو امبرياليِّين على دُوَلٍ إفريقيَّة بأكملها في فترة الاستعمار وبعد الاستقلال، على سبيل المثال، أطلقت ألمانيا على مواقع نفوذها مثل: (The German South-West Africa, The German East Africa،New Baden, New Saxony, New Bavaria etc.) وأطلقت فرنسا على عموم غرب إفريقيا مسمَّى (Afrique Occidentale Francaise)، وجُزر موريشوس هي اسم المستعمر (Maurits Van Nassaueiland, d.1625)، وأطْلِق على بلاد شونا اسم المستعمر الإنجليزي (Cecile Rhodes, d.1902) فأصبحت (Rhodesia)، الذي غُيِّر فيما بعدُ إلى زيمبابوي، ومثل ذلك يقال في كاميرون، ومدينة برازافيل، وليوبولدفيل، وبِنزرْفيل، وغيرها من المدن الكثيرة، وكذلك المواضع الكثيرة التي سارع المستكشفون إلى إطلاق أسمائهم عليها (بحيرة فيكتوريا اسم ملكة بريطانيا)، وكأنَّ تلك المواقع لم توجد إلا بوصول المستكشف إليها.

باختصار، يمكن تحديد أهمِّ النَّتائج السِّلبيَّة التي ساهمت الكشوفات الجغرافيَّة ورحلات المستكشفين الأوربيِّين بها في المشروع الامبريالي لإفريقيا وغيرها من البلاد المستعْمَرة، وهي:

نشوب الحروب الضَّارية بين القوى الأوربيَّة من أجل الاستحواذ على الأراضي والموارد الطَّبيعيَّة الجديدة، وطرق الملاحة المكتشفة.

لجوء المستكشفين إلى طُرق وحشيَّة بشعة في التَّعامل مع أهالي الأراض والجزر المكتشفة، حتى في حال الشُّعوب التي كانت جِدُّ مسالمة مع المستوطنين الأوربيِّين. بل قاموا بمحاولات تطهير عرقيٍّ للسُّكان المحليِّين في أمريكا وأستراليا، وفي ناميبيا (إبادة ألمانيا لمجموعات هِيريرو).

ظهور أبشع تجارة في تاريخ البشريَّة، وهي تجارة الرَّقيق، فقد سُجِّلت أوَّل حالة منها على أيدي المستكشفين البرتغال الذين عادوا من غرب إفريقيا (عام1442م) بتِبْر الذَّهب، وعشرة من العبيد، وتوسَّعت إلى تجارة العبيد عبر الأطلسيِّ التي دامت لأربعة قرون، ونُقِل فيها ما بين 10-15 مليون إفريقي إلى الأمريكَتَين عَنْوَة.

تصدير المسيحيَّة إلى الأراضي المكتشَفة، ولم يكن ذلك تصديرًا سلميًّا للدِّين؛ لأنَّ المسيحيَّة كانت تأتي في ظلِّ البارود والمدافع، و"انتشرت بسيف الامبرياليَّة" كما يقول المزروعي.[13]

استيلاء المستكشفين على الكرة الأرضيَّة وتقسيمها فيما بينهم، وغدت أفريقيا في هذا السِّياق، أكبر المستعمرات في العالَم؛ حيث استحْوَذَت بريطانيا على نسبة (45%) منها، وفرنسا على (21%)، واستحوذوا على الشَّرق الأقصى: الهند الصِّينيَّة، وجزر الملايو، وجزر الجاوة وغيرها، وقد أزهقت ملايين الأرواح في الدِّفاع عن أراضيها وحقوقها على أيدي المستعمرين.[14]

إسهام الجغرافيِّين والمستكشفين والرَّحالة في تشكيل رؤية مغرضة مغلوطة عن الشُّعوب، وفي تكوين العقل الأوربي وتهيئته من أجل دعم المشروع الامبريالي، وفي هذا الإطار تمَّ رسم صورةٍ نمطيَّة سلبيَّة عن "الآخر"في الذِّهنيَّة الأوربيَّة تعزِّز عند الأوربيِّ النَّظرة الدُّونيَّة إلى الشُّعوب، وتكريس رؤية التَّمركز الأوربي (Euro-Centrism)، وتنزع عن الآخر كلَّ حقٍّ للكرامة البشريَّة.

تلك هي النَّتائج السِّلبيَّة المباشرة للكشوفات الجغرافيَّة التي تؤكِّد علاقتها الوثيق بالاستعمار. هذا، ومن الإنصاف الإشارة عرضًا إلى بعض النتائج الإيجابيَّة للكشوفات الجغرافيَّة، مثل: إسهامها في تقدُّم العلوم الجغرافيَّة وتطوُّرها بشكلٍ متسارع، وفتح فُرص استيطان جديدة خارج أوربا ومحيط البحر المتوسِّط، واكتشاف ثرواتٍ طبيعيَّة ضخمة من الذَّهب والموارد الطَّبيعيَّة والفُرَص الزِّراعيَّة، وتوسيع نطاق التَّبادُل التِّجاريِّ بين الشُّعوب... كلُّ ذلك من الإيجابيَّات، ولكنَّها استُغلَّت استغلالاً وحشيًّا؛ فآلت إلى أضدادها.

المحور الثَّاني: الأنثروبولوجيا والاستشراق

إذا کانت حرکة الکشوف الجغرافيَّة قد مثَّلت النَّشاط الحرکيَّ الممهِّد للحملات الامبرياليَّة، فإنَّ الدِّراسات الاستشراقيَّة الاجتماعيَّة، قد مثَّلت البنية التَّحتيَّة الفکريَّة للامبرياليَّة، وذلك في العلاقة العضويَّة الواضحة بين الدِّراسات الاجتماعيَّة (الأنثروبولوجيا خاصَّة) وبين الخطط والقرارات الاستعماريَّة. ولعلَّ الباحثين لم يغالوا إذْ وصفوا الأنثروبولوجيا بأنَّها وليدة الامبرياليَّة أو العلم التَّطبيقي في خدمة القوَّة الامبرياليَّة "The child of Imperialism or an applied science at the service of the colonial powers".[15] أو أنَّها أداة للهيمنة "tool of dominance"،[16] وتنشأ العلاقة بين الاثنين في أنَّ القوَّة الاستعماريَّة قد وفَّرت دائمًا الدَّعم الماديَّ والحماية اللاَّزمة، وميدان العمل للدَّارسين الأنثروبولوجيِّين. بينما وفَّر أولئك للمستعمر المعطيات الضَّروريَّة في التَّوصُّل إلى الطُّرق النَّاجحة في استحكام سيطرته على الشُّعوب. كما وفَّروا المبرِّر الفكريَّ والأيديولوجي والعلميَّ للمستعمر في اتِّباع سياسته، وساعدوه في معرفة نقاط القوَّة والضَّعف في الشُّعوب وفي طرق استغلال تلك النُّقاط في التَّحکم في الشُّعوب.

          في السِّياق الإفريقي تحديدًا، تعدُّ فرنسا أكثر المستعمرين اهتمامًا بالدِّراسات الأنثروبولوجيَّة، وقد راجت بها تلك البحوث في غضون العقود الأخيرة من القرن التَّاسع عشر الميلادي (1870م)، وتمَّ إنشاء مدرسة الأنثروبولوجيا (Ecole d’Anthropologie) بباريس (1876م)، ومتحف تروكاديرو للسُّلالات (Musee Ethnographique de Trocadero, 1878)، وكانت تُعرف بالدِّراسات الإثنوغرافيَّة. وقد تمَّت في تلك الفترة إلى ما قبل الحرب العالميَّة في القرن التالي، معظم البحوث الأنثروبولوجيَّة على أيدي القواد والحكام الفرنسيِّين بمستعمرات فرنسا؛ أمثال: جوزيف فرانْسُوا كلوزيل الحاكم العام بإفريقيا الغربيَّة الفرنسيَّة (1915م)، وزميله موريس دولافوس مؤسِّس معهد السُّلالات العالمي بباريس (1901م)، وهو الذي قضى أكثر من عقدين من الزَّمن في دراسة مجتمعات غرب إفريقيا والإسلام، ونشر نتائج بحوثه في كُتُبٍ لا تزال تعدُّ أهمَّ المرجعيَّات في هذا المجال إلى الآن.

ومن الموضوعات الأنثروبولوجيَّة التي ساهم بها الباحثون إسهامًا مباشرًا في دعم المشروع الامبريالي، يمكن الاكتفاء باثنين، هما: الأعراق الكولونياليَّة، والفرضيَّة الحاميَّة.

أ-الأعراق الكولونياليَّة: يُعدُّ موضوع الأجناس الكولونياليَّة (Colonial Races) موضوعًا محوريًّا في الدِّراسات الأنثروبولوجيَّة الفرنسيَّة؛ وفيه ركَّز الأنثروبولوجيُّون على وضع الفروق القاطعة بين المجموعات الإفريقيَّة، مكرِّسين في ذلك فكرة اختلاف الشُّعوب الإفريقيَّة بعضها عن بعض في أصولها وثقافاتها. وكانت المشروع خطوة ممهِّدة لتفتيت المجموعات بإفريقيا وإحداث تخلخُلٍ ديمغرافيٍّ في المستعمرات يقضي على كلِّ بادرة مقاومة، على كلِّ شعورٍ بالوحدة بين الأفارقة. أمَّا التَّطبيق العملي لنتائج هذه الدِّراسات الأنثروبولوجيَّة، فقد تمَّ تحت ما يُعرف بسياسة الأعراق (Politique des races)، وفيها تمَّ تهجير مجموعاتٍ من أراضيها إلى أراضٍ بعيدة، أو انتزاع بعض الموارد من بين يدي مجموعةٍ لصالح مجموعةٍ إثنية أخرى، أو تفضيل مجموعةٍ بمزيَّة استعماريَّة دون غيرها... وزعمت الإدارة الفرنسيَّة بأنَّ تلك الإجراءات إنَّما هي لإزالة سيطرة مجموعة إثنيَّة على أخرى، وتخفيف العداء "التَّاريخي" بينها،[17] ولكنَّ الحقيقة أنَّها كانت سياسة لتعميق العصبيَّات، وضرب المجموعات بعضها ببعض.

من الأمثلة الكثيرة في دعم الأنثروبولوجيِّين سياسة الأعراق، ما قام به الباحث شارل م. (Charles Maclaudd) عام 1906 من دراساتٍ في غينيا، زعم فيها أنَّ التَّوزيع الدِّيموغرافي في هذه المنطقة غير متوازنٍ، وأنَّ القبائل متحاربة، وأنَّ الكولونياليَّة وحدها كفيلة بإيقاف التَّناحر القبَلي، وعليه اقترح إعادة تركيب القبائل بتهجير بعضها إلى مناطق بعض، وصهر بعضها في بعض من أجل إيجاد أعراقٍ جديدة (nouvelle race).[18]

ب- الفرضيَّة الحاميَّة: موضوعٌ محوريٌّ آخر في الدِّراسات الإفريقيَّة روجَّ له الدَّارسون الأنثروبولوجيُّون دعمًا للأهداف الاستعماريَّة، وهو ما أطلقوا عليه "Hamitic Theory" (النَّظريَّة الحاميَّة). يزعمون أنَّ كلَّ تطوُّرٍ بـ"القارة السَّوداء"، إنَّما هو من تأثير أجنبيٍّ ساميٍّ، بدءًا بحضارة مصر القديمة والحبشة وزيمبابوي الكبرى، والممالك العظمى، وجهد الأنثروبولوجيُّون في ربط أصول مجموعاتٍ إثنيَّة بإفريقيا بالسَّاميين، وأنَّها أكثر ذكاءً وأرفع قدرًا من غيرها.[19]

ومن أخطر توظيفات هذا الطَّرح العنصري، ما وظفته بلجيکا في رواندا وبوروندي بتوزيعها القبائل إلى "حامية" بمقابل "بانْتُويَّة"، وتصنيف التُّوتسي إلى حامية ذات أصولٍ ساميَّة يهوديَّة عالية، ووصفهم بأنَّهم أذکياء "قادة بالأصالة" بينما الهوتو "وضيعة"،[20] وتمَّ تأکيد هذا الزَّعم عبر دراساتٍ تاريخيَّة أنثروبولوجيَّة،[21] وأکَّدها قساوسة؛ لأنَّ هذا الزَّعم کان يخدم المهمَّة التَّنصيريَّة.[22] غير أنَّ النَّتيجة أنَّ هذا الزَّعم قد أسفر عن عداءٍ مُزمنٍ بين التوتسي والهوتو، وعن حروبٍ مدمِّرة بين المجموعَتين. ومن المجموعات التي نُسبتْ إلى الحاميِّين أيضًا، الفولاني، زعم بذلك دولافوس الذي أرجَعَ أصل الفولاني إلى يهود هکسوس في سوريا، وفدَت إلى بلاد السُّودان الغربي عبر مصر، واستقرَّت بمنطقة أوکارْ مركز إمبراطوريَّة غانة حوالي عام (150) من الألفية الميلاديَّة الأولى.[23]

أمَّا فرنسا خاصَّة، فإنَّها قد وظَّفت هذا الزَّعم في جميع مستعمراتها، ففي الجزائر مثلا، زعم الباحثون أنَّ البربر أكثر قربًا إلى الجنس الأوربي أكثر من العرب، وبالتَّالي فهم أكثر تحضُّرًا من العرب، وعُرِف ذلك بأسطورة الأمازيغ (Kabyle Myth)، وبالمثل حين توغَّلت فرنسا جنوب الصَّحراء، استخدمت الأسطورة نفسها فيما أطلق عليه الباحث باندولْفي (Tuareg Myth)، وهو زعمهم أنَّ الطَّوارق من أصولٍ شرقيَّة يهوديَّة، وأنَّهم بالتَّالي أكثر تحضُّرًا وأرفع عقلاً من الزُّنوج،[24] ولا تزال تلك السِّياسة تُشكِّل العلاقة بين الطَّوارق ومواطنيهم في كلِّ بلدٍ إفريقي.

هذا، ولا يخفى أنَّ فرضيَّة الأصل الحامي التي أطلقوا عليها "نظريَّة"، كانت تخدم الحركة الامبرياليَّة في تقديم تبريرٍ أيديولوجيٍّ لأفعال الأوربيِّين ومواقفهم تجاه القارة الإفريقيَّة وأهلها: في تبرير تجارة الرَّقيق خاصَّة. كما أنَّ المنصِّرين قد وظَّفوها لتبرير العمليَّات التَّنصيريَّة؛ طالما أنَّ بعض الأفارقة من أصولٍ يهوديَّة، فإنَّ النَّشاط التَّنصيريَّ بينهم إنَّما هو لإعادة أولئك إلى دينهم الأصل.[25] هذا ما أفصح عنه مجموعةٌ من کرادلة فاتيکان عام (1870م)، حين دعت إلى حملة إنقاذيَّة بوسط إفريقيا؛ لنجدة "الحاميِّين المغلوبين على أمرهم بين أظهُر الزُّنوج"، ومن أجل "تخفيف وطأة اللَّعنة القديمة على عواتق الحاميِّين القاطنين بين الزُّنوج الميؤوس منهم".[26]

اكتفاءً بهذين المحوَرَين، أي: التَّرويج لأيديولوجيَّة الأعراق والقبَليَّات، والزَّعم بفرضيَّة الأصل الحامي، نأتي إلى بعض النَّتائج المباشرة التي أسفرت عنها الدِّراسات الأنثروبولوجيَّة الاستشراقيَّة:

من النَّتائج، أنَّ الأنثروبولوجيِّين قد قدَّموا للمستعمرين الأفكار الضَّروريَّة التي وظَّفوها في وضع الخطط والقرارات القانونيَّة والاجتماعيَّة، ومعرفة العادات المحليَّة، وطرق التَّحكُّم في الزِّعامات الإفريقيَّة، واحتواء الشُّعوب ثقافيًّا. وكما يوضِّحه الباحث ميمي (Memmi, 1967:71)، فإنَّ الأنثروبولوجيِّين قد فتحوا قناةً أحاديَّة الاتِّجاه بين ثقافة المستعمَر والمستعمِر (أ) وجعلوا الغرب هي المطَّلعة الوحيدة على ثقافة الشُّعوب دون تمييز. بالمقابل، قاموا بتقديم مفردات ثقافة الغرب إلى الشُّعوب بالطَّريقة التي تريدها هي. (ب) أنَّهم أعطوا للغرب مفاتيح استغلال تلك القنوات الثَّقافيَّة من أجل استحكام سيطرته على أصحاب الثَّقافة التي تتمُّ استكشافها على أيدي الأنثروبولوجيِّين.[27]

أيضًا، من نتائج الدِّراسات الأنثرولوجيَّة الاستشراقيَّة، التَّصدير لأوهامٍ وأباطيل من أجل تأليه الرَّجل الأبيض، وضرب هالةٍ مزَّيفة حوله، مثل: الرَّجل الأصفر يعيش في الماضي، والأسْوَد في الحاضر، والأبيض يعيش في المستقبل، ومثل تصنيفهم الأجناس إلى أطفال "childish races"، وراشدين، وإلى فَعَلة وسادة، وترويجهم لأكذوبة عبء الرَّجل الأبيض ورسالته الحضاريَّة "the Burden of the White Man/Mission Civilisatrice". والجنس الإفريقي متوحِّش بدائي، متخلِّف، يتصرَّف تصرُّفًا طفوليًّا، ليس لديه قيَمٌ أخلاقيَّة مرجعيَّة، وإنَّما يتصرَّف بالعاطفة. أمَّا الأرض الإفريقيَّة فأرضٌ بلا تاريخ، أو بالأحرى بلا تاريخ من صُنع أهلها. وهذا ما برَّر –كما يؤكِّده الباحث ماكيتْ (Maquet, 1964)- للمستعمرين حملتهم الاستعماريَّة على الشُّعوب غير الغربيَّة.[28] هذا بالإضافة إلى متواليةٍ من الأوهام التي كرَّسوا لها، مثل: الزَّعم بأنَّ مهمَّة الأوربي هي نشر الدِّيمقراطيَّة، والدِّفاع عن حقوق الإنسان، وحماية الحرية ودولة القانون، والتَّرويج للمساواة، والالتزام بالعقلانيَّة، وتوسيع حرية التِّجارة، وغير ذلك.

          نتيجة أخيرة يمكن إجمالها بأنَّ الأنثروبولوجيِّين قد شاركوا المستعمر مشاركة مباشرة في استغلال إفريقيا وغيرها من المجتمعات. يوضِّح الباحث غالْتونْغ (Galtung) ذلك بالقول إنَّ الباحثين قد أعطوا أنفسهم حقًّا غير محدود؛ للوصول إلى أيِّ معلومةٍ من أي نوعٍ كانت. تمامًا مثلما يُعطي الكولونيالي نفسه الحقَّ في الاستيلاء على أيِّ مصدرٍ تجاريٍّ في الأرض المستعْمَرة"، فلا فرق بين الاستغلال التِّجاريِّ للمواد الأوليَّة في الأرض المستعمرة وبين استغلال مصادر المعلومات بها. يقول: "إنَّ تصدير البيانات من أرض المستعْمَر إلى أرض الباحث، وإعادة "تصنيعها" إلى بضائع مثل الكتب، لا يختلف عمَّا يحدُث حين يتمُّ الاستيلاء على الموارد الأوليَّة بأبخس الأثمان، ثم إعادتها بأثمانٍ باهظة". وقد أطلق على هذا التَّصرُّف مصطلح كولونياليَّة علميَّة (Scientific Colonialism).[29]

المحور الثَّالث: الاستشراق الإفريقي والإسلام

للإسلام ومجتمعاته مكانةٌ خاصَّة في الدِّراسات الاستشراقيَّة؛ لما يمثِّله الإسلام بعقيدته وشرائعه ومُثُله... من تحدٍّ للنَّوايا الاستغلاليَّة الاستعباديَّة. ويتأكَّد الاهتمام الاستشراقيُّ بالإسلام في السِّياق الفرنسيِّ؛ ذلك لكون مستعمرات فرنسا بإفريقيا –إلاَّ ما ندر- مسلمةً: من الجزائر حتى غينيا غربًا. وقد جاء تأكيد هذا الواقع في مقولة الحاكم الفرنسيِّ العام بالسنغال ويليام بونْتي.. "إنَّ من واجبنا دراسة المجتمع المسلم في مستعمراتنا بکلِّ تفاصيله (...) وسوف تستهوي (هذه الدراسة) الکثيرين؛ لطابعها العلمي، ولکن الأهمَّ، أنَّها ضروريَّة، سياسيًّا وإداريًّا... سوف نجد في هذه الدِّراسة الأسس الثَّابتة والتَّوجُّهات الأکثر ملاءمةً لخططنا وقراراتنا تجاه المسلمين".[30]

عليه، فقد هبَّ كثيرٌ من رجالات الاستعمار الفرنسيِّ إلى دراسات مستفيضة عن المسلمين، منها: دراسات لويس رين عن الإسلام بالجزائر،[31] وكوبولاني عن الجماعات الصُّوفية،[32] ومن الدِّراسات الأولى بغرب إفريقيا دراسات كرير عن مسلمي سنيغامْبيا (De la Senegambie Francaise, 1905)، ووضع أرنولد ومذكِّرة قانون عن سياسة المسلمين بغرب إفريقيا (Arnauld R. Precis de politique musulmane, 1906)، ودراسات كثيرة على أيدي الإداريِّين أو العسكريِّين الفرنسيِّين، أمثال: فرانْسوا كلوزيل، ودولافوسْ، وبريفيير (J. Brévié)، وبولْ مارْتي، وهذا الأخير يكاد يكون أشهرهم، وكما يقول الباحث بانْغورا، فإنَّ كتاباته.. "قد ساهمت كثيرًا في تشكيل الرُّؤية الفرنسيَّة عن الإسلام بإفريقيا".[33] ودرسات الحاكم العامِّ فيديرب (Louise Faidherbe, 1889)، وهو صاحب أبحاثٍ أنثروبولوجيَّة أوليَّة عن المسلمين بمنطقة سنيغامبيا.

هنا، يمكن الوقوف عند معالم الدِّراسات الاستشراقيَّة الفرنسيَّة في غرب إفريقيا في ثلاث نقاط:

أوَّلا: الإسلام وثقافته: قام الباحثون الأنثروبولوجيُّون الاجتماعيُّون بدراسة المجتمعات الإفريقية بغرب إفريقيا، وكان لا بدَّ لهم من التَّعرُّض للإسلام ومظاهره في تلك المجتمعات، وقد فعلوا؛ ولكنْ بطريقة مغايرة عكسيَّة، وذلك تحت مفهوم "الإسلام الأسْوَد" (lslam Noir)[34] وهو مصطلحٌ وضَعَه بول مارتي، وملخَّصُه أنَّ الإسلام بإفريقيا ينتمي إلى الرُّؤية الإفريقيَّة التَّقليديَّة وإلى العادات والدِّيانة الإفريقيَّة القديمة أكثر من انتمائه إلى الأصل المعروف المتوارث عن الجزيرة العربيَّة. وهذا الاختلاف –في زعمهم- عميقٌ واسع: في العقائد والعبادات والمعاملات وفي الرُّؤية الكليَّة عن الكون والحياة.[35]

          على سبيل المثال، يزعم ألفونس غويي أنَّ مفهوم وحدانيَّة الله في "الإسلام الأسْوَد" مغايرٌ تمامًا له في "الإسلام الأرثوذكسي"؛ فيقول: "إنَّ الإسلام الأسود يبتعد عن مفهوم الله كما صوَّره القرآن، ليصبَّ في هذا القالب المضطرب المؤمن بوحدة الوجود الذي يمثِّل معتقدات الأفارقة".[36] من وسائلهم لتأكيد أطروحة "الإسلام الأسْوَد"، التَّركيز على إبراز المظاهر الوثنيَّة في بعض المجموعات؛ رغبةً في التَّستُّر على المظاهر الإسلاميَّة الموغلة في ثقافتها، على سبيل المثال قام الباحثان غريولْ وجيرمينْ (Marcel Griaule & Germaine Dieterlene) بدراساتٍ مستفيضة عن علوم الفلك والكَونيَّات عند مجموعة دوغونْ (Dogon) شرقيَّ مالي، مع تحاشي الإشارة إلى حاضرة بانْجاغارا الإسلاميَّة الواقعة وسط بلاد دُوغونْ. وفي دراساتٍ عن الدِّين بين يوربا، صرَّح الباحثون بعدم التَّعرُّض للإسلام والمسيحيَّة على الرُّغم من أن تعداد المنتمين إلى الدِّيانة التَّقليديَّة في المناطق التي تمَّت تغطيتها في تلك الدِّراسات لا يتعدَّى (6 إلى 20%).[37]

          تجدر الإشارة إلى أنَّ السَّبب المباشر في ظهور فکرة "الإسلام الأسْوَد"، المقاومة المسلَّحة الشَّرسة التي واجهتها فرنسا بالجزائر، وکان الإسلام هو المحرِّك لتلك المقاومة، وحين جاءت فرنسا إلى بلاد غرب إفريقيا ووجدت بها الإسلام وقد تغلغَل في النَّسيج الاجتماعيِّ والثَّقافي للشُّعوب؛ حاولوا الالتفاف على الإسلام بوسيلةٍ أخرى. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الارتباط بين مفهوم "الإسلام الأسْوَد"، وبين التَّرويج الاستشراقي للعصبيَّات والعرقيَّات، ارتباطٌ واضح؛ فقد تمَّ إطلاق هذا المفهوم للقطيعة بين مسلمي إفريقيا جنوب الصَّحراء وشماليِّها، حيث زعموا أنَّ الإسلام المغاربيَّ متعصِّب عدواني. بينما الإسلام الأسْوَد مسالم يمکن استقطابه من أجل بسط السَّيطرة الاستعماريَّة على شعوب غرب إفريقيا.

          في هذا السِّياق، نجد أنَّ المبعوث الفرنسي إلى بلاد السُّودان الغربيِّ آنذاك ويليام بونتي، قد أفاض في التَّحذير ممَّا أسماه "التَّأثير المغربي" (influence maghrebine) في أفريقيا الغربيَّة "الفرنسيَّة"، وبناءً على توصيات بونتي، عمدت فرنسا إلى وضع "مصلحة للشُّؤون الإسلاميَّة" لصدِّ لهذا التَّأثير.[38] وقد أكَّد الحاكمُ الفرنسيُّ فيديربْ على هذا الإحباط الفرنسي في وجه التَّقارُب بين بلاد المغرب وبين شعوب إفريقيا في خطاب له (عام 1860م)، قال: "يا شعبَ السِّنغال، إنَّ معظمكم قد ورث ديانة العرب عن آبائكم، ونحن لا نعارض ذلك، وإنْ كنَّا نأسفُ له من أجل مصلحتكم أنتم. وعلى الرُّغم من ذلك، فإنَّكم لستُم مُلْزَمين بتاتًا باتِّباع العرَب في عاداتهم وتقاليدهم وفي قِيَمهم، وفي جهالاتهم. فلا تذهبوا عند المورْ للبحث عن مُثُلكم ونماذجكم الفكريَّة، بل تجدونها عندنا، نحن المحبِّين للسَّلام والنِّظام".[39] ومن القادة العسکريِّين والإداريِّين الذين شغلوا بالجزائر، وتمَّ نقلهم إلى غرب إفريقيا لتطبيق السِّياسة الاستيعابيَّة القائمة على رؤيا الإسلام الأسوَد: كوبولاني ودوبون (Xavier Coppolani, Octave Depont).[40] وهي استغلال الإسلام لاحتواء المسلمين عبر زعمائهم من مشائخ الصُّوفيَّة والنُّخب المسلمة.

ثانيا: في التَّاريخ: تعرَّض الباحثون أيضًا لدراسة تاريخ الإسلام بمنطقة غرب إفريقيا، ولتاريخ الممالك العظمى بها: غانة ومالي وصونغاي، ومما يميِّز طروحاتهم في هذا المجال بعض ما يأتي:

أ-الإسلام دين بلاط وطقوس: بما أنَّه لا سبيل إلى الزَّعم بأنَّ الإسلام قد انتشر بإفريقيا بحدِّ السَّيف، فإنَّ ذلك قد عُوِّض بالقول إنَّ الإسلام كان دينًا حبيسًا في القصور فحسب، وأنَّه كان في خدمة الملوك والمشايخ، وأنَّه لم يتعدَّ مستوى الطُّقوس والممارسات السِّحريَّة ليتغَلْغَل في العُمق الفكريِّ والثَّقافي للشُّعوب. ومن وسائل تأكيد هذا الزَّعم الماكرة، التَّستُّر على العلاقات التَّاريخيَّة العميقة بين غرب إفريقيا وبين العالَم المجاور في شمال إفريقيا والجزيرة، وكما يوضِّح الباحث ماهر صولْ، فإنَّ ذلك محاولة للتَّأكيد "أنَّ إفريقيا لم تدخل التَّاريخ إلاَّ عبر الكشوفات الأوربيَّة"،[41] 

ب- تشويه صورة الممالك الإسلاميَّة وزعمائها: ترد حملةُ تشويه مُمَنهَجة ضدَّ الممالك والزِّعامات الإسلاميَّة، خاصَّة تلك التي وقفت في وجه الامبرياليَّة، فتوصف بأوصافٍ طائفيَّة قَبَليَّة، فالخلافة الصُّكتيَّة التي أسَّسها الشَّيخ عثمان دان فوديو بشمال نيجيريا الحاليَّة، ما هي في نظر هنريت بارث إلاَّ تمرُّد عرقيٌّ من لدن الفولبي ضدَّ هيمنة هَوْسا،[42] وهي في رأي هوغْبِنْ في كتابه "الإمارات المحمديَّة بنيجيريا"،[43] ثورةٌ تخريبيَّة قام بها الفولاني، أو هي صراعٌ عرقيٌّ سياسيٌّ في رأي بوفيلْ[44] وهودغنْ.[45] وتوصف الحركة الجهاديَّة بزعامة الشَّيخ عمر الفوتي بمملكة توكولورْ، والمجاهد ساموري توري بثورة مالينكي،[46] وكأنَّ تلك الممالك كانت شأن قبيلةٍ وحدها.

ج- تضخيم بعض الأحداث وتهميش أخرى مهمَّة: في التَّاريخ يتمُّ تضخيم بعض القضايا كتجارة الرِّق في الشَّرق الإفريقيِّ مثلاً على أيدي العرب، وتلك محاولةٌ واضحةٌ للتَّقليل من شأن تجارة العبيد عبر الأطلسيّ. بل لإظهار المستعمر في صورة أبطال فاتحين جاءوا لتخليص الأفارقة من الرِّق العربيِّ.

ثالثًا: في الأدب والنَّقد: كان الأدب والفنُّ حقلاً فسيحًا جالتْ فيه الدِّراسات الاستشراقيَّة وصالت، ويظهر عمق التَّناغم بين تلك الدِّراسات وبين المشروع الامبرياليِّ في المحاور الآتية:

أ-الأدب الاستعماري: ظهر حقلٌ دراسيٌّ باسم  الأدب الاستعماري (Litterature Coloniale)، كان من أشهر رواده الكاتب الفرنسي رولاند ل. (Roland Lebel, 1893-1964) الذي صرَّح بالهدف الاستعماريِّ لهذا الأدب في مقدِّمة مجموعة مختارة من الأدب الأفريقيِّ، أنَّها "تتضمَّن قيمةً إثنوغرافيَّة معبِّرة عن نفسيَّات الأعراق في المجال الاستعماريِّ (وتلك) معرفةٌ ملزمة لهيمنتنا".[47]

ب- الفولكلور الشَّعبي: يظهر البعد الاستشراقي الكولونيالي في الاهتمام الشَّديد بالأساطير والقصص، وإظهار ملامحها الوثنيَّة، وكان القساوسة روَّادَ جمع الحكَم والأمثال والأشعار الإفريقيَّة، وإدراجها في الدُّروس المسيحيَّة. كذلك، فإنَّ دراسة اللُّغات الإفريقيَّة ووضع قواميس لكلماتها، وكتابتها بحروفٍ لاتينيَّة، وترجمة الكتاب المقدَّس إليها.. كلُّ ذلك يصبُّ في خدمة المشروع الاستشراقيِّ. وهنا يتمُّ تجاهل النَّماذج الأدبيَّة ذات التَّأثير الإسلامي الواضح، وحين يُواجَه الباحثون بنماذج تستعصي على الإنكار، فإنَّهم يلجأون إلى تأويلاتٍ بعيدة للرُّموز الإسلاميَّة في تلك النَّماذج الأدبيَّة. نجد ذلك –مثلاً- في القراءات النَّقديَّة حول رواية "نظرة الملك" (Camara Laye: Le Regard du Roi) للكاتب الغيني كمارا لايْ، إذْ فسَّر النُّقاد المستشرقون أمثال (Jaheinz Jahn)، و(Eustace palmer)، رموزها الإسلاميَّة تفسيراتٍ مسيحيَّة.[48] ولعلَّ النَّاقد هاررو (Kenneth W. Harrow) في كتابه (أوجُه الإسلام في الأدب الإفريقي)،[49] والنَّاقد بانْغُورا في كتابه (الإسلام والرِّواية الأدبيَّة بغرب إفريقيا)،[50] أهمُّ من نجحوا في تعرية هذا النَّهج الاستشراقي في الدِّراسات الأدبيَّة بإفريقيا.

ج- الفرنكوفونيَّة (La Francophonie): من التَّحدِّيات الاستشراقيَّة في الأدب والثَّقافة الإفريقيَّة، الحركة الفرنكوفونيَّة، وهي متعدِّدة الأبعاد: سياسيَّة وثقافيَّة واجتماعيَّة، وتكمن خطورتها في محاولتها القضاء على كلِّ ما يربط بين الأفارقة، وجعْل اللُّغة والثَّقافة الفرنسيَّة هي الرَّابطة بينهم، وتُرصَد الجوائز والميزانيَّات الضَّخمة للتَّرويج للفكر الفرنكفوني والرُّؤى الغربيَّة المتطرِّفة عبر الفنون الأدبيَّة المختلفة، خاصَّة في الشِّعر والرِّواية والقصَّة والسِّينما والمسرح، وهنا لا يقتصر التَّحدِّي على الإسلام وحده، وإنَّما الأدب الفرنكوفوني مشروعٌ يهدف لنسف ما يُعرف بالأدب ما بعد الكولونياليَّة (Post-Colonial Literature) برمَّته. كما أنَّ الفرنكوفونيَّة بمشروعها العام تهدف لوأد حركة إزالة الكولونياليَّة (De-Colonization) في جميع الميادين.

بالإجمال، تعدُّ المحاور المذكورة –في رأينا- أهمَّ معالم الدِّراسات الاستشراقيَّة بإفريقيا وموقفها من الإسلام. ومن الإنصاف الإشارة إلى أنَّ كثيرًا من الدَّارسين المستشرقين في التَّاريخ والأنثروبولوجيا والأدب، وغيرها من الميادين العلميَّة، قد خدموا –وما زالوا يخدمون- تلك العلوم في السِّياق الإسلامي الإفريقيِّ، وكانوا أكثر إنصافًا ومنهجيَّة بقدر الإمكان. بل إنَّ منهم يعدُّ من أشدِّ المعارضين للطُّروحات الاستشراقيَّة الاستعماريَّة، من أولئك على سبيل المثال: المؤرِّخ هيسكتْ، صاحب الدِّراسات الرّائدة عن الإسلام بنيجيريا، منها: "سيف الحق: حياة الشيخ عثمان دان فوديو وزمانه"،[51] ومورايْ لاسْت: "الخلافة الصُّكتية"،.[52] وج. هونْويك، وهو رائد التَّاريخ الصُّونغائي، ومن طلائع دراساته كتابُهُ: "حركات الجهاد في القرن التَّاسع الميلاديِّ: ألْفُ عامٍ من تاريخ غرب إفريقيا"[53] وكوبانْسْ،[54] ونحيميا ليفتصيون،[55] وسواريسْ (Benjamin Soares)، وأمثالهم.

ختامًا، فقد كانت الوقفات السَّابقة محاولةً لرصد بعض ملامح الدِّراسات الاستشراقيَّة بإفريقيا، وبغربيِّها تحديدًا، تبيَّن في تلك الوقفات أنَّ الاستشراق قد كان رديفًا –أو بالأحرى مرشدًا حاديًا- للاستعمار في جميع مراحله بإفريقيا، وأنَّ ذلك قد بدأ –أوَّلَ ما بدأ- بالكشوف الجغرافيَّة التي مثَّلت بؤرة الاستعمار، بما وفَّره المستكشفون من المعلومات عن البلاد والشُّعوب، وما أسَّسوه من بنيةٍ أيديولوجيَّة امبرياليَّةٍ في تقديمهم لثقافات الشُّعوب لأوربا. وقد توَّج الباحثون في الأنثروبولوجيا خاصَّة، وفي جميع أفرُع العلوم، عمَلَ المستكشفين بتسخير أبحاثهم لتكريس الأيديولوجيَّات الاستعماريَّة، وتقديم المفاتيح الدَّقيقة للمستعمرين في تحقيق أهدافهم الاستيعابيَّة للشُّعوب وغزوها عسكريًّا وثقافيًّا.

هذا، ولا يخفى أنَّ الإسلام قد نال حظًّا أوْفَر في المشروع الاستشراقيِّ بإفريقيا، خاصَّةً من لدُن فرنسا، وفيه وقع تشويهُ مُـمَنْهج للإسلام تحت مفهوم "الإسلام الأسْوَد"، ووُظِّف الإسلامُ نفسُهُ من أجل تحقيق السِّياسات الاستعماريَّة الفرنسيَّة في إفريقيا. وشمل النَّشاط الاستيعابيُّ للإسلام ميادين كثيرة: في الثَّقافة والاجتماع والسِّياسة، وتولَّى الباحثون الأنثروبولوجيُّون الذين كان معظمُهم من قادة الاستعمار الفرنسيِّ، حكَّامًا إداريِّين وعسكريِّين، مهمَّة تطويع الدِّراسات الأنثروبولوجيَّة لتحقيق الهيمنة الامبرياليَّة، وتشويه الإسلام، واستخدامه لصالحهم.

أمَّا النَّتائج التي أسفرت عنها هذا التَّناغُم بين الدِّراسات الاستشراقيَّة وبين الأهداف الامبرياليَّة، فعميقةٌ متشعِّبة، لا يكاد يسلم منها أحدٌ من المستعْمَرين، ولعلَّ دراسة المفكِّر فرانْز فانون الرَّائدة "جلد أسوَد، أقنعة بيضاء"[56] أدقُّ دراسة في رصد آثار الاستعمار وتأثير أيديولوجيَّاته في نفسيَّة الشَّخصيَّة المستعْمَرة. ولعلَّ إحدى إفرازات تلك الدِّراسات الاستشراقيَّة في المجتمع الإفريقيِّ ظهور ما يُعرف بالطَّبقة المثقَّفة ثقافةً غربيَّة (Colonial Western-Educated Elite)، وهي الطَّبقة التي تمَّ تشكيلها فكريًّا، فلم تعد مجرَّد مقلِّد للغرب، وإنَّما غدَتْ متشرِّبة لرؤيا العالَم الغربيَّة، وهي رؤيةٌ شكَّلها الغرْبُ عن إفريقيا وعن سائر الشُّعوب المستعْمَرة على وفق ما يخدم الهيمنة الاستعماريَّة الغربيَّة في السِّياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والثّقافة.

هذا، ولا نكاد نجد في المجتمعات المسلمة بإفريقيا حركةً فكريَّة حقيقيَّة مناهضةً للاستشراق الامبرياليِّ. بل إنَّ كثيرًا من أولئك هم من المغرقين في أحابيل الدِّراسات الاستشراقيَّة. ولعلَّ المفكِّر علي مزروعي، ومجموعةً من المفكِّرين والرِّوائيِّين والأدباء الأفارقة ممَّن يوصَفون بأدباء حركة مناهضة الاستعمار (Anti-Colonial Writers)، هم وحدهم الواقفون في خطِّ الدِّفاع الأوَّل ضدَّ الاستشراق الامبرياليِّ. من أولئك على سبيل المثال: شيخ أنتا ديوبْ، وحميدُو كانْ، وكينْ بوغولْ، ويامْبو ألوغْيومْ (Yambo Ouologuem)، وأحمدو كروما، وأمثالهم.

وفي رأينا، أنَّ الحلَّ المتوفر بحوزتنا في الوقت الرَّاهن في مواجهة الدِّراسات الاستشراقيَّة، قديمها وحديثها، هو تعضيد هذا الخطِّ الدِّفاعيِّ الذي شيَّده المثقَّفون المسلمون المناهضون للاستعمار، ونُشدِّد هنا على "المسلمون"؛ لأنَّ أقرانهم من غير المسلمين المنطلقين من رؤية مركزيَّة إفريقيَّة (Afro-Centric Writers)، وإنْ كانوا من ألدِّ خصوم الامبرياليَّة، فإنَّ لهم كذلك مآخذ جوهريَّة على الإسلام وتاريخه بالقارَّة، من أولئك: موليفي كيتي (Molefi K. Asante)، وسوينْكا (Wole Soyinka)، والبروفيسور بونْغْ (Bwemba Bong)، والبروفيسور بوغالا (Jean P. Pougala)، ودومْبي فاكولي (Doumbi-Fakoly) وأمثالهم... ولعلَّ خير مَنْ يتولَّى هذه المهمَّة التَّعضيديَّة للمثقَّفين المسلمين المناهضين للاستعمار بإفريقيا، الجامعات الإسلاميَّة الفتيَّة التي أصبحت تكثُرُ بشكلٍ ملحوظ، وذلك بتنسيقٍ هادفٍ واعٍ بينها في جميع مناهجها ومقرَّراتها ونتاجها المعرفيِّ، ومخرجاتها من الكوادر العلميَّة الشَّابة بإفريقيا، وبذلك تكون قد أضافت إضافةً نوعيَّة إلى الإسلام وإلى النَّشاط التَّربوي بإفريقيا، وإلى الحركة المناهضة للاستشراق الامبرياليِّ.

* أكاديمي وباحث-  كوت ديفوار- أكاديمية الدراسات الإسلامية، جامعة مالايا، ماليزيا.

[1] ينظر: يوهان فوك، تاريخ حرکة الاستشراق: الدراسات العربية والإسلامية في أوربا حتى بداية القرن العشرين، تعريب: لطفي العالم، بيروت: دار المدار الإسلامي، ط2، 2001م.

[2]  المنصوري، المبروك الشيباني. صناعة الآخر المسلم في الفكر الغربي المعاصر، بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2014م، 66.

[3] Lewis, Diane. “Anthropology and Colonialism”, CURRENT ANTHROPOLOGY, Vol.14, No.5, 1971, 582-602 (583).

[4] Thomas, E., & Cheryl Norton. “Geography Undercover”, The Geography Review 91 (1-2), 388-398, January-april, 2001.

[5]  ينظر: حسين، آصف. صراع الغرب مع الإسلام: استعراض للعداء التقليدي للإسلام في الغرب، ترجمة: مازن مطبقاني، الرياض: دار الوعي للنشر والتوزيع، 1434هـ/2013م، 49-62.

[6] “Geography Undercover”, Op. Cit., 393.

[7] Barth, Heinrich.Travels and Discoveries in North and Central Africa, Drallop, publishing Company, 1857, Vol.4, 404-405.

[8]  ينظر: بمبا، آدم. النزاعات الأهلية في إفريقيا: قراءة في الموروث السلمي الإسلامي، الخرطوم: منظمة الدعوة الإسلامية، ط2، 2015، 168.

[9] Sirvatis, Karen, Exploring Deserts, ABDO Publishing Company, 2014, 40.

[10] Dane, Kennedy. The Last Blank Spaces, Harvard University Press, 218.

[11] Harry H. Johnston. A History of the Colonization of Africa by Alien Races, Cambridge University Press, 2011, 297.

[12] Christopher, Harrison. France and Islam in West Africa, 1860-1960, Cambridge University Press, 2003, 101.

[13] Mazrui, Ali. “The Seven Biases of Eurocentrism: A diagnositic Introduction”, in: R. Kanth. The Challenge of Eurocentrism: Global Perspectives, Policy, and Prospects, Springer, 2009, xiii.

[14]  حنفي، حسن. حوار الأجيال، دار قباء للطباعة والنشر، 1998م، 221-222.

[15] Ginio, ruth. “French Colonial Reading of Ethnographic Research: The Case of the “Desertion” of the Abron King and Its Aftermath”, Cahiers d’Etudes Africaines, 1000, XLII-2, 2002, 337-357.

[16] Istv?n Tarr?sy, Lor?nd Szab?, G?ran Hydén (ed). The African State in a Changing Global Context: Breakdowns and Transformations, 2011, 191.

[17] Solofo, Randrianja, Societe et lutes anticoloniales a Madagascar: de 1896 a 1946, Paris: KARTHALA ed. 2001, 82.

[18] Sibeud, Emmanuel. “A Useless Colonial Science? Practicing Anthropology in the French Colonial Empire circa 1880-1960”, CURRENT ANTHROPOLOGY, Vol53, No.55, 2012, 583-594 (589).

[19] Ki-Zerbo, Joseph. Methodology and African Prehistory, UNESCO, 1981, 272.

[20]  Gerard, Prunier. The Rwanda Crisis 1954-1994: History of Genocide, (C. Hurst Co. Publisheres, 1995), 33.

[21] Josias, Semujanga. The Origins of Rwandan Genocide, (New York: Humanity Books, 2002), 139.

[22]  Joseph, Gahama. Le Burundi sous Administration Belge, (Karthala, 2nd. ed. 1983), 285.

[23]  Delafosse, M. Haut-Senegal Niger, Paris, 1912.

[24] Bruce, S. Hall. A History of Race in Muslim West Africa, 2011, 113-114.

[25] Patrick Harries (ed), The Spiritual in the Secular: Missionaries and Knowledge about Africa, W. B. Eerdmans Publishing, 2012, 164.

[26] Binyavanga, Wainaina (ed), Kwani? Vo.1, Kwani Archive Online, 2005, 44.

[27] Lewis, “Anthropology and Colonialism”, Op. Cit., 583.

[28] Lewis, “Anthropology and Colonialism”, Op. Cit., 583.

[29] Galtung, Johan. Theory and Methods of Social Research, Columbia University Press, 1967, 296.

[30] Harrison, 107, in: The Gale Group, Inc. New Dictionary of the History of Idea, 2005.

[31] Louis Rinn, Marabouts et Khwan: Etudes sur l’Islam en Algerie, 1884.

[32] Xavier Coppolani et O. Depont, Les confreries religieuses musulmanes, 1897.

[33] Bangura, Ahmed S. Islam and the West African Novel: The Politics of Representation, Lynne Rienner Publishers, 2000, 11.

[34]  Monteil, Vincent. L’Islam Noire: Une Religion a la Conquete de l’Afrique, (Paris: Seuil, 3e. edition, 1980.

[35] Quimby Lucy, Gardner. Transformations of Belief: Islam among Dyula of Kongbougo, University of Wisconsin, 1972, 123.

[36] Gouilly, Alphonse. L’Islam dans l’Afrique Occidentale Francaise, (Paris: Editions Larose, 1952), 177.

[37] Lloyd, P.C. “The Yoruba of Nigeria”, in: Peoples of Africa, edited by: J. L. Gibbs Jr., 547-582, New York: Holt, R. and Winston, 1965.

[38] Sambe, Bakary. “L’Islam dans les relations Arabo-Africaines”, http://www.geocities.ws/bonbeau40/islaminter.html.

[39] Jean de la Gueriviere, "Les multiples visages de l'Islam noir", Geo-politique Africaine, No.5, (2002).

[40] أحمد أمل. الإثنية والنظم الحزبية، القاهرة: المکتب العربي للمعارف، 2015م، 125.

[41] Saul, Mahir. “Islam and West African Anthropology”, AFRICA TODAY, No.53-1, 2006, 3-33.

[42] Denham, D., Claperton, H., & Rudney, W. Travels and discoveries in Northern and Central Africa. London: J. Murray, 1831.

[43] Hogben, The Mohammedan Emirates of Nigeria, Oxford, 1930.

[44] E. W. Bovill. The Golden Trade of the Moors. Oxford University Press, 1958.

[45] Hodgkin, Thomas. Uthman dan Fodio, The Origins of the Fulani Jihad in Nigeria Perspectives: A History. Oxford University. Press, 1960, 192.

[46] Person, Yves. Samori: une révolution dyula, Volume 2, Dakar: IFAN, 1968.

[47] Belinda, E. Jack. Francophone Literature: An Introductory Survey, Oxford University Press, 1996, 11.

[48] بمبا، آدم. روايات غرب إفريقيا الفرنكوفونية: دراسة في المفهوم والأبعاد الإسلامية، كوالالمبور: مركز الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا للنشر، 2013، 23-24.

[49] Kenneth, Harrow. Faces of Islam in African literature, Heinemann, 1991.

[50] Bangura, Ahmed, Op. Cit.

[51] Hiskett, M. The sword of truth. New York: Oxford University Press, 1973, 16.

[52] Last, Murray. “Aspects of Administration and Dissent in Hausaland, 1800-1968”. Africa: Journal of the International African Institute. Vol. 40, No. 4 (Oct., 1970, 345-357.

[53] Hunwick, J. The Nineteenth Century Jihads: a Thousand Years of West A History, 1967.

[54] Copans, Jean. Les Marabouts de l'arachide, Paris: L'Harmattan, 1980.

[55] Levtzion, Nehemia. Ancient Ghana and Mali, Methuen, 1973.

[56] Fanon, Frantz. Black Skin, White Masks, translated by: Richard Philcox, Grove/Atlantic, Inc., 2008.